(١)
ارمى حمولك على صاحب المقام
وعددى.
مزقى قلوبهم بالعديد..
والضمى دموعهم عقد حزون..
يتلألأ على رخام صدرك
عيشى بينهم ميتة
لا تبتسمى ولا تغضبى
لا تقتربى.. فيرونك على حقيقتك
ولا تبتعدى.. فيرمون طوبتك!
أول ما وطأت كلثوم أرض الربوة كانت قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها. كان بطنها منتفخاً بثمرة مجهولة، وكان ثدياها متوترين بفعل الحمل، ولم يكن قد بقى من البنت التى هجت من جبروت شيبة الحمد قبل ثمانية أعوام تقريباً، سوى عينين ذليلتين مؤرقتين، وجسد منحول، وآثار خدوش على فخذيها وصفحة صدرها وجانبى رقبتها.
كان سيدنا عائداً من سهرة فى مندرة بيت الدكر عندما وجدها مكومة إلى جوار عتبة المقام. وكانت قد هيأت نفسها للقائه برواية مفبركة خلاصتها أنها تزوجت شاباً يحبها من قرية تسمى «سلام العُدُر». وذات يوم تشاجر زوجها مع عمه، وانتهت المشاجرة بقتل الزوج الشاب، فشهدت بالحق، فقرر أبناء العم قتلها، لكنها طفشت قبل أن ينفذوا قرارهم. وعندما جلست بين يدى سيدنا وركز عينيه فى عينيها أحست أن صوتاً آخر يتسلل من أعماقها، بينما هى عاجزة عن السيطرة عليه.
قالت إنها كانت تشعر بالقرف والحيرة وهى تشاهد كلاب السكك تعبث فى جسم أمها «مزدانة»، لذا ما إن بلغت وانفجرت مفاتنها حتى تملكها إحساس بأن جسدها هذا خُلِقَ للفرجة وليس للمتعة، فقمعته، ولم تسمح لمخلوق أن يلمسه أو ينتهك حرمته حتى كامل. وقالت إن كامل هو الوحيد الذى أحبها وأحبته منذ اندلعت فى قلبيهما شرارة المعرفة، حتى إن ضاحية مرت شيبة الحمد كانت تبتسم وتتمتم كلما شاهدتهما:
■■ عُليقة واتلفت على قمحاية!
واعترفت كلثوم أنها هى التى اقترحت على كامل، بعد علقة الموت التى أكلتها من شيبة الحمد، أن يبلغه بوجود علاقة آثمة بينها وبين أديب أبو الخير، وأن يستأذنه فى قتلها بدلاً منه، ثم يضع جثتها فى جوال أو تابوت ويلقيه بنفسه فى البرهمية، وكانت تلك هى الطريقة الوحيدة للخلاص من جحيم العيش فى كنف هذا الطاغية:
■■ واللى ف بطنك؟
قالت كلثوم إنها ذهبت إلى مولد سيدى الفرغل ظناً منها أن رزق الموالد سهل ووفير. وكانت تريد فى الوقت نفسه أن تختبئ من ماضيها فى زحام الوجوه، لكنها وقعت فى براثن امرأة نافذة تُدعى «ورد النار».. هى فى الحقيقة أقرب إلى زعيمة عصابة رغم ما يبدو عليها من ورع، ورغم حرصها على تأدية فروض الصلاة فى مواعيدها.
وقالت إن كل رواد المولد، رجالاً ونساء، كانوا يهابون هذه المرأة ويحسبون لغضبها ألف حساب. وعندما أبلغتها أنها ستعمل غازية رفضت فى البداية، لكن بائع بخور وكتب سحر يدعى «عبدالراضى» نصحها بالموافقة، وطلب منها ألا تفكر فى الهرب لأن ذراع «ورد النار» طويلة، ورجال عصابتها لا يرحمون. وقد أدركت ورد النار من البداية أنها وقعت على لقية، فكانت تحرص عقب انتهاء مراسم الاحتفال بالمولد على اصطحاب كلثوم وكامل للإقامة معها فى بيتها فى قرية «سلام العُدُر»، جنوبى مدينة أسيوط، لذا كانت تستولى على حصيلة عمل كلثوم أولاً بأول:
■■ برضك ما قلتيليش.. اللى ف بطنك ده من مين!
تمخطت كلثوم وكفكفت دموعها، وقالت إنها قررت ذات يوم أن تنفد بجلدها من هذا الجحيم، واتفقت مع كامل على ذلك، وكان «عبدالراضى» الوحيد الذى يعرف. لكنها فوجئت قبل يومين من انتهاء المولد بثلاثة ملثمين يقتحمون خيمتها قبل صلاة الفجر، ويكممونها، ويوثقون ذراعيها من خلاف، ثم يضعون رأسها فى كيس قماش أسود ويحملونها إلى مكان مجهول. وهناك ظلوا يتناوبون اغتصابها، ويعبثون فى جسدها حتى فقدت الوعى.
وعندما أفاقت وجدت نفسها ممددة فى حقل ذرة وقد تحرر ذراعاها وفمها، ونُزِعَ كيس القماش من حول رأسها، لكن ملابسها كانت ممزقة. لملمت شتاتها وهى ترتعش وحاولت أن تصلب طولها فتناهت إليها أصوات زمجرة، وإذا بها تتوسط قطيعاً من الذئاب يجلس كل منها على عكة ذيله بينما عيناه لا تفارقان عينيها. ولحسن الحظ أنها تذكرت فى تلك اللحظة أن ضاحية مرت شيبة الحمد كانت تقول لها وهى صغيرة إن الذئب لا يهاجم إنساناً إلا إذا شم رائحة خوفه، فتماسكت وظلت ثابتة فى مكانها حتى تبدد الظلام، وتململ الكون من حولها، فانصرف قطيع الذئاب واحداً تلو الآخر.
كان سيدنا قد تركها تحكى، وتسلل إلى ديوان المقام، ولم يكن يفعل ذلك سوى مرتين فى السنة: الأولى بعد حصاد القمح والثانية بعد جمع القطن. كان الديوان مظلماً تماماً، إذ كان دخول سيدنا هذه المرة على غير موعد. خلع حذاءه، وأضاء شمعة، ثم اقترب رويداً رويداً من «السرة»، وهى تخت خشبى مستطيل، ينتصب بارتفاع متر ونصف المتر فى قلب الديوان، وزُينَت حوافه العليا بإطار من منحوتات خشبية صغيرة، بينما حُفِرَت على جوانبه ــ بخط الثلث ــ أربع كلمات، لا تُفهَم إلا إذا قُرِئَت فى عكس اتجاه عقارب الساعة: «سركم.. سريرتى.. وسيرتى.. سريركم».
وقف سيدنا يتمتم خاشعاً، مغمض العينين، أمام سرة الديوان، ثم قرفص وفتح شراعة صغيرة فى أحد جوانبها، ومد يده محاذراً. كانت السرة تمتلئ بالأوراق القديمة: حجج بيوت وعقود قسمة وملكيات وخرائط أرض وأنساب وكشوف مديونيات وإقرارات والتماسات وكمبيالات، وحتى خطابات شخصية. إنما لم يكن فيها سوى كتاب واحد.. هو «كتاب الحزن».
اقترب سيدنا من ضوء الشمعة، وراح يقلب فى صفحات الكتاب حتى عثر على ضالته:
الحكاية أن «سلام العُدُر» نفحة من تاريخ أسيوط. وأسيوط فى قاموس جوتييه تعنى «سيوت»، وهو اسم قبطى قريب من الاسم المصرى القديم «سوات». وفى معجم الحضارة المصرية القديمة «وبواوت»، أى «حارس الطريق». وقد أخطأ علماء الحيوان عندما خلطوا بين «ابن آوى» (الذى ليس له وجود حقيقى فى مصر) وذلك النوع من الكلاب الجائلة المعروف علمياً باسم «كانيس لوباستر»، أى الكلاب الذئبية أو البرية. والأرجح أن الروم أطلقوا على أسيوط «مدينة الذئب» لهذا السبب.
وقد كانت هذه السلالة الأرستقراطية المنبوذة بمثابة الصورة الأرضية لإله أسيوط، أى «حارس الطريق». ولما كان إخوة هذا الحيوان البرى يجولون فى أطراف الهضبة الجافة وفى وادى النيل فقد ساد الاعتقاد بأنه التمثيل الحقيقى لـ»أنوبيس»، أى «ابن آوى». والثابت فى الميثولوجيا المصرية أن «ابن آوى» هو الإله الجنائزى، محنط الموتى ومرشدهم، أى الذى كان يحمل الأرواح ويسير بها فى الطريق المؤدية إلى الصحراء. وقد ألبسه الفنان القديم، وكذلك بقية الكلاب الجنائزية الأخرى، أثواباً تشبه «الراتينج الأسود» الذى كان يستعمل فى التحنيط. وهكذا أصبح الأسود لون البعث وليس الحداد.
وعندما عاد سيدنا إلى كلثوم تأملها قليلاً واقترب من وجهها، ثم قمط شعرها بطرحة شيفون سوداء، وطلب منها أن تصبغ كل ملابسها بالأسود، وتدفن مفاتنها فى قطيفة فضفاضة بنقش كحلى خفيف يصعب ملاحظته بالعين المجردة، وقال مبشراً:
■■ مستورة.. مستورة ومصانة ببركة صاحب المقام.
عاشت كلثوم خمسة أعوام تقريباً تحت حماية صاحب المقام وفى كنفه، أنجبت خلالها ولداً سماه سيدنا «عطية الغضب» لأنه كان طفلاً نكدياً كثير البكاء، وأبى إلا أن يعيش عِلة على قلبها لكى لا تنسى. أما كلثوم فقد تمنت له الموت، وضبطت نفسها أكثر من مرة تفكر فى التخلص منه، إلى أن فاجأها سيدنا بحل نهائى لتلك المشكلة.
وضع رأس عزيز فى حجره، ووضع كفه تحت إحدى أذنيه، ثم تمتم بكلام غامض غير مفهوم، وسحب يده وفردها أمام كلثوم فانخلع قلبها، إذ كان كف سيدنا ممتلئاً بدود أخضر برسيمى فى حجم دود المش:
■■ إيه ده يا سيدنا!. ده لو الدود ده فى راس عجل علف كان طرشق!.
أصبحت كلثوم لفرط عزلتها كنبات الظل، وأصبح الحزن شالاً رقيقاً حول وجهها، يضفى عليه جلالاً وغموضاً. كانت ترسم شخابيط بلا معنى، وتطبق الورقة بضع راقات محسوبة بالعدد، ثم تحيك حولها قطعة فى حجم كف اليد من قماش العبك، وتلقى بها من طاقة المقام حجابا نافذاً فى حجر زائر هده اللهف وكدر العيش، فبرك فى الأرض. ومن حين إلى آخر تدندن بـ«عدودة» سرعان ما تخبئها فى عبها، حتى تأكد لسيدنا أنها بلغت مرتبة «الشلاية»، أى شاعرة الجنائز، فأغمض عينيه، وحط يسراه على رأسها، وقال ويمناه مفرودة إلى أعلى:
■■ اخرجى إذن على الناس.