الفصل الأول

8 0 00

الفصل الأول

ويزداد غبائي غباءً

غبية أنا…ويزداد غبائي يوماً بعد يوم، أمعقول أنني لم أتمكّن من التعرّف عليه رغم أنه كان جالساً أمامي بِعظمته وهيبته؟، وكم كنت غبيةً عندما فسرت تلك العظمة والهيبة على أنها وقاحة وغرور، أمعقول أنني لم أعرف الغضنفر عبد القدوس؟…معقول، لا ليس معقولاً، بل إنني لم أكتفِ بعدم معرفته وحسب، بل استهزأت به ولم أمنحه الوقت ليكمل رسالته التي كان يود مني أن أكتبها لوالدته… بضعة سطور هي ما كتبت من أجله، ثم توقّفت عن الكتابة متذرعةً بأنني لا أملك الوقت اللازم لإتمام رسالته، تركته جالساً وقمت واقفةً على قدميّ وتركت المكان.لا أعلم ماذا قال عني عندما تركته وحيداً ليعاودوا تكبيله وإعادته إلى زنزانته مرةً أخرى، ذلك الصنف من الرجال لا يقول ولا يشكو همه لأحد، بل يُبقي جرحه داخله ولا يسمح لصرخة الألم أن تخرج من فمه.. أليس هو عبد القدوس الذي أمضى عدة أشهر تحت العذاب في أقبية التحقيق الصهيوني دون أن ينكسر صمتُه، ودون أن يكشف سرّه أنه الغضنفر، وأنا “فلسطين” الفتاة الغبية. نعم غبية أنا، وغبائي يزداد يوماً بعد يوم، فمنذ أن أهملت دراستي لم أتمكن من الحصول على المعدل الذي يؤهّلني لدخول كلية الطب، أدركت أنني غبية، غير قادرةٍ على احتمال عدة أشهر من المذاكرة حتى أصل إلى النتيجة التي كانت شبه مؤكّدة، فلقد كنت طوال الأعوام الماضية طالبةً متفوقةً ومتميزة، الكل كان يتوقع مني أن أحصل على أعلى العلامات، فمنذ طفولتي وأنا أحصل على معدل “تسع وتسعين بالمئة”، ولقد كان دخولي لكلية الطب مضمونا ومؤكدا، لولا غبائي، بل لولا استهتاري، ولولا ذلك الغرور الذي أصابني، فأنا جميلة والكل يتغنّى بجمالي، وذكية الكل يمتدح ذكائي، وسريعة الحفظ للدروس ومهاراتي متميّزة في حل المعادلات الرياضية، ولكنهم لا يعلمون أنّ جمالي الظاهر يغطي غروري وتكبّري، وأن ذكائي المعلوم لديهم يخفي غبائي في عدم معرفتي لما أريد.

فأنا حين لم أتمكّن من الحصول على ذلك المجموع الكبير، اضطررت إلى دخول كلية لم أرغب بها، ولم أحبها أبداً، وهي كلية الحقوق التي دخلتها كارهةً، ومع ذلك فقد حصلت على درجة التميز عندما تخرّجت منها.. تميزٌّ في العلامات وتميزٌ في عدم مقدرتي على الاندماج في تلك الكلية، فما علاقتي أنا بدراسة الحقوق والمحاماة، وأنا أكره المحاكم والمجرمين والقضاة… بل إنني أكره اسمي “فلسطين” وما أدري لماذا سمّاني والدي بذلك الاسم.. فلسطين. فلسطين المعاناة والمأساة، فلسطين القضية التي لم تحلّ ولا أظنها ستحلّ أبداً، فلسطين المحامية كيف لها أن تكون محامية، وكيف لي أن أحمل اسمها على بطاقتي الشخصية، وهي فلسطين الوطن الأسير المحتل.. المحتل منذ أعوام ما عدت أذكر عددها من كثرتها، فلسطين المحامية تدافع عن المجرمين أو حتى عن أصحاب الحقوق أمام المحاكم الفلسطينية، وأين يحدث ذلك كله؟، يحدث هنا في فلسطين المحتلة التي تحكم السلطة الفلسطينية بعض مناطقها وتقيم بها محاكم مدنية وشرعية. منذ أن كنت متدربةً في أحد مكاتب المحاماة بمدينة القدس المحتلة، كنت أكره التوجّه إلى مناطق حكم سلطة أوسلو لحضور جلسات المحاكم هناك… فتلك المحاكم السلطوية المدنية لا تقل فساداً عن سلطة أوسلو، فالرشوة والمحسوبية والواسطة منتشرة بتلك المحاكم انتشار النار في الهشيم. ولذلك، فقد تركت تلك المحاكم السلطوية الفاسدة لكي أترافع أمام محاكم العدو الصهيوني الظالمة، فقد أقام الصهاينة في المناطق المحتلة محاكمَ عسكريةً يصدرون من خلالها أقسى وأعلى الأحكام الجائرة على كل من يقاوم الاحتلال، سواء أكانت تلك المقاومة بالكلمة أم بالاحتجاج السلمي أم بالحجر الطفولي أم بالرشاش المقاوم، كما فعل الغضنفر عبد القدوس الذي لم أتمكّن من التعرّف عليه بل إنني أهنته، فظل صامتاً وكأنه بركان على وشك الثوران والانفجار.حدث ذلك عندما كلّفني صاحب المكتب الذي أعمل به، بزيارة عدد من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون دولة الكيان الصهيوني الغاصب، فبعد إعطائي قائمةً تضم أربعة أسماء، ركبت سيارتي مصطحبةً معي محاميةً أخرى، وهي “مجدولين” صديقتي التي أعرفها منذ أعوام طويلة، منذ أن تعرفنا على بعضنا البعض في كلية الحقوق التي ما زلت أكرهها حتى الآن.. مجدولين لم تكن مثلي قط، فقد دخلت كلية الحقوق رغم أن علاماتها تؤهلها لدخول أي كلية تشاء، ومع ذلك دخلت كلية الحقوق لكي تحقق حلمها في الدفاع عن أبناء مخيمها الحزين وبناته، فهي مقدسية ولدت في مخيم شعفاط، وهناك عاشت المعاناة والظروف الصعبة والفقر، عكسي تماماً فأنا ابنة عائلة مقدسية ثرية تملك منزلاً فخماً في إحدى ضواحي القدس، لم أعش أي نوع من أنواع المعاناة ولم أنم جائعة أو بردانة في أي يوم من أيام حياتي، فأنا الابنة المدللة لأب طيب حنون، وأم محبة عطوف، حتى إخوتي الصبيان، فقد كانوا كلهم يعاملونني كأنني جوهرة أو ماسة مقدسة، فأنا أصغرهم سناً وأكثرهم دلالاً…أما مجدولين، فقد كانت صخرةً مقدسيةً مثل صخور القدس، بل كانت قطعةً ذهبيةً من تلك القطع التي تزيّن قبة المسجد الأقصى المبارك.

بينما كنت أقود سيارتي متجهة نحو سجن مدينة بئر السبع الصحراوية، كانت مجدولين تقلّب أوراقها وتتحدث بهاتفها الجوال، أما أنا فقد كنت أتحدث مع نفسي متسائلةً عن غبائي الذي جعل مني محامية تقود سيارتها عدة ساعات حتى تقابل أسرى ومعتقلين فلسطينيين، أحبوا فلسطين فقاتلوا لأجلها وأسروا فداءً لها، وأنا فلسطين المحامية أكره طول الطريق المؤدي لسجنهم رغم أن سيارتي الفارهة مكيّفة ومريحة أكثر من اللازم كما تقول مجدولين.

مجدولين التي أنهت مكالمتها وبدأت بمحادثتي موجهةً إلي السؤال المعتاد عن الأسرى الذين سأزورهم، وعن أسمائهم…لم أجبها بل اكتفيت بأن أشرت إلى دفتر مفكرتي، فقامت على الفور بفتحه لتقرأ أسماء الأسرى الذين كنت قد حصلت على تصاريح من أجل زيارتهم، وهم أربعة أحدهم اسمه أحمد، والثاني هيثم، والثالث حسين، والآخر كان اسمه عبد القدوس. لم أكن أعرف أياً منهم، ولم يكن يهمني معرفة تفاصيل حياة أحد من أولئك الأسرى، فأنا لم أكن أهتم بالقضية التي أسروا دفاعاً عنها، وهي قضية تحرير فلسطين… ففلسطين- الّتي هي أنا- غير معنية بفلسطينهم.. فلسطين المأساة والتضحية والمعاناة لم تكن تعنيني يوماً، فكيف سوف أهتم لأمر من قاتلوا لأجلها، أما مجدولين فقد كانت تعرف أسماء الأسرى كلهم…كلهم بآلافهم المؤلفة، وكانت تحفظ بداخلها قصص بطولة أولئك الأسرى، بل كانت حلقةً للوصل بين أولئك الأسرى وذويهم.لم تكن مجدولين مجرد محامية بل كانت أكثر من ذلك بكثير. ما إن رأت مجدولين الأسماء، حتى قامت بالاتصال بزميلتنا المحامية “ساجدة”، وأبلغتها بأنني سأزور خطيبها وابن خالتها أحمد، وما إن أخبرتها بذلك حتى أعطتني الهاتف لأتحدث معها، وعندها طلبت مني ساجدة أن أوصل سلامها لخطيبها، وأن أطلب منه كتابة رسالة لها، فهي ممنوعة من زيارته على الرغم من كونها محامية.. أنهيت المكالمة معها، واعدةً إياها بأن أجعل خطيبها يكتب رسالة طويلة تجعلها تمل من طولها.

أما مجدولين، فقد كانت صامتة على غير عادتها، فهي ثرثارة تتحدث بلا توقف تارةً عن الوضع السياسي أو الوضع الإنساني الذي يحياه أبناء الشعب الفلسطيني، وتارةً أخرى تتحدّث عن أولئك الأسرى الذين كرّست جل وقتها من أجل خدمتهم، ومن أجل التخفيف من معاناتهم، أعطيتها هاتفها فكسر ذلك صمتها، وقالت: أتعلمين أن ذلك الغضنفر الذي ستزورينه اليوم قام قبل أعوام عديدة بضرب أحد سائقي التكسي من أجلي، عندها كنت في عامي الأول في كلية الحقوق، أما هو فقد كان مهندساً يعمل في أحد المصانع على أطراف مخيم شعفاط، لقد ضرب ذلك الغضنفر سائق التكسي المتهور الأرعن عندما كاد يصطدم بي، ورغم أنه هو المخطئ أخرج رأسه من النافذة ليشتمني بكل وقاحة، إلّا أنّ ذلك الغضنفر ترجّل من سيارته متوجهاً نحوي فرفعني عن الأرض وأجلسني على طرف الطريق، ثم توجّه نحو السائق موجهاً له اللكمة تلو الأخرى عقاباً له على ما فعل، وعقاباً له على إهانتي بتلك الشتائم التي أخافتني أكثر من الاصطدام بسيارته.

وما إن انتهى من عقاب السائق حتى عاد نحوي ليسأل عني إن كنت بحاجة للمساعدة، فقلت له: شكراً على ما فعلته، فقد أنقذتني من لسان ذلك السائق بعد أن أنقذني الله من الموت تحت عجلات سيارته، فقال لي الغضنفر: هذا هو “كرتي” ومكتوب عليه أرقام هواتفي إذا ما احتجتني كشاهد على الحادثة أو أي أمر يتعلّق بموضوع الحادث.ما إن شكرت الغضنفر حتى عاد إلى سيارته وانطلق بها بعيداً، وها أنا اليوم اصطدم باسمه من جديد بدفتر مفكرتي..وها أنت اليوم يا فلسطين ستزورينه وتتمكنين من رؤيته، فسلّمي لي عليه، وقولي له إنّ فلسطين بقدسها وأقصاها تشكرك وتضعك تاجاً على رأسها.ما إن أنهت مجدولين كلامها الذي لم أكن أستمع له بشكل جيد، حتى كنّا قد وصلنا إلى المعتقل، وانفصلنا، فهي توجهت إلى أحد الأقسام لكي تزور الأسرى الذين كلّفت بزيارتهم من قبل مدير المكتب، وأنا توجّهت إلى قسمٍ آخر، حيث جلست في غرفة زيارة المحامين منتظرةً الأسرى الذين بدؤوا بالوصول الواحد تلو الآخر.أول الواصلين كان هيثم، أخبرته بأنه تم تحديد موعد لجلسة محاكمته، وقلت له إن السيد عابدين مدير مكتب المحاماة سوف يكون حاضراً للترافع عنه، وأنني سوف أكون حاضرةً معه، ثم سألته إن كان هناك ما يود قوله لي بخصوص القضية، فقال لي أنه لا يوجد شيء جديد، وأنه يعلم أن المحاكم الصهيونية سوف تحكم عليه حكماً عالياً وقاسياً ليس لأن قضيته كبيرة بل لأنه مقاوم مقدسي.

لم أكن مهتمةً بما يقوله باستثناء موضوع المحكمة، وبما أنه لم يقل شيئاً مهماً، أنهيت اللقاء معه.. فحضر بعده الأسير الآخر وكان اسمه أحمد، فأخبرته أنه تمّ رفض طلبه للاستئناف وأنه لن يحصل على تخفيض في حكمه، فأجابني أنه كان يعلم أن ذلك سوف يحصل، إلاّ أنه أراد المحاولة ليس إلا، وما إن انتهينا من الحديث حول قضيته حتى طلب مني أن أكتب له رسالة لخطيبته، وقال إنّه سيقوم بإملائي الكلمات، فاعتذرت منه متحججة بضيق الوقت، فتفهّم ذلك، ثم غادر المكان، ليأتي بعده أسير آخر هو حسين، وما هي إلا دقائق حتى أخبرته بموعد محاكمته وانتهيت من الحصول على المعلومات التي كان الأستاذ عابدين قد طلبها مني بخصوص ملفه، فتركني وغادر مودعاً.

كان الفارق الزمني بين حضور الثلاثة يقدّر بنحو خمس دقائق كحد أقصى، أما حضور ذلك الرابع، فقد طال جداً، فلم يحضره السجانون إلاّ بعد نحو الساعتين وأكثر، ولقد حضر مكبّل اليدين إلى الخلف، ومكبّل القدمين، وكان هناك ضابط وشرطي يتقدمانه، وشرطيان يسيران خلفه في حين أن الأسرى الثلاثة لم يكونوا مكبّلين عندما حضروا إلى مقابلتي، ولقد كان معهم شرطي واحد لا غير، وأظن أنه قد كان أحضرهم جميعاً دفعةً واحدة، ووضعهم في غرفة للانتظار بجوار غرفة زيارة المحامين، وبدأ بإدخالهم الواحد تلو الآخر، أما هذا الآخر فلا أعلم لماذا كل تلك الإجراءات الأمنية المشددة والمعقدة، وأخشى أن يكون عقلي قادراً على استيعاب شيء مما يحدث؛ بسبب طول فترة الانتظار بالغرفة وحيدة، وجسدي يتصبب عرقاً من شدة الحر.حضر ذلك الشيء المكبّل ففكوا قيد يديه وأبقوا على قيد قدميه، رفعت عيني لأمعن النظر إليه، وإلى ما كان يجري معه، فقد كنت أرى ما يحدث من خلال الجدار الزجاجي الذي يفصل بيننا، ولم أكن أستطيع سماع ما يقال. إنه قوي الجسد مفتول العضلات بشكل ملحوظ، رأيت وجهاً غاضباً وعينين تقدحان شررا.. ما إن فكوا قيد يديه وجلس حتى رفع السماعة التي توصل الصوت بيني وبين الأسرى.. فقال: السلام عليكم أيتها الأستاذة المحامية.

- أهلا..في الحقيقة يبدو أن الأستاذ عابدين لم يكتب لي أية ملاحظة بخصوص ملف قضيتك، ولكن أعتقد أنك تود أن ترسل رسالة إلى خطيبتك..هيا قم بإملائي الكلمات حتى أقوم بكتابتها..قال: أريد أن أمليك كلمات رسالة لوالدتي..فلا خطيبة عندي. وأردف قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم…إلى أمي الحبيبة.. أمي التي سببت لها الألم عندما طوردت من الأعداء.. قاتلت واعتقلت.. أمي التي كنت سبب قلقٍ وألمٍ لها، أحبك يا أماه..وأدعو الله عز وجل ليلاً ونهاراً بأن يكتب لنا اللقاء..إن لم يكن لقاؤنا يا أماه في هذه الدنيا الزائلة، فليكن بإذن الله بجنة الخلد عند حبيبك المصطفى عليه أفضل السلام..أمي أوصلي سلامي لوالدي وأخبريه أنني ما زلت على العهد والوعد، ما زلت رافعاً رأسي راكعاً لربي الواحد القهّار دون سواه…

عفواً يا سيد عبد القدوس، أنا لا أملك وقتاً كثيراً، وأتمنى أن تكتفي بتلك الكلمات، فأنا أريد العودة إلى القدس، إلى مكتب السيد عابدين، والطريق كما تعلم طويلة، وبما أن لا خطيبة عندك، فأظن أن ما كتبته لوالدتك يكفي.. طلبت من الضابط إخراجي من غرفة الانتظار، وتركت عبد القدوس جالساً ينظر إلي، لم يكن وجهه غاضباً كما كان، ولمن تكن عيناه تقدحان شرراً، بل كان وجهه باسماً جميلاً وادعاً، وكانت عيناه حزينتين بشكلٍ ملحوظ، وأقسم أنني قد رأيت بداخلهما حزناً لم أر مثله طوال حياتي، ورأيت فيهما شلالاً من الدموع المحبوسة التي تكاد تنهمر. خرجت من المعتقل وجلست داخلَ سيارتي، وأدرت مكيّف الهواء، وانتظرت مجدولين التي لم تنهِ زيارتها إلا بعد أكثر من ثلاث ساعات، فلقد كانت مجدولين تطيل الحديث مع الأسرى وأهلهم، وهي أيضاً زوجة عابدين مدير المكتب وابنة عمه، ما إن وصلت إلى السيارة حتى انهلت عليها كعادتي عتاباً على تأخرها علي، فأجابتني بإجابتها التقليدية، ألم أقل لك أنني سأتأخرّ، وأنني أفضل الحضور بسيارة زوجي عابدين، أولم تصرّي علي أن أركب معك لأنك لا تحبين قيادة سيارتك طوال هذه المسافة وحيدة!…وأردفت مجدولين قائلةً: ألم نناقش هذا الموضوع عدة مرات؟ ودائماً كنا نصل لنفس النتيجة، وهي أنك تفضلين انتظاري على العودة وحيدة إلى القدس. ما إن تركت موقف السيارات متجهةً إلى الشارع الرئيسي المؤدي من مدينة بئر السبع إلى القدس، حتى قالت لي مجدولين: هل رأيت الغضنفر؟ أما زال شامخ الرأس؟ هل كان مكبلاً؟ وكيف كان من حوله من ضباط وجنود؟ هل كانوا يرجفون وهم بجواره؟ هل ضرب أحدهم… لا، لا أظن أنه سوف يضرب أياً منهم، إلاّ إن أساؤوا له، فهو الغضنفر الذي لا يعتدي على أحد، إلاّ إن كان ذلك الأحد ظالماً متسلطاً مثل ذلك السائق الذي كاد يدهسني قبل أعوامٍ طويلة. كم كنت أتمنى لو أنني من زرت الغضنفر حتى أشكره بنفسي على ما فعله لأجل فلسطين، ولأجل قدسها وأقصاها… لكن بما أنك قد زرته فمن المؤكد أنك أوصلت له سلام الزيت والزيتون.. سلام طيور الحرية، أليس كذلك يا فلسطين؟.

أجبتها: لا ليس كذلك، فلقد نسيت.. ثم إنك قلت الغضنفر وما أدراني أي واحد من تلك الأسماء الأربعة كنت تقصدين، ولقد كنت مشغولةً بالتفكير عندما كنت تتحدثين عن ذلك الغضنفر الذي أوجعت رأسي بحديثك عنه.

فقالت مجدولين: ألم أضع لك دائرةً حول اسمه؟ ألم أكتب لك بجوار اسمه الأحرف الثلاثة التي تدل على أن صاحب هذا الاسم هو شخصية مهمة جداً؟ ألم تري أحرف VIP.. ألم أقل لك إنه…

قبل أن تكمل مجدولين كلامها، قاطعتها قائلةً: لقد ظننت أن ذلك الاسم يعود لخطيب صديقتنا المحامية ساجدة.. ولقد قلت لعبد القدوس أن يمليني رسالةً أكتبها لخطيبته، إلا أنه قال لي لا خطيبة عندي، وبدأ بإملائي رسالة لوالدته، مما جعلني أغضب، ولا أكمل اللقاء معه، وتركته مسرعةً إلى السيارة..حتى…

قاطعتني مجدولين: حتى تجلسي بداخلها مشغلةً جهاز التكييف أيتها الغبية.. أحمد هو خطيب ساجدة، وليس الغضنفر، فالغضنفر لا خطيبة له، ولاحبيبة سوى فلسطين، بقدسها وأقصاها… ليست فلسطين أنت بغبائك الذي يزداد يوماً بعد يوم. وكيف لا تسمحين لعبد القدوس أن يكمل رسالته لوالدته؟! ألا تعلمين؟!.. طبعاً لا تعلمين، فأنت المدللة ابنة الحسب والنسب، كيف تعلمين من هو الغضنفر وأنت ما زلت تسكنين في قصرك العاجي، قصر والدك الثري الذي جعل منك فتاةً غبية رغم ذكائك، وجعل منك شيئاً آخرَ غير ما أنت عليه غير فلسطين.. فلسطين الوطن الذي يحب أبناءه ويرعاهم رغم ما به من ألم… أي ألم؟ أنت لم تتألمي أبداً فكيف ستشعرين بألم الغضنفر؟!..ألم عبد القدوس؟! صمتت مجدولين بعد ما قالته من كلامٍ قاسٍ وجارح، صمتت وهي تكاد تبكي.. تبكي على عدم إعطائي الوقت الكافي لذلك الشيء المكبّل حتى يرسل كلماته.. تلك الكلمات الغبية لقد كان انتظاري لوصوله طويلاً، وكان الجو حاراً جداً، ولولا أن ما أضعه من مساحيق تجميل كان غاليَ الثمن، لكانت الحرارةُ قد حولت وجهي إلى لوحةٍ ملطخةٍ بالألوان… مجدولين غبية وأنا أغبى منها؛ لأنني وافقت على دخول كلية الحقوق، وعلى العمل عند زوجها عابدين، ذلك المحامي المثالي الذي يصعب عليه تأمين راتبي في نهايه كل شهر، فهو يترافع عن غالبية القضايا بالمجان، ولا يتقاضى إلا من ميسوري الحال، مثله مثل زوجته مجدولين التي بدل أن تنهي زيارتها للمعتقل وتعود مسرعةً إلى بيتها وأطفالها، تظل تتابع حتى وهي بداخل سيارتي اتصالاتها بأهالي الأسرى لتطمئنهم عن أبنائهم الذين كانت قد أنهت زيارتهم للتو..كلهم أغبياء، وأكثرهم غباءً هو اسمي.. فلسطين… سوف أتخلص من ذلك الاسم، وأسمي نفسي ماسة… جوهرة.. لؤلؤة.. سوف أسمي نفسي أي اسم حتى لو كان الاسم يثير ضحك الناس، مثل بطيخة.. نعم بطيخة سوف أسمي نفسي بهذا الاسم، فهو أفضل من اسم فلسطين التي لا أفهمها ولا تفهمني أبداً.

مضت عدة ساعات وصلنا بعدها إلى القدس، فنزلت مجدولين من سيارتي وصعدت إلى مكتب زوجها، أما أنا فقد بقيت بداخل السيارة قليلاً؛ حتى أتمكّن من الصراخ بعد خروج مجدولين.. صرخت بصوتي العالي بداخل سيارتي.. كلكم أغبياء وأكثركم غباءً ذلك الغضنفر، فلو لم يكن غبياً لما قاتل وطورد من قبل قوات الاحتلال، ولا اعتقل ولا حتى خرج إلي مكبلاً، ولما قال تلك الكلمات لوالدته..فلو كان يحبها لما ابتعد عنها… كلكم مخطئون، أما أنا فلست مخطئة، صرخت صرخةً أخرى، وغادرت سيارتي صعوداً إلى مكتب عابدين، ذلك المكتب المتهالك المتداعي….

الفصل الثاني

جفّت الكلمات على شفتيّ