الفصل الثالث
فرح فاطمة جعلها تنسى خوفها، والفرح ينسي. يمسح الأحزان، الأوجاع، المخاوف كلها ليضع جناحين للإنسان يحلق بهما عالياً في السماء. فاطمة حلقت طائرة إلى البصرة، جناحاها أسلاك الهاتف الذي دقت أرقامه حالما أنهى باقر مكالمته. في البصرة أم تموت شوقاً لأخبار ابنها، تصلي الليل والنهار علها تسمع صوته، تبكي الدموع السخان توقاً للاطمئنان عليه. فاطمة تعلم ذلك فلا تضيع لحظة واحدة.
ـ الله بالخير.. أمي!! السندباد يقبل وجنتيك... يلثم جبينك.
وينفرط عقد دموع غزار من مقلتي الأم وهي تسمع ابنتها من الطرف الآخر للخط، ثم تشرع بالكلام لكنها تغص، فتتابع فاطمة. اطمئني. هو بخير.
ـ حقاً هو بخير؟ صحته، كل شيء عنده على ما يرام؟ رددت الأم وقد ابتلعت غصتها وشربت دموعها، فتابعت الابنة:
ـ حقاً وصدقاً!! صحته، عمله، أحواله كلها على خير ما يرام. اطمئني.
ـ الحمد لله!! ردت الأم وهي تتنفس الصعداء، كأنما انزاح عن كاهلها جبل عال.
آه!! فقط لو يسمعني صوته... لو يحدثني إلى هنا.
ـ هو لا يجرؤ.. ثمة مخاطر. أنت تعلمين.
الأم تعلم بالطبع. هناك دائماً من يستمع لكل نأمة وحركة. الحيطان لها آذان فكيف بأجهزة الهاتف؟ لكنها تتحرق شوقاً لسماع صوت سندبادها الذي امتطى بساط ريح وطار. منذ أحد عشر عاماً وهو يطير من جزيرة إلى جزيرة، ومن هند إلى سند. حتى صوته، ذلك الصوت الأبح الذي تميزه من ألف صوت، لم تسمع رنينه يتغلغل إلى أعماقها، يدق شغاف قلبها كما تدق الأصابع الصنج فتنطلق أنغام موسيقية في جسدها كله، وتطرب، تنتشي كما لم تنتش منذ سنين.
ـ وأين هو الآن؟ متى يأتي؟ سألتها وهي تلملم شتات تفكيرها، شتات صوره في ذهنها علها ترى أمامها الفتى الناحل الأمرد الأسمر الذي كان ناصر ذات يوم.
ـ هذا وحده ما لا يعرفه إلا الله. إنه سندباد يا أمي وهل يفشي السندباد سر مكانه؟ ربما في الأردن... في الجزائر... في لبنان... من يدري؟ متى يأتي؟ أيضاً لا يعلم إلا الله. على كل حال افرحي واسعدي. هو في أمان فقط يريد الاطمئنان!!.
ـ الاطمئنان!؟ أين يبيعونه يا ابنتي، والعالم كله تنين هائل يفتح فمه فوهة جحيم في وجهك!؟
فاطمة تشعر الشعور نفسه. العالم تنين هائل تقدح عيناه شرراً وينفث فمه ناراً وهو ينحدر إليك من جبل عالٍ لا تدري متى يصل إليه فيحرق الأخضر واليابس من حولك. كان الخوف قد أمسك بها مذ سمعت نبأ الرهائن "أسمعت؟" ذهبت إلى جارتها تسألها وليس من أحد حولها تسأله. "سمعت"، "سمعت، ولست خائفة"؟ "ولماذا أخاف؟" "لا أدري. لكنني أشعر كأنني سلحفاة نزعوا عنها قوقعتها" وضحكت الجارة "إن كانوا هم غير خائفين"، وأشارت بيدها إلى الأعلى والبعيد... "فلماذا نحن نخاف" "لا أدري" ردت فاطمة وهي تتنهد "بوجود الرهائن كنت أشعر أن درعاً من زرد الحديد يقي جسدي طعنات الرماح، ترساً يصد عني ضربات السيوف، أما الآن فقد انكشفنا، لم يعد ثمة غطاء".
"فاطمة، لا تفكري عن الحكومة. الحكومة تفكر عنك وهي أفهم مني ومنك."
لكن فاطمة لا تقتنع. كلام جارتها سراب لم يعطها الماء الذي يروي الظمأ، فعادت إلى المنزل وهي تفكر "لو يأتي عبد المحسن فيشرح لي". كلام عبد المحسن يقنعها. زوجها يعلم جيداً كيف يضع النقاط على الحروف، لكنه بعيد. منذ أشهر ذهبت وحدته إلى الجنوب. هو في الحرس الجمهوري، والحرس الجمهوري لم يدخل الكويت، ظل الطوق الآمن الذي يحزم خصر العراق، الترس الذي يقيه الضربات وقد دخلت رأس الحربة إلى الكويت. كل أسبوعين.. كل ثلاثة يأتي. قوافل من الجنود والضباط يأتون إلى عائلاتهم بانتظام. دور عادل ونظام دقيق يحكم مبيت الرجال الذين هم بحاجة إلى نسائهم مثلما نساؤهم بحاجة إليهم. يأتي عبد المحسن فتستمد منه فاطمة القوة والإقدام، الثبات والمعنويات!! كان قد مضى على مجيئه آخر مرة ثمانية عشرة يوماً، وكانت كلها شوقاً لمجيئه. "ربما يجيء الليلة، ربما غداً" كانت تفكر حين رن الهاتف وجاءها صوت ناصر، وللتو نسيت عبد المحسن، نسيت الخوف، لتظل صورة واحدة ملء عينيها، صوت واحد ملء أذنيها وفرح كبير ملء قلبها.
منذ أشهر لم تكن قد سمعت صوته. هو هكذا!! أحياناً يتصل كل شهر ثم ينقطع فلا تسمع صوته طيلة شهور. أهو الحذر؟ الاحتياط؟ فاطمة لا تدري. كل ما تدريه أنها تشعر بشوق دائم إليه. هو أخوها الذي تحبه.. تعجب به مذ كانا صغيرين. كان يزيدها بعامين لكن يخيل إليها أنه أقوى منها بضعفين. "ألهذا قال سبحانه وللذكر مثل حظ الأنثيين؟" لقد كان يسبقها دائماً في الجري، يغلبها في اللعب، يصرعها في العراك، بل كان يصرع الصبية الأكبر منه سناً وجسداً، وفي المدرسة كان الأول دائماً في صفه، فيعينه المعلم عريفاً للصف وأحياناً عريفاً للمدرسة، يرفع العلم ويقود رتل التلامذة إلى الصفوف!
فاطمة تذكره جيداً وهما يلعبان معاً، في المنزل، في الساحة، في الشارع. تذكر جيداً كيف كانا يذهبان إلى بساتين النخيل على ضفاف العشار... يلتقطان الرطب الذي سقط من عل، يقطفان الشفلّح ذا البطون القرمزية المتوهجة ثم يلتهمانه بتلذذ، يجمعان "شيخ اسم الله" تلك النبتة القصبية الصغيرة التي تحوي في داخلها ثمرة غريبة قوامها خيوط كالحرير طرية وذات طعم خاص لا يناظره طعم ثمرة أخرى. ذات مرة، تتذكر فاطمة، وهي ما تزال جالسة بقرب الهاتف، كانا معاً على ضفة أحد الجداول تلك التي تأتي من الأهوار لتصب في شط العرب. رأت ثمرة مخضرة مصفرة تغري بالقطاف، قطفتها وكادت تضعها في فمها حين أسرع ناصر يضرب يدها ضربة أسقطت الثمرة بعيداً في التراب. "ويلك!! هذه بطوش." "وما البطوش؟" سألته فاطمة، "هي سامة فكيف تأكلينها؟" وأنفذها ناصر من سم ربما أودى بها إلى الموت. طوال صباهما كان ناصر أخاها وصديقها، رفيقها وحارسها القديم الأمين، فمن يجرؤ من الصبية على التحرش بها؟ إذن، له الويل والثبور وعظائم الأمور. ناصر، منذ طفولته، لا يعرف الاعتدال... هو متطرف دائماً، مغالٍ دائماً، إن كره فحتى الموت وإن أحب فحتى الموت. لا يعرف الحلول الوسط أبداً، ولا تملك فاطمة إلا أن تحزن، ذلك نفسه ما جعله يعاني الأمرين.. يلاحق من رجال الأمن.. يزج في السجون وأخيراً يفر سندباداً على بساط ريح ينتقل في بلاد الله الواسعة حيث لا مقام ولا مستقر.
رن الهاتف فأسرعت فاطمة ترد:
ـ رقية!! أهلاًَ بك!! ثم روت لها مكالمة أخيهما حرفاً بحرف، فهتفت رقية فرحاً: الحمد لله!! أثلجت صدري!!
كانت رقية هي الأخت الصغرى وكانت قد تزوجت قريباً لها من "العمارة"، مهندس تكنولوجيا في أحد المصانع هناك. لكن قبل أشهر فقط رآه الوزير فأعجب به "سأنقلك إلى بغداد" وانتقلت رقية إلى بغداد وقد أصبح زوجها مدير مكتب الوزير.
ـ ألم تنقلي له أخباري؟ سألتها رقية وقد تشربت أخبار أخيها حتى الثمالة.
ـ بالطبع.
ـ أقلت له أن يتصل بي؟
ـ لا، هذا ما لم أذكره. في المرة القادمة إن شاء الله.
وبدت رقية عاتبة:
ـ كيف تنسين؟ أنا مشوقة لصوته. هل أعطاك هاتفه؟
ـ وهل لديه هاتف، هو السندباد الطيار؟
وكان السندباد الطيار يستلقي على بساطه بعد أن دك لبانة دكاً. كانا طوال الليل قد ظلا يمارسان الحب. مع ذلك كانت رغبته ما تزال تتأجج. لكن ما أثار عجبه أنها هي نفسها كانت، مثله، رغبة تتأجج. فتح عينيه تعجباً وقد بدا أنه على وشك الاستنزاف، فضحكت لبانة:
ـ ثلاث لا يشبعن من ثلاثة: أرض من مطر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر. ولم يملك باقر إلا أن يبتسم "رحم الله المثلة، كما تقول العامة، لم تدع شيئاً إلا قالته. هاهي ذي أنثى لا تشبع". لكن العمل يقتضي منها الذهاب، فتذهب لبانة إلى مصرفها ليذهب هو إلى أوكار عمان وجحورها. ثمة منظمات في عمان تحاذر أن تظهر إلى العلن. عمان، منذ أيلول الأسود، باتت محظورة على الأنشطة والمنظمات. كل من شارك في خطف الطائرات، كل من طرح شعار إسقاط النظام، كل من قاتل جيش الكفاف الحمر والعقل الميالة كان الملك قد حرم عليه تراب الأردن. مع ذلك كانوا يجيئون، وكانوا ينشطون. جماهيرهم الفلسطينية معظمها يحتشد في الأردن، قواعدهم كلها منطلقها الأردن، فكيف تكون قيادة بلا قواعد؟ وكيف تكون زعامة بلا جماهير؟ عصفورين بحجر واحد أراد باقر أن يضرب بمجيئه إلى عمان: يستطلع أخبار بغداد، ويتصل بقيادة الجبهة في عمان.
في أحد الأوكار وجد ضالته. أوصل الرسائل، ثم انتظر أن يأخذ رسائل. خرج إلى الشوارع، تجول في الأسواق وهو يتنفس الصعداء كأنما وجد له متنفساً.
كانت الإذاعات كلها تلعلع، وكان الناس كلهم يناقشون: إطلاق سراح الرهائن، صحيح أم خطأ؟ بعضهم متحمس كل الحماسة للإجراء، مكبر لما فيه من دلالات.
بعضهم الآخر لائم مقرع.
ـ أهم مجانين؟ في يدهم وسيلة للحماية ويلقونها أرضاً؟ درع واقٍ ويتخلون عنه؟ وكان يخالط لومهم خوف.
ـ الضربة آتية. هؤلاء الخنازير الأنجاس لسوف يدمرون العراق.
كان الأردن قد ظل المنفذ الوحيد للعراق. وكان الملك حسين لا يفتأ كالمكوك يطير إلى بغداد ويعود من بغداد، يتوسط، يشاور، ينصح، يجادل. تسمعه بغداد أحياناً ولا تسمعه أكثر الأحيان. مع ذلك، ظل الملك طويل البال، واسع الصدر. إناء كبير لا يسعه إلا أن يحتوي الآنية الأخرى. الحظر، الحصار، التطويق، العزل، كلها كان قد عرف بها الملك مسبقاً وحذر منها رئيس بغداد. حرص الملك شديد على العراق. كيف لا، والعراق والأردن أخوان توأمان..؟ ذات يوم جاء فيصل إلى الأول وعبد الله إلى الثاني، وفيصل وعبد الله أخوان شقيقان. مملكتان صار لهما فصارتا، مثلهما، نصفين متكاملين وأختين شقيقتين!! صحيح، المملكة الأولى ذهبت. قتل عبد الكريم قاسم ملكها وولي عهدها، لكن العراق يظل العراق، الأحب والأغلى على قلب الحسين، ففتح حدوده له حين أغلقت كل الحدود في وجهه، وأقام معه الجسور حين قطعت كل الجسور. الناس يأتون ويذهبون، البضائع تصل إلى الأردن وتنتقل من الأردن، السيارات، القاطرات قوافل متصلة أولها في بغداد وآخرها في عمان فكيف لا يجد متنفساً له باقر؟
ـ عراقي آغاتي؟ يسأل باقر أحدهم وقد رآه يتبضع من كل ما هب ودب.
ـ إي.. بويا. يرد عليه المتبضع ثم يبدأ حديثاً طويلاً يحاول فيه باقر أن يعرف كل شيء عن الوطن من الداخل. "إيه!! أيها الوطن!! أيها المنغرس في القلب نخلة من نخيل البصرة!! جذورها تمتد إلى الأعماق، فلا يستطيع اقتلاعها أحد. إيه أيها الوطن!! يا دمعة في العين لا ترقأ وناراً في القلب لا تطفأ!! متى أحتضنك أيها الوطن بذراعي؟ متى ألثمك بشفتي؟ فتخمد نار الأشواق وينطفئ أتون الحسرات!!"
على الرصيف يتقرب باقر من امرأة تلتفع بعباءة سوداء هي نفسها العباءة العراقية التي طالما أحبها وغنى لها "يامّ العباية... حلوة عباتج... جمالك آية.. حلوة صفاتج".
يلقي عليها سؤالاً فترد المرأة دون وجل أو ارتياب.
ـ أجل، أنا ماجدة من ماجدات العراق.
وتحدثه الماجدة عن بغداد، التي تعلم أنها على حافة فوهة قد تنفتح في أية لحظة، لتخرج منها حمم البركان. مع ذلك تقول الماجدة:
ـ بغداد لا تخاف، وأكبر دليل إطلاقها سراح الرهائن.
ـ لكن أليس هذا خطأ؟ يسأل باقر وهو على قناعة أن ذلك خطأ قاتل.
ـ خطأ.. صواب، نحن لا نناقش القيادة. هي تعرف أكثر من أي أحد، وتحسن التصرف أكثر من أي أحد.
ـ لكن القيادة فرد، والفرد قد يخطئ ويصيب.
وتسرع الماجدة في الابتعاد بعد أن سلقته بنظرة خاصة كل ما فيها يقول:
"تريد أن تورطني.؟ لا. أنا أريد العودة إلى العراق".
باقر يود أن يجد من يحدثه بصراحة، يشكو له هموم العراق، يعرف منه دخائل العراق، لكن دائماً يصطدم. حاجز الخوف يقف في وجهه.
***
ويتلفت حول: "أهناك مخبرون؟ أيسمعنا أحد؟ أيرانا أحد؟" شبح الأمن يطارد الجميع، الرعب من المخبرين، يعشش في قلوب الجميع، ولا يحصل باقر على شيء مما يريد.
سيارة تحمل لوحة البصرة جذبت ناظري باقر حتى تسمر.
ـ الله بالخير!؟ بادره باقر مقترباً منه. الأخ من البصرة!!
ـ إي... مرحوم الوالدين. آكوشي؟
ـ لا، ماكو. يرد باقر وقد دغدغت أذنيه الكلمة النقيضة: آكو، ثم يردف: فقط أردت الحديث وإياك!! أنا الآخر من البصرة.
ـ حق!! أنت من البصرة!؟ وتبدأ سلامات، تحيات، كأنما يعرف واحدهما الآخر منذ سنين.
ودون خوف يبدأ البصراوي حديثه. يجيبه على كل ما يريد، يغوص معه في بحر العراق حتى أعمق الأعماق. أخيراً يسأل الرجل سؤالاً، ويكتشف باقر أن الرجل يعرف أباه.
ـ أبوك عبد الوهاب التنكجي؟ رحمة الله عليه. صديقي كان. مزاريب بيتي كلها عملتها عنده. بيده صنعها لي. رحمة الله عليه! كان رجلاً زين.
ويشرد باقر إلى البعيد، إلى الرجل الزين الذي كان أباه. ماهراً في صنعته كان، لكن منافسيه كثر. لا يقف في مكانه. يريد أن يطور نفسه ما استطاع. يعلم أن هناك دائماً أحسن، وأن عليه أن يسعى دائماً إلى ذلك الأحسن. لهذا، ربما، انتسب إلى حزب العمال البروليتاري، وكله أمل أن يتسلم ذلك الحزب السلطة فيرفع من شأن العمال والبروليتاريا. باقر لا يذكر بيتهم إلا وهو مقر لنشاط العمال والبروليتاريا. اجتماعات سرية تعقد في غرفه الخلفية، مناشير تنطلق منه، نشرات تأتي إليه، والرفاق يحولونه إلى خلية نحل لا تفتأ تعمل لجني العسل.
الكل من حوله مثل أبيه، أممي يتجاوز القوميات، ماركسي يتجاوز الاشتراكيات ثم يحلم بديكتاتورية البروليتارية التي تنتقم للفقراء والمسحوقين. ولا يجد باقر نفسه إلا وهو يحمل الأحلام نفسها، يبشر للأفكار ذاتها، ساعي بريد ينقل للرفاق ما يصل إلى خلية النحل. كان في الثامنة، صغيراً لا يشك أحد فيه، حين أرسله أبوه، عبد الوهاب التنكجي في أول مهمة، ولشد ما أفرحه نجاحه في تنفيذ تلك المهمة. "ولد زين" قال له أبوه "شاطر حسن، لا يخيب فيك رجاء" وكان الأب غالباً ما يرسل الشاطر حسن بمهام ليست في حي القشلة وحسب ولا في سوق التنكجية وحسب، بل إلى سوق الهنود، سوق المقام، حي الخندق، وبيوت على ضفاف العشار وشط العرب نفسه.
كان الرجل شعلة من الحماس، وكان عمله في السوق لا يأخذ إلا القليل من وقته، فالتنكجية كثر والشارون قلة، ولعل ذلك ما كان يدفعه إلى البحث الدائم عما يملأ وقته. كان يلعب الدومينو. وكان مصيره هو وجبار يتوقف على الدومينو إن انتصر أبوه أعطاهما فلوساً، وإن خسر نهرهما "ابعدا عني.. اللعنة عليكما". كان جبار أخاه الكبير وكانا يحبان الذهاب إلى السينما، لكن السينما بحاجة إلى فلوس وهذه لا تخرج من جيب أبيه إلا إذا كان منتشياً نشوة النصر، فكانا كثيراً ما يركعان ويصليان لله متشفعين بعلي والحسين أن ينصر أباهما، أو عادا بخفي حنين.
البصراوي يتذكر أباه جيداً.. الرجل.. الزين... لعله من رفاقه. باقر لا يعرفه لكن البصراوي يعرفه صغيراً ربما لا يتجاوز العاشرة.
ـ ألم تجرني ذات يوم جراً من يدي كي أشتري منك؟
وتذكر باقر. ذلك الصباح، كان البيت بلا مصروف. وكانت الأم تنتظر بضعة فلوس تشتري بها طعام الغداء. وكان المؤذن قد أذن الظهر دون أن يطرق شارٍ واحد دكانهم المليء بالتنك ومصنوعات التنك، ولم يجد باقر بداً من أن يتحول إلى خنفساء يلح ويلح إلى أن يوقع شارياً فيشتري بما يسدون به الرمق.
وسر باقر بالذكرى، سر بالرجل البصراوي وهو يعيد إلى أنفه رائحة البصرة.. عبق بساتينها وأريجها.
ـ تفضل معي... نتغد. دعاه باقر وهو يفترض نفسه مضيفاً في عمان لضيف قادم من البصرة.
ـ أشكرك يابن أخي. أريد العودة. ألم تسمع الأخبار؟
ـ سمعت، فما رأيك؟
ـ يا ولدي!! ثوب العيرة ما يدفي. وإن دفا ما يدوم. وأطرق باقر ملياً.
"صحيح... بغداد كانت تلبس ثوباً استعارته عله يقيها برد الرصاص وصقيع القنابل، لكن ذلك الثوب لا يبقى. سيطلبه صاحبه إن عاجلاً أو آجلاً". ولقد جاء كارتر، رأس العملاق الأمريكي الأسبق يطالب بالثوب راجياً، لا متوعداً، مستثيراً نخوة بغداد لا متهدداً، "ليس من شيمة العرب أن يحتموا بالنساء. ليس من عادة العرب أن يختبئوا خلف الأطفال" وثارت نخوة صدام في بغداد. مارت مروءته وفارت، فأطلق وعده "سنعيد لكم رهائنكم."
صدام حر ووعد الحر دين، لا بد من إيفائه. زرافات ووحدانا بدأت أسراب الرهائن تنطلق في السماء إلى بلدانها وقد صنع لها الرعب أجنحة، أقوى بكثير من أجنحة الحبارى. أطفالاً ونساء في البداية، ثم رجالاً في النهاية، لم يكونوا يصدقون أنفسهم. يؤخذون إلى السيارات وهم لا يصدقون. ينقلون إلى المطارات وهم لا يصدقون "أحقاً.. أفلتنا من أنياب الضرغام؟" كان كل منهم يشعر أنه وقع بين فكي ليث، والليث جائع فماذا يفعل به؟ يائسين كانوا، قانطين من الخلاص ظلوا، أربعين... خمسين يوماً... ثم جاء الفرج فجأة ليبدؤوا الطيران وهم أشد ذهولاً وعجباً من حبارى صحراء وجدت نفسها فجأة فوق بحيرة ماء.
البصراوي ينظر لأمر الرهائن من منظور مختلف.. منظور عبد الوهاب التنكجي الأمي... الإنساني:
ـ مساكين!! ما ذنبهم هؤلاء الأبرياء، أطفالاً ونساء؟ شباباً وشيوخاً؟ إن كانت أنظمتهم تريد ضربنا، فما ذنبهم هم؟ أنظمتهم استعمارية مجرمة، لكن هم مجرد ضحايا مثلنا لتلك الأنظمة، بل ربما ضحايا أكثر منا.
ـ صحيح الرعية دائماً بريئة، رد عليه باقر بشيء من غمغمة، أما السفاح السفاك فهو الراعي.
ـ تريد رأيي يا وليدي؟.. يتابع البصراوي، إن أردت أن تذود عن حياضك فبسلاحك. درع البشر يفيدك لحين، لكن بعد... ماذا بعد؟
ولم يكن باقر يستطيع الرد... بأمان الله، بأمان الله ودع صاحبه آخذاً إياه بالأحضان ثم مضى إلى بيروت.
ـ مجنون صاحبك، عاجله همام ما إن فتح له بابه في بيروت. ليس فيه ذرة عقل واحدة.
وفوجئ باقر:
ـ الحمد لله!! أخيراً اقتنعت بأنه مجنون؟ كم قلت لك ذلك من قبل؟
ـ من قبل لم يكن يعنيني. لكن الآن، وهو يمسك زمام الأمر بيده، يفلت كل شيء؟
يرفع مظلة فوق العراق كله، ثم فجأة يتخلى عن تلك المظلة؟
ـ هذا ما يجعلك تشك فيه، تقنط منه وتقول: ربما هي فعلاً لعبة، هو شريك فيها، كما يقول صاحبي هناك، وأشار إلى البعيد، حيث معسكر الحاصباني ويسار.
ـ لا، لا، هذا كلام البسطاء السذج، هو يواجه بحق.. يتصدى بحق... يدافع عن استقلال العرب وكرامة العرب بحق، لكنه فردي نزواتي. ضحك عليه كارتر... ضحكت عليه تاتشر، الوسطاء كلهم دقوا على وتر النخوة والمروءة... الشهامة والعروبة فجردوه من أفضل سلاح يملكه.
***
عبد المحسن يخالف هماماً الرأي. هو يرى أن الحرس الجمهوري أفضل الأسلحة. فرق طويلة عريضة... فيالق جرارة مزودة بأحسن الأسلحة، مدربة خير تدريب، معبأة بشجاعة خالد والمثنى، كيف لا تكون أفضل الأسلحة؟
ـ ولم نبقيهم، رهائن لا تسمن ولا تغني من جوع؟ قال لفاطمة رداً على أسئلتها وخوفاً. نحن قادرون على الدفاع عن أنفسنا.. حماية ترابنا بأسلحتنا، أما هذا الدرع البشري فلعب بالأعصاب. أنا أعلم. القائد أراد أن يلعب بأعصابهم... يلاعبهم لعبة القط والفأر، وكان لاعباً ماهراً. ألم تري كيف ركعوا عند قدميه؟ جاؤوا إليه أذلاء صاغرين؟ هكذا الرجال!
فاطمة مؤمنة أنه هكذا الرجال!! زوجها منهم وهي مشبعة بعبد المحسن إلى حد لا يقبل معه زيادة. حسبها أن ترى طلته... تنعم بضمته. حسبها إشارة منه حتى تسير وراءه حتى آخر الدنيا. لو يسمح لها، إذن لتركت كل شيء وذهبت معه إلى شاطئ الخليج حيث يصب شط العرب بحراً في بحر. وحيث الفاو أنابيب نفط ومصافٍ، موانئ وناقلات. لكن عبد المحسن لا يسمح لها. هو في شغل شاغل. يأتي ليلةً ليذهب ليالي، وهي تنتظر. امرأة لا تعرف من الحياة سوى الانتظار. الأزواج يرحلون وهن ينتظرن. شهوراً.. سنين ينتظرن. بعض أزواجهن يأتون وبعضهم تغيّبهم البحار... تلتهمهم الأسماك... تأكلهم الوحوش. لكن عبد المحسن قوي، شجاع لا تلتهمه سمكة ولا يأكله وحش. في موعد مبيته جاء، وطارت إليه. طار إليه الأولاد. قبلات من هنا.. ضمات من هناك. ثم الحمام الذي يزيل الأوساخ ويفرغ الشحنات. لا، ليس باستطاعة عبد المحسن أن ينتظر الليل... أن يصبر حتى ينام الأولاد. هو في عجلة من أمره فيأكل شطيرة. أليس العصر كله عصر السرعة؟ أليس هو زمن الشطائر والوجبات السريعة؟
إذن، ليأخذ وجبته السريعة في الحمام وتذوب فاطمة متعة ونشوة. تلك الوجبات السريعة أكثر ما يعجبها فيه. هي تعني أن الرجل مشوق، ذائب رغبة وشهوة، وماذا يطرب فاطمة كأن يذوب فيها عبد المحسن رغبة وشهوة؟
ـ لكن، قل لي. هكذا تركهم لوجه الله؟ سألته وقد جلسا يشربان شاي العصر، شأنهما شأن السادة الإنكليز في قصور بكنغهام.
ـ لا، لا، بل مقابل وعود مبرمة ألا يهاجموا العراق، ألا يضربوه، وأن يحلوا الأزمة حلاً سليماً.
ـ حقاً!؟ إذن، نطمئن!؟ لا قصف ولا ضرب؟
ولم يجب عبد المحسن، الأولاد الثلاثة شغلوه وهم يلتفون حوله. الصغير تسلق كتفه محيطاً عنقه بذراعيه حتى كاد يقطع أنفاسه. البنت الكبرى تلتحم به من اليمين، البنت الصغرى من اليسار وكلهم سيل من الأسئلة، على محسن، الأب العارف بكل شيء، أن يجيب عليها.
ـ نريد أن نذهب إلى السينما، أخيراً طلبت البنت الصغرى المدللة كثيراً لديه والناطقة عنده باسمهم.
ـ معقول؟ احتجت الأم، أبوكم يأتي ليلة واحدة فتأخذونه إلى السينما؟ لا.. لا.. لا سينما...
ـ بل سآخذهم!! رد عبد المحسن وهو ويشد ابنته بين ذراعيه موسعاً إياهم لثماً وتقبيلاً. حبيبتي تأمر، وهل أستطيع إلا أن ألبي أمر الحبيب؟ وهب الأولاد يرقصون فرحاً. الذهاب إلى السينما أمتع المتع لديهم، وهم، مذ بدأت الأزمة، لم يذهبوا إليها. أبوهم مسافر... بعيد، وأمهم لا تأخذهم إلى السينما. ذهبوا إلى الغرف الأخرى وهم يهزجون والصغير ينط عالياً ويمرح، جدياً لبِّيت رغباته كلها.
ـ ناصر يسلم عليك، بادرته فاطمة فرحة لذكرى أخيها، وقد عادا وحيدين.
ـ السلام على رسول الله!! اتصل إذن؟ أجاب عبد المحسن بمزيج من السرور والانكماش.
ـ وتحدثنا نصف ساعة!! يا إلهي كم فرحت باتصاله!!
ـ أرجو ألا تكوني قد نسيت الاحتياطات.. الحذر.
ـ لا، بالطبع. أنا حذرة دائماً. أخاطبه بالرموز والإشارات دائماً. ردت فاطمة ثم توقفت متفحصة إياه مستأنفة: لكن قل لي. ألست موضع ثقة لديهم؟ أيراقبون هاتفك؟
ـ وما المانع؟ هؤلاء، كما تعلمين، وأشار إشارة تعني التجسس، لا يثقون بأحد. البريء عندهم متهم حتى تثبت براءته.
ـ يا إلهي!! لكنك في العب منهم، ضابط كبير في حرسهم الجمهوري!!
ـ مع ذلك يجب اتخاذ جانب الحذر.
ـ أنت تخاف منهم؟
ـ ما من أحد لا يخاف. عيونهم عشرة على عشرة.. آذانهم أكثر بكثير من عشرة على عشرة. يمسكون البلد بقبضة من حديد، والمثل يقول لك: درهم وقاية خير من قنطار علاج.
ـ بيدك حق، غمغمت مطرقة وقد عاودت مخاوف مقلقة. "هل زل لساني بشيء؟ إن كانوا يراقبون الهاتف، ألا أعرض عبد المحسن للخطر؟"
كانت الساعة قد صارت الخامسة، وكانت سماء كانون الثاني ملبدة بالغيوم، ينتظر الناس منها المطر، لكن دون أن تنزل منها قطرة مطر.
ـ جهزي الأولاد. برقة بالغة طلب من فاطمة التي يحب، ثم مضى يلبس ثيابه. خمسة عشر عاماً كانت قد مضت على رؤيته لها: برعماً تفتح، وصدراً نهد. كان قد جاء في إجازة من كليته، ولم تكن تعلم أنه في المنزل، هي التي جاءت على حين غرة. دخلت البيت تمازح أخته تداعبها... صبيتين ترقص البراءة على محياهما. سمع صوتها، ضحكتها، بل المداعبة التي داعبت بها أخته وفتنته. منذ تلك اللحظة فتنته، لكن كان عليه أن يتخرج من الكلية... كلية المدرعات. تخرج، فكان أول ما فعله أن طوق عنقها بعقد، وإصبعها بمحبس، كلاهما من ذهب.
ـ جاهزون!! يا بابا!! جاهزون!! جاء الأولاد تباعاً يتراقصون فيما كان يربط عقدة العنق. كان الكل قد لبس أحسن حلله، ما عدا فاطمة فقد لبست على عجل، وكان حسبها أن تضع العباءة على أي شيء ترتديه، تلك العبادة التي تخفي كل عيب وتستر كل نقص. الكل فرحون يشدون بيدي أبيهم ويدفعونه. يهم بالخروج لكن قبل أن يصل إلى عتبة الباب، يرن الهاتف فينكمش شيء ما في صدر فاطمة.
ـ نعم، رد المقدم في الحرس الجمهوري، بصوت كله جد وصرامة. لم تسمع فاطمة ما قاله الآخر على السلك، لكنها قرأته على جبين عبد المحسن، إذ سرعان ما بدأ يقطب حاجبيه. وسرعان ما بدأ قلبها يهبط من صدرها إلى الركبتين.
ـ علي أن أغادر اللحظة!! بأسى وخيبة نقل لهم الخبر وهو يتجه إلى خزانة ثيابه.
ـ لماذا؟
ـ ماذا هناك؟
ـ ألن تذهب إلى السينما؟
راح الأولاد يصيحون وهم يجرون خلفه.
ـ حقاً، ما الأمر؟ سألت فاطمة بدورها فلم يملك إلا أن ينقل لها الخبر
ـ الغارات الجوية قد تبدأ الليلة، وعلي الالتحاق بالفاو في الحال.
***
مثلما التحق محسن بوحدته بالأمر، التحق باقر بمعسكره دون أمر. لم يكن أحد قد اتصل به، ولا أحد أمره بالعودة. رغم ذلك عاد إلى الحاصباني، ملجئه الغائر في أعماق التلة يكتم الضوء والصوت. لم تكن تنتظره مهمات، ولم يكن ثمة عمل. فآلى على نفسه حين نام أن ينام حتى الضحى.
كانت رحلته إلى عمان ثم بيروت قد استنفدت كثيراً من قواه، لياليه قلما شبع فيها نوماً، نهاراته قلما وجد فيها راحة. همام في بيروت يناقش ولا يشبع. مئات الأسئلة تشغل ذهنه. السياسة، الاجتماع، الاقتصاد، بل حتى الأدب يشغله وليس أحب على قلبه من أن يجادل أياً كان، فكيف إذا كان هذا الأي باقراً؟
في عمان كانت لبانة ومشاغل أخرى، وكان يمضي الليل بطوله دون أن يرقد له جفن. لبانة أعجوبة من الأعاجيب، تتقن كجواري هارون الرشيد فن الإمتاع والمؤانسة. "كلهن جوار" قال أحدهم ذات يومٍ واستفزه ذلك أيما استفزاز. كان باقر حينذاك ما يزال في ميعة الصبا. كل شيء لديه مثالي. نظرته للحياة، للمجتمع كلها مثالية. ورغم أنهم كانوا يعلمونه المادية التاريخية والجدلية الديالكتيكية في الحزب، إلا أنه لم يكن يستطيع أن يرى في المرأة إلا الصورة المثلى التي تغزل بها جميل وشبب بها قيس. بعضهم كان يحدثه عن المتعة التي يمكن أن تعطيه إياها المرأة، عن ضرورة كسر العادات البالية العفنة، تجاوز مسائل كثيرة متوارثة عن الأسلاف المتخلفين، فتتحلل المرأة من كل ما يربطها بذلك الموروث البالي العفن، وتصبح كالرجل سواء بسواء، إلا أنه، هو باقر عبد الوهاب التنكجي لم يكن يقتنع. كان يرى بأم عينه أحياناً كيف تذهب الرفيقات مع الرفاق، كيف يمارسن حريتهن، يخلعن عن أنفسهن حتى جلودهن، لكنه، هو نفسه، لم يكن يرضى بذلك.
الرفيقة في نظره مصونة، مقدسة، ينبغي ألا يمسها دنس ولا يلحق بها رجس. أليست الرفيقة أختاً في النضال؟ إذن كيف لا يصون أخته ويحافظ على شرفها ما استطاع؟
ثم كانت هناك مهيجة. "آه يا مهجة الروح، يا حبة القلب!! كم حملت لك في حناياي من حب!؟ كم أضناني لك الشوق!! بكل ما أملك كنت أشتري نظرة من عينيك؟ بعمري كله كنت أقايض على ضمة من ذراعيك!! آه يا مهجة الروح يا حبة القلب!! ماذا جرى لك بعدي؟"
كانت مهيجة تسكن الشارع الآخر من حي القشلة نفسه، أسرتها هي الأخرى كأسرة التنكجي، خلية من الرفاق المناضلين ممن يضحون بالغالي والرخيص في سبيل انتصار العمال والفلاحين، ولأنهم كانوا كذلك، كان الأبوان كثيراً ما يجتمعان، وكانا كثيراً ما يرسلان بينهما المراسيل، وكثيراً ما كان هؤلاء المراسيل، وكثيراً ما كان هؤلاء المراسيل باقراً ومهيجة. صغيرين كانا يلتقيان ثم يافعين فمراهقين. شيء ما بدا يشد واحدهما إلى الآخر: خيط عنكبوت في البداية، ضعيف واهٍ ربما لا تراه العين المجردة، لكن سرعان ما ثخن واشتد إلى أن أصبح حبلاً متيناً كحبال السفن.
شيئاً فشيئاً بدأ النضال يحلو بمهيجة، الحزب كله يصبح ذا نكهة خاصة، ثم غدا أمتع ما يمتع باقراً أن يكلفه أبوه بمهمة إلى أبيها، أو يكلفها أبوها بمهمة إلى أبيه. كانا يلتقيان، يتبادلان النظرات، اللمسات، الأحاديث، الأفكار... لكنهما لم يتبادلا القبل. كان ينظر إليها نظرته إلى الطهر المقدس.
كثيراً ما حاول أن يكتب فيها الشعر مقلداً قيساً وجميلاً، لكنه كان دائماً يخفق. يكتب شذرات من أبيات يقرأها ليمزقها ثم يذروها مع الريح.
أحياناً كانا يذهبان إلى السينما.. إلى المتنزه، وفي ظلال خميلة أو عتمة سينما، كانت مهيجة تلتصق به، تتلمس يده، خده، بل ذات مساء تلمست شفتيه بأناملها أولاً ثم بشفتيها، وارتعش باقر رعشة هزته اهتزاز قصبة في مهب الريح. "آه يا مهيجة!! أتذكرين كم كنت دافئة تلك الليلة، كم كنت راغبة في العطاء!!"
لكن نجواه انقطعت وقد دخل أبو الليل مسرعاً.
ـ أما تزال نائماً؟ انهض... انهض.
كان باقر قد أفاق، لكن دون أن يغادر فراشه، فبرد كانون والثلوج البيضاء على ظهر البيدر القريب كانا يدفعان به للالتحاق أكثر والانطلاق أكثر مع الماضي والذكريات، لكن أبا الليل هدر من جديد قاصفاً إياه بالخبر القنبلة.
ـ بدأت الغارات الجوية على العراق!!
وأجفل باقر هاباً ملء طوله:
ـ ماذا تقول؟
ـ الإذاعات هي التي تقول.
ـ منذ متى؟
ـ منذ منتصف الليل. فوهة الجحيم انفتحت على القوات العراقية في الكويت.
ـ يستاهل صدام وقواته، رد باقر بحقده القديم الأزلي على صدام.
ـ لكنهم يضربون البصرة، بغداد، الكويت، العمارة، مدن العراق وقراه، مزارعه ودساكره.
ـ يا إلهي!! هتف باقر بكل ما يحمله من حب للبصرة وخوف على العراق. هذا ما كنت أخشاه!!
وأسرعا كلاهما إلى راديو الترانزستور الصغير. سبق باقر أبا الليل. فتحه على صوت لندن فقرعت سمعه للتو دقات بيغ بن. أخذ سيجارة على عجل... أشعلها وهو ينتظر النشرة. نفث النفثة الأولى قبل أن تبدأ النشرة. مثله كان أبو الليل ينفث دخان سيجارة أشعلها من قبل، وحين بدأ المذيع الأخبار، صدمه الحقد الذي كان يشوب نبرته:
ـ دكتاتور العراق يتلقى الدفعة الأولى على الحساب.
ولم يملك باقر إلا أن يفتح عينيه على سعتهما ويفغر فاه. كان يسمع لكن دون أ ن يصدق ما يسمع. فالمفاوضات... الحل السلمي... الوعود بعدم قصف العراق، وحدها كانت تسود الجو في الأيام الأخيرة، حاملة الكثير من الطمأنينة للنفوس.
ـ مجرمون!! سفاحون!! غدارون!! راح أبو الليل يقاطع أخبار لندن، وقد بدت أشبه بقاذفة لهب تصب نار حقدها على العرب جميعاً، لا على العراق فحسب.
ـ بل هو المجرم.. السفاح. رد باقر كم قلت لك من قبل؟ يثق بهم ويتخلى عن درعه البشري، لماذا؟ أليست مؤامرة؟ أليست جريمة؟
ـ قذائف المدفعية والصواريخ، جاء خبر لندن من جديد محملاً بالحقد والكراهية، تطلقها البوارج الحربية من مياه الخليج على مواقع الدكتاتور في البصرة.
ـ لكن لماذا؟ صاح باقر صيحة ألم وهو يتصور البصرة تشتعل حرائق وتنهدم بيوتاً، تزعق نساء وتصرخ أطفالاً، فلم يملك إلا أن يضع يده على قلبه. باقر يستعيد في ذهنه صورة البصرة الجميلة التي بناها العرب أول ما بنوا في العراق، ميناء على مصب الشط في الخليج، لكن الخليج انحسر متراجعاً إلى الوراء.. مبتعداً عن البصرة مع ذلك ظلت البصرة منفذ العراق الوحيد إلى عالم البحار. ضفاف نهرها مزينة بالنخيل، تسبح فيه الزوارق والسفن، عليها تنتشر المقاهي والحدائق حيث الصبايا يعقدن حلقات، يرقصن فيها ويغنين. باقر يذكر البصرة التي تتيه فخاراً بشط العرب وقد التحم فيه الرافدان: دجلة والفرات، تظلل ضفافه أشجار التوت والصفصاف، النبق والبمبر... وتتفرع منه وإليه جداول صغيرة كثيرة تتوغل في أعماق البساتين. باقر يتذكر نهر العشار بكل ما فيه من عبّارات ومهيلات تنقل الناس وتحمل التمور. يتذكّر كورنيشه الواسع، حيث الفتية والفتيات يزحمون أرصفته في الأماسي، يتحدثون ويضحكون، يقصقصون البزر ويتغازلون. هو يتذكر جسر سورين، ساحة أسد آشور، مصرف الرافدين، اليانق العثماني بلوحته النحاسية التي أصدأتها الأيام والسنون، يتذكرون سوق الهنود بزحامه الذي يقطع الأنفاس، سوق المقام، باب المقام العالي بنحاسه اللامع وزخرفته الجميلة، كما يتذكر ضريح الإمام، هناك في الداخل، مجللاً بالخضرة، علامة الخصب والعطاء.
ـ أيذهب ذلك كله؟ أتدمر البصرة؟ سأل فجأة بصوت عال فلم يملك أبو الليل إلا أن يعجب.
ـ ولماذا يقصفونها، إذن؟
ـ يا إلهي!! هي ذي الكارثة!! أيحل الخراب بالبصرة من جديد؟ أيعيد التاريخ سيرته الأولى؟ أيفعل الأمريكان بالبصرة مثلما فعل الزنج؟
ـ ليتهم الأمريكان فحسب، إنه العالم الإمبريالي كله.
ـ أجل الإمبريالية كلها، وذلك المجنون يتحدى الإمبريالية... يتحدى العالم كله.
ـ لا تقل مجنون. هو مخدوع، مورّط به، ربما. لكن مجنون، لا.
ـ كيف لا يكون مجنوناً من يواجه قوى العالم كله الآن: أمريكا... بريطانيا... فرنسا... كندا... أستراليا...
ـ وإسرائيل.. لا تنس إسرائيل، قاطعه أبو الليل وقد مل من ذلك التعداد. إسرائيل من وراء تلك الدول كلها، معلوماتها، استطلاعاتها، تكنولوجيتها... كل ما تملكه إسرائيل تضعه تحت تصرفهم ليضربوا.
ـ ألم يعلم ذلك؟ كيف إذن يواجه ذلك العالم؟
ـ هم جروه جراً. رغماً عن أنفه أدخلوه المعركة، عصابة من الكاوبوي التقت بشاب معتد بنفسه. هو في عنفوان الشباب طالع إلى الدنيا كرمح رديني فكيف لا يعتد بنفسه؟ قال له زعيم العصابة "تعال، أشعل لي سيجاري"، "ليس لدي نار" رد الشاب وهو يحاول المرور بسلام. لكن العصابة لا تريده أن يمر بسلام، فسدت عليه الطريق. "كيف؟ ينبغي أن يكون معك نار" رد أحدهم. "أمر الزعيم يجب أن يطاع". قال آخر. "أطيعه وليس لدي ولاعة ولا كبريت؟" "أتهزأ؟ إذن خذها" وسدد الزعيم لكمة له، تفاداها الشاب بحركة بارعة متراجعاً إلى الوراء. فيما شرعت العصابة تتقدم: "دعوني وشأني. مالي ومالكم؟ أنا لم أخطئ بحق أحد منكم. دعوني وشأني". كان يصيح وهو يتراجع، فيما هي تتقدم إلى أن حشرته في الزاوية. "سنقتلك، يعني... سنقتلك" قال الزعيم وقد أحاطت به العصابة إحاطة الطوق بالعنق.
"لكن.. ماذا فعلت لكم!؟ أنا لم أسئ إليكم... لم أؤذ أحداً منكم" "ترى نفسك!؟ تعتز بكبريائك. سنلقنك درساً... سنجعلك عبرة وعظة. اركع" صرخ به الزعيم فأجفل "أركع؟ لا.... لن أركع". "بل ستركع... ستقبل حذائي". "أموت ولا أركع لأحد. أهلك ولا أقبل حذاء أحد." رد الشاب بكبريائه نفسها، وأعطى الزعيم الإشارة لينصب على الشاب وابل من لكمات... رفسات.... نطحات رؤوس، ضربات ركب، إلى أن وجد نفسه يسقط أرضاً ملء فمه الدماء... ملء جسده الجراح... ملء أوصاله الرضوض... ملء رأسه الآلام، والآلام تبرح، ثم إن اشتدت تفقد المرء الوعي.
ـ من فمك أدينك، صاح باقر وقد وجد حجة دامغة. يتكبر، ويتجبر، وهو بمفرده أمام عصابة، لماذا لم يرغ منها؟ لماذا لم يحاول حتى الهرب؟
لم يكن باقر وحده يسأل ذلك السؤال، بل كل مشفق على العراق، كل عارف للحقيقة، كل كاره للبغي والعدوان كان يسأله. مع ذلك كان يرافقه السؤال حنق وغيظ. لماذا تدمير العراق؟ لماذا إبادة الجيش العراقي؟ حرق النفط؟ تخريب الاقتصاد؟ قتل الأبرياء؟ مع التساؤلات بدأت الجماهير العربية تندفع، في أكثر من مكان راحت تحتج. مظاهرات حاشدة في الأردن، فلسطين، لبنان، ليبيا، اليمن، تونس... كلها تطالب الإمبريالية برفع يدها عن العراق. لكن صواريخ الكروز، القاذفات ب 52، طائرات الميراج، السكاي هوك، كلها صماء الآذان، لا تصلها أصوات الجماهير ولا احتجاجات العقلاء من بني البشر. كانت تنطلق من البحر، الجو، البر، من الشمال، من الجنوب، ثم تنقض على مواقع القوات العراقية في الكويت على الحدود داخل العراق، ثم تنقض على الموانئ، المطارات، القواعد العسكرية، المرافق المدنية وقد غدت كلها بلا غطاء. الدرع البشري انتهى، خلعه العراق ليصبح عاري الصدر، حاسر الرأس يتلقى الضربات الموجعة وينوح، نخيله ينوح، دجلته تنوح، فراته، كل ما فيه يتمزق شظايا ويتوجع، كل ما فيه يتفتت ذرات وينوح.
غورباتشوف يحاول حفظ بعض من ماء الوجه، فيشعل الخط الأحمر احتجاجاً،
ـ لماذا ضرب العراق نفسه؟ لماذا استهداف المدن والقرى؟ النساء والأطفال؟
ـ نحن لا نضرب المدن والقرى، يرد بوش بكل صلف الكاوبوي وغطرسته، بل مواقع صدام العسكرية، مقراته الرئاسية، نريد تحطيم رأسه فقط.
ـ التقارير تقول غير هذا
ـ الأوامر تقول هذا، لكن إن حصل خطأ، وفي المعارك تحصل أخطاء، كما تعلم، فليتحمل المسؤولية صدام.
ـ الشعب في العراق هو الذي يتحمل المسؤولية الآن يا سيدي... الشعب وحده هو الذي يقتل ويجرح والشعب بريء... أعزل... سيدي الرئيس.
ـ مرة ثانية أؤكد لك، يا صديقي غورباتشوف، شعب العراق ليس هدفنا، بل دكتاتور العراق.
لا بد من سحقه حتى العظم فلا يرتفع لديكتاتور بعد اليوم رأس.
ـ لكن سيدي الرئيس، سحق ديكتاتور لا يحتاج لسحق شعب. القضاء على ديكتاتور لا يبرر القضاء على شعب.
ـ صديقي غورباتشوف، منذ متى كنت رقيق القلب إلى هذا الحد؟
ـ ليس رقة قلب سيدي الرئيس، بل هو ماء الوجه، نحن الذين توسطنا بينكم وبينه يوم الرهائن. أتذكر يا سيدي؟ نحن الذي نقلنا له وعدكم بأن لا تقصفوا العراق، أن تعملوا على حل الأزمة بالمفاوضات... بالطرق السلمية، أنسيت يا سيدي؟
ـ لا، لا مفاوضات مع ديكتاتور معتدٍ، قاطعه الكاوبوي محتداً، وقد نسي كل ما وعد به على لسان غورباتشوف أو لسان كارتر.
ـ معتدٍ؟ كيف وهو بعيد عنكم، سيدي الرئيس؟ بين العراق وأمريكا برارٍ وبحار... محيطات وقفار، فكيف، ومتى اعتدى عليكم؟
ـ حلفاؤنا هم جزء منا. يعتدي عليهم إذن يعتدي علينا. ولقد اعتدى على الكويت.
وبدا غورباتشوف كأنما يدور في حلقة مفرغة. كانت المسألة بالنسبة إليه مسألة كرامة وشرف. في وساطته كلها كان يؤكد لبغداد أن أحداً لن يمس العراق، يداً لن تمتد إليه، لكن هاهي ذي أيدٍ طوال بعصي غليظة تمتد إلى العراق، تهبد العراق. فماذا يقول للناس؟ كيف يواجه شعبه، وفي شعبه ملايين المناصرين للعراق؟ بأي وجه يقابل العالم، والعالم يعرفه عملاقاً كانت الأرض ترتج تحت قدميه؟
كارتر نفسه كان يتساءل الأسئلة نفسها، فقد حمل لبغداد وعوداً سرعان ما تبين أنها كاذبة!؟ "هل أرسلوني واسطة ليورطوني؟ هل حملوني الوعود وهو يعلمون أنها كاذبة؟" اتصل كارتر بإمبراطور العالم، ذاك الذي يتربع على عرشه في البيت الأبيض. يريد الاحتجاج، التذكير بالوعود، لكن إمبراطور العالم مشغول. لم يعد معنياً بالرد على واحد من رعيته، ليس له سوى صوته الانتخابي. وأقفل كارتر الخط كسيراً حسيراً.
ميتران في حالة من الغيظ هو الآخر، فرنسا، أم الحضارة، تلك التي كان مهدها العراق، فكيف تؤمر طائراته الميراج بتدمير مهد الحضارة؟ لماذا يحطم العمود الفقري للعراق؟ لكي يغدو كسيحاً عاجزاً لا تقوم له قائمة؟ والأعداء؟ كيف يحطم العراق والأعداء من حوله كثر وكل يحاول نهشه من جانب؟
ـ لا، ليس من مصلحتنا تدمير مهد الحضارة! ليس من مصلحتنا إضعاف العراق إلى حد العجز؟
ـ Shutup ، مسيو متران، أجابه الكاوبوي المتمرس بأفلام الويسترن، وقد أضفى على صوته مسحة من دعابة. قلت لك ستكون لك حصة من "الطرطة"، أم تريد أن أحرمك تلك الحصة؟
وخرس ميتران وهو يتذكر كيف سال لعابه حين وعده "بالطرطة" من قبل. هو، طوال عمره، يحب "الطرطات"، وإذا ما جاءته حصته من الكعكة دون كبير عناء فلماذا يرفض؟ هو حاول لكنه أخفق، صح منه العزم لكن الدهر أبى. ثم صدام يستحق. يريد أن يحرر العرب، يوحد العرب، يجعل منهم قوة حقيقية في الجنوب تشكل الخطر الأشد على الشمال!؟ الشمال والجنوب عبر التاريخ عدوان. كم شهد البحر الأبيض المتوسط من معارك في خضمه وعلى جنباته وفيها كلها كان الشمال والجنوب عدوين لدودين، فكيف ينسى ذلك ميتران؟ لم لا يحني رأسه للعاصفة ويأخذ جائزته في النهاية؟ "العراق كعكة العالم سيقتسمها الأنكلو أمريكان فيما بينهم رضيت أم أبيت، فلم لا أرضى؟ لم لا أحالف القوي، والنصر سهل على الضعيف، فأكسب وأغنم بدلاً من أن أحالف الضعيف، والنصر مستحيل على القوي، فأخسر وأهزم"؟
ومضى ميتران إلى منتجعات "كان"، حيث شواطئ اللازورد ودفء البحر الأبيض المتوسط، فيما كانت سماء بغداد، البصرة، الموصل، تمطر حمماً من نار تنزل على الأرض فتسيل الأرض دموعاً ودماء، تتفجر حرائق ودخاناً.
حاول طارق عزيز الاتصال بكارتر "أين السلم الذي جئت تحدثنا به؟ أين الوعود بالمفاوضات والاتفاقات؟" لكن الهاتف العراقي لا يعمل. خطوطه كلها مقطوعة. وللتو، شد الرحال إلى موسكو. وفي موسكو حلفاء قلما خذلوه.
صحيح أنهم لم يرضوا عن احتلاله للكويت، لكن الصحيح أيضاً أن الأمر لا يصل بهم إلى حد الرضى عن تدمير العراق، هم الشركاء الأساسيون في بنائه. أسلحة العراق منهم... على أرضه خبراؤهم. جسوره من تصميم مهندسيهم... سدوده... معامله، كلها بالتنسيق معهم فكيف يتخلون عنه؟
ومن جديد عاد غورباتشوف إلى الخط الأحمر.
ـ طارق عزيز عندي..
ـ ماذا؟ قاطعه كاوبوي واشنطن يمتزج بدهشة الغضب. كيف جاء؟ أية ثغرة عبر؟
لكن غورباتشوف لا يعلم كيف يخبره. الرجل جاء ضيفاً فهل يسأله كيف جئت؟
كان قد سأله لماذا جئت؟ سمع صرخاته، احتجاجاً وحسب، ففي نبرته أسى موجع، وفي سيمائه مسيح آخر دقت يداه وقدماه بمسامير على الصليب.
ـ المهم سيدي الرئيس، يريد إيقاف القصف. هو يقول العراق تحول إلى جهنم...
ـ لم ير شيئاً بعد. قاطعه إمبراطور العالم نافخاً صدره شائلاً برأسه. الآتي أعظم.
ـ لكن، يمكننا حل المشكلة. صدقني سيدي الرئيس. فقط، قل لي ماذا تريد؟
وأطبق صمت على الخط الأحمر. كان إمبراطور العالم يضحك على الطرف الآخر. لو كان لدى غورباتشوف هاتف تلفزيوني لرآه وهو يكتم ضحكات كادت تنفلت وهزات من رأس يلوح يمنة ويسرة "مسكين غورباتشوف!! يريدني أن أقول له ماذا أريد من العراق!؟ ليسأل إسحق شامير.. أرئيل شارون... إسحق رابين... ماذا يريدون من العراق؟" لكن صوت غورباتشوف قطع عليه سلسلة أفكاره.
ـ ماذا سيدي الرئيس! أنت معي؟
ـ أجل، يا صديقي! صاحب البيروسترويكا المبجل!
ـ إذن، قل لي. أرجوك. ماذا تريد من العراق؟
ـ رأس صدام.
ـ أو يسلم عاقل رأسه يا سيدي؟
ـ إذن، رأس العراق.
ـ كيف، والعراق اثنان وعشرون مليون رأس!؟ أتريدها كلها يا سيدي؟
ـ أجل، برج من جماجم كبرج بابل ذاك الذي شهد عذابات اليهود. أتذكر؟ نبوخذ نصر سبى اليهود، ساقهم إلى بابل، صنع منهم عبيداً وإماء، ثم جعلهم شتاتاً في الأرض.
ـ حسن، لكن كيف أترجم هذا الكلام لطارق عزيز؟
ـ ليذهب طارق عزيز إلى الجحيم. أنا لا يعنيني رجل مثله بل لا يعنيني صدام نفسه. أريد بالضبط ما تفعله طائراتي الآن.. ما تفعله بوارجي... صواريخي، أريد مسح العراق عن وجه الأرض.
ـ هذا كلام خطير. سيدي الرئيس. سيحتج العالم كله عليك إن سمعك.
ـ وكيف سيسمعه العالم؟ سيُسمعه إياه؟ أنت، يا صديقي، صاحب البيروستريكا؟ رد الكاوبوي ساخراً سخرية التهديد من رئيس الدولة التي كانت قبل سنوات فقط أحد عملاقين يحسب له العملاق الآخر ألف حساب.
ـ لا، لن أسمعه شيئاً كهذا، لكن كرمى لصداقتنا سيدي الرئيس. من أجل محبتنا، تعاوننا الدائم، وحفظاً لماء وجهي، على الأقل، اطلب طلباً معقولاً سيدي الرئيس.
ـ حسناً!! قل لطارق الزفت ذاك، لينسحبوا من الكويت دون قيد أو شرط، وفي الحال.
وأسرع غورباتشوف يزف البشرى لضيفه الحزين على بغداد وهي تتحول ساعة بعد ساعة إلى أنقاض.
ـ ننسحب، لكن ليوقفوا القصف، كي نتمكن من الانسحاب؟
وعاد غورباتشوف إلى الخط الأحمر، يزف بشرى حسبها سارة للغاية.
ـ هم موافقون على الانسحاب، دون قيد أو شرط. فقط، أوقفوا القصف، سيدي الرئيس...
وأرتج على السيد الرئيس، إمبراطور العالم. العدو يفوت عليه فرصته التاريخية، يوافق على الانسحاب وكم يكره أن يوافق على الانسحاب!!
ـ هه!! ماذا قلت يا سيدي!! سأله غورباتشوف بكثير من اللهفة، هو الذي يريد أن يخرج بشيء من ماء الوجه.
ـ اسمع يا صديقي. إيقاف القصف صعب الآن. لا بد له من قرار. أمهلني بعض الوقت.
وأمهله غورباتشوف ساعتين. استشار فيها الإمبراطور صاحب الجلالة والمهابة مستشاريه وحلفاءه، فأرغت المرأة الحديدية في لندن وأزبدت:
ـ لن نوقف القصف حتى يلقي الجيش العراقي بأسلحته كلها. في الكويت، على الحدود، في الداخل، عليه أن يلقي بكل ما لديه من أسلحة: بدءاً من المسدس وحتى المدفع العملاق ثم يرفع كل فرد فيه الراية البيضاء فنكون على ثقة أنه الإذعان الكامل.
وفرح إمبراطور العالم أيما فرح. "عبقرية هذه المرأة الحديدية. من أين تأتي بمثل هذه الأفكار!! لقد أنقذتنا."
بعدئذٍ سارع إلى الخط الأحمر ينقل لصديقه شرطه الجديد.
ـ لكن هذا مستحيل، سيدي الرئيس، رد غورباتشوف، وقد فاجأته قسوة الشرط.
ـ لا نقاش. إما إذعان كامل أو قصف مدمر متواصل إلى أن يتحقق ذلك الإذعان.
أسقط في يد غورباتشوف، وهو يرى الطرق كلها تسد في وجهه. بغداد لا تقبل بالإذعان. هو واثق من ذلك. الاستسلام، رفع الراية البيضاء، كلمات لا تدخل في قاموس بغداد، فماذا يقول لطارق عزيز؟
بكثير من التأتأة والمأمأة، نقل غورباتشوف شروط الكاوبوي في واشنطن. للتو امتعض طارق عزيز وأربد وجهه، وبالطريقة التي وصل بها إلى موسكو عاد أدراجه إلى بغداد.
ـ هكذا!! رد حاكم بغداد وقد قدحت عيناه شرراً. يريدون منا أن نلقي أسلحتنا حيثما كنا؟ يريدون إذعاننا واستسلامنا؟ إذن، طاب الموت يا عرب!!
وهز تل أبيب دوي انفجار هائل كأنه انفجار بركان. أبنية انهارت، جدران تطايرت، غبار ثار، دخان طار، فيما أضاء ليل تل أبيب نيران حرائق اندلعت هنا وهناك. الانفجار الذي أصم الآذان أول الأمر فتح الأعين على سعتها ذهولاً ودهشة بعدئذٍ، ثم انفجرت تساؤلات واستفسارات، سرعان ما ارتدت على أعقابها جواباً واحداً شديد الهول: "صدام بدأ القصف". تلفت الكل إلى الكل وقد تسمروا في أماكنهم.
ـ معقول؟
ـ يد تطولنا؟
ـ صواريخه تدكنا؟
بدأت تساؤلات ذوي القفاطين السوداء والقلنسوات الصغيرة التي تغطي أعلى الرأس. وكانتشار النار في الهشيم، بدأ الرعب ينتشر موجاً كاسحاً جعل يهود تل أبيب أسراب عصافير جاءها باشق، وصورة واحدة أمام أعينهم: سنابك خيل نبوخذ نصر تدق أبواب أورشليم، وسبي بابل يعود من جديد.
ـ أتسبينا بابل مرة ثانية؟
ـ أهي الدياسبورا من جديد؟
وطار يهود تل أبيب، عصافير مذعورة تريد الخروج من تل أبيب. وحدها مكبرات الصوت أوقفتهم.
ـ اقصدوا الملاجئ؟
ـ انزلوا إلى الأقبية
ـ لا تتحركوا في العراء.
وازداد ذوو القفاطين والقلانس رعباً، مكبرات الصوت تحذرهم من صواريخ جديدة، من انفجارات أشد هولاً قد تقع في أية لحظة، فأسرعوا يختبئون: "تسبينا بابل... ليكن. لكن نموت؟ لا، وألف لا".
وراحت الأكتاف تزحم الأكتاف، الأقدام تطأ الأجسام، الكبار يدهسون الصغار، الصغار يزعقون مستنجدين بالكبار. فالحمر المستنفرة التي فرت من قسورة لا تعي شيئاً مما حولها، تندفع بقوة السيل، لا تميز بين طفل وشيخ، حامل ومرضعة يملأ عينيها سديم أعمى اسمه الرعب.
صاروخ آخر سقط بانفجار أشد هولاً، ثم سقط ثالث ورابع حتى بدا وكأن آلهة الحرب كلها تنقض، بكل صخبها وجلبتها، على تل أبيب.
وعلى الأثر دماء سالت، أجسام احترقت، أشلا تطايرت فيما ملأت شوارع تل أبيب صافرات إنذار، أبواق إسعاف، صرخات جرحى، زعقات نساء، وخلال دقائق تحولت تل أبيب إلى بحر صاخب الأمواج، مضطرب المياه، وقد أمسكت بها قبضة إعصار هائل يدعونه التنين.
ـ سيدي إمبراطور العالم!!! هتف إسحق شامير لسيده المتجبر المتعالي هناك في واشنطن لا تطوله يد ولا تصله صواريخ، أرأيت ما يفعل صدام؟ صواريخه تدكنا يا سيدي!! تدمر تل أبيب يا سيدي.
ـ اللعنة!! رد إمبراطور العالم وهو يشتعل غيظاً، حسبناه سيركع عند أقدامنا فإذا به يقصفنا!
ـ ماذا أفعل؟ أشر علي يا سيدي. تل أبيب تخرب. خراب الهيكل يحل من جديد. سبي بابل يعود.
ـ خسئوا، عزيزي إسحق!! قاطعه الكاوبوي المتجبر. لا خراب ولا سبي... اطمئن سأرسل لك صواريخ الباتريوت تدمر صواريخه قبل أن تصل.
ـ الباتريوت!؟ ومتى تصل؟ بعد خراب البصرة يا سيدي؟
ـ بعد... قبل.. ما الذي بوسعي أن أفعل؟
ـ دمر العراق يا سيدي! اهدم بغداد حجراً على حجر.
ـ وماذا أفعل إذن؟ منذ بدأ القصف والطيران أسراب ذاهبة.. أسراب آيبة.
الصواريخ أفواج أفواج.. قذائف المدفعية البحرية أمواج أمواج... اذهب إلى العراق وانظر. العراق كله كتلة من نار... ساحة من حرائق.
ـ مع ذلك تدكنا صواريخه!؟ إسرائيل كلها بحر من هلع يا سيدي! يجب أن نتصرف. بسرعة نتصرف.
ـ اقتراحك!!
ـ قنبلة ذرية واحدة أدك بها بغداد.
ـ لا، لا، قاطعه الكاوبوي السادي الذي يتلذذ بالتعذيب، التمريغ، القتل البطيء الإفرادي. لكن السريع.. الجماعي... لا، فليس في مثل ذلك القتل لذة. قنبلة ذرية!؟ هدروجينية!؟، نهره أخيراً. العالم كله حظرها والعالم كله سينقم علينا إن استخدمناها.
ـ إذن. دعني أرسل طيراني يدك بغداد. لدي من خيركم، مئات القاذفات الشبح، السكاي هوك، الميراج... دعها تشارك في المعركة يا سيدي. دعها تنتقم لضحاياي هنا. ترفع معنويات حاخاماتي ورعيتي هنا.
ـ تخرب الطبخة كلها. رد الإمبراطور بعد لأي، وقد أغراه الاقتراح إقداماً، لكن الخوف كبحه إحجاماً.
ـ أخرب!؟ طبخة!؟ ماذا تقصد سيدي؟
ـ إن دخلت إسرائيل الحرب، انقلب العرب كلهم علينا. صاروا ضدنا.
ـ لماذا؟ ألا يعلمون أننا شركاء. أن إسرائيل وأمريكا واحد؟
ـ يعلمون، لكنهم يتجاهلون. يظل لديهم هامش للمناورة يناورون فيه على شعوبهم. "لا، أمريكا شيء وإسرائيل شيء آخر"، تقول إذاعاتهم للناس. "أمريكا صديقة حليفة أما إسرائيل فعدوة، ونحن نحالف الأصدقاء لا الأعداء". لكن إذا شاركت الآن في الحرب سينكشف الغطاء ويصبح من المحال التعمية والتضليل، فتخرب الطبخة كلها.
ـ ماذا تريد إذن؟ يضربني صدام وأقف مكتوف اليدين؟
ـ ألسنا واحداً؟ نحن وأنتم، ألا تقول أننا واحد، عزيزي إسحق؟ رد إمبراطور العالم بنبرة التهدئة.
ـ أجل، واحد. سيدي، واحد.
ـ إذن، دعونا نحارب واستريحوا أنتم. تابع الكاوبوي، حرب بالوكالة نخوضها عنكم، فلماذا تعذبون أنفسكم؟ لقد جئت بالعالم كله ليخوض حرباً بالوكالة عنكم، بل جندت حتى العرب ليخوضوا تلك الحرب. يقتل العرب العرب عوضاً عنكم، فماذا تريدون خيراً من ذلك؟
ـ مع ذلك، لا بد من أن أنتقم بنفسي. لن يشفى غل لي وللناس هنا إلا إذا شارك طيراني.. صواريخي... سفني.
ـ لا، لا، بعرضك، عزيزي إسحق!! صواريخ... سفن... لا...
ـ إذن، الطيران؟
ـ الطيران معقول، رد بوش بعد لأي، لكن مموه، أتسمع؟ شرط أن يكون مموهاً فلا ينكشف أمرنا.
وقبل أن ينبلج فجر تلك الليلة، كانت مائة طائرة إسرائيلية تحط على حاملات الطائرات البحرية: الميراج مع الميراج، الهوك مع الهوك، الإف 16 مع الإف 16ـ لكن كلها بغير نجمة داوود ودون أن يأتي على ذكر ذلك إذاعة أو تلفزيون... فيما العكس كان صحيحاً. لم ينه إسحق شامير حديثه مع إمبراطور العالم حتى كانت وكالات الأنباء، الإذاعات، المحطات التلفزيونية قد بثت للعالم كله أخبار صواريخ السكود، صورها، وهي تهز تل أبيب هز الزلازل.
باقر سمع الخبر فلم يشعر إلا وهو يثب عالياً في ملجئه إلى درجة اصطدام رأسه بسقفه الأسمنتي، فيما لعلع معسكر الحاصباني رصاصاً وهتافاً. أبو الليل رفع بندقيته الكلاشينكوف وأرخى لها العنان.
ـ حيا الله، بارك الله!! حيا الله، بارك الله!!
ـ العراق يضرب إسرائيل!! العراق يدك إسرائيل!!
بدأ الهزج والغناء للتو. فالفدائيون الذين ظلوا سنوات طويلة لا يملكون إلا أن يحنوا هاماتهم لطيران إسرائيل وأن يختبئوا منه فئراناً في جحور، هاهم، ولأول مرة، يرون صواريخ عربية تدك إسرائيل... تبث الذعر في نفوس يهودها فيسرعون إلى المخابئ وقد غدوا هم أنفسهم فئران جحور. الآية تنقلب رأساً على عقب، فكيف لا يثب فرحاً باقر؟ كيف لا يهزج ويرقص أبو الليل؟
جند العرب المتربصون على حدود الكويت، حدود العراق، هزجوا ورقصوا، بل كثيرون منهم خرجوا إلى العراء يطلقون النيران فرحاً وابتهاجاً. قائدهم، الفريق العتلّ، نفسه سمع هزجهم ورصاصهم فاشتعل حيرة. أيمنعهم من الفرح وإسرائيل تدك، أم يفرح معهم هو نفسه؟ قبل تلك الحرب كان يدفع المليارات، لتطوير صواريخ العراق، لتقوية جيش العراق كي يحارب إسرائيل، يقف حارساً لبوابة الشرق، ويحمي الوطن الكبير كله. الآن تقصف بغداد تل أبيب، فمن من العرب لا يفرح؟ كيف لجند عاشوا على حلم تحرير فلسطين من ألا يهزجوا ويرقصوا وهم يسمعون أصوات الصواريخ تدك تل أبيب؟ الحيرة تأكل قلبه، عقله وهو يذرع خيمته جيئة وذهاباً، يكاد يجن جنونه. "ماذا سيقول شوارتزكوف؟ ضباط اليانكي، الأنكلو ساكسون، ماذا سيكون رد فعلهم؟" لكن الجند الذين فرحوا لقصف إسرائيل لم يفكروا باليانكي ولم يكن يعنيهم الأنكلو ساكسون. كانوا قد انطلقوا بعفويتهم يفرحون ويهزجون. في المعسكر المصري، العماني، القطري، السوري، الظبياني... كانت جموعهم تطلق الرصاص وتهزج، فرحة راقصة تهزج:
"اضرب... اضرب يا صدام
تل أبيب تحت الأقدام"
ثم تعالت أهازيجهم ورصاصهم إلى أن صكت مسامع الفريق الحائر، فأعطى أوامره للتو:
ـ يريدون أن يفضحونا، أسكتوا هؤلاء المجانين، كموا أفواههم.
وأسرع الضباط، الذين شارك بعضهم في الهزج والرقص، بإسكات الجند. مع العسكر والأوامر العسكرية، لا مجال للنقاش. فقط نفذ ثم اعترض.
لكن الشارع العربي لم يكن له علاقة بالعسكر ولا الأوامر العسكرية، سمع دوي الصواريخ في تل أبيب، رأى على شاشات التلفاز رعب تل أبيب، ولأول مرة، فخرج في كل مكان من الوطن الكبير: نساء، رجالاً، شيوخاً، أطفالاً، والكل يرقصون ويهتفون:
"سكود... سكود... صب النار
على الصهيوني الغدار".
العالم العربي كله في عرس. زغاريد النساء وهناهينهن ملء الأسماع والأبصار. نسي الجميع قصف بغداد، البصرة، العمارة، الموصل، ليمثل أمام أبصارهم شيء واحد: قصف تل أبيب، فخرجوا يحيون السابقة الرائعة التي حلموا بها منذ عقود.
شرطة الأنظمة في عواصم العرب وقفت حائرة مترددة. حلفاء لندن.. حلفاء واشنطن ما تراهم يفعلون، وحشود هائلة من الجماهير تبكي الدموع السخان فرحاً؟ تبح أصواتها هتافاً؟
" قفوا مع العراق لا أمريكا." "قاتلوا أمريكا لا العراق" "صدوا العدوان" "حرروا فلسطين". "وآلاف الهتافات التي أذهلت كاوبوي واشنطن، تاتشر لندن وميتران باريس.
"لم يمت العرب إذن!! ما زالت فيهم بقية من روح." فكرت المرأة الحديدية الحاقدة على شعب تريده أن يموت لكنه لا يموت. أخبار الشارع العرب تزيد حقدها اشتعالاً، ثم يجن جنونها أكثر وهي ترى على شاشات التلفاز جماهير العرب ملء الشوارع والطرقات تريد من حراب العرب أن ترتد لصدور الغزاة المستعمرين لا الأشقاء الذين عن أوطانهم يذودون. يجن جنونها أكثر وهي ترى شوارع بغداد نفسها تغص بالناس وقد خرجوا دون وجل أو خوف يهزجون ويرقصون. الطائرات تقصف، الرصاص يئز، الصواريخ تنفجر، ما يهمهم؟ ثمة فرح أكبر يجعلهم ينسون كل شيء، فرح أكبر يمسح كل خوف، إنه دك إسرائيل.
فاطمة نفسها خرجت إلى شارع الأعظمية، رقية إلى شارع المنصور، بل أمهما نفسها خرجت مع جاراتها إلى كورنيش شط العرب. آلاف، عشرات آلاف النساء خرجن في كل مدينة في العراق يهزجن ويهتفن حتى غدت مدن العراق بحاراً تموج بالعباءات السوداء. الرجال في ميادين القتال لا يستطيعون الخروج، فلماذا لا تخرج النساء؟
مع بداية القصف الوحشي وهن مع أطفالهن في المنازل، شعرن بالخوف. الوهلة الأولى ارتعدت فرائصهن. "حان الحين.. جاءنا عزرائيل" كان لسان حالهن يقول، فلذن بأقرب ملجأ. اختبأن في الأقبية، يسمعن الإذاعات ويزداد خوفهن. صوت أمريكا تقول "ثلاثة أيام ويغدو العراق كله خراباً يباباً. لا بغداد تظل ولا بصرة تبقى". يعلن صوت لندن: "سنعيد العراق إلى العصر الحجري".
واشتد الهلع في النفوس.
ـ إن لم تبقَ بغداد.. أنبقى نحن؟ قالت جارة فاطمة، حينذاك، لفاطمة.
ـ لا أظن، ردت فاطمة وكلها خوف وتوجس.
ـ يعيدوننا إلى العصر الحجري، كيف؟ قالت امرأة لأخرى.
ـ يقضون على كل أثر للحضارة... للمدنية، ردت الأخرى فعادت الأولى تضرب كفاً بكف: إذن، هو ذا الموت الزؤام!! هي ذي النهاية!!
وطوال الساعات الأولى للقصف، ظل الشيوخ، الأطفال، النساء، ينتظرون الموت الزؤام يحمله إليهم طير الأبابيل الذي لم يكن يكف ساعة واحدة فتشتعل منازلهم ناراً، يتمزق أطفالهم أشلاء، تنهار جسور على دجلة والفرات، تتساقط مستشفيات على مرضاها، تحترق سيارات بركابها، معامل بعمالها، وشيئاً فشيئاً تنخفض المعنويات ويدب اليأس.
"المعركة خاسرة، القوى غير متكافئة، فكيف نواجه وحيدين قوى الشر في العالم كله؟"
كانوا يتساءلون في بغداد... في كل مكان من العراق... ولم يكن أحد يملك الجواب. إذاعة بغداد وحدها تملك الجواب، لكن القلة من نساء بغداد كن يسمعنها. هن يردن أن يسمعن ما يقوله الطرف الآخر. قد شبعن من إذاعة بغداد... فماذا تقول لندن؟ واشنطن؟ أقوال هذه وتلك تدعو لليأس. ثمة أرقام فلكية توردانها: عدد الطائرات، الطلعات بالآلاف، القذائف، الصواريخ... بعشرات الآلاف وكلها تسقط على العراق. ديناميت يتفجر كل دقيقة على تراب العراق بما تشيب له الرؤوس وتقشعر له الأبدان فكيف لا تنخفض معنويات فاطمة؟
مذ غادرها عبد المحسن ظلت وحيدة، فمن يرفع معنوياتها؟ تنظر إلى أطفالها الثلاثة فترتجف خوفاً. ماذا إن نزلت قنبلة عليهم؟ ماذا إن اخترق صاروخ جدار منزلهم؟ ماذا؟ ماذا؟ وهدير الطائرات ملء السماء، دوي الانفجارات ملء الأسماع. أنابيب المياه تتمزق، أسلاك الهاتف تتقطع بل حتى الكهرباء تودع ليبقى ليل بغداد بهيماً مظلماً لا يضيئه إلا لهب الحرائق.
ـ أين طائراتنا؟
ـ أين قاذفاتنا؟
ـ أين صواريخنا.. مدفعيتنا؟ لماذا لا تتصدى لطائرات العدو؟
كانت الأسئلة تترى في ذهن فاطمة وأذهان كل من هن بجوار فاطمة، وكانت إذاعة بغداد تصبِّر الناس، تدعوهم للتريث، ففي اللحظة المناسبة سيأتي الرد المناسب.
يسمعون ذلك فترتفع العزائم، لكن، لندن، واشنطن، باريس تثبط العزائم، تقول إن الخطة العسكرية سائرة على خير ما يرام... المهام تنجز خلال أيام. ولا تملك فاطمة إلا أن تصدق إذاعات لندن، واشنطن باريس. فعلى أرض الواقع كانت قد تحققت أهداف. لا ماء، لا كهرباء، لا هاتف. تريد الاتصال بأمها في البصرة، تعلم ما جرى للمدينة، تطمئن على الأم، لكنها لا تستطيع، تريد الاتصال برقية، قربها في بغداد فلا تستطيع.
أخيراً تأتي اللحظة المناسبة. وتنطلق صواريخ سكود. تشعر فاطمة أن الفرح قد جاء. تشعر أن بغداد ما تزال قوية متماسكة، وأن سحق العراق أبعد منالاً بكثير مما تتصور لندن وواشنطن. هاهي بغداد تجمع قواها من جديد.. ترد بضربة مفاجئة تصيب العالم كله بالذهول. (إيه بغداد!! كم أنت قادرة على إصابة العالم بالذهول!!) وتخرج فاطمة، شأنها شأن النساء، الأطفال، بقية الرجال، إلى الشوارع لترى أن بغداد ما تزال بغداد. شوارعها ما تزال قائمة... أبنيتها ما تزال شامخة، نهرها يجري، سفنها تسري، أشجارها... نخيلها... كلها لم تخفها طائرات العدوان، لم تهتز لصواريخ العدوان. صحيح، كان ثمة أبنية دكت، جسور تهشمت، طرقات حفرت. صحيح، كان ثمة قتلى جرحى... خراب هنا.... خراب هناك. لكن بغداد أكبر من ذلك بكثير... العراق أوسع وأعظم من ذلك بكثير... هو صامد. قوي. جبل ضخم لا تحته حتى عاصفات الأمطار.
رأت تاتشر جماهير بغداد، فانتفضت مسرعة إلى الهاتف:
ـ ما هذا يا جورج؟ أين طائرات الفانتوم؟ أين الكروز؟ التوماهوك؟
ـ كلها نرسلها أفواجاً أفواجاً إلى بغداد!!
ـ مع ذلك يخرجون إلى الشوارع!؟ يفرحون بدك إسرائيل؟ لا، يجب أن تزيد العيار. إن كان عشرة فاجعله مائة، وإن كان مائة فاجعله ألفاً.
ـ هذا ما أفكر به، بل أفكر... بدأ جورج ثم توقف، الفكرة تخيفه، بل مجرد خطورها بباله يخيفه.
ـ هه!! قل. بماذا تفكر؟ حثته المرأة الحديدية، وهي تشتعل حقداً.
حينذاك حدثها إمبراطور العالم بماذا يفكر، معيداً على مسامعها طلب إسحق شامير.
ـ ماذا؟ قنبلة ذرية؟ صرخت من شرقي الأطلسي فوصل صوتها هادراً إلى غربيه.
ـ ولم لا؟ هم يريدون الانتقال لتل أبيب، فليفعلوا.
ـ لا، لا، قاطعته المرأة الحديدية بنبرة حديدية. لا. قنبلة ذرية!؟ هذا سيقلب مخططاتنا رأساً على عقب... سيؤلب العرب كلهم علينا.
أنتم لا تعرفون العرب، نحن نعرفهم، جورج!
وتراجع جورج مقتنعاً بأفكار المرأة التي تمسك بريطانيا العظمى بيد من حديد.
ـ أنا قلت لهم ذلك، صدقيني، قلت لهم ذلك كله، لكن. لشدة القهر والغيظ يعود المرء ويفكر: ليسحق ذلك الشعب طالما هو يعادينا، يسبنا، ويشتمنا.
ـ ونخسر العرب كلهم؟ نخسر حلفاءنا!؟ لا، لا، كما قلت لك؛ ثقِّل العيار... كثف الغارات... زد الطلعات.. أريد خلال يومين أو ثلاثة أن تصبح بغداد قاعاً صفصفاً.
واتصل جورج موبخاً مؤنباً:
ـ شوارتزكوف!! أنت قائد فاشل!!
ـ أنا، يا سيدي؟
ـ طبعاً، وإلا كيف تفسر خروج العراقيات يهزجن في الشوارع؟ كيف تفسر بقاءهن على قيد الحياة؟ ألم أقل لك أريد مسح العراق من خارطة العالم؟
ـ نحن نبذل أقصى جهدنا يا سيدي.
ـ أهذا أقصى جهدك، أنت تملك أعظم قوة تدميرية في العالم؟ تبّاً لك إذن!!
ـ وماذا أفعل يا سيدي؟ الخطة التي وضعتموها ننفذها حرفياً. هه! هذا هو الجنرال باول بجانبي. اسأله إن شئت.
ـ لا أريد أن أسأل باول ولا شاول. أريد تدمير العراق شعباً وجيشاً... أريد مسحه عن وجه الأرض. أتفهم؟
ـ أفهم يا سيدي؟ لكن ماذا أفعل؟ آلاف الطلعات الجوية كل يوم، مئات آلاف القذائف تدك العراق، لكن كأن الطائرات لم تعد تخيف الناس، الصواريخ لم تعد ترعبهم، مدفعية البوارج لا تستطيع إبادتهم....
ـ ماذا إذن؟ قاطعه كاوبوي واشنطن غاضباً، أنفشل؟ أنصير هزأة في أعين العالم كله؟
ـ لا، سيدي، لا. يمكننا استخدام أسلحة التدمير الشامل: قنبلة ذرية واحدة... قنبلة هيدروجينية...
ـ لا، لا، ذرة؟ هيدروجين؟ لا. حلفاؤنا لا يوافقون. أريد حلاً آخر.
ـ إذن، ليس هناك سوى الهجوم البري: تكتسح الدبابات العراق، تسود المدرعات فيه وتميد، تحرق الأخضر واليابس.
ـ حسن!! حسن!! قاطعه إمبراطور العالم وقد أوشك صبره أن ينفذ. الهجوم البري. اكتساح العراق، هذا كله لا بد من أن يحدث في موعده وحسب الخطة لكن الآن، كثف الغارات... زد الطلعات... أكثر من الصواريخ... لا أريد لرأس عراقي أن يرتفع، لعباءة امرأة عراقية أن تظهر في شارع.
وانهمرت على البصرة عشرات آلاف القذائف تطلقها بوارج بريطانية ومدمرات أميركية، فوهات مدافعها كفوهات الجحيم تضرب دون توقف وتقصف دون رحمة فتتهاوى جدران وتنهار مبانٍ.. تقتلع أشجار ويحترق نخيل... يجرح أطفالاً وتقتل نساء، مع ذلك لا تخاف أم باقر في البصرة. تسمع دوي الانفجارات، ترى الحرائق، تشهد الانهيارات، مع ذلك تحوقل وتبسمل "يا إمام علي!! يا حسين، سيد الشهداء، يا موسى الكاظم ومحمد الجواد!! احموا العراق يا أئمتنا وأولياءنا!" هي تقرأ المعوذات وتطقطق بحبات سبحتها. إيمانها لا يتزعزع بأن العراق سيظل في أمان، أولياءه سيحمونه من كل شر. هي في السبعين من العمر، وحيدة إلا من ابنها كاظم. جبار في مكان ما من الشمال العراقي، باقر لا تدري أين مكانه من أراضي الله الواسعة، ابنتاها في بغداد. وحده كاظم ظل معها. كاظم تنكجي كأبيه. رجله المقطوعة منذ الحرب مع إيران منعتهم من أخذه إلى الجيش. امرأته لم تنجب، فظلوا هم الثلاثة يعيشون معاً، يذهبون إلى الملجأ معاً.. يظلون في البيت معاً. لم يعد ثمة عمل. لم يعد ثمة سوق تنكجية. كانت عشرات القنابل قد سقطت عليه فهشمته تهشيماً وكان كاظم برجله الوحيدة يحجل مع امرأته وأمه إلى الملجأ ليعودوا منه كلما توقف القصف.
بالها ينشغل على فاطمة ورقية. هما في بغداد. أطفالهما هناك أيضاً. لكن ماذا بوسعها أن تفعل؟ هي تسلم أمرهم إلى الله، كما سلمت أمر جبار وباقر، مثلما تسلم أمرها هي إلى الله!!
"الله أكبر من كل ظالم!! الله لا يتخلى عن عباده الضعفاء"، تتمتم وهي تطقطق بحبات سبحتها، فيما مئات المدافع من بوارج ومدمرات الأنكلو أمريكان تصب حمم غضبها على العراق، واضعة نصب عينها لا خراب البصرة وحسب بل خراب العراق كله. مئات الطائرات تخرج من قواعدها في البحرين...، الكويت...، السعودية، تركيا، من حاملات الطائرات القابعة في الخليج، ثم تحلق سحابة سوداء كالليل، تفترق بعد البصرة سحابات. بعضها يتوجه إلى الشرق، بعضها إلى الغرب، لكن جلها إلى بغداد، إلى الشمال، حيث المطارات، المعسكرات، منصات الصواريخ، الجسور، المدارس، المستشفيات، لتصب كل ما في جوفها حمماً من نار تتحول بعدها المدن إلى حرائق والأحياء إلى أموات.
الساحة خالية أمامها، وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا. طائرات الـ ب 52 كانت قد استهدفت أول ما استهدفت مطارات العراق وقواعده الجوية، ومن ارتفاع عالٍ لا تصل إليه طائرات عراقية ولا قذائف مدفعية مضادة، فتحولت الطائرات الجاثمة إلى مزق وشظايا. وحدها الطائرات المختبئة في الملاجئ، نجت، لكن إلى متى؟ كان الجنرال باول يلاحقها واحدة واحدة. هو يستعرض صور الطيران، الأقمار الصناعية، ويحدد الأهداف. كان يريد القضاء عليها حتى آخر طائرة، لكن لشد ما فوجئ وهو يرى على شاشة راداره الكبير أسراباً منها تنطلق فجأة لتتجه نحو الشرق.
ـ عجيب!! هتف باول لقائده الأعلى، طائرات العراق تتجه إلى إيران!! العدو يلجأ إلى عدوه.
ـ ألم أقل لك؟ أولاء قوم، أمرهم غريب، فهمهم حتى من أصعب الصعيب.
ـ لكن ماذا عن الطائرات؟ أنلاحقها داخل إيران يا سيدي؟ أنهاجم إيران نفسها يا سيدي؟
ـ لا، لا، ذهبت؟ اتركها.
ويتركها الجنرال باول، ليبقى بعدها العراق بلا غطاء جوي، يتلقى القصف صابراً لا يشكو، لا يبكي، بل يفاجأ الأنكلو أمريكان من حين إلى حين بحركة هنا، بضربة هناك حتى بدا شوارتزكوف وكأنه على وشك الجنون، فكلما ظن أن باستطاعته رفع السماعة لزف بشرى النصر لسيده، فاجأته حركة غريبة: مدفعية مضادة تطلق نيرانها على حين غرة فتسقط طائرة، قوات برية تهاجم الخفجة وتهز أركان التحالف، صاروخ سكود يضرب حيفا... تل أبيب... أو حتى الخبر، فترتعد فرائص شوارتزكوف.
ـ يضربوننا هنا في عقر دارنا يا سيدي؟ يصرخ في الهاتف، وهو يدق الطاولة بجمع يده، يقصفون قواتنا في الخبر، قيادتنا في قلب الصحراء. لا، لم يعد ثمة إلا الحل الذي اقترحته عليك، سيدي!
ـ اصبر قليلاً. رد إمبراطور العالم، الذي لم يكن قد شفى غله ما ألحقه من خراب في العراق. قبل أي هجوم، يجب أن تكمل عملية التدمير للبلاد، الإبادة للجيش، فلا يصيب جندنا أذى!!
وصبر شوارتزكوف أربعين يوماً فيما كانت الحرب من طرف واحد. طاحونة مرعبة تهدر ساحقة بين رحييها الحب الذي هو بشر من دم ولحم.
ـ هه!! ما رأيك الآن؟ سأل جيمس بيكر صاحبه، الأمير الذي كان ينتظره على أحر من الجمر.
ـ لم يشف غلي بعد. رد الأمير المفدى وهو يكظم غيظاً عظيماً في صدره، ما يزال في العراق نفس يتردد.
ـ سيشفى غلك يا صديقي!! أنفاس العراق تكتم نفساً تلو الآخر، فاطمئن. لقد دمرناه لبنة لبنة كما بنوه لبنة لبنة، ولن نتركه إلا رماداً.
ـ متى يا سيدي الوزير!؟ متى؟ أريد النهاية بسرعة. أريد العودة بسرعة.
ـ هيئ نفسك. بسرعة ستعود.
ـ حقاً سيدي الوزير!! آه!! أدفع كل ما أملك، فقط، أن أعود.
ـ لا، لا حاجة لأن تدفع كل ما تملك. عشرون ملياراً تكفي.
ومن جديد حرر الأمير الشريد للوزير المنقذ شيكاً بعشرين ملياراً من الدولارات، فثمة قنابل تقصف، صواريخ تتفجر، سيارات تستهلك طاقة، جند يأكلون ويشربون، ولهذا كله ثمن بل ربما باهظ، لا يقل أبداً عن العشرين من المليارات. بعدئذٍ بدأ استعداداته لدخول الكويت مكللاً بغار الأمريكان، ممتطياً حراب الإنكليز. "قد اقترب موعد العودة"، جيمس بيكر وعده، شوارتزكوف طمأنه، وهو يكاد يطير فرحاً، فخلال الأيام الخمسة الأخيرة غدت جبهة الكويت عمياء صماء بكماء. مدافعها لا تطلق، ومضاداتها لا تتحرك.
ـ أنجزت المهمة، سيدي الرئيس! قال شوارتزكوف لإمبراطور العالم الذي يرى بأم عينه الخراب الذي أنزل في العراق.. الموت المنتشر في كل مكان من خنادق العراق.. الصمت المطبق على حدود الكويت والعراق.
مع ذلك ضحك إمبراطور العالم.
ـ أنت متأكد؟
ـ أي نعم يا سيدي متأكد، بل أقول، كما قال حجاجهم ذات يوم؛ والله إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها.
ـ اقطفها إذن يا عزيزي شوارتزكوف.
وخلال ليل لا ضوء فيه، اندفعت مدرعات شوارتزكوف، مصفحات الفريق العتل، سيارات ريتشارد قلب الأسد، آليات شارلمان الكبير... شاقة الصحراء، عاصفة صحراء.
مع الخيوط الأولى للفجر كانت تقتحم الخنادق، تلك التي حفرها جند العراق على عجل، ثم تربصوا أشهراً طويلة فيها يبثون الذعر والهلع في النفوس. كانت المدفعية قد مهدت بقصف شديد لم يتوقف طوال الليل. الطائرات، الصواريخ كلها صبت جام غضبها على خنادق العراقيين حتى إذا ما وصل جند اليانكي المدللون، بمدرعاتهم الهادرة لم يرفع سبابته في وجههم أحد.
ـ لم يخب ظننا!! القصف أجدى نفعاً، هتف شوارتزكوف فرحاً.
-لقد ماتوا جميعاً، صاح بدوره باول.
-أبدناهم عن بكرة أبيهم، هتف الفريق العتل متحمساً.
وشرع الجنود يهتفون فرحين وهم يجتازون الخنادق، جنازير دباباتهم تهبط وتصعد الخنادق، ولا أحد.
-عجيب!! أين هم؟ صاح ضابط يانكي وهو يخرج برأسه للمرة الأولى من فتحة الدبابة.
-أبدناهم إبادة تامة، أجابه ضابط ساكسوني. مسحناهم عن وجه الأرض؟
-لكن أين الجثث!؟ الجرحى؟ فاقدو الوعي؟ المطمورون بالتراب؟ صاح شوارتزكوف وهو ينزل بنفسه إلى الخندق يتفقده. ذاهباً يميناً ذاهباً شمالاً لكن لا أثر لميت... لا أثر لحي. الخنادق خالية، الملاجئ خاوية، المواقع فارغة لا أثر فيها لمدفع، لا أثر لرشاش، لا أثر لجندي. وتجهم وجه شوارتزكوف. كان يحلم أن يصل إلى الموقع فيجد جيش العراق كله أشلاء ممزقة، موتى متناثرين، أو جرى مرتمين، يزحفون إليه منبطحين صاغرين، يتمسحون بساقيه، يقبلون حذاءه، لكن ها هو ذا يخرج من أحلامه كلها صفر اليدين.
-يا يسوع الرب!! صاح شوارتزكوف وهو يضرب جبهته براحة كفه، حائر اللب. أين هم؟ أين ذهب العراقيون؟
وللتو بدا لغز كبير يهوّم في سماء الكويت، سحابة دخان سوداء أضيفت إلى سحب سوداء كثيرة كانت قد انطلقت قبل حين من آبار نفط أحرقت، خزانات فجرت، فيما راح الخندق الطويل نفسه يردد صيحة شوارتزكوف، صدى سمعه العالم كله:
-أ-. يـ. ن... هـ... م!؟ أ.. يـ... ن... ذ... هـ... يـ... الـ... عر... ا... قيـ.. و.. ن؟