الفصل الثاني
حدث صراع بين احمادي وفاطمة الرّاغبة في السّطو على كل الممتلكات ، وبعد تقديم الوصيّة للفقيه لقراءتها ، كادت أن تفقد وعيها بعد معرفة مضمون الوصيّة ، فجل العقارات كتبها باسم الولدين ، ولهذا بدأت في التفكير لإزاحة أنوار وتنحيته حتى يختفي من الوجود كما اختفى شقيقه .
ذات يوم أجلسته إلى جانبها والتمست منه الذهاب إلى أخته كي يخبرها بوفاة الأب ، ولم يتردّد في القبول فهزّ رأسه دليلا على الموافقة ، وفي اليوم التالي وضعت في كفّه بعض مئات الدراهم،ملأ كيسا بملابسه وأثناء بحثه عن الألباس الجيّدة والبالية تذكّر إحدى جمل والده" خذا معكما الحالة المدنيّة وارحلا منهما" .
اتجه صوب إحدى الغرف ومدّ يده تحت السّرير آخذا الحقيبة التي توجد بها الحالة المدنية وفتحها وأخذ يتصفّح المعلومات فكانت أولى صفحاتها تعرف بصاحب الكنّاش مع اسمه الكامل واسم والديه وهذه المعلومات لم يطلع عليها من قبل وفي الصفحة المقابلة لها مجموعة من الفراغات يتم ملأها بعد وفاة صاحب الكنّاش ، واستنتج أنّ عليه أخذها إلى الجماعة وتسجيل وفاته ليتمكن من الحصول على الأوراق الإدارية مستقبلا ،فرغم صغر سنّه إلا انه
كان يفكّر بعمق وتميز بالهدوء والرّزانة ،وكلّ هذه العوامل ستقوده إلى حصد النجاح ، وستعرف شخصيّته تحولات جذرية بعد الذهاب بعيدا عن بني مزدوي وسيتعرّف على مجتمع حضاري إبان عيشه مع أخته بمدينة طنجة ، وبعد ذهابه إلى تطوان سيكتشف أن ّ العنوان الذي أفتته عليه فاطمة خاطئ وهذا الخطأ تعمّدته والهدف منه هو تظليل الطريق حتى يفقد كلّ السبل إذا ما أراد العودة إلى أصله وتجنّبا للإزعاج والمشاكل التي قد تثيرها حسناء وهي تطالب بحقّها في الميراث، ولكن توقّعاتها لم تكن في محلّها فأنوار سجّل العنوان بذاكرته يوم خطبة أخته ولم يستفسرها في صحة العنوان قبل الذهاب لأنّه أدرك مكيدتها فلو أخبرها بالعنوان الصحيح لغيّرت خطّتها في القضاء عليه .
ركب السيارة المتّجهة إلى تارجيست ، ولما وصل إلى "اتشايف" أشار إلى السائق بالنزول دافعا إليه مبلغ العشرة دراهم ،اتجه مباشرة إلى مقر جماعة سدي بوتميم ، وقبل الوصول إلى باب المكتب فتح الكيس أخذا للحالة المدنية وعندما دخل إلى المصلحة وجد أحد الجيران ينتظر الحصول على عقد الإزدياد، ودار بينهما الحديث حول الأحوال الصحية ، وقدم طلبه لأحد الموّظفين الذي دوّن وفاة والده وخرج حاملا شكارته وهو يخطو خطوات واسعة وسريعة مارّا على "مارّاحا" حتى دخل مدينة تارجيست منحني الرأس وكأن جاذبيتها تفرض عليه النظر نحو الأسفل ، فكان يمشي هرولة وحذاءه قد شبع من غبار الطريق ولم يغير طريقة مشيه حتى وصل إلى المحطَة الطّرقية وسأل عن وقت ذهاب الحافلة إلى تطوان فأجابه السّمسار نصف "ساعة بعد منتصف النهار ستأتي الحافلة المتجة إلى طنجة" وقبل إتمام جوابه وضع أنامله في في جيبة وأخذ مئة درهم ليشتري بها تذكرة السّفر ، وانطلق مباشرة صوب المسجد المركزي لأخد قسط من الرّاحة متّكئا على حائطها الخلفي كما يفعل باقي البدو عندما يأتون إلى المدينة للتّسوق أو لقضاء حاجياتهم ، فأغلب النساء يسترحن خلف المسجد ،يجلسن فوق مقاعد مصنوعة من الحديد والإسمنت، وفي الليل يتخذها المتسكّعون والمجانين أسرّة يرقدون فوقها بعد فرشها بالكارطون ، فالمدينة الصغيرة تعج بأنواع متعدّدة من المجانين ذكورا وإناثا " كالنّار فيلاكار" " وفاطمة البوهالية" كما أنّها مكان يقبل عليه المتسكعون الذين يأتون من الجنوب أومن المدن المجاورة للعمل بعدما تقطعت بهم سبل العيش وخاصة الأطفال منهم والقاصرين الذين يشتغلون كما سيحي أحذية وفي الليل ينامون على جوانب المسجد وفي الشوارع .
كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف عندما دخلت الحافلة إلى المحطة ،وقفت في الممر الأيمن ، وأخذ أنوار شكارته مقتربا من الناقلة بغية الدخول إلاّ أنّ "الكريسون" فرض عليه وضعها في "الكوفر" عسى أن يربح بعض الدريهمات التي يدفعها له المسافرون، والكثير منهم يتهرّبون من دفع خمسة دراهم مقابل وضع الأمتعة في خزانة الحافلة ، أمّا هو فقد قدّم له
شكار ته ووضعها في" الكوفر" ومدّ إليه ثلاثة دراهم قائلا .
-هادالشي الّلي اعندي !
-الله إيخلف آصحبوا سير اتركب الله يجيب التيسير.
وبعد ركوب الحافلة اختار أحد المقاعد الخلفية للجلوس وأخذ يتذكر الماضي الحزين ويزداد شجنا كلّما فكّر في مستقبله المجهول ، إلاّ أنه توقف عن الشرود الذهني وهو يستمع إلى القارئ عبد الباسط عبد الصمد الذي يخشع معه الرّكاب وهو يتلو آيات من القرآن الكريم بصوت شجي ، فكان هذا الصوت العذب سببا في إقباله على الصلاة والتديّن بعد الإستقرار مع أخته التي غمرتها البهجة وهي تستقبل أخاها الصغير ، فعانقته بحرارة ، واعتقدت أنّ أحدا قد أتى معه وعندما سألته عن أحوال أبيهم تمعمع وعجز عن الإجابه وسألته مرّة ثانيّة وثالثة ورأسه منحنيا نحو الأرض ، فزاد قلقها معتقدة أنّه مريض ، إلا أنه أعلنها بالحقيقة .
- البا مات هادي اكتار امشهار
كانت هذه الجملة مثل زلزال ضرب جزيرة في المحيط فشقّها إلى نصفين ، بل إن قلبها انجرح جروحا عميقة والدّموع تهطل من عينيها وكأنهما سماء لم تعد تحتمل كثرة السحب المليئة ماء فأسقطت الأمطار دفعة واحدة .كان الخبر مقرحا لهذه البنت البارّة الفاقدة لآخر أبويها ، وتقطع فؤادها ألما عندما نظرت إلى أخيها الصغير وهو يمسح دمعاته الرّقيقة بكم قميصه ، وبعد برهة سألته عن سبب وفاته فأجابها
-كان يتألم في معدته
- ألم يذهب إلى الطبيب ؟
-كلا لم يذهب إلى المستشفى
- ولماذا لم تأخذه فاطمة إلى المستشفى ؟
- لأنها خشيت دفع المال ، وأقنعته بأنّها عازمة على شراء أثاث منزلية عصرية .
وبدأت الأخت الطّيبة بمواساة شقيقها كي ينسى الماضي ووعدته بمعاقبتها بعدما حكى لها قسوتها اتجاهه، وحضّرت له الطعام .كانت حسناء امرأة جدّ طيبة وحنونة ممّا أكسبها ثقة زوجها وأهله فأصبحت ذات مكانة رفيعة في عائلة السّي مصطفى .
في اليوم التالي عاد زوجها من مدينة طنجة وقد سافر إليها لتجهيز بيته الجديد ورجع إلى تطوان لأخذ الرّحيل والإستقرار بأحد أحياء المدينة، فاشتغاله بعروسة الشّمال هو الذي حتّم عليه الإقامة بها .
أخبرته بنبأ وفاة والدها وعليهما الذهاب إلى الريف كما ينادونه سكان المدن الشمالية الغربية و هدف زيارتهم للقرية هو ضمان حق أنوار في الميراث بعدما اتفقا على ابقاءه معهما للعيش في كنف أسرتهما الصغيرة ، وزوج حسناء رجل طيّب ومتديّن فجلّ أوقات الصلاة يقضيها في المسجد ولهذا حنّ قلبه على الولد الصغير الفاقد لوالديه ، وسيتأثّر كثيرا بشخصية مصطفى منذ الأسابيع الأولى من الإقامة معه بطنجة التي رحلوا إليها مباشرة بعد قدومهم من الرّيف ، حيث أنّهم وصلوا إلى الدوار بعد مجيء أنوار بأربعة أيام وكان السفر من تارجيست إلى ابن مزدوي شاقا نظرا لوجود طريق وعرة ينضاف إليها الطين المؤدي إلى انزلاق السيارات وانحرافها عن المسار ، وهذا ما حصل للسيارة التي ركبوا فيها إذ إنّها كادت أن تنزلق نحو الوادي لولا براعة السائق وإيجاده للسياقة حتّى وصولهم إلى المنزل الذي وجدوه فارغا إلاّ من الجدران الأربعة، ففاطمة أخذت كلّ ما يحويه المنزل من محاصيل زراعية ومواشي والأثاث المنزلية ، بينما تركت الدّواجن وبعض الأسرّة القديمة لحمادي وغادرت الدّوار ذاهبة إلى أبويها ،و باعت كلّ شيئ واستطاعت أن تدخر المال الوفير فأصبحت على مقربة من تحقيق طموحها الذي لطالما تمنت وصوله" منزل كبير في المدينة وتلفازبالألوان وشلجم لمشاهدة الأفلام المصرية والمسلسلات المكسيكية التي يعشقها النّساء البدويات والحضريات معا " أمّا الأراضي فقد تركتها لحمادي ليشتغل فيها واتفقت معه بأن تأتي سنويا لتأخذ جزءا من المحصول الزراعي .
لقد أثار مجيئهم غضب احمادي الذي أخذ يطوف في ساحة المنزل سابّا العالم ويسبهم جميعا ، وطلب منهم المغادرة فورا وإلاّ أخذ الحجارة لطردهم بنفسه، وأنكر حقّهما في الميراث وأنّ أنوار لا يملك أي شيئ ، وإن كان قادرا على الحرث فليأتي ببغلتين والمحراث وليدعه وشأنه ، بل وأنكر علاقته الدموية بهم ، وأشار إليهم بابهامه " عومو ابحركوم"
اجتمع الجيران حول المنزل مراقبين تحركاته فمنهم من يضحك لما يقوم به من حركات غداة ورواح ومنهم من يحاول تهدئته ، إلاّ أنّه كالبركان الثائر الذي أتاه الفوران لآخر مرّة فيقذ بكل صهارته ، يقذف بالشتم والسّب المتواصل دون انقطاع والأطفال يضحكوبقهقرى عندما يتفوه بكلام كلّه سخط على العالم وعلى والده المرحوم ثم يتبعه لغو كله ما تحت السرة .
لم يتردد مصطفى في البقاء أوالذهاب فجر أنوار من رقبته مشيرا إليهما بالرحيل والعودة من حيث أتوا تاركين احمادي يعوي كالذئب المسعور .وأثناء مسيرهم تذكر أنوار أن عليه الذهاب إلى الإدارة طلبا للإنتقال ، ولم يكتم نيته فاتجهوا نحو مدير المؤسسة التعليمية والساعة تشير إلى الرابعة والنصف .
كان أنوار قد وصل إلى الصّف السادس دون الترسب في أي صفّ رغم الأشغال التي كان يقوم بها بعد الإنتهاء من الحصص المقرّرة ، بيدا أنّه مُنعم بقوة الذاكرة ويسر في اكتساب القواعد بسرعة ، وقد اشتهر بين أقرانه بتفوقه في مادة الرياضيات .
تم قبول منحة الإنتقال للدراسة بمدينة طنجة ، وأثناء عودتهم كانت حسناء جدّ حزينة وهي داخل السيارة ، إنّها تتألم داخليا حزنا على شقيقها فريد الذي لم يعثر له على أي أثر ولا تدري هل هو حي أو ميّت إنّها في أمر مريج من أمره . غادروا اعزوزن وتارجيست عائدين إلى الشمال الغربي وأنوار داخل السيّارة يتأمل في الطبيعة وخاصة الأشجار التي تمرّ بجانب السيّارة بسرعة ، ممّا دفعه لمناقشة حواسّه متسائلا مع نفسه هل الأشجار التي تتحرك فعلا ؟ أمّ أنّ السيارة هي التي تسير بسرعة فيبدوا لنا ظاهريا أنّ الأشجار هي التي تمشي ، وتوصل إلى الحقيقة التي أشفى بها غليل سؤاله
" المركبة تتحرك والبصر يوهمنا بسير الأشجار " .وظل طول الطريق شاردا بذهنه متذكّرا اللقطات الحلوة والمرّة التي عاشها فاتحا إحدى صفحاته الماضية عندما قام بجولة إلى مكان لم يره من قبل والعجائب التي شاهدها هناك وعجزه عن تفسير بعض الجمل التي ردّدها ذلك الشيخ متسائلا مع نفسه أهو إنس أو جان .غاب بعقله وبأفكاره التي تجول من موضوع إلى آخر وأهمّ نقطة أثارت قلقه هو شقيقه فريد وعن الإتجاه الذي سلكه وما الذي حلّ به ، لينتقل بعدها للتفكير في مستقبله ودراسته وخاصة اجتياز الامتحان الموحد للحصول على الشهادة الابتدائية و الانتقال إلى الإعدادية . وقبل الوصول إلى "اشرافات " استسلم للوسن فمال برأسه نحو النافذة ، ولم يشعر بطول الطريق الذي قطعوه حتى وجد نفسه بمدينة تطوان التي استقروا بها لبضعة أيّام ثم رحل مع شقيقته وزوجها إلى مدينة طنجة للاستقرار بها ، حيث أنّ ظروف العمل حتّمت على مصطفى الإستقرار بهذه المدينة الجميلة في أحد أحياءها ، إذ أنه اكترى شقة بابن مكادة ، أما أنوار فقد سجّله بالإبتدائية المختلطة بحي " العزيفان" وكان هذا التلميذ نحيف الجسم أسمر البشرة وأثناء الحصص الدراسية يثير التلاميذ ضحكا عندما يتفوه ببعض الكلمات الرّيفية ولكنّ هذه القهقرى لا يتضايق منها بل ازداد تقربا من التلاميذ وازدادوا تقربا منه مجتمعين حوله يعلّمهم بعض الألفاظ الرّيفية التي تجعلهم يضحكون ويتساءل مع نفسه " لماذا يضحكون عندما أتكلّم بالرّيفية ؟ ولماذا لا تثير المفردات الفرنسية ضحكهم " فيجيب على تساؤله بنفسه ومع نفسه دون استفسار أحد ، لأنهم يتعجّبون بسماعهم للكلمات الأمازيغية نظرا لغياب تداولها في التدريس ، والنطق ببعض جملها يثير ضحك التلاميذ ".صارت الأصالة متجاوزة عنها وغدا التراث غريبا ، وتعاطى المسلمون لثقافة يجهلون حقيقة اقحامها في الفكر العربي ونشرها في عقلية المسلم .
اقترب موعد الإمتحان الموحد وبدأ التلاميذ يضاعفون مجهودهم في مراجعة مقرراتهم الدراسية ، فمنهم من يراجع الدروس بجدّية والبعض الآخر غير مبالي بالحفظ والمراجعة معتمدين في نجاحهم على "اتناقل " كما يسمّونه وفي تلك الفترات عرف أنوار طريق النور وأصبح متديّنا بعدما علّمه صهره الصلاة ويرافقه إلى المسجد أداءا للصلوات ، فأصبح برنامجه اليومي مقسّما بين الإبتدائية والمنزل والمسجد فزاد صلاحه وحسنت أخلاقه ممّا حفّزه على الجد والمثابرة، وما إن حلّ موعد الإمتحان حتى استوعب جميع الدروس المقررة التي سيمتحن فيها التلاميذ .
حلّ يوم الإثنين وهو يوم الإمتحان ، استيقظ قبل طلوع الشّمس أداءا لفريضة صلاة الصبح ودعا الله بالنجاح له ولجميع التلاميذ ، وعندما وصل عقرب الساعة إلى السابعة صباحا أعدّ فطوره بنفسه دون الإتكال على شقيقته ، وفور الإنتهاء أخذ قلمه الأزرق واضعا إيّاه في جيبه وخرج من المنزل مارا " ببارضه " وهي سوق يومي بمدينة طنجة ثم اتّجه نحو الإبتدائية وعندما دخلها كانت فارغة إلا ّمن الشّاوش وبعض التلميذات اللّواتي أتين مبكرا لإزالة للقلق الذي يتعرض له التلاميذ وخاصة الضغط النفسي الذي يصيب التلميذات ، وما إن رأينه حتّى قمن إليه يستفسرنه في بعض النقط التي لم يفهمنها، وكان يجيب عن الأسئلة ويشرح لهن بكل سذاجة معتقدا أنّهن لم يفهمن فعلا ، بل إن هدفهن هو استغلاله أثناء إجراء الإمتحانات بعد التأكد من استوعابه للدروس والمعلومات الهامة .
بدأ التلاميذ يلجون المؤسسة بأفواج حاملين معهم دفاترهم وأقلامهم ومنهم من ملأ جيوبه بنسخ الدروس ، فالكثير من المترشحين يعتمدون على" اتناقل" ماعدا القليل منهم وأنوار أحد القلة التي اعتمدت على مجهودها في اجتياز الإمتحان دون اللجوء إلى فتح الدفاتر وطلب المساعدة من المعلمين الذين يشجعونهم على الغش حيث أن المعلم الذي درّس أنوار عاتبه لأنّه لم يأخد معه المقرّر كي يساعده على الإجابة ، فبعض المعلّمين يحاولون إعانة تلامذتهم على النجاح نيلا لمنزلة كبرى في المؤسسة فأصبح عملهم ريّاء عوض أن يكون لوجه الله ولمصلحة التلاميذ، ولكنّهم بالعكس يمنحون لهم فرصة الإستعانة بنسخ الدّروس وكل ما أخذوه معهم من معلومات ومذكرات حتى يتمكنوا من الإجابة على الأسئلة ،وبعد مضي دقائق من بدء الإمتحان أشارت إحدى المعلّمات إليهم بالإستعانة بما اتوا به فمنهم من خبأ دفتره تحت الطاولة ومنهم من خبّأ النسخ في الجيوب وعندما عجز البعض منهم عن الإجابة ، أخذت الطباشير ودوّنت الأجوبة على الصّبورة . إن التلميذ المغربي يمكن أن يقبل التجرّد من ملابسه إلاّ أنّه لا يمكن أن يتجرد من" اتناقل" ، لأنه تعلّم فنّ "اتناقل" حتى أصبح وسيلة لنجاحه، وإذا أردنا محاربة إصلاح التعليم في المغرب لابدّ من تربية المؤطّر قبل التلميذ .
انتهى الامتحان الموحّد وخرج التلاميذ وأفئدتهم تنبض نبضات الفرحة والبهجة لأنهم استطاعوا اجتياز الإختبارات بيسر وأجابوا على الأسئلة والمواضيع بصواب ، وأصبح همهم الوحيد هو الـتّأكد من نجاحهم وانتقالهم بالتالي إلى الإعدادية ، فكانوا يزورون المؤسسة يوميا اطلاعا على النتائج ، و أنوارمن ضمنهم يقصدها كل يوم بعد أداء صلاة العصر بمسجد "الإيراما" فيخطو خطوات واسعة والجا الأزقة والشوارع فتبدوا عليه أمارات ابني مزدوي وإن كانت أفكاره مختلفة عن سكان دواره ولكنّه يبقى "امزدوي " أينما حلّ وارتحل لأنّ البدوي يمكن أن يتغير مظهره الخارجي إلا ّ أنّ سجيّته الباطنية تكشف سرّ انتماءه ، مثل أنوار الذي يبدوا من بعيد وكأنه فلاّح دخل إلى المدينة لأوّل مرة مهرولا في مشيته ، بينما ترى أبناء المدينة المزدادين فيها يتمايلون في مشيتهم يسيرون ببطئ،أمّا هذا الطفل الريّفي فمشيه يزداد خفّة وعجلة وهو يقترب من المؤسسة ، إنّها قوة الإرادة ومعرفة النتيجة تجعله
يتمشى بسرعة ، لا يحب تأجيل برامجه ومواعده بل يود إنجازها في أسرع الأوقات غير مبالي بمظهره الخارجي أهو أنيق؟ هل يرتدي ملابس الموضى ؟ لا يهمه سوى ستر جسمه
وإيقاءه من الحر والبرد ، ولكنه يحب ارتداء الجلباب الأبيض والطربوش يوم الجمعة ، طموحاته وإرادته بنزينه ووقوده اللذين ساعداه على اجتياز الإمتحان بالفلاح متفوقا على أقرانه من أبناء الطبقة الغنيّة الذين تلقوا المساعدة من طرف بعض المعلمين و اتفقوا مع الإدارة لمنحه أحسن جائزة تشجيعا له على المعدلات التي حصل عليها بعد تصحيح الإمتحانات ، إلاّ أنّ أحد أبناء الطبقة المتكبرة اشتكي لوالده ، بأنّه مظلوم وأنه هو من يستحق المرتبة الأولى ، فأتى إلى الإدارة غاضبا منتقدا التصحيح والمعلمين" ابني سهر الليالي وهو يحفظ ، وهل تعتقد أيّها المدير بأنّ هذا الرّيفي سيتفوق على ابن الطّبيب ؟ "
كان أنوار خارج الإدارة يستمع إلى كلّ ما يدور بين مدير المؤسسة والطبيب الذي يدافع عن فلذة كبده بكل جوارحه ، فأحسّ هذا الطفل بحقارة مستواه بعدما لعبت الإدارة بالمعدلات مانحة الجائزة الأولى لإبن الطيب والثانية لإحدى بنات رجال الأعمال والمرتبة الثالثة لأحد أبناء أستاذ يدرس بالثانوية.
قض هذا الحدث مضجعة وظل يتقلب في الفراش دون أن يعلم أحد بأحزانه ويشاركه أقراحه ، لقد أصبح هذا التلميذ اليتيم مدركا لواقعه الإجتماعي والمادي مستنتجا أنّ المال والمكانة يلعبان دورا هامّا في شراء النجاح كما حدث للتلاميذ الذين حصلوا على المراتب الأولى ، إذ أنّ الفائز الأول كان يعتكف أمام الكومبيوتر حتّى منتصف الليل في غرفته الخاصة ويعتقد والديه بأنه يراجع دروسه ، أمّا التلميذة الثانية فلقد ساعدتها إحدى المعلّمات على الإجابة وسهلت مأموريتها للنّجاح باعتبارها تتلقّى معها دروس الدّعم بأجر شهري وبالتالي فكل معلم ومعلّمة يعمل جاهدا على انجاح تلميذه باستعمال كلّ الوسائل وأمّا الحاصل على الرتبة الثالثة فقد فتح دفتر الدروس فوق الطاولة ناقلا المعلومات والأجوبة بالحرف والكلمة والفاصلة ، أمّا التّلميذ الذي اعتمد على كفاءته ومجهوده متمكّنا من التفوق عليهم فقد منحت له الرتبة الرابعة ، فيزداد كربا كلّما تذكّر مشاهد التلاميذ مع آباءهم يقدمون لهم الحلوى ويرقصون معهم ، في حين أنّه لم يعبأ به أحد رغم التهنئة التي قدّمتها له شقيقته وزوجها ، و فقدانه للرتبة الأولى جعله يحتقر مكانته الإجتماعية، لأنّه بذل مجهودات جبّارة لتحقيق طموحه وفي الأخير تم إفشاله من طرف أشخاص فاقدين للمبادئ، يشترون المراتب لأولادهم بالمال على حساب أولاد الفقراء المعانين للأمرين الفقر واحتقار النفس ، غير أن هذا الطّفل منحه الله إرادة قويّة وطاقة كبيرة في مواجهة المحن والصّعاب ، فتحوّل هذا الحدث إلى حافز دفعه إلى اكتساب مزيد من العلم والمعرفة ، ليس كلّ متفوق في الدراسة مثقف لأن الثقافة الحقيقية هي إستثمار يخلق بها الإنسان الإبداع ويصنع بها النّجاح الدنيوي من أجل الفلاح الأخروي ، والتلميذ المتوسّط والضعيف ليس أقل ذكاءا من قرينه المتفوّق ، لأن الظروف تخون الأول وتفتح أبوابها للثاني ،إلاّ أنّ الأوّل أكثر معرفة لتجارب الحياة مادام قد مرّ بلحظات مرّة تجعله يحدّد هدفه بدقّة مقتنعا بمحصوله الدراسي عكس التلميذ الذي يضع في الحسبان المرتبة الأولى ، ويغرق في بحر الشجن إن لم يحقق أعلى نقطة، مكتسبا بذلك الأنانية ، وفي الأخير تجد الكثير منهم يتعذبون في ظلمات البطالة منتظرين من الغير إنقاذهم ، فعلى المؤطر معرفة أهمية التفوق في الدراسة مادامت الوظائف العمومية تنقل من الأب إلى ابنه ومادام التعليم في المغرب أنتج لنا في السنوات الماضية البطاليين وعبدة الشياطين وأنواع من المدمنين .
بدأ أنوار يمتهن التجارة كبائع للقزبور والنعناع ، فبعد نجاحه قرّر العمل ، اشترى له صهره عربة صغيرة يدفعها بيديه قاصدا أحد بائعي القزبور بالجملة اقتناءا لعشرات من ربطات "الربيع" وبعدها يطلق سراح قدميه للتجوال في الأزقة والشوارع مناديا " ها القزبور ،ها النعناع " وما إن انتهت العطلة الصيفية حتى كان قد دخربعض الأموال ستساعده على اقتناء مقرر السنة الأولى إعدادي الذي لم يجده إلا بشق الأنفس بعد زيارة كلّ مكتبات مدينة طنجة ، وقد تم تسجيله بإعدادية قاسم بن إدريس الثاني التي تعرف اكتظاظا بالتلاميذ فعدد القاعات المخصّصة للتدريس لا تستعيب العدد الهائل من التلاميذ ولذا تمّ استغلال المكتبة والخزانة كحجرات للتدريس ،الذي استأنفه بعد أسابيع من التسجيل والذي يعرف عادة نوعا من اللانظامية بسبب كثرة المتمدرسين مع وجود موظّف في كل مصلحة ، كما أنّ مراحل التّسجيل تزيد من صعوبة إتمامه ، فأنوار دفع بعض العشرات الدراهم تسجيلا بالتأمين ، وعندما أراد الحصول على توصيل يؤكد تسجيله ودفعه للمبلغ الواجب أداءه لجمعية الآباء ، فإنّ الموّظف كان غائبا وبالتالي لم يستطع دفع باقي اللوازم في الحراسة العامة ، وظل طول الصباح حتى منتصف النهار ينتظر قدومه وعندما يسأل التلاميذ عن سبب غيابه تجيبهم إحدى الموظفات بأنّه مصاب بوعكة صحية ، في حين أنّه كان في المقهى يلعب الضاّما مع أصدقاءه ، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدّل عل اجتهاد بعض الموظفين العموميين في التّهاون والتملص من المسؤوليات مع استغلال مئات من أبناء الفقراء كلّ سنة في الإعداديات والثانويات ويفرضون عليهم واجبات مالية للتسجيل دون معرفة مجال إنفاقها مادام بعض التلاميذ يضطرون إلى الوقوف على أقدامهم إن أرادوا فهم قاعدة أو خاصية من الفيزياء نظرا لغياب الكراسي ، فما هي أهمية دفع عشرين أو ثلاثين درهم والحصول عل ورقة مكتوبة فيها التأمين ؟ فلو أن الرأسمال المعتمد عليه لإنتاج وتوزيع تلك الأوراق اُستغل في إنشاء البنى التحتية للإعداديات والثانويات أفضل من بيعها بعشرين درهما لأبناء الفقراء ، وما هو التأمين والأمان الذي سيوفره التوصيل مادام التلميذ يتخرّج من المؤسسة التعليمية مدمنا ومتسكعا، فعوض اكتساب الثقافة الأصلية يتعلّمون الأخلاق الفاسدة وبطبيعة الحال لا ينطبق عل الكل ، إلا أن الكثير منهم يستغلون بعض المرافق داخل المؤسسة للتدخين والرّقص .
عاد إلى الإعدادية في اليوم التالي إلاّ أن قدومه كان متأخرا معتقدا بأن الحارس العام سيتأخر، ولكن عندما دخل إلى الساحة وجد جوانبها تغلي بالتلاميذ متزاحمين أمام الباب كالنمل المجتمع حول حبّة القمح . وعادة ما تعطي الحارسة العامة الأسبقية في الدخول للتلاميذ المرافقين لأباءهم رغم مجيئهم متأخرين ، كما أنها تمنح الأولية لإبن فلان وفلان ، وعندما أراد الدخول أشارت إليه بالوقوف فاستجاب لطلبها ، فظل واقفا بالعتبة ينتظر دعوتها له بالدخول ،ولكنّها أخذت مرآة دائرية وشرعت في تسريح شعرها وصبغ وجهها بالمكياج وماء الطماطم ، وبينما هي في تركيز وإذا بأحد التلاميذ يدقّ في النافذة فنظرت مباشرة إلى هندامه الأنيق مشيرة إليه بالدّخول، وهذا ما أثار غضب أنوار وإن كان ثقيل الغضب .
- لقد انتظرت أزيد من خمسة دقائق كي أدفع لوازم التسجيل ؟!
- إنّك جدّ وقح أيّها العروبي ، أخرج وإلاّ كتبت تقريرا بتأديبك .
خرج من الإعدادية منحني الرّأس ووجهه محاط بدائرة من الكآبة متجها مباشرة إلى المنزل مارّا بادريسية ثم بشارع لا لافاطمة الزّهراء مخترقا حومة "بوحوت " وصولا إلى محل السّكنى ، واستفسرته أخته عن سبب هذا الحزن البادي على محيّاه ، فحكى لها مشكل اتمام التسجيل فطمأنته بالصبر وعدم العجل في القيام بالمهام " لكل شيء وقته " وفي اليوم التالي قصد الحراسة العامة مبكّرا فأنهى التسجيل وغادرها وهو يكاد يطير فرحا ، إن هذا التلميذ حاول دوما أن يعيش حاضره ويستغلّه من أجل مستقبله ، لا يستسلم للأحلام الواهية ، بل حدد طموحاته شرع يبني لها الأساس منذ البداية ، فهاهو يجتهد ويستيقظ فجرا أداءا للصلاة ويضع تركيزه في حلّ التمارين الحسابية من جبر وهندسة ، يمضغ قواعدها وينقشها في ذاكرته ونفس الشيء بالنسبة لجميع المواد الأخرى ، وظل يثابر ويجتهد حاصدا الفلاح ، وداوم طوال سنوات الدراسة في الإعدادية على نفس الوتيرة وانتقل إلى المرحلة الثانوية بتفوق وتخصص في شعبة العلوم التجريبية وسيعرف تحولات في شخصيته، فقدت بدأت عيناه تنفتحان على الجنس الآخر المقترب دوما منه لربط علاقة صداقة ، حيث أنّ إحدى الزميلات بدأت تستفسره في دروس الفزياء بعد أن لاحظته يناقش الأستاذ في إحدى خاصيات القوى ، فعندما خرج من القاعة منفردا و محبّا للإنطواء على الذات وقبل الوصول إلى الطريق وهو يمشي بخطوات واسعة نادت عليه .
-يا أنوار ! يا أنوار !
ودار إلى الخلق ليبصر هند مشيرة إليه بالتريّث ، فخفّف من سرعة مشيه حتى لحقت به
- السلام عليكم .
- وعليكم السلام .
-أرى أنك تتمشى وحدك ؟ أليس لديك أصدقاء ؟
- بلى ، لست بحاجة إلى أي صديق ، فأين ما نولي وجوهنا فثم وجه الله ، إن محبة الله تغنينا عن أصدقاء العاشقين لأهواء الدنيا والأصدقاء المذكرون بالله يندر وجودهم فلا داعي لمرافقة الصحبة السيئة.
- عندك الحق ، ولكننا نحتاج إلى الأصدقاء ، كي نناقش معهم مواضيعنا ويشاطروننا همومنا .-المسلم السّوي لا يحتاج إلى صديق كي يشاركه همومه وأحزانه وحتى إن اضطر إلى ذلك فعليه اختيار الصحبة الصالحة .
وهل في نظرك نستطيع أن نفرج همومنا وأتراحنا بأنفسنا .
نعم يمكنك ذلك
- وكيف ؟
- إذا كان قلبك مليئا بالإيمان ، مؤمنا بقضاء الله وقدره، فإنك ستقنعين ذاتك بتقبل المشكلة بكل سهولة ، وإذا أحسست بالكرب فعليك بتلاة القرآن الكريم وعلى عقلك التدبر واجعلي قلبك يتخشّع ، وبعدها ستغدوا الأتراح ورودا تنشر أريج السعادة في سلطان الجوارح. ورغم محاولاتها العديدة الدفاع عن أفكارها المستلهمة من فلاسفة غربيين، إلاّ أنه يضحدها بدلائل من الكتاب والسنة ، وفي الأخير دعته لمراجعة دروس الرياضيات والفزياء معا ، ولم يرفض طلبها بعدما رجته بمساعدتها في فهم الخاصيات الصعبة ، فكانا يلتقيان في إحدى القاعات ليشرح لها القواعد ويساعدها في حل التمارين الصعبة ، هو يتحدّث وهي تصغي إليه ويوما بعد يوم بدأ يرتبط بها بدون أن يحس بوجود مشاعر اتجاهها ، واهتمامها به زاد من تقديره لها وهذا الاهتمام استغلّته كوسيلة استطاعت أن تجذبه بسرعة لتستغلّه في حلّ التمارين .أما هو فلم يكن يفكر في بناء أيّة علاقة خارج المؤسسة باعتباره زميلا ،لأنه يتسم بشيم طاهرة تتجلّى في نبذه للخيانة والإستغلال ، وقد ارتبطت هذه النلميذة بأحد التلاميذ من نفس المؤسسة واستطاع أن يغريها بمظهره الأنيق وبتسريحة شعره متشبها بأحد لاعبي كرة القدم ، فالشّاب المغربي وخاصة التلاميذ والطلبة يسرحون شعرهم بطرق متعددة متأثّرين بلاعبي الرّيال مدريد وبرشلونة أو بلاعبي الفرق الأوربية المشهورة .حاولت التقرب من فريس أحلامها ظانّة أنّه من عائلة غنيّة وسيدعوها إلى أفخر المطاعم بطنجة ، ويدفع لها ثمن المشروبات فأغرقها في دوامة الأوهام وخاصة عندما يتحدّث عن المآثر التاريخية التي زارها وعن عائلته الثريّة فبدأت تتعلق به بشكل جنوني ، ولم تعد توفي بمواعيدها مع أنوار ، وفي أحد الأيام حضر في الوقت المحدد إلى الثانوية لحل بعض التّمارين الخاصّة بأحد دروس الميكانيك ،في حين أنّها لم يظهر لها أثر رغم انتظاره الطويل، وفي الأخير قرّر القيام بجولة في المدينة ،خرج من الثانوية مارا "ببلاصا طورو" وأخد قسطا من الراحة برياض تطوان ، وأكمل بعدها طريقه حتى وصل إلى الشاطئ البلدي وهناك شاهدهما يتشابكان الأنامل و يقومان بحركات رومانسية ، فأحسّ بدوار كاد أن يسقط أرضا ، بسبب الصدمة العنيفة وهو يشاهد النّفاق بعينه ، فتاة متحجبة ظن بأنها خير التلميذات وهاهي اليوم تضع رأسها بين ذراعي متسكّع معروف لدى جلّ التلاميذ بتعاطيه للمخدّرات والإدمان على الخمر ويسرق الملابس من الأسواق ويستغلّها في إشباع رغباته الجنسية مع الفتيات اللّواتي ينجذبن إليه، لأنّهن طمّاعات أن يجنين الموز من شجرة العرعار .
وضع حدا نهائيا لأي لقاء مع الجنس الآخر في الثّانوية،وكلما استفسرته إحداهن عن خاصية أوقاعدة أجاب بلا أدري ، وفي السنة الأولى باكالوريا تعرّف على زميل له يدرسان في نفس الفوج وهذا الصديق يبدوا من خلال ملامحه علامة الصّلاح ذو صفات حليمة ، يخرجان من ثانوية اعلال الفاسي يتجهان يسارا صوب مسجد الإيراما يلجان نحو المسجد للتوضؤ وبعدها يؤديان صلاة العصر مع الجماعة ، صفاتهما تتشابه يحملان نفس الطّموح ، ولكنّهما يختلفان في الجذور الأصلية فأنوار ريفي وأحمد طنجاوي ويجمعهما دين واحد وعقيدة واحدة ويناقشان مواضيع متعدّدة كالمستقبل والرأسمالية ، واستوقفهما صفّ من الشّباب ينتظر الدخول إلى سينما طارق فمنهم من يحدّق في الصّور المأخوذة من الفيلم الهندي الذي ستيم عرضه وآخرون ينتظرون فتح الباب للدخول.
- الأفلام الهندية غزت الأسواق المغربية !
- بطبيعة الحال ، فأرصفة الشوارع في المدينة تمتلئ بالأقراص المدمجة التي تحتوي على الأفلام الهندية ، كما أن القرصنة سهّلت تداول الأفلام بين أبناء الشعب ، وخاصة أصحاب المقاهي الذين يربحون أموالا طائلة من خلال عرضها ، فالقرص الواحد ممكن أن يدخل عليه أرباحا مهمّة طالما أنّ الشباب ينجذب نحو مشاهدة الأفلام الهندية ، فتجد في الأحياء الشّعبية مقاهي مزدحمة بالمراهقين والأطفال وكلّهم يشاهدون نفس الفيلم ، وكل واحد منهم يتخيّل نفسه وكأنه شاروخان يبحث عن كاجول التي رحلت من لندن إلى البنجاب ليتبعها متقصيا آثارها .
- يا صديقي أحمد أرى أنك تحاول قراءة خيالهم ، ولكن أعتقد أنّ كلامك فيه مجموعة من النقط الصّحيحة ، فأبناء الفقراء أكثر المشاهدين عشقا للأفلام الهندية ، ربّما لأنها تلعب على مشاعرهم فعادة ما تتناول هذه الأفلام عالمين متناقضين فئة غنيّة تعبث بالأموال وسفك الدّماء ، وفي المقابل نجد الفئة الفقيرة التي تعاني الفقر المدقع ، فيقع ابن الفقير في شباك الغرام مرتبطا بإحدى بنات بورجوازي ، فيعيشان الأحلام الوردية غير أن الأسرة الثريّة ترفض التعامل والمصاهرة مع الفقراء ، فتبدأ المعانات ، وفي الأخير يتمكّنان من الحفاظ على آصرتها بعد مواجهة الصّعاب ،وتمكن البطل من البرهان على صدقه ووفاءه لمعشوقته ، وهذا ما يجعل الشّاب البطالي يعيش بطولته مع الفيلم، وعندما ينتهي الشريط السنبمائي يجد نفسه كورقة تطير من شارع إلى آخر دون أن تجد الشجرة التي سقطت منها ، ربّما الشاب المغربي وخاصة المثقف العاطل عن العمل ترغمه الموسيقى الهندية على الإصغاء إليها بجوارحه وهوداخل المقهى يقرأ الجريدة أويحل شبكتها ، وما إن تبدأ الموسيقى حتى يضع قلمه فوق الطّاولة متخشّعا لرناتها ولرقصات البطلين السعيدين بوجودهما معا ، فيندمج مع الأحداث منذ البداية حيث سينزح البطل من القرية إلى المدينة هروبا من المجاعة ومن الحرب الطّائفبة وفي المدينة سيتعرّف على فتاة غنيّة وستتغير مجرى الأحداث بتدخل العصاية الإجرامية ومحاولة القضاء عليه ، ولكن شجاعته ستجعل منه قائدا للحي وبعدها سيرتقي سلم الأغنياء وإزاحته لأفراد العصابة، فتنتهي الأحداث بعد انتصار الخير على الشر. . ويعود المجاز إلى جريدته التي اقتناها بالدين، وحياة بعض الشباب مبرمجة بين المنزل الدي يدخله بعد منتصف الليل والمقهى، سائما من التجوال في الشوارع مفضلا قضاء وقته في مشاهدة الافلام المختلفة و مباريات "الليكا الإسبانية".
-تحدثت عن طبقة الشباب الفقير وأبناء الطبقة المستضعفة من بطاليين و مجازين ولكنك لم تذكر أبناء الطبقة الغنية بالمغرب وقضاء أوقاتهم.
-الإبن البورجوازي عادة ما يفضل قضاء وقته في مشاهدة الأفلام الأمريكية والغربية،أتدري لماذا ؟لأنها تعالج عالمهم المتناول لقضايا الأعمال والرأسمال وكيف أن الغني يستطيع شراء المكانة بالجاه و الجبروت، وهذا ما نلاحظه في مجتمعنا المغربي فإبن البورجوازي بإمكانه جذب بعض الفتيات و التلميدات بمجرد امتلاكه سيارة او التمظهر بهندام أنيق ،في حين أن التلميذ الفقير قد تستغله فكريا وتضرب شرفه بسيف الإحتقار عند الإلتقاء بزميلاتها معتقدة من تمكنها من امتلاك قلبه،وبالتالي فإذا شاهدت يوما تلميدة متلطفة مع زميل لها ينتمي إلى طبقة المساكين فاعلم بأنها تلتقط من حديثه ما تحتاجه يوم الإمتحان و إن كانت أكثر تفوقا منه.
-حسنا يا أخي أنوار تحدثت عن الأفلام المشاهدة من قبل الصنفين دون الحديث عن السينما التي نحن أمامها الآن،ألا ترى اختلافا مابين المشاهدين في اختيار السينما؟
-طبعا هناك تمييز ،ويبدوجليا من خلال إقبال المشاهد الفقير على مشاهدة الافلام في السينما المتواضعة بمقاعدها كسينما الريف "بالسوق د برا"أو سينما طارق التي نحن امامها،فمثلا هذه السينما تبيع تذاكرها بأثمان زهيدة تصل أدناها إلى أربعة دراهم ونصف ،لأن بنياتها التحتية ضاربة في القدم،عكس سينما" الدوليز" التي لا يدخلها إلا الأفراد ذوي الدخل المرموق وخاصة الشاب البورجوازي الذي يفضل أخد رفيقته إلى مكان مريح فيختار هذه السينما والتي غالبا ما تعرض أفلاما غربية وعربية،وهذا المشاهد يندمج مع أحداث الفيلم الغربي في كل حركة تصدر من الممثل ،ويزداد هذا التأثير عندما تتحول علاقتهما من علاقة مهنة إلى علاقة جنسية إباحية وهنا يجد ضالته فيداعب خليلته في قاعة السينما المغطاة بالظلام بعد عجزه عن إخفاء شهواته دون الاستحياء لا من الله ولا من العبد،وسأقف عند هذا الحد لأسألك عن مدى تأثير الأفلام والمسلسلات بصفة عامة على الشباب المغربي والفتاة على وجه الخصوص؟
-من خلال ملاحظة ورصد الواقع الشبابي ومناقشة زملائنا في الثانوية يتضح أن بعض الشباب قد أصبحوا ضحية للأمراض النفسية على سبيل المثال الكآبة، الخوف من المستقبل والتشاؤم والإحساس بالملل، ومن أسباب هذه الأمراض إقبالهم على مشاهدة الأفلام الإباحية تجعلهم يركضون وراء الجنس الآخر مستعملين في ذلك مختلف الحيل للإيقاع بفريستهم وفي الأخير هو الذي يصبح فريسة في يد الجنس اللطيف ما دام هو الآخر يعشق المادة. ويضناف سبب آخر وهو استلقائهم فوق أوتر الأغاني والموسيقى الغربية، فترى المراهق والشاب يضع في أذنيه جهاز الاستماع، مُصغيا للأغاني فتهزه بفكره وجسده وعواطفه، تجعله يتذكر لحظات الأحلام الوردية التي اقتسمها مع رفيقته فغادرته يوما.
وعلى العموم فالأفلام والمسلسلات هي المدمر الأول والرئيسي للأسرة من الجانب النفسي والسلوكي والفكري، فلولا الأفلام الغربية وبعض المسلسلات العربية لما شاهدنا فتاة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله تعري أجزاءها السفلى في الشوارع وفي الشواطئ وفي المدارس والجامعات، والسبب في ذلك هو غياب تواصل بين الآباء والأبناء.
وسيتغير الحال عندما يشعر الأب يوما بأن ابنه أمانة في عنقه، وعندما تعلم الأم بأن ابنتها أمانة في عنقها، وحينها سيوجه الأب ابنه في الطريق الصحيح، وستقنع الأم ابنتها بأن ستر جسمها وارتداء حجابها واجب فرضه الله عزوجل على المرأة ليحميها من شر الكائدين.
-ولكن هناك مقولة يرددها الفتيان وخاصة التلميذات والطالبات وهي أن" الإيمان يوجد في القلب".
-حسنا الإيمان في القلب، وهل من المعقول أن تصلي الفتاة مرتدية الحجاب وبعد الانتهاء تنزعه من رأسها وتتبرج بلا استحياء، وهذه الصلاة التي تؤديها يمكن وصفها بأنها عادة وليست عبادة، فحتى بعض الشابات يضعن ثوبا فوق رؤوسهن أثناء القيام ببعض الواجبات المنزلية وبعدها ينزعنه، فلا أجد فرقا بين الحالة الأولى والثانية باعتبارهما عادة تمارسها يوميا، فلو أن المسلمة تؤدي صلاتها وهي صادقة في أنها تعبد الله وتحبه بقلبها، لخرجت إلى الشارع بألباس فضفاضة والحجاب يستر كل أعضاء جسمها، وأما أن تعتقد بأن الإيمان في القلب أو أن تمتنع عن أداء الفريضة مشتكية بأولئك النسوة اللواتي يرتدين الحجاب كموضة، ويقمن بسلوكات لا يقبلها الشرع، فأقول لها ما شأنك أنت بهن،لأن يوم القيامة ستحاسبين بانفراد و بماذا ستجيبين الله عز وجل عندما يسئلك، لماذا لم تعملي بالآية التاسعة والخمسون الواردة في سورة الأحزاب" يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما" فهل ستقولين بأن الإيمان في القلب وأنت عصيت أوامره، تبرجت لترضي ميولاتك الغربية معتقدة بأنك امرأة أو طالبة معاصرة، أم أنك لم تقتنعين بعد بفكرة الخروج على الشارع وأنت متحجبة.
وهنا سأسالك ما هي المعلومة التي تريدينها كي تقتنعي بأن الحجاب فرض من الله؟ وهل ستناقشين كلام الله؟ ربما تعرفين بوجوب التحجب، فمن يمنعك إذن؟ ستجيبين مرة بأجوبة مغايرة كأن تقولي سأرتديه عندما أتزوج، وهل ضمنت الحياة ان تعيشي حتى الغد؟.
-ولكن الإشكالية المطروحة هناك من النساء من يرتدين الحجاب، غير أن سلوكهن ينافي الشرع.
-إنما نشاهده في الشوارع والمدارس والجامعات من نساء يضعن ثوب فوق رؤوسهن، يدخل ضمن أشكال الموضة، فهذا الصنف لا يقوم سوى بالموضة في اللباس، وأما الحجاب الحقيقي فهو الطاعة الكاملة لله عز وجل التي تبديها المرأة عندما تستر كل عوراتها وتتقي الله في قرارة نفسها وتعبد الله لترضيه، ولا تتبرج لترضي أهواءها وشهواتها، ويكفي أن نقول بأن بعض التلميذات والطالبات يزنين مع مئات التلاميذ والطلبة ما دامن يخرجن وأحلاسهن تفوح منها روائح العطر لقوله صلى الله عليه وسلم" أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال المصطفى الكريم" أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة" ولكن هل المرأة المثقفة تستحضر ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم؟
حقا هناك قلة قليلة من المثقفات من يحترمن الأعراف الإسلامية ومعتصمات بالحبل الوثيق، إلا أن العديد من النساء أصبحن ضحية للثقافة الغربية وأقل ما يمكن قوله هو أن المرأة الغربية وإن تبرجت فهذه ثقافتهم، أما نحن المسلمون فقد غدونا ديوثين بما تحمله الكلمة من معنى، فقدنا الغيرة على المسلمات وأصبحنا نتحاشى أن نقول لأختنا في الإسلام" عليك بستر عوراتك وارتداء حجابك" والسبب هو تجنب الحرج من أن تقول لك" من تكون لتنصحني، لا تدخل فيما لا يعنيك، أمي وأبي منحوني الحرية الكاملة"، فنعود من جديد للحديث عن الآباء، فما هو دورهم؟ وما هي واجباتهم تجاه أبنائهم؟ لماذا لا يمنح الأبوين ساعة أو ساعتين ليحدث أبناءهم عن حضارتنا وواجباتهم في الحياة الفانية، ولماذا لا تقوم الأم بتقديم توجيهاتها لإبنتها عسى أن تكون زوجة صالحة، إن المشكلة تبدأ بانقطاع الاتصال بين أفراد الأسرة، فالأب يعتقد أن عليه الإشتغال لضمان وتوفير لقمة العيش ،وفي المساء عوض التواصل مع أبناءه يتفرغ"للسبسي" القمار في المقاهي ومشاهدة الأفلام وعند العودة إلى المنزل يستمتع بنهر زوجته وممارسة مختلف الجور ضدها، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فالأم عندما تنتهي من واجباتها المنزلية تملأ فراغها بالمسلسلات المصرية وعندما يريد ابنها أو ابنتها الحديث معها ترد عليه" أصمت دعني اصغي إلى ما تقوله الممثلة".
إذن من خلال ما قلته يمكن أن نستنتج بأن الإعلام أحد الوسائل التدميرية للأسرة.
بلى، ولكن ليس كل الوسائل والبرامج الإعلامية مدمرة للأسرة، فهناك قنوات هادفة إلا أن أغلب الفضائيات تبث برامج مخصصة أساسا لتكدير أفئدة الشعوب الإسلامية بوحي من الشيطان، فنلاحظ مدى غياب التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة فغالبا ما يجتمعون سوى في أوقات الأكل وما عداه فالكل يقضي فراغه في مشاهدة الفضائيات، فتجد الأم مدمنه على الأفلام المصرية والمكسيكية والأب في المقهى يلعب الضاما أو أنواع أخرى من القمار والابن يشاهد مباريات كرة القدم وأما الابنة فهي في غرفتها تدردش مع الأصدقاء عبر الانترنيت رابطة علاقة حب بارد مع فرنسي أو كندي، فبدأنا نفقد ثقافتنا وحضارتنا شيئا فشيئا ،فقبل ظهور التلفاز كان الأهل يجتمعون حول الجدة لتحكي لهم الأساطير والخرافات وهي ليست مجرد ثرثرة أو مضيعة للوقت بل إنها تكسب للمصغي فوائد جمة من خلال أخذ العبرة من الأحداث، وأما الأطفال فكانوا يجتمعون في منطقة معينة ممارسين هوايات متعددة كالتداريب البوليسية متخذين من أشكال الخشب مسدسات فيختبئ البعض في الصبار وآخرون يحاولون التسلل من المنطقة بعد التظاهر بالسرقة فيداومون على اللعبة بمودة وحب وإخلاص وأما أطفال اليوم فأصبحوا من متتبعي الرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية التي تسبب في بعض الأحيان العداء بين الأشقاء نتيجة احتكار اللعبة، وعلى العموم يمكن القول بأن الطفل والمراهق والشاب قد أصبح يتيما بفعل اللامبالاة من قبل الوالدين فعوض أن يعرفانه بالحضارة الإسلامية يدمجانه في صهارة الحضارة الغربية والشارع المغربي معرض لهؤلاء اليتامى من الأمة، وستجد بأن المراهق يرتدي سروالا فيه مجموعة من التمزقات من الخلف ومن الأمام وكل سنة تذهب الأم إلى الدكان لتختار له ملابس الموضى دون أن تعرف بأن الغرب متلذذ بإذلال المسلمين حتى أصبحنا دمى رخيصة يستعملها الأعداء لعرض مستجدات الأزياء، وبالتالي فاليتيم ليس هو الفاقد للوالدين وإنما اليتيم الحقيقي هو الذي فقد المرشد والموجه وهذا ما ينطبق على العديد من الأبناء الذين وجدوا أنفسهم في بلد إسلامي وفي أسرة لا يحدثهم الآباء عن الواجبات الدينية فالأم عندما تنتهي من أشغالها تشعل التلفاز سارحة مع أحداث المسلسل.
وقبل أن يتمم كلامه قاطعه
علينا الذهاب، الفيلم المعروض في السينما سينتهي ونحن مازلنا نناقش واقعنا.
أنت محق، علينا التحضير للإمتحانات وإن بقينا نصف حال واقعنا فستجد نفسك يوما مثل هذا المتسكع الذي بنى أحلامه في الفراغ وبعدما تخرج من الكلية وجد نفسه مقصوص الجناحين، لا مهنة تعلمها ولا دراسة نفعته في حياته المعيشية، من يعترف لك بثقافتك، لذا علينا المثابرة في سبيل التحصيل العلمي لا في سبيل الحصول على مهنة أو وظيفة عمومية كما هو الحال بالنسبة للمتفوقين الذين يسهرون الليالي مستيقظين في الساعات الأولى من الصباح لتناول كأس ممزوج بخاصيات الرياضيات والفيزياء وشطيرة من شعر امرئ القيس أو أبي العلاء المعري منهيا وجبته الصباحية بمبرهنة طاليس ويوم الإعلان عن النتائج يغلي دمه في وجهه لأن صديقه حصد العشرين نقطة و هو سبعة عشر وكأن مبرهنة طاليس ستدخله الجنة، فعوض أن نتنافس على من سيطبق الأفضل قواعد تلاوة القرآن لنيل الرضا من الله عز وجل، نجد التلميذ المغربي ينافس زميله في حصد أعلى نقطة في مبرهنة طاليس وفي باقي قواعد العلوم الحقة، فالمنافسة شريفة والمثابرة حق مشروع، ولكن الأساسيات المقربة من الله أولى من غيرها، و عندما تناقشه في المستجدات تجده مشلول الأفكار أخرس اللسان لأنه انغمس في أعماق المقرر فأصبحت الخاصيات يداعبها في السماء.
استأنفا مسيرهما تاركان بائع الحلزون يمدح سلعته جذبا للزبناء الذين يودون الدخول إلى قاعة السينما، ولجا السوق اليومي "بارضا" متجولين فوق الأرصفة المفروشة بالسلع المتنوعة، ملابس، خضر، الخبز إلخ... وفي لحظة من اللحظات وهم عائدين ركز أنوار ببصره على امرأة تبيع القزبور والنعناع، ومن خلال ارتسامات محياها تبدو عليه آية إنسانة عرفها من قبل، وبادر سؤال إلى ذهنه من هي هذه المرأة؟ أين رأيتها؟ وبدأ يقترب منها تدريجيا تاركا صديقه يثرثر مع نفسه، لم يعد يهمه في هذه اللحظة سوى فك ارتساماتها وتذكرها وكلما تقلصت المسافة بينهما والحماس يتضاعف في معرفتها، ولكن هل ستتذكره أم أن الطفل الذي عرفته قد تغير شكله ووجهه وفكره مع عوامل الزمن، وقف برهة أمام مخبئها مستطلعا تجاعيد جبهتها، لقد هرمت قبل الأوان
آشحال النعناع آشريفة؟
كاين الربطة ادجوج درهم، أوكاين ديال درهم.
لم يكن هدفه هو النعناع بالقدر ما أراد شمه قصد معرفة الحقيقة، فاستطاع فك الرمز الأول إنها امرأة ريفية خالصة لأن اللهجة الريفية مازالت بثقلها قد أسرت لسانها.
اسمحلي آشريقة انسولك؟
واخا أولدي اسول
واش ماعندكش ادراري اخدموا اعليك؟
اللا ما ارزقنيش الله
إيوا علاش الراجل ديالك خلاك تخدمي؟
الله يرحمو مات اشحال هادي
واش ولادو جراو اعليك، قالها بعدما تأكد من هويتها.
اللا كانت اعندو البنت تزوجات لتطوان، أوخاها اصغير امشا اعندها، او الوسطاني مابان ليه أثار ملي مات بابه.
لقد تيقن من خلال محاورتها بأنها المرأة التي حاولت تشتيت أفراد الأسرة الصغيرة، ولم يستطع إخفاء صورتها في ذهنه وهي في حالة مزرية يرثى لها، كيف أوصلها الزمن إلى هذه الوضعية ولكنه القدر المكتوب في صفحة حياة كل إنسان، وأخبر شقيقته برؤية زوجة أبيهم في السوق تبيع "اربيع" وكلما وصف لها حالتها إلا وزادت شفقتها عليها، ولم يهدأ خاطرها والمرأة التي عاشت معهم لسنوات تموت ألف تحت أقدام الفقر، وستقصدها مباشرة في اليوم التالي، فكان اللقاء بينهم مفاجأة لم تتوقعه فاطمة، ولم تتصور بأن ربيبتها ستحسن إليها وتكرمها إلى هذا الحد رغم المعاملة اللاإنسانية اتجاهها أيام كانت سيدة المنزل والأسرة.
انسي الماضي واعتبرني مثل ابنتك، نحن مسلمين والمسلم مسامح كريم لا يحقد على أحد عامله بالسوء.
وأهم ما يشغل بال حسناء هو الطريق الذي أتى بها إلى مدينة طنجة وأخذت فاطمة في سرد ماضيها انطلاقا من وفاة زوجها اعلال، فبعد سفر أنوار إلى مدينة تطوان جمعت أغراضها وكل أملاك زوجها من ماشية وأثاث ما عدا القليل أكرمت به احمادي وقد استطاعت نشل بعض الآلاف الدراهم من زوجها طوال المرحلة التي كان طموحها لا يفارقها فاعتقدت بأنه يعدو نحوها عدوا وهي داخل الحافلة مستلقية برأسها على المقعد بعد الشجار الذي حدث مع أبويها اللذان رفضا ذهابها إلى مدينة طنجة، ولكن عصي والديها لم يهز لها خاطر، بل إن حلمها اعتبرته كنزا ستسعى للنيل به، ولكن سرعان ما انفتحت نوافذ الحقيقة تدريجيا لتجد ريحا عاصفة تكاد تحملها من قدميها عندما وجدت نفسها غريبة في مدينة لا تقبل بقدوم غرباء كسالى يعتقدون بأن العيش فيها يحتاج إلى مجرد وضع القدمين فتجد أكاليل الورد تلحف عنقك.
بدأت تشتغل بأحد المعامل الخاصة بتحضير الأسماك الحمراء الصغيرة "الكامبا" بعد ضمان غرفة للكراء يشترك في تقسيم مساحتها أربع فتيات كلهن ابتعدن عن السن العشرين، وفي الغرفة المحادية شابات أتين من بوادي مختلفة إشتغالا في معامل الخياطة أو في المنازل والمطاعم، وكلهن يحاولن الحصول على رمشة خبز بشتى الوسائل فوجودهن بهذه المدينة ليس للتجوال ولا لتضييع الوقت بل أبرن عقدا مع آبائهن "سنذهب إلى طنجة للاشتغال وأرسل لكما ثمانين في المائة من الأجرة" ولهذا تجدهن في الصباح الباكر يتزاحمن لركوب الحافلة لنقلهن إلى المعمل، ونفس الشيء بالنسبة لفاطمة التي تخرج من كهفها قبل أن تأذن لها الشمس بالخروج، تتجه صوب المكان الذي تقف فيه الحافلة لتلتحق بالراكبات.
استمرت في عملها لسنتين، إلا أن المرض منعها من مواصلة أشغالها فاضطرت لتركه باحثة عن عمل آخر فأخذت تدق أبواب المقاهي والمنازل والعمارات، وتم قبولها في إحدى المقاهي كخادمة في المطبخ، إلا أن صاحبها استغنى عنها لأنها لا تتقن تحضير الشاي فطردها خشية فقدان الزبناء، لتنتقل بعدها إلى طلب العمل كمنظفة للمنازل وستجد قبولا في إحدى الإقامات وأثناء القيام بأشغالها راصدتها أعين مثعلبة تنوي الإيقاع بفريستها بعد مراقبة تحركاتها من بعيد.
السلام عليكم يا سيدتي,
وعليكم السلام
هل يمكنك أن تعرفيني على شخص يتردد يوميا إلى هذا المكان؟
طبعا، ليست عندي أية مشكلة هل هو قريب لك؟
كلا، أبحث عن شخص منذ سنوات ها أنا اليوم قد وجدته
ومن يكون؟
أنت لم تفهمي قصدي، اسمي حسن، أرمل لزوجة فقدتها، والآن أريد شخصا يشاركني حياتي.
ما الذي تريد أن تقوله؟
أريد الزواج بك، أعرف أن اسمك فاطمة وتشرفين على السن الأربعين، ولهذا اخترتك من بين النسوة للزواج بك.
لم تستطع الإجابة لا بنعم ولا بالرفض، تركت المكنسة متدحرجة فوق المصعد، أزاحت العرق من جبينها بسبابتها ثم مسحت يديها، أدارت وجهها وهي تشابك أناملها اليمنى باليسرى.
حسنا، دعني أفكر وعد إلي غدا لتعرف جوابي، ولكن لا بد من التعرف على عملك وعلى سكناك وسنك
أشتغل تاجرا في الذهب وأمتلك منزلا مستقلا وعمري يشرف على الخمسين
وفي تلك اللحظة ودعت عملها فانصرفت إلى غرفتها ماشية على أصابع قدميها تكاد تطير من شدة الفرحة وخاصة عندما تتذكر جملته "تاجر في الذهب" وظلت طول الطريق تتخيل شكل منزله وأنواع أثاثه.
بدأ يلتقيان كل يوم يدعوها إلى أفخر المقاهي يتجولان في المدينة، ويطيران من شارع إلى آخر كعصفوران يلهوان في الرقيع، يمدح نفسه مفتخرا بمكانته المحترمة بين فئات الأغنياء، وهي الأخرى لم تحتفظ بأسرارها الخاصة وبدأت تعد الأموال التي ادخرتها ليقطع حديثها بأنه يريدها كزوجة ولا يهمه مالها، فكانا يكذبان على بعضهما البعض، وكل واحد منهما لا يفكر إلا في الجاه والغنى، إلا أن الحقيقة ستفتح لسانها الذي سيلحس حياتها بجرعات من الشقاء بسبب رجل طوقها بالحيل فقدمت له كل ما تملكه حتى قلبها أرادت أن تضعه بين يديه لا لشيء لأنه أغواها بوسخ الدنيا, وما أكثر الفتيات تعلقا بماديات الحياة.
وجدت نفسها مرة أخرى في الشوارع من جديد تنقب عن الذهب المفقود عندما انكشف أمام عينيها حقيقة الرجل المستغل لثلاث نساء أخريات جذبهن إلى جحره أو انجذبن إليه طامعات في جني التفاح من شجرة الليمون، الأولى تأتيه بما ادخرته طول اليوم وهي تبيع الرغيف والحرشة، وأما الثانية فيزورها أسبوعيا أو شهريا ليأخذ أجرتها وكلهن يعشن تحت رحمة الله في غرف جد متواضعة وكل واحدة كرى لها غرفة مستقلة عن الأخرى وثمن الكراء يدفعنهن من عرق جبينهن، أما هو فقد أصبح عبدا للشابة التي أسرت فؤاده بجمالها الاصطناعي، فيرضي كل رغابتها بأجور الأخريات، فأراد أن يتم الشرع بالزواج بالرابعة، وحينها سيكون قد أكمل السنة كما يقول لهن دائما "أنا لا أفعل إلا السنة، الشرع أجاز أربعة"،ولكن فاطمة لم تقبل به، بل كيف يمكن لها عقد القران دون إثبات وفاة زوجها والحالة المدنية ليست معها، لقد تفاجأت عندما أعد العادل الزوجات الثلاث، فكانت جملته كاللهب تحرق كرامتها وكبريائها، فانتفضت غاضبة "لن أتزوج بهذا الملعون خدعني وسرق أموالي"
إذا تملكين دليلا فارفعي دعوى ضدي، موظفي المحكمة كلهم أصدقائي.
لم تستطع رفع دعوى قضائية ضده ما دام يتحكم في الأخريات بالسلطة الجائرة لأنهن جاهلات، غير قادرات على الدفاع عن حقوقهن، ولكنهن يستحقن العقاب عندما قبلن بالزواج به طمعا في الحياة الراقية، تمنين عيش الأثرياء، وأي حياة يعيشها الأغنياء ما دامت حياتهم هدية للماديات، فالإنسان العاقل من يضع الدنيا في كفه اليمنى يكتسب من الحلال وينفق في ما يقرب إلى الله، لا وضع الدنيا في القلب فيصبح أسيرا لهواها فتارة يسبح في رياح الشرق وتارة تأخذه رياح الغرب، فلا طمأنينة أراحته في مضجعه ولا آخرة أعد لها.
فعوض أن تفكر المرأة لما بعد الزواج ,تركز فقط على أملاك الرجل وكل أفكارها منصبة على إقامة أفضل حفلة ودعوة أفضل الناس من ناحية الجاه والنسب وعرض أفضل الفساتين يوم الحفلة، حتى غدا حفل الزفاف نسخة طبق الأصل للحفلات الغربية، الرجال مختلطون بالنساء وكلهم يرقصون مغيرين إيقاع حركاتهم مع الموسيقى وعندما يقول المسلم الغيور على الدين "ويحكم توبوا إلى الله" يقال له أنت تقليدي، دعنا نعيش الحداثة.
بعد الشروع في عمل متواضع سقطت فاطمة ضحية للمرض وهذه المرة ستضطر إلى زيارة الطبيب الذي نصحها بعدم الإجهاد على نفسها دون أن يخبرها عن الداء الذي لا علاج له، وبالتالي فضلت القعود في السوق وبيع "اربيع والنعناع".
لم تخفي حسناء شجنها وهي تصغي إليها وصوتها يزداد تقطعا كلما أطالت في الكلام، فحاولت التخفيف من همها ورجت زوجها أن يقبلها كعضوة لتعيش معهم ما دامت تشعر بالحرج بالذهاب إلى والديها، فقبل بكل سرور، وأثناء تناولهم العشاء عاد موضوع فريد إلى الواجهة وهنا ستبوح بمعلومة ستجعل الشقيقين متفائلين بالعثور على أثره، ثم انتقلوا للحديث عن احمادي الذي أصبح هو الآخر طريح الفراش وهذا ما أخبرتهم به عندما زارته طالبة حقها في المحصول الزراعي، وقد أصيب بالسرطان نتيجة إدمانه على المخدرات والخمر ورفضه نصائح الطبيب، وبعد يومين انطلقوا إلى الريف باستثناء فاطمة التي تركوها في المنزل كي تحرسه ولأنها هي الأخرى بدأت صحتها تذبل شيئا فشيئا، كما يذبل العشب الأخضر تحت حرارة أشعة الشمس التي رحبت بالضيوف وهم يلجون دوار اعزوزن بعد رحلة شاقة، وأثناء مسيرهم ببطء غرقت السيارة في موكب جنائزي والكل يحدق بالعربة وكأنهم لأول مرة يروا السيارة، إلا أن عيونهم مصوبة اتجاه الركاب، ولم يتمكنوا من التعرف عليهم ماعدا الجار الذي تعرف على وجه حسناء.
وصل الضيفين إلى المنزل والمدرسة التي تعلما فيها الصبر والجد تحت ضربات الإهانة فهضمهما الحزن والعذاب ليصبحا شخصيتان ملتزمتان دينا ودنيا متسامحان ومتخذان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قدوتهما ومثلهما الأعلى.
دخلا المنزل غريبان وسط نساء يحدقن بهما وفجأة عانقت صفية حسناء.
خاك مات الله ارحمو، مات البارح.
لم تصدق وفاة أخيها الأكبر وتمنت لو تسامحا قبل موته فما استطاعت إضمار ألمها، فأخذت تشارك زوجته في البكاء وتواسيها في نكبتها، أما أنوار فكان رد فعله سوى الإنفراد بنفسه متجها نحو الشجرة التي ذكرته بصغره متأملا أوراقها الندية في الصباح فيشعر كأنها تشاطره عذابه النفسي فما استطاعت مواساته إلا بإرسال دمعات فوق شعره كلما هزت أغصانها الرياح أيام كان طفلا مغلوبا عليه، وبعدها انسحب لمصافحة أصدقاءه وزملائه الذين درسوا معه في الابتدائية، وقبل جنوح الليل دعوه للذهاب معهم إلى الحانوت تبادلا للحديث، ولم يرفض طلب دعوتهم فاستجاب لها بكل سرور، لأنه متفتح مع الجميع ومتشوقا لملاقاة شباب ابني مزدوي المجتمع في الحانوت وكل واحد منهم يتحدث عن مغامراته مع فتاة يستغلها جنسيا بعيدا عن الدوار، بعدما أن أطمعها بالزواج، والآخرون يسبون بعضهم البعض أثناء لعب القمار، وأصدمه صديقه الحميم عندما أشهر "السبسي" ليملأه بالحشيش والنعناع الرومي اليابس، والدخان يخرج من أنفه وكأنه أنبوب معمل قديم، ولم يكن هو الوحيد المدمن على المخدرات والتدخين بل جل زملائه القدامى تعلموا المهنة المميتة، وأغلبهم شربوا الخمر، وأي رجل في العالم يتعاطى للتبغ والمخدرات فبدون ريب سيصبح زبونا للنبيذ والخمر، لأن الإنسان عندما يداوم على المعصية مبتعدا عن الطريق القويم إلا وغرق في الطريق الأسود ليصبح لعبة للنفس والهوى ,والشيطان يدفعه إلى المحرمات فيقسوا قلبه الدي لا يخشع لآيات القرآن.
وقف أنوار لتقديم نصح لهؤلاء الشباب.
أيها الشباب ما هذه الحالة التي أنتم عليها، ألا تذكرون مدى خطورة التدخين على الصحة؟
لولاه لما اجتمعنا هنا، هو الذي ينسينا همومنا.
وماهمك؟ هل لديك أطفال وزوجة؟
أعوذ بالله من النساء جلهن عاهرات.
إذن حتى أختك مثلهن ما دمت قد اتهمتهن جميعا؟
أغلق فمك أيها الحمار، سأقتلها إن رأيتها مع أي شاب.
ولماذا تربط علاقات غير مشروعة مع إحدى الفتيات؟
وما شأنك أنت، هي التي تهديني جسدها الرخيص، تعتقد بأنني سأتزوجها، ولماذا الزواج مادمت أشبع رغباتي، وكيف سأتحمل مسؤولية النفقة وأنا أشتغل بخمسين درهم فتارة أجد العمل وتارة أصبح عاطلا، مضطرا إلى شراء التبغ بالدين وأجرتي الأسبوعية أدفعها كلها لإزالة الدين، وحتى إن أردت الزواج فعلي البحث عن ابنة الأصل، كيف سأقبل بهذه المرأة أما لأولادي، لأنها لم تحافظ على شرفها وربما ستقوم ببيع كرامتها لرجل آخر كما تفعل معي.
إذا كنت تستغل هذه الفتاة فاعلم بأن رجلا آخر سيفعل نفس الشيء مع أختك، فكما أن تلك الشابة تاتي إليك خفية دون أن يكشف أحد من أشقائها أفعالها الشنيعة, فإن شقيقتك هي الأخرى يمكن أن تكون قد سقطت في شباك أحد أصدقائك، وأما أن تقول عاجز عن تحمل المسؤولية فلأن عقلك صغير جدا رغم أنك تملك جسد حصان، فلو كنت ذا عقل لما دفعت أجرتك اليومية في شراء التدخين.
اذهب إلى اليهود لتعليمك، أنت لا تعرف ما أعرفه أيها" البرهوش"، إنك لم تتعلم سوى الثقافة الأمريكية
وما هي الثقافة التي تعلمتها من الأمريكيين؟
الم تقل أنك إن زنيت مع فتاة ما فإن آخر سيزني مع أختك؟ أليست فكرة أمريكية؟
لم يستطع إخفاء ضحكته على هذا الشاب ذو الثلاثين عقدا.
إن أمريكا هي التي تدعو إلى الفحش، ولتجنب الوقوع في مالا يحمد عقباها، وضع الرسول صلى الله عليه وسلم منهاجا إن اتبعنا خطاه نجينا وإن خالفناه غرقنا في الظلمات والجهل، كما تعيش أنت حياة البهائم لا تفكر سوى في الأكل والشرب والتدخين دون أن تعلم أن الله عز وجل أوجدنا لعبادته قائلا في القرآن الكريم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون" الآيتين ستة وخمسون وسبعة وخمسون من سورة الطور، وفي الأخير تنسب أقوال الرسول صلوات الله عليه إلى الأعداء معتقدا بأنك مثقف وبأن التلاميذ يكتسبون الثقافة الغربية، ألا تعرف أنك وأمثالك تفتحون عقولكم الفارغة لأفكار اليهود، فلم يستطع أحد منهم الرد على كلامه، بل إن الكثير منهم استنصحوا له وهذا ما يعني أن الخير في هؤلاء الشباب لم ولن ينقطع عنهم أبدا، إلا أنه اضطر لوداع أصدقائه مارا بالمسجد لأداء صلاة المغرب، وبعد الانتهاء انفرد بالفقيه.
أستسمحك أيها الفقيه
تفضل يا ولدي هل لديك مشكل؟
تعرف أن بيت الله يجب تنظيفه، ولكن ما لاحظته هو أنه مليء بالحصى وحبيبات التراب.
نصحت المصلين مرارا بتنظيف جيوبهم قبل المجيء إلى المسجد، غير أنهم لا يغيرون ملابسهم سوى يوم الأربعاء أو الجمعة، فمجرد إنهاء أعمالهم الفلاحية يقصدون المسجد لقضاء الوقت في القيل والقال ويخرجون منها تاركين الزريبة مليئة بالحصى الدقيق.
وأراد توجيه سؤال آخر إلا أنه فضل عدم إثارة المشاكل مع الفقيه، متسائلا مع نفسه ما دوره في المسجد كفقيه هل عمله يتمثل فقط في الإمامة بالمصلين والرقاد في غرفته وتحضير الشاي والتجوال في الساحة مترقبا وقت الصلاة، ولماذا لا يتطوع بتنظيف مكان الصلاة؟ فمن الأفضل هل الحفاظ على نقاوة بيت الله أم قضاء ساعتين مشاهدا مباريات كرة القدم وهو جالس بين المدخنين لتشارك جلابته في رشف دخان السجائر، ام أن فقيه اليوم قد أدخلت عليه آلة العولمة إصلاحات جديدة كي يصير حداثيا أو فقيه آخر الموضة؟
فضل المكوث بالجامع ريثما يؤدي صلاة العشاء جماعة, أما السي الفقيه وخطيب البلدة فبمجرد إنهاء صلاة المغرب غير وجهته من المصلى إلى الحانوت تتبعا لأحداث مباراة كأس أمم أوربا بين اليونان وتشيكو سلوفاكيا، وبعد حلول وقت الصلاة عاد إلى بيت الله للأذان وجلبابه يفوح منه أزكى رائحة يتعطر بها المدخنون.
خرج أنوار متأسفا على حال القروي الذي يذوب يوما بعد يوم في قارورة الجهل وفساد العقيدة بمحض التشاؤم والإدمان إنهم ينتحرون ببطء، مشتكين و يلومون الدولة على حد تعبيرهم دون الإدراك بأنهم من الشعب الذي يعتبر ركنا أساسيا لقيام الدولة فوق قدميها و كيف يريدون ان تكون الدولة صالحة بدون ان يصلحوا أنفسهم؟، إنهم يريدون أن تمطر عليهم السماء ذهبا وهم متكئين على الجدار مفتخرين بوضع السجائر بين الشفتين ويتمازحون باللغو والرفث مفضلين شراء علبة الماربورو باثنين وثلاثين درهم عوض اقتناء معجون الأسنان إزالة للسواد الملطخ لأسنانهم, وجلهم يحلمون بإسبانيا و"لحريك".
السماء مزركشة بأنوار الأجرام والقمر يضيء الطريق الضيقة وصديقنا يسير بخطى ثابتة متأملا في الطبيعة المنغمسة في الظلام ونور البدر يخفف عنها عتمة الليل، لتبدأ موسيقاها في إمتاع المكروب بألحانها الهادئة ونبراتها الحزينة بأهازيج الأشجار وهي تقبل الصبا بجدائلها و الصراصر تعزف على الكمان دون توقف والكلاب تنبح في مختلف البقع وكأنها تشجع على إبداء مزيد من الألحان والغناء، وحتى أنوار تمنى لو يطول الليل لمشاركة الطبيعة في موسيقاها مندمجا مع براءتها وسخائها، بعيدا عن الواقع الشبيه بثعلب لا تدري متى ستصبح ضحية رخيصة وأكلة بلا مقابل في يد الذئاب.
وصل إلى المنزل والاهل يسبحون في وحل الأحداث يسردون ماضيهم بكل تفاصيله، وهو لم يأبه لما يقولونه وظل صامتا مع الليل المنجلي تدريجيا إلى أن أخذ كل واحد مكانه للإضطجاع. وقبل انجلاء الثلث الأخير من الليل كان هو أول المستفيقين لأداء صلاة الفجر التي أضحت وقتا لا يفرط في استغلاله، مستنشقا أريج السعادة وهو يمرر الماء فوق وجهه وعند إنهاء الفريضة يشعر بهيجان أمواج دافئة من الطمأنينة تغطي القلب بصفحات بيضاء تنظفه من كوادر الدنيا.
ولج النهار في الليل والشمس مشعة في الأفق وكلما ازدادت حرارتها اقترب موعد مغادرة الزوار لمسقط رأسهم. ولم تكد تصل الساعة إلى الواحدة زوالا حتى رفرفت أناملهم في الأعلى مودعين أحبابهم.
دخلوا مدينة طنجة والشوارع يلفها الليل بالظلام وخاصة الحي الشعبي الذي يقيمون فيه فيبدو الحزن ظاهرا على جدران المنازل والممر الخاص بالسيارات متوحش ومشتاق لبصيص من النور.
دخل السي امصطفى بيته بخطى بطيئة إلى أن تمكن من إنارة المصابيح ليمنح بعدها إجازة الدخول للآخرين، وبمجرد استراحتهم لثوان افتقدت حسناء إلى فاطمة التي غاب حسها وأخذت تنادي عليها علها تأتي إليهم، إلا أن أذنيها لم تكونا قابلتين لاستقبال أمواج صوتها، ظلت مكررة النداء وحينما لم تجب لدغ الشك فؤادها، ولإبرائه من الريب اضطرت لتفحص الغرف، فبدأت بغرفتها فلم تجدها وحولت اتجاهها إلى غرفة أخرى وفي الأخير فتحت باب غرفة أنوار لتجدها مستلقية فوق الزربية حاولت إيقاظها ولكنها أبت إصدار أي حركة، نادت على زوجها ثم أنوار لمحاولة تحريكها، فوضع أنوار يده تحت أذنيها تأكد من توقف نبضات قلبها، بعدها أشار بإبهامه "الله يرحمها"، لقد ماتت"، فكانت الصدمة أثقل من الأرض وهي تتلقى منه هذه الجملة، ولكن القدر لا يخطئ وشاءت الأقدار أن تموت وحيدة، ماتت في اليوم الذي ودعوها، لقد كان الوداع الأخير ليبدأ الألم في حرق كل أعضاء جسمها، فاضطرت للبحث عن دواء تقليدي في كل أرجاء المنزل فوجدت في كيس أنوار مادة ملحفة بأوراق الجريدة معتقدة بأنه الزعتر في حين أنها شربت السم الذي استعملته لقتل زوجها وهي التي وضعته في الكيس الذي يضع فيه أنوار أغراضه تجنبا لاكتشاف أمرها.