الفصل الثالث
عادت الكلمات وعادت معها الذكريات
عادت كلماتي لتنطلق من شفتيّ بعد أن قرأت ما قرأت، وقلت ما قلت، بعد أن شعرت وأدركت أنني استطعت أن أدخل السعادة على أم عبد القدوس وأبيه.
بعد ذلك، تركني الأستاذ عابدين وزوجته مجدولين، وبقيت مع ساجدة لنتحدث مع تلك الأم التي كانت تفيض حناناً وذكريات أيضاً، فلقد كانت تحدثنا عن ابنها الغضنفر وكأنه موجود بيننا، فهي لم تكن تتحدث عنه بصفة الماضي بل بصفة الحاضر الموجود، ولقد زادت على ذلك بأن طلبت من ساجدة أن تحضر ألبوماً للصور الفوتوغرافية لابنها عبود.. أحضرت ساجدة الألبوم واستحضرت أنا ذكرياتي عندما شاهدت صور عبود ذلك الطفل، فذلك الشاب وهذا الرجل… ما إن تنقلت بين تلك الصور حتى رأيت بينها صورةً لعبود وهو يرتدي ذلك الجاكيت المصنوع من الجينز ذي اللون الأزرق، رأيته وهو يطوّق جسمه، فتذكرت ذلك الفارس الذي حملني وأنا طفلة صغيرة بين ذراعيه، فحوّل خوفي إلى طمأنينة، وستر جسدي بجاكيته الذي ما زلت أحتفظ به حتى الآن. والآن عادت كل تلك الذكريات دفعةً واحدةً، فأدركت كم أن ذلك الإنسان شخصٌ عظيمٌ بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إنه الغضنفر..إنه عبد القدوس من أحب القدس كما قالت أمه، وكما أصبح واضحاً لدي.. أحب القدس، وضحى لأجلها بحريته قبل أن يقيّد بالقيد والسلاسل مقابل أن يخفف ولو قليلاً من القيد المفروض على مدينتنا المقدسة، كم هو شامخ الرأس مرفوع الهامة بين أولئك السجانين الأقزام… وكم هو فلسطيني عنيد ضحى بعمره من أجل قضيةٍ آمن بها وعمل لأجلها طويلاً. ذلك هو الغضنفر، هذا ما قالته أمه، وما قاله عنه كل من التقى به وعرفه، بل هذا ما كنت أردده بيني وبين قلبي.. ذلك القلب الذي أحبه عندما كنت طفلة فمراهقة، واستهان به وبقيده بعد أن أصبحت شابةً وكبرت… كنت أتمنى أن أعود مسرعةً إلى البيت حتى أضم جاكيته إلى صدري، حتى أعتذر منه، لعله يوصل أسفي إلى ذلك الأسير المقيد.. إلى عبود… إلى الفارس الشجاع. طلبت من أم عبود أن تسمح لي بأخذ إحدى الصور، فوافقت على الفور، وعندما طلبت منها أن تبدأ الحديث لكي أقوم بكتابة الرسالة التي ادّعيت أن عبودا قد طلبها من والده، قالت أم الغضنفر لساجدة: يبدو أنك لم تخبري زميلتك المحامية الجميلة عن طريقة كتابتنا للرسالة التي ترسلها عبر مكتب المحاماة لابننا عبود.
فردت عليها ساجدة قائلةً: نعم يا خالتي هي جديدة وغبية نوعاً ما، إلاّ أنني أظن أنها بدأت تتعلم، بل بدأت تجيد ما تتعلمه.. وأردفت ساجدة قائلةً:
- إن أم عبد القدوس وأباه يقومان بتسجيل كلامهما على شريط تسجيل، ونقوم نحن بتحويل الكلام المسجل على الشريط إلى كلامٍ مطبوع على الورق، أي على الرسالة التي نقرؤها للمهندس عبد القدوس عندما نزوره في المعتقل.. هل فهمت يا أستاذة فلسطين؟ أم أعيد عليك ما ذكرته من كلمات حتى تدخل في رأسك الذي كنت أرغب في تحطيمه منذ قليل، إلا أنك تداركت خطأك مصوّبةً إياه بشكل جيد جداً.
وعدت أم عبد القدوس، أقصد أم المهندس عبد القدوس بأن أقوم بزيارتها في أقرب فرصة، حاملة لها رداً على رسالتها لابنها الغضنفر، وحملت معي شريطاً قامت تلك الأم الضريرة والأب الكهل بتسجيله منذ عدة أيام، سألتها بعد ذلك إن كان هناك أمر إضافي تريد مني إيصاله لولدها المهندس عبود.. فقالت: قولي لعبود أمك تقول ألم يحن الوقت بعد أيها المقاوم المؤمن لكي تكمل نصف دينك؟… فالعرائس بانتظار إشارة من إصبعك حتى أخطب لك إحداهن، أريد أن تكمل نصف دينك وتتزوج قبل أن يأخذ صاحب الأمانة أمانته، وقبل أن تغادر الروحُ الجسدَ يا ولدي.
ودّعت الأم الحنون مقبلةً رأسها ويدها، وودعت الأب الكهل عُمُراً والشاب بروحه المعنوية العالية، التي أجزم أنها روح تعانق السماء فخراً بما فعله ابنه الغضنفر بأعداء أمة الأرض المباركة. حملت بين يدي ذلك الشريط المسجل وصورة الغضنفر متوجهةً إلى سيارتي، وهناك جلست قليلاً مع ساجدة للتحدّث معها.فلقد كنت بحاجة للتحدّث معها، لعلي أعرف منها المزيد عن عبود، عن فارسي الذي كان مفقوداً وأصبح معلوماً لدى الجميع سواي، أنا الغبية الحالمة التي ليست سوى قشرة جميلة لبصلةٍ عفنة من الداخل، هذا ما كنت أحسّ به بعد مغادرتي لوالدة عبود.لم تكن ساجدة راغبةً بالتحدث، قالت لي أنها تعبة ومرهقة من يومها الطويل الذي قضته متنقلة ما بين المعتقلات والمحاكم، ولذلك أوصلتها إلى منزلها وعدت أدراجي إلى منزلي، عدت لألقي نفسي على السرير مرة أخرى، وأحدّق بسقف الغرفة، متذكرةً ما جرى معي منذ صباح اليوم وحتى هذه اللحظة.
ثم قمت أبحث في قاع إحدى خزائن ملابسي عن ذلك الجاكيت ذي اللون الأزرق، وأخيراً وجدته، بعد عناء بل بعد أن قلبت الخزانة والغرفة رأساً على عقب، وجدته، وكم كنت مسرورةً به، وازداد سروري عندما قارنت الصورة بالأصل، ولم يكن بينهما سوى فرق بسيط، وهو أن عبد القدوس كان في الصورة موجوداً، أما الأصل فكان جاكيتاً أزرق أكلت عثة الملابس أجزاءً عدة منه، وعلى الرغم من ذلك فلم يفسد ما فعلته عثة الملابس ذلك الجاكيت، بل جعلني أدرك أن عدم مبالاتي في الواقع الحقيقي الذي يعيشه الناس ويحياه في فلسطين المحتلة، لا يقلّ سوءاً عن فعلة تلك العثة، فعدم المبالاة هي الوجه الآخر لتلك العثة؛ ولذلك فمنذ اليوم سأحرص على العودة إلى الجذور.. إلى فلسطين الطفلة التي كانت تتظاهر وتشارك بالفعاليات الجماهيرية، فلسطين الطفلة التي أحبّت أميراً شجاعاً، وما زالت تحبه، وما زال هو كما كان شجاعاً مقداماً.
نمت ليلتي ولا أدري كيف نمت، وما إن طلع الصبح حتى تناولت طعام إفطاري، فلقد كنت جائعةً جداً، فأنا لم أتناول يوم أمس غدائي وعشائي أيضاً… تناولت طعامي بشهية مفتوحة على غير عادتي، لاحظت أمي ذلك، كما لاحظت ما حلّ بغرفتي من تناثر للملابس والحاجيات في كافة أرجائها، ومع ذلك فقد بقيت أمي صامتةً ولم تعلّق على ما رأته، وكانت تلك عادتها، فقد تعوّدت على مزاجيتي المتقلبة، فهي ما تزال تعتبرني طفلة لن تنضج أبداً.
وصلت إلى مكتب المحاماة مبكرةً، وهو أمر لم أفعله منذ أن بدأت عملي هناك، فأنا دائمة التأخير، متعجلة في الانصراف ومغادرة المكتب.. رغم وصولي باكراً إلا أن الأستاذ عابدين وزوجته كانا قد وصلا قبلي، ما إن رآني الأستاذ عابدين حتى طلب مني الشريط الذي أعطتني إياه أم عبد القدوس، فقلت له أنني أريد الاستماع إليه لأحوّله إلى رسالةٍ مكتوبةٍ، فأجابني: لا داعي لذلك…
قالها الأستاذ عابدين وكأنه يعلم ما بداخل الشريط، بل وكأنه كان موجوداً مع والدي عبد القدوس عندما سجّلا ذلك الشريط!.. فقلت له:
- كيف تقول أنه لا داعي لتحويل ما بالشريط من حديثٍ إلى كلمات مكتوبة؟.. مكتوبة لكي تقرأ على صاحبها عبد القدوس..ثم كيف تقوم أمه بتسجيل هذا الشريط قبل عدة أيام، وهل كانت تعلم مسبقاً بزيارتي له، أم أن هناك أمراً لم أفهمه بعد..!.
أُدرك يا أستاذ عابدين أنّ ما قمت به أنا صباح يوم أمس، كان أمراً غبياً وغير مبرر، ولذلك حاولت مساءً أن أصلح ما أفسدته صباحاً عبر زيارتي لوالدة عبد القدوس، وأعدك بأنني سأزور عبد القدوس في القريب العاجل، وبمجرد أن يتم تحديد موعد جديد لي، سأتوجّه إلى المعتقل للقاء به، والاعتذار منه وإعطائه كل الوقت الذي يرغب به لأكتب كل ما يقوله…
عندها قاطعني الأستاذ عابدين قائلاً:
- لا داعي لذلك، فلقد حسمنا الأمر يوم أمس، وقد سبق أن قلت لك أنه لم يعد لك أيّ علاقة بزيارة المعتقلين، وأن عملك معنا في المكتب سوف سيقتصر على متابعة القضايا من خلال المحاكم العسكرية الصهيونية فقط لا غير… أعطيني الشريط لكي أستمع إليه، وإن كان بداخله أمر جديد سأكتبه كإضافةٍ على الرسالة الأصلية التي تنتظر منذ عام ونصف في درج مكتبي حتى تصل إلى صاحبها عبد القدوس.
أما بالنسبة لأم عبد القدوس، فهي تقوم وبشكل منتظم كل أسبوعين بتسجيل شريط جديد على أمل أن يصل ما به من كلام إلى ابنها، ولقد كنت أحصل منها على ذلك الشريط، وأحضر لها بعد ذلك بعدة أيام جوابا عليه، أكون أنا قد أعددته بعد سماعي لما قالته هي ووالده عبر الشريط المسجل.
فهي لا تعلم أن ابنها الوحيد يعيش معزولاً محروماً من زيارة المحامين، بعد أن حرم من زيارتها وزيارة والده، وبالمناسبة ما أفعله من الرد على تسجيلاتها بالرسائل المكتوبة، هو أمر كلفني به عبد القدوس، فهو لم يشأ أن يزيد من معاناة والديه، بل أراد أن يخفف عليهما تلك المعاناة، وعندما قلت لك أنه من غير المهم تحويل الكلام المسجل إلى كلامٍ مطبوع، فقد كنت أعني أن أم عبد القدوس وأباه غالباً ما يكرران كلامهما نفسه من دعاء واشتياق منذ عام ونصف، بل منذ أن منعا من زيارة ولدهما.. أي منذ عدة أعوام.
أما الجديد، فقد كان يأتي من هناك، من خلف أسوار المعتقل من الغضنفر الذي كانت رسائله تحوي دائماً ما هو جديد، وبالمناسبة فأنا أستعين برسائله القديمة التي ما زالت بحوزتي لأعيد كتابتها بصيغة جديدة، لعلها تدخل الجديد على والديه، وتدخل معها بعض السعادة والطمأنينة.
كان كلام الأستاذ عابدين واضحاً مباشراً، جعلني أدرك مدى حجم الخطأ الذي أخطأته بحق عبد القدوس، مما جعلني أعاود الاعتذار من الأستاذ عابدين، إلاّ أنه وعلى الرغم من قبوله لاعتذاري، إلاّ أنه رفض أن أعاود زيارة عبد القدوس، وأصرّ على أن أرافقه إلى أحد المحاكم لحضور جلسة هناك، تتعلق بأحد المعتقلين، فقمت بمرافقته إلى المحكمة بعد أن أعطيته الشريط المسجل الذي لم أكن قد استمعت إليه.. وكم كنت حمقاء لأنني لم أستمع إليه ليلة البارحة أو صباح اليوم، قبل أن أحضر إلى المكتب، فقد كنت أودّ سماع ما قالته تلك الأم لولدها الغضنفر.
ما إن انتهت جلسة المحكمة الأولى، حتى حلّ موعد جلسة أخرى لمعتقل آخر، عدت بعدها إلى المكتب لمراجعة أوراق القضايا، إلاّ أنني كنت حاضرة الجسد لا الفكر، فقد كنت أخرج من حقيبتي صورة عبد القدوس كل بضع دقائق لأنظر إليها، لعل صاحبها ينطق ويتحدث إليّ.
بقيت الصورة صامتةً، إلاّ أنني كسرت صمتها وصمتي عندما قمت بالاتصال بإدارة المعتقل الذي يوجد به عبد القدوس لكي أطلب تحديداً لموعد جديد لزيارته، فأنا ما زلت أملك تصريحاً يخوّل لي زيارته متى شئت.
حدّد الموعد، وكان يفصلني عنه يومان ليس إلاّ… ولذلك قرّرت أن أستفيد من هذين اليومين بأن أجمع أكبر قدر من المعلومات عن عبد القدوس، فاتصلت بساجدة طالبةً اللقاء بها بعد انتهاء يوم العمل، ولأنها سريعة البديهة، فقد قالت لي: أعلم أنك طلبتِ لقائي حتى تسأليني عن الغضنفر، ولذلك إن أردت معرفة بعض المعلومات عنه ريثما نلتقي فعليك بجهاز الحاسوب، وما عليك إلا أن تضعي اسمه حتى يتولّى حاسوبك مهمة البوح بما عنده من معلومات عن عبد القدوس. وهذا فعلاً ما فعله الحاسوب بمجرد أن وضعت اسم عبد القدوس، ذلك الاسم الذي يعود إلى مقاوم عنيد، كان يوجّه الضربة تلو الضربة إلى صدر ذلك العدو الغازي، الذي دنّس أرض فلسطين… لقد أصبح واضحاً لي أن عبد القدوس هو أحد قادة المقاومة الفلسطينية على مستوى الوطن كله، فلم يكن عمل الغضنفر الجهادي محصوراً في مدينة القدس المحتلة، بل كان شاملاً لكل بقعة في أرضنا المحتلة..كان يخطط ويعد وينفذ بنفسه تلك الأعمال المقاومة وحده تارةً، ومع إخوانه المقاومين تارة أخرى.. أصيب عدة مرات، وكاد يستشهد عدة مرات جرّاء محاولات اغتياله، إلاّ أن الله كتب له النجاة، وكتب عليه أن يصبح أسيراً معتقلاً، ولم تكتفِ دولة الكيان الصهيوني بوضعه في المعتقل بل قامت بعزله بعيداً في غرفةٍ خاصة، لا يرافقه داخلها سوى جهازي كاميرا للمراقبة.
ومع ذلك، فقد بقي ذلك الغضنفر يقاوم متجاوزاً سجنه وعزله، فما كانت تمر سنة أو أكثر حتى يتم اقتياده للتحقيق من جديد، تحت ادعاء أنه قام بعمل مقاوم لقوات الاحتلال الصهيوني من داخل غرفة عزله، أما كيف كان الغضنفر يقوم بذلك؟ فلا أحد كان يعلم، بل إن أحداً لم يكن يتوقع أن ينجح أسيرٌ مقيد ومراقب على مدار الساعة من خلال كاميرات التصوير الموجودة داخل زنزانته بأن ينفذ العملية المقاومة تلو العملية. لكنه كان يقوم بذلك، كان يستطيع تجاوز كل الأسوار والحواجز، وأكبر دليل أنه أرسل إلى الأستاذ عابدين يقول له أنه لا يريد الآيس كريم وأنه يريد بدلاً منه رغيفاً من الزعتر والزيتون… كيف تمكّن من إرسال الرسالة بتلك السرعة بحيث أنها وصلت إلى الأستاذ عابدين قبل وصولي إلى مكتبه قادمة من معتقل سجن بئر السبع الصحراوي. واصلت بحثي من خلال الشبكة العنكبوتية، فوجدت أن هناك تقريرا عما حدث يوم كدت أداس تحت أقدام الخيل، فقرأت التقرير ولم أجد به أي شيء يعود إليَّ أنا فلسطين، فكل ما كان قد كتب في ذلك التقرير، أن شاباً مقدسياً اسمه عبد القدوس قام بإلقاء أحد الجنود من فوق ظهر حصانه، وقام بالدوس عليه ثمّ فرّ من المكان بالحصان الخاص بقوات حرس الحدود الصهاينة، لكن ألقي القبض عليه بعد عدة أيام وحكم بعامين جزاءً لما قام بفعله.
ألم يعلم القاضي الذي حكم عليه، أنه أنقذني من الموت المحتم؟، ألم يدر ذلك القاضي العسكري اللئيم أن عبد القدوس أنقذني وأنقذ العديد من الفتيات من ذلك الجندي السادي الحاقد؟؟.. لو كنت أدري لذهبت إلى القاضي لأقول له ما حدث في ذلك اليوم.. ولكن حتى لو قلت له فهو قاضٍ بالاسم فقط، أما فعله فهو فعل الجلادين الغزاة.
أكثر ما لفت انتباهي هو أن من كان يقوم بكتابة تلك الأخبار والتقارير الخاصة بعبد القدوس هي محامية فلسطينية اسمها مريم.. تلك المحامية هي من انفردت بنشر أخبار ذلك الغضنفر، لكنها لم تكتب أي خبر جديد منذ نحو عامٍ ونصف، أي منذ أن مُنع عبد القدوس من تلقي زيارات المحامين. لم أكن أعرف من هي تلك المحامية، على الرغم من معرفتي غالبية المحاميات الفلسطينيات، ولذلك تركت جهاز الحاسوب وتوجّهت إلى غرفة الأستاذ عابدين، لعلي أجد عنده الإجابة، إلاّ أنه اكتفى بأن قال لي أنها محامية فلسطينية… فلسطينية ليس إلا، ثم أردف قائلاً: ماذا حدث معك بخصوص ملف القضية التي ستحضرينها غداً.
لا أدري أكان يفرّ من الجواب أم أنه كان يعلم أن تلك المحامية مريم هي من كانت تكتب أخبار الغضنفر، ولذلك كان جافاً معي بجوابه على غير العادة… أم أنه ما يزل غاضباً مني على ما حدث يوم أمس. لم أجرؤ على القول له أنني قد حدّدت موعداً لزيارة الغضنفر، فلو قلت له لزاد غضبه غضباً، ولحاول منعي أيضاً، فالأستاذ عابدين شخص حازم يرفض الحلول الوسط…. ما إن انتهى وقت العمل، حتى توجّهت لمقابلة ساجدة، فمن المؤكد أنها تعرف من هي مريم، وتعرف المزيد من المعلومات عن عبد القدوس، فلقد أردت أن أعرف عنه كل شيء، حتى أتمكن من فهمه ومن ثم التعامل معه بالطريقة التي تليق بمقاومٍ مثله، بل وتليق بقائد مثله… والأهم أن أتعامل معه بالطريقة التي تقرّبه مني، وتقربني منه، فهو فارسي الذي كنت بانتظاره على أحرّ من الجمر. وصلت إلى منزل ساجدة، وهناك جلست معها موجهةً لها سؤالي الأول.. من هي المحامية مريم؟
فأجابتني ساجدة قائلةً:-إنها محامية فلسطينية، درست المحاماة في الأردن، وعملت في أحد مكاتب القدس للمحاماة، إلاّ أنها عملت… ولم تعمل، فقد كان عمل مريم محصوراً في متابعة قضية عبد القدوس، وفي الاهتمام بشؤونه من خلال زيارته في المعتقل، فقد كانت تقوم بزيارته مرتين على الأقل كل أسبوع، ولقد استمرت على هذا الحال لفترة طويلة جداً، حتى أصبحت اليوم تحتاج من يقوم بزيارتها، فهي اليوم أسيرة ومعتقلة في سجن الرملة، إذ حكم عليها بالسجن لمدة عامين ونصف، وأظن أنه لم يبقَ من مدة حكمها سوى عام واحد، أو أقل، ولقد حصل ذلك قبل عام ونصف، وبعدها تمّ منع عبد القدوس من الالتقاء بأي محامٍ…وعندما سمح له من جديد كنت أنت سعيدة الحظ، وكان هو تعيس الحظ بزيارتك له…
وأردفت ساجدة قائلةً:
- قبل أن تسأليني إن كانت هناك علاقة بين عبد القدوس ومريم، أقول لك لا أعلم بل إن أي أحد من الذين يعرفون عبد القدوس أو مريم لا يعلم، فمريم محامية صامتة لا تحب الكلام، وكذلك الغضنفر، فهو صامت كلوحٍ من الثلج، فهو لا يتحدّث إلا بالأمور المهمة فقط… ولا شيء عنده مهم سوى فلسطين، وهنا أقصد فلسطين التراب والطين، وليس فلسطين الآيس كريم.
ولكني أظن والله أعلم أن مريم تحب عبد القدوس، بل وتعشقه أيضاً، فمن غير المعقول أن تدرس فتاة المحاماة لعدة أعوام، ثم لا تمارس هذه المهنة إلاّ من خلال شخصٍ واحد، وهو الغضنفر، حتى ولو كان ذلك الشخص هو…
صمتت ساجدة عن كلامها، وملأت وجهها بابتسامة كبيرة جداً جداً، مما جعلني أغضب، وألقي عليها بحقيبة يدي لكي أحثها على إكمال حديثها.
ألقيت الحقيبة عليها وألقت هي جوابها علي، أن مريم تكون ابنة عم عبد القدوس، ابنة عم الغضنفر فارسك الضائع..
ضاعت مني الكلمات التي كنت أعتقد أنها عادت لي، عندما عادت لي أحلامي التي تبددت الآن، فلقد أصبح من الواضح لي أن هناك سراً كبيراً يجمع ما بين الاثنين، سرّ لا يعلمه أحد.
عاودت مواصلة أسئلتي لساجدة، فقلت لها: لقد تم الحكم على مريم بالسجن لمدة عامين ونصف، هذا ما قلته لي.. ولكنك لم تقولي ما هي التهمة التي وُجّهت لمريم قبل أن يحكم عليها.
أجابت ساجدة بعد أن تحوّلت البسمة التي كانت مرسومةً على وجهها قبل لحظات، إلى ما يشبه بسمة مصحوبة بنوع من التوهان، ولقد كان ذلك واضحاً في عينيها، بل كان جلياً، واتضح لي أنني أصبت بنفس النظرة التائهة، عندما قالت لي لا أعلم، بل إن أحداً منا لا يعلم، فقد اكتفى قاضي المحكمة الصهيونية بالقول أن هناك ملفا أمنيا سريا للغاية، وأنه اطّلع على ذلك الملف الذي قدّمته له أجهزة الأمن الصهيوني، وبناءً عليه أصدر حكمه الجائر على مريم.. حكما دون تهمة، ودون مرافعة من أيّ أحد من المحامين، لأن الملف السري كان يُحْظَر على أي شخص رؤيته باستثناء القاضي… وما دام القاضي هو الجلاد، فقد جلد مريم حكماً بعامين ونصف، وتم كل ذلك خلال دقائق لا أكثر، اقتيدت بعدها مريم إلى المعتقل حيث يوجد هناك في معتقل سجن الرملة عدة عشرات من الأسيرات الفلسطينيات، وبالمناسبة يوجد بين تلك الأسيرات محامية مقدسية أخرى وهي المحامية شيرين العيساوي، ولقد سجنت هي الأخرى ظلماً وبهتاناً مثلها مثل إخوتها الثلاثة الذين يقضون أحكاماً طويلةً خلف قضبان الأسر.
بعد ما قالته ساجدة عن مريم، لم يعد يهمّني سماع أخبار أي أحد آخر، إلاّ أن اسم المحامية المقدسية شيرين العيساوي قد شدّ انتباهي، فقد قرأت عنها كثيراً، كانت أوّل محامية تعتقل منذ بداية الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى.. وقد درست المحاماة من أجل الدفاع عن إخوتها الذين كانوا معتقلين داخل سجون الاحتلال، وأظن أن عددهم ثلاثة، فرابعهم كُتب له الاستشهاد على أرض القدس الطاهرة، ولقد كانت شيرين العيساوي محاميةً يقتدى بها بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهي وعلى الرغم من أنها فتاة، إلا أنها كانت أقوى وأشد من ألف رجل، فقد كانت تقول رأيها بشكلٍ واضحٍ وصريح، ولقد تعرّضت قبل اعتقالها لدى قوات الاحتلال الصهيوني إلى الكثير من المضايقات من قبل قوات أجهزة أمن سلطة رام الله تحت حجج كثيرة، من بينها أنها كانت تساعد المقاومين الأسرى عبر تواصلهم معها أثناء زيارتها لهم في المعتقلات، فهي أخت لأسرى ثلاثة ما زالوا رافعين راية الكفاح والثورة ضد العدو الصهيوني رغم وجودهم في المعتقل.
شيرين العيساوي كانت مثالاً يحتذى به من قبلي ومن قبل العديد من المحاميات والمحامين، فهي فلسطينية كنعانية أصيلة، وكم كنت أودّ لو أنني أحببت المحاماة، لكنت قد قمت بأداء عملي كما قامت به تلك العنيدة الكنعانية شيرين، وكما قامت به مريم.. لكن ما الذي قامت به مريم؟ ومن تكون بالنسبة لعبد القدوس؟.
هذا ما عقدت العزم على معرفته من خلال تقديمي طلباً للحصول على تصريح يمكّنني من زيارتهما، كان ذلك ما قلته لنفسي عندما قمت وأنا عازمة أن أذهب لزيارة عبد القدوس بعد يومين، فعبد القدوس أولاً ومن ثمّ مريم!.
****
الفصل الرابع
الجمود بلا حركة هو الاستسلام