الفصل الرابع

10 0 00

الفصل الرابع

ـ تفضلي..

ـ يدي يا دكتور..

ـ ما بالها؟..

ـ مجروحة..

ـ أرني ..

بسطت المرأة راحة كفها الأيسر أمامي ، فوجدتها قد أصيبت بجرح بسيط ، سألتها في حيرة:

ـ هل جئت من أجل هذا الجرح؟!..

أجابت في تلعثم ، وعيناها تجوبان أرجاء المكان:

ـ أجل ، لقد خشيت أن يؤثر النزيف على صحتي ، فأنا مريضة..

ـ مريضة؟!.. بماذا؟!

ـ أقصد صحتي سيئة..

تأملتها جيدا ، كانت امرأة في العشرينات من العمر ، وصحتها الظاهرة جيدة ، بل إن جسمها يميل إلى الامتلاء ، فأي سوء في الصحة تقصد؟

وخطر لي أنها مريضة نفسية مصابة بالوهم والوسوسة ، وقد هرعت إلى المستشفى مذعورة ، عندما رأت بضع قطرات من الدم تسيل من يدها الجريحة ، وخطر استمرار النزيف ، فجاءت إلى المستشفى تنشد المساعدة..

سألتها وأنا أبلل قطعة من القطن المعقم بالكحول:

ـ هل سبق أن أصبت بمرض دموي.

ـ لا.

ـ مرض نفسي؟

ـ أبدا.

ـ يبدو أنك كثيرة الوهم!..

لم تكترث بملاحظتي ، تركت يدها في يدي لأعالج جرحها ، وراحت ترنو إلى الطفلة اللقيطة بنظرات لاح فيها الإشفاق ، لم أحفل بنظراتها ، فالذي يمارس مهنة الطب ، يستطيع أن يدرك معنى الفضول الذي يطل من عيون الناس عندما يزورون عيادات الطوارئ..

ولفتت نظري ملاحظة طريفة!.. سألتها وأنا أتأمل الجرح الذي يمتد عبر راحة كفها الأيسر:

ـ بأي شيء جرحت يدك.

كانت ذاهلة عني غارقة في الشرود ، ونظراتها مازالت معلقة بالطفلة..

أعدت عليها السؤال فانتبهت وأجابت في ارتباك واضح:

ـ آه ، جرحتها ... جرحتها بسكين..

تعجبت لهذه السكين الكليلة التي يمكن أن تحدث مثل هذا الجرح ، فالمعروف أن الأدوات الحادة مثل الشفرات والسكاكين تحدث جرحا مستقيما منتظم الحواف ، أما جرح يدها فكان مشرشرا ، وكأنه قد أحدث بأداة كليلة ، كرأس مسمار أو...

سألتها ثانية وقد استولى عليَّ الفضول:

ـ ماذا كنت تعملين في هذا الوقت المبكر.

أجابت بلهجة أكثر تماسكا:

ـ كنت أعمل في المطبخ..

ـ في المطبخ؟!..

ـ أجل.

ـ هل أنت عاملة في فندق؟..

ـ بل ربة منزل.

تساءلت في سري عن السبب الذي يدعوها للعمل في المطبخ بعيد الفجر بقليل!.. خمنت أنها زوجة عامل من الذين ينطلقون إلى أعمالهم مبكرين..

في الحقيقة لولا مظهرها القلق ، لما تماديت في الأسئلة ، ذلك القلق أثار فضولي ، ليس القلق وحده ، كانت حزينة أيضا..

وفاجأتني بسؤال أثار انتباهي ، قالت:بينما كنت أحكم ربط الضماد حول يدهشة:

ـ ما هو مرض تلك الطفة؟..

تساءلت في دهشة:

ـ طفلة؟! ما أدراك أنها طفلة!..

بوغتت بالسؤال ، ابتسمت وقالت:

ـ مجرد تعبير عفوي ، هل هي طفلة حقا؟!..

ـ هي طفلة فهلا ، لكن ما الذي دفعك للاعتقاد بأنها طفلة؟!..

ـ قلت لك لم أقصد ، كل ما في الأمر أن النساء عادة يميلون لتأنيث الأشياء ، مثلما يميل الرجال لتذكيرها..

ـ هل أنت جامعية؟..

كنت طالبة في كلية الآداب ، لكني لم أتم تعليمي..

قلت لها بعد أن انتهيت من تضميد جرحها:

ـ سأكتب لك بعض المضادات الحيوية لوقاية الجرح من الالتهاب.

قالت وكأنها تريد أن تتخلص مني:

ـ لا. لا داعي ، أنا بخير الآن..

نظرت إليها في دهشة..

ـ لا داعي!..

وانتبهت لنفسها:

ـ اكتب ما تراه مناسبا.

وانتظرتني ريثما كتبت الوصفة ، ثم تناولتها ، ومضت مسرعة!..