"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره."
سورة الزلزلة الآية7و8
قال الرسول صلى الله عليه وسلم"واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسرى "
هذه الرواية: "الواقع المر"
من تأليف الشاب جمال أبقوي من مواليد تارجيست الحسيمة، طالب باحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، ، وتعتبر هذه أول محاولة إبداعية للطالب الباحث.
و قد شملت هذه الرواية جوانبا من الواقع المعاش للأسر المغربية والريفية خاصة، ممزوجة بالأحداث الواقعية الأليمة منها و السعيدة، و بالخواطر التي استقاها المؤلف من وحي الخيال و نسج المجاز، كما جمعت الرواية بين العواطف القلبية التي تمس المشاعر الإنسانية و بين الحكم العقلية التي تهتم بجوانب التوجيه و الإرشاد، كما ضمت الرواية عبرا بليغة ودروسا عظيمة حملتها في طياتها متعلقة بصراع الخير و الشر وعاقبة الظلم.
سيستشعر القارئ اللمسة المزديوية الريفية السحرية و النكهة الروائية المغربية الأصيلة و هو يتنقل بين الصفحات، كما سيستمتع القارئ بمفاجآت أخرى و هو يتابع أحداث و أطوار هذه الرواية. و قد اختار للرواية عنوانا معبرا عن الواقع بعيدا عن الأحلام و الأفلام... فسماها "الواقع المر" إشارة إلى المرارة التي كابدتها العائلة المزديوية و إلى الظلم الذي لحق بأنوار الطفل اليتيم الذي سيفقد أمه ثم أباه لترميه العواصف الآدمية في بحار الواقع المر... ثم تسوقنا الرواية إلى أن اليتيم حقا، ليس الذي قد مات والده، لكن اليتيم يتيم العلم و الأدب...
إلياس بنعلي
طالب باحث في العلوم الاقتصادية
مجاز في التسيير المحاسباتي و المالي
الفصل الأول*
لوحت الشمس بأشعتها معلنة غروبها الذي رافقه نشر سدول العتمة على "ادشار اعزوزن"
الذي يوجد فوق تربته عائلة فقدت ربة بيتها .
لقد تفاجأ علال، بوفاة زوجته عالية تاركة له ولدين صغيرين وابنته حسناء التي هرولت إلى الخارج منادية خالتها بصوت يملأه الشجن والبكاء ، نادت بصوت عال .
أمي ماتت ! يا خالتي أمي ماتت !
ولم تصدق هي الأخرى هذا النبأ الفاجع لتبدأ طرفيها بإمطار الدموع ،كيف تصدق وفاة أختها وهي كانت قبل ساعات بعافيتها تعد الطعام لأسرتها ، إلا أن زوجها توقع بل كان ينتظر فاجعة ستنزل بالعائلة ، وذلك من خلال ما رأته حسناء في المنام فأخبرت والدها .
- شاهدتُ جمعا غفيرا من الناس ومعهم عروس
-هل أتت العروس الى منزلنا أم خرجت منه ؟
-رأيتها تخرج من منزلنا بلباس أبيض وحولها موكب من الناس .
لم يستطع إخبارها بتأويل ما رأت وفضل كتمانه وانتظر القدر الذي شاء أخذ روح السيدة عالية الأم الصالحة التي أحبت أبناءها وأسرتها وها هي اليوم تودعها وداعا أخير ا دون رجوع وقبل وفاتها بأسابيع عانت من مرض لم تنفع معه زيارة الطبيب ولا تناولها لأدوية تقليدية
جلس أفراد العائلة فوق أريكتين خشبيتين يتبادلون الحديث حول المرحومة وما اتسمت به من كرم اتُّّجاه الجيران أما الزوج فكان جالسا بصمت وبعد برهة أخذ ابنته حسناء ذات الثالثة عشر ربيعا وفريد ذو العشر سنوات والعنقود الأخير أنوار الذي يوشك على إتمام السنة السادسة، أجلسهم في إحدى الغرف الخاصة بالضيوف "الداموس" وكانت ابنته يمينه وفريد يساره أما الصغير فوضعه فوق ركبته وبدأ يبكي عندما أحسّ بضعف لقد استسلم إحساسه الرقيق للبكاء وعجز عن تقبل الموقف بثبات وأكثر ما قطع فؤاده براءة أبناءه الثلاثة الذين شاركوه في البكاء فحسناء لم تستطع إضمار دموعها فأجهشت بالبكاء ونفس الشيء بالنسبة لفريد أما أنوار فنظر إلى أبيه و الدموع تنزل كقطرات المطر فوق خديه متأثرا ببكاء أخته و أخيه، شعر بكرب شديد أرغمه على النظر نحو الحضيض، لقد أشجنه هذا الجو الحزين ولم يتمالك نفسه فسقطت دموع من مقلتيه أزاحها عن وجنتيه بظهر كفه .
نشر الليل ستور ظلامه على القرية واقتربت الساعة التاسعة ليلا ، الكلٌ أخذ مكانه للنوم باستثناء علال الذي ظل في" الداموس" مستيقظا يتلو آيات من القرآن الكريم ترحما على زوجته، أمٌا الأطفال الثلاثة فاتجهوا صوب الغرفة المقابلة" للداموس" وهذه الغرفة تتكون من سرير مصنوع من الحجر والطين يزيد عرضه عن مترين وطوله يزيد عن المتر والنصف استلقى عليه الأشقاء الثلاثة فريد يمينا وحسناء يسارا يتوسطهما أنوار وتم تفريش هذا السرير بالحصير وفوقه ثلاث "هيدورات" ، بعد برهة قال أنوارلأخته بصوت رقيق يكاد لا يخرج من شفتيه.
-أريد أمي !!
لا يا أنوار إنها نائمة الآن ، دعها تنام –
-كلا ، أريد رأيتها الآن لم أراها منذ ساعات !!
وضعت أناملها فوق رأسه عسى أن يستسلم للوسن، لكن خطتها باءت بالفشل عندما نادى بصوت يتخلله البكاء
- أريد أمي ! سأذهب إليها !!
- يا أنوار إن أمنا ماتت وليس بإمكانك رؤيتها !
لم يدرك معنى الموت نظرا لحداثة سنه وكلامها لم يشف غليله فنادى بصوت مرتفع
- أريد رؤيتها دعيني أذهب إليها !
تحرك من مرقده قافزا إلى ساحة الغرفة والعتمة ناشرة ستور ظلامها، أراد فتح الباب إلا أن حسناء أشعلت (الامبا) بسرعة وضمته إلى صدرها .وضعته فوق السرير إلا أنه استمر بالبكاء والنواح على أمٌه مطالبا أخته بإحضارها. لقد افتقد هذا الصبي إلى أمٌه إنها الصدر الحنون الذي وجده عندما فتح عينيه هي التي تأخذه إلى ( اشريف ) ليعزم عليه أو يقرأ عليه المعوذتين عندما ينزل به مرض، إنها الصديقة والرفيقة بالنسبة إليه هي التي تسافر بأناملها فوق رأسه إمتطاءا لقطار الوسن لكن هذه الليلة ظلٌ وحيدا دون أمه يحسٌ بالقنوط لغيابها.
استمرٌ مناديا عليها في غيابات الظلام حتى الساعات الأخيرة من الليل حينها فقد طاقته وتمكن منه النوم فارتاحت شقيقته من نواحه وبكاءه .
بزغت الشمس بلونها الذهبي وبدأت حركة الحياة تدب في (اعزوزن ) استيقظ الأهل باكرا وبدأ النساء بتحضير الخبز وترك أنوار مضجعه متجها صوب الدلو ليغسل وجهه، كانت الساعة من العاشرة صباحاعندما خرج الصغير لاقيا أشعة الشمس، بعد دقائق دخل المنزل واتجه مباشرة صوب الغرفة التي توجد فيه أمه. اقترب من الباب واقفا أمام المدخل ورأى النساء يضعن زيا أبيض فوق الجثة ،ظلٌ يشاهد عن كثب عملية تكفين أمه فرأى وجهها تغيب عنه حركة فأحسٌ برعشة لا إرادية ارتعد معها جسمه .
خرج أنوار إلى ساحة المنزل وجلس فوق أريكة مصنوعة من الحجر والطين مغطاة بتربة حمراء وأحلاسه متسخة ووجهه مزركش بأنواع متعددة من الأوسخة، وظلّ صامتا دون أن يفقده أحد هدوءه ما عدا النساء اللواتي يقمن بطهي الخبز في الفرن التقليدي والرجال يذبحون البقرة .
بدأت الساعة تقترب إلى منتصف النهار وسكان البلدة يلجون المنزل مثنى مثنى ، ملأ النساء جل الغرف ماعدا غرفة واحدة، أما الرجال ففضلوا المكوث خارج البيت .
أصبحت ساحة المنزل مكتظة بالأطفال الذين أزعجوا أنوار بفوضاهم ،وفضل تغيير المكان والانتقال إلى مكان هادئ .لقد أصبح سارحا في التفكير ،إنه الواقع الذي حتم عليه أن يفكر إجابة على سؤال يتردّد في ذهنه ما معنى الموت ؟ استنتج أن الموت هي نوم بلا استيقاظ، الآن أصبح مقتنعا أن أمه ماتت، لكن الشك ما زال يراوده " أعتقد أنها لم تمت، لأنها ستفيق بعد أخد قسط من النوم، لابدّ وأن تفيق لأنه حان وقت الغذاء وستنادي عليه للأكل "
راوده هذا الاحتمال وهو يحدّق صوب الجبل ، ودار بعينيه نحو جبل "تيزيفري" ثم اتجه يسارا فشاهد شابين يحملان سريرا حديديا ، وظل مراقبا لمسيرهما إلى أن وصلا الساحة ، إلا أنه لم يتعرف على سبب إحضار مثل هذا السرير الغريب الذي لم يره من قبل ، وبمجرد وصولهما بدأ الأطفال ينادون بصوت مرتفع إنه المحمل .
دخل الشابان إلى المنزل وتبعهما اعلال رفقة رجال آخرين ، بينما ظل أنوار مراقبا الحدث وبعد لحظات سمع نواح النساء وهن يبكين ويردّدن "الله يرحمها " والرجال يرددون " لا إله إلا الله محمد رسول الله " خرجوا حاملين المحمل وفوقه جثة امرأة سيتأكد بأنها أمه وخاصة عندما وضع أحد الرجال فوق رأسه قائلا " أرب حنيني " لأن مثل هذه الجملة لا تقال إلا لمن فقد أحد أبويه .
وزاد يقينا عندما خرجت حسناء وخالته يبكين ، فهاجت أحاسيسه كما تهيج مياه البحر أثناء الرياح إنها ريح الألم والحزن تعصف بمشاعره وألم يمزق فؤاده فما استطاع سوى أن يخطو خطوتين سريعتين نحو الأمام فصرخ صرخة مدونة ردّت عليه الجبال .
- اتركوا أمي !! أين تذهبون بها ؟
أمسكه أحد الشبان وضمته خالته فضاعف البكاء
-أريد أمي ! أريد أمي !
فترّد عليه ستعود إن شاء الله .خرج النساء وهن يراقبن موكب الجنازة إلى أن تجاوز الهضبة، بيدا أن صوت الرجال ظل يتردد «لا إله إلا الله محمد رسول الله " وبدأ يتلاشى تدريجيا إلى أن اختفى تماما.
دخل النساء إلى المنزل وتم توزيع الخبز على الحضور الذي شكل مجموعات ، وكلّ مجموعة تتكون من أربع أوخمس نسوة ،ثم قدم لهنّ صحون اللحم والحساء ،وعند تناولهنٌ الوجبة أخذن في الحديث عن فلان وفلانة . وبعد اقتراب الساعة إلى الثالثة ذهب الكلّ إلى حال سبيله وخاصة بعد عودة الرجال من المقبرة الذين طلبوا من زوجاتهم اللحاق بهم في منازلهم ، إلا أن أنوار انتظر على أحرّ من الجمر عودة أمه ، ولكن سرعان ما تبدّد أمله حينما عاد والده حاملا بين كفيه البطّانية التي غطت بها، والآن صدّق أنها ماتت معتقدا أن القبر عبارة عن بئر يلقى فيها الميت فيملأ ترابا ، وكلّما تخيّل هذا المشهد ازداد حزنا ، إنها حالة طفل أراد الإقتناع بأن أمّه ماتت ولكن حاجته إليها تفقده يقينيّة الموت ، يفكر بالعواطف فيجد جوابا يقول له "إن أمّك لم تمت فهي نائمة وستستفيق يوما ، وسرعان ما يتحول هذا الأمل إلى كآبة يتأكد بأنها ماتت بالفعل لأنها مطمورة في التّراب" . أصبح حائرا بين أمرين
أيصدّق العاطفة أم الحقيقة..
نادى في ظلمات الليل على أمّه فردت عليه الأركان ،بات الليل بطوله ثائرا يبحث عنها ،لكن الصراخ والنواح لم يجدي نفعا . وعندما ابتسمت الشمس في الصباح استيقظ ليجد نفسه أخرص على قول أمّي، لقد نسي مونيماتها ،لأنها لم يعد لها أي وجود ولا توجد أي امرأة تستحق بأن يناديها أمي ، عندما ترحل الأم يرحل معها اسمها . ومنذ تلك اللحظة أصبح هذا الصبي تائها في التفكير ، يهرب إلى ظل شجرة فيستلقي فوق ظهره ويبدأ في التفكير ،فقد السعادة وغدا يتفادى اللقاء مع الجيران لأنه كلما التقت به امرأة تقول له " أربي حنيني " فيحسّ بفقدان أمّه مما جعله يبتعد عن أقرانه ومتخذا من الوحدة أ ُمٌا تنسيه يتمه ، ورغم الإهتمام الذي تمنحه له أخته التي تحنو عليه وأبوه الذي يحاول دوما مداعبته ، إلا أنه عرف تحولا في شخصيته فبات يفكر ويفكر بعمق ،هل هو بحاجة إلى أمّ؟أم بحاجة إلى من يؤنسه ويواسيه ويخفف عنه العذاب النفسي الذي يضرمه عن الآخرين خشية أن يقال له .
- اليتيم يبكي والله يضاعف دموعه وهي جملة يردّدها بعض النساء إذا ما رأين يتيما يبكي بسبب الجور الذي تعرض له.
أصبحت الأسرة محتاجة إلى من يتكفّل بها فحسناء ليست خبيرة بشؤون المنزل ، ولهذا قرّر السيد اعلال الزواج ، فخرج من دواره باحثا عن زوجة تعوض الزوجة المفقودة، انطلق إلى "ازرقت " ممتطيا دابته ،والأولاد جدٌ متحمسين لرؤية أمٌهم الجديدة كما يقول لهم دائما .
انتظر الأطفال عودته، مرّ العصر فلم يعد بعد وظلوا ينتظرونه حتى غروب الشمس، فاقترحت حسناء الذهاب إلى جارتهم صفية.
- لا نستطيع أن نبيت وحدنا ، فأمّنا رحمها الله نصحتني بعدم الاضطجاع بانفراد في المنزل لأن "مومو" سيأكلنا .
أوشك الظلام على نشر عتمته ،والإخوة قد انطلقوا نحو جارتهم ،لمّا وصلوا رحبت بهم ترحيب الأحبّة ضامة إلى صدرها أنوا ر المحبوب عند الجميع ،أمّا حسناء فكانت ملهية بالحديث مع صديقتها أسماء . دخلوا جميعا إلى إحدى الغرف وزوج صفية قد أشعل المدفئة التقليدية "اصطوفة " التي أدفأت الغرفة رطوبة ودفئا ، وسألت صفية حسناء ...
- أين ذهب أبوك ؟
- ذهب في الصباح إلى " ازرقت " ، شخص من العائلة وعده بإيجاد زوجة من أجله .
وبعد الحوارات المتعددة والمختلفة، اجتمعت الأسرة والضيوف حول المائدة متبادلين الحديث ومتمازحين بالنكت الشعبية وسرد الخرافات، لينقطع الحديث بعد تهيئة طعام
العشاء فاستأنفوا مذاكرتهم بعد تناول الأكل ، وأما أنوار فإنّ الوسن أخذ يطارده فتارة يجلس مستقيما وتارة أخرى يميل رأسه مصطدما بأريكة مصنوعة من الحجر والطين .
تكاد السّاعة تقترب من الثامنة والنصف مساء، وشخص ما يدقّ على الباب الخارجية وبلاشك إنه علال الذي أتى باحثا عن أبنائه ودعاهم للذهاب إلى المنزل ، فكان أنوار يتمايل كالأقحوان من جراء النعاس الذي اشتدّ به وكانت تلك الليلة من ليال فبراير،الجو بارد والسماء مكفهرّة والسواد يلوّن الرقيع ، الأب يمشي بخطى بطيئة يحمل فوق كتفيه أنوار، يتبعه فريد وعلى يمينه حسناء معتصمة بيده .
وصلوا ساحة المنزل الذي يبدو هادئا وكأنه هُجر منذ زمن سحيق، بل يشعرنا وكأنٌه هو الآخر يعيش الحداد فالسّيدة التي تكنسه قد رحلت.
ولجوا المدخل ثم تقدّم الأب نحو إحدى الغرف باحثا عن علبة الو قيد ، بينما الأطفال ظلّوا ينتظرون إنارة الضوء ، وبعد إشعال" اللامبا " تقدموا نحو الغرفة واضعا المصباح التقليدي فوق طاولة خشبية مستديرة تشقّقت إلى شطرين وأصلحها بقطعة من القصدير والمسمار ، ويرجع تاريخ اقتناءها إلى ما قبل زواجه الأول والظروف الاقتصادية المتأزّمة تفرض عليه إصلاح كل الأدوات التي تكسّرت بسبب القدم والدخل المعيشي لا يساعدهم على اقتناء ولو واحدة في العقد . وأعود إلى عائلة المزديوي التي جلس أفراد أسرتها فوق سرير والأب يتوسط ابنه وابنته ، وهم يعيشون في جو حزين والغرفة غارقة في الصمت وكأن لا حياة فيها ماعدا حركات المواشي التي تدبّ في الإسطبل . السيد اعلال يبدو على محياه أمارة الحزن لم يستطع إخفاءه فمال برأسه ، ونزلت من عينيه دموع أثارت انتباه ابنته، فأجهشت هي الأخرى بالبكاء ثم شاركهما فريد ، أما أنوار فكان يستمع إلى أبيه الذي يحاول التخفيف من كربهما .
- كفى يا بنيّتي قريبا ستأتي أمّكم الجديدة. ضمّها نحو صدره ثم نهض جلبا للباطانيات وفرش الأرض بالهيدورات التي استلقى عليها الإخوة الثلاثة ثم غطاهم قبل الانصراف إلى غرفة أخرى .
استيقظ باكرا وقدّم العلف للماشية وبعد استفاق الأبناء ذهبت إلى جارتها تطلب منها خبزا ليفطروا به، مادامت لا تتقن إعداده وتحضيره، إلا أن التضامن بين أبناء القرية يحلّ كلّ المشاكل ماداموا يقدمون المساعدات لبعضهم البعض. وبعد تناول الفطور استقام مودعا أبناءه .
- أنا ذاهب إلى "ازرقت" اليوم سأخطب إحدى النساء هناك .
-امتطى بغلته و اتجه نحو المكان حيث توجد المرأة التي سيتزوج بها، عاد قبل غروب الشمس و كلّه حيوية ونشاط، استقبله الأبناء بحفاوة فبمجرد رؤيته انطلق أنوار راكضا نحوه و ما إن وصله حتى مدّ إليه يده فوضعه فوق ظهر الدّابة
- قريبا يا بني ستأتي أمّك الجديدة
وكان ينتظر بشوق كبير مجيء هذه الأمّ التي يخالها دوما تشبه أمّه التي رحلت بلا عودة.
انتشر في البلدة خبر زواج اعلال للمرّة الثالثة فالمرأة الأولى أنجب معها ابنا واحدا وهو احمادي وبعد طلاقها تزوّج بعالية التي أهدته ثلاثة أبناء وكان يعلم مسبقا أن زوجة الأب لا تحنّ على ربائبها ولكن الظروف هي التي دفعته إلى الإقدام على الزواج بامرأة لا يعرف عنها الكثير .
تم الاتفاق على موعد الحفلة الذي أقيم يوم الأحد ،وما ميز هذا الحفل مدة إقامته الذي لا
يستغرق أكثر من يوم ، أما زواج البكر فتقام حفلته في يومين وترتدي العروس زيا أبيض أثناء ذهابها إلى منزلها الجديد وأما زواج الأرملة فيتسم بكونها لا ترتدي الفستان الأبيض .
انطلق اعلال إلى "ازرقت"ضحى رفقة جارته صفية، وبمجرد ابتعاد السيارة عن الدوار، شرع الأهل والجيران في إعداد ما سيتناوله المدعوون ليلا وفي الأغلب يتم تقديم اللّحم كوجبة غذاء وعشاء في جلّ حفلات الأعراس.
ومع اقتراب غروب الشمس كان الأطفال مع آبائهم يتوافدون على المنزل تلبيّة لدعوته ،وابتعد الأطفال عن الساحة محّدقين في الطريق الرابطة بين اعزوزن وتارجيست عسى اكتشاف إشارة بعودة الموكب ،وخاصّة حسناء التي أخذت شقيقها الأصغر إلى مرتفع تيسيرا لرؤية السيارة القادمة من تارجيست .
غربت شمس فبراير واختلط الظلام بضوء الشمس وسيارة" بيجو" تشعل صفارة الإعلان عن عودة علال . انطلق الصّغار صوبها رغم بعدها عن القرية بكيلومترات ، وما إن ووصلوها بدأت أناملهم تلامسها من كل الجوانب ومنهم من يصعد فوق "الكوفر"، أثاروا غضب السائق الّذي أوقف سيارته فلاذوا بالفرار ذات اليمين والشمال .
وصل اعلال إلى ادشار ، وتوقفت السيارة فخرجت جارته صفية من الجهة اليمنى وتبعتها بعد ثوان امرأة سربلت هيكلها بأحلاس فضفاضة تغطي أم رأسها حتى أصابع قدميها ومرتدية زيا أخضر لا يظهر وجهها ما عدا الكفين ، ومع خروجها من الناقلة دقت ألسنة النساء بالزغاريد مردّدات الجملة المشهورة أيام الأعراس " الصلاة والسلام على رسول الله ،ولا جاه إلا جاه سيدنا محمد .." والعروس وسط الحشد من النساء والأطفال وبعض الشّباب ،وعندما وصلوا الباب قدمت صفية للعروس قطعا من الحلوى والسكر فرمت بها نحو الساحة ليبدأ التنافس بين الشّبان لأخذ قطعة الحلوى أو النّيل بشطر من السّكر ،وغالبا ما يحصل شجارات وسبّ بين الفتيان بسبب هذا التنافس.
دخل النساء مع العروس إلى غرفتها الجديدة، ولج علال رفقة بعض الرجال إلى غرفة الضيوف ، وجاره ادريس كان في خيمة القصب يطهو العشاء، ففي" ابني مزدوي" يتكلف الرّجال بمسؤولية طهي وجبة الغذاء والعشاء أثناء حفلات الأعراس ،مادامت المرأة غير قادرة على إعداد لحم البقر،وكذا احتراما لهيبتها فلا يمكنها أن تنتقل من مكان إلى آخر، لأن الرجل يحبّ أن تبقى زوجته مستورة عن أنظار باقي الرجال والشباب .
دخل أنوار إلى" الداموس" حيث يتواجد والده وبمجرد أن وضع أصابع قدمه فوق العتبة نادى عليه تعال يا أنوار اهل رايت أمك الجديدة ؟
- كلا لم أرها بعد !....
- ماذا تنتظر ؟ اذهب لتراها...
قصد الغرفة ، ولجها بخجل ، ورحبت به صفية وقدمته للعروس .
- هذا هو ربيبك الأصغر لا يتجاوز سنّه ست سنوات !
حركت رأسها حركتين دون التفويه بأيّة عبارة فأحسّ أن هذه المرأة ليست أمّه ، فخرج بوجه شاحب ورأسه منحني، ففضل الإنفراد بنفسه قاصدا إحدى الأشجار البعيدة عن المنزل ببعض مئات الأمتر يجلس تحت ظلها كلما ألمّ به حزن أوهمّ .
لم تكن الزوجة الجديدة تخرج كثيرا من المنزل ، لأن من عادات العروس المكوث في البيت الزّوجية أسبوعا أو أكثر وبعدها تتمكّن من الابتعاد عن المنزل أداءا لبعض الأشغال البدوية .وبعد مضي المدة المتعارف عليها بدأت فاطمة تطوف حول المنزل وتجول في أرجاء الحقول المجاورة التي يمتلكها زوجها .
كانت هذه المرأة متوسطة القامة، جبهتها طويلة وذقنها نحيف وعمرها لا يزيد عن منتصف الثلاثين، واتّسمت بسرعة الغضب والخفّة في كل الأشياء.وبعد مرور أسابيع بدأت الحياة تدبّ من جديد في أسرة المزديوي بعد قدوم الزوجة ،واستأنف كل أفراد الأسرة hلعمل الخاص به ، فحسناء تستيقظ باكرا إحضارا للماء من البئر وفريد يذهب إلى المسجد لحفظ القرآن الكر يم ،أما أنوار فأصبح مدمنا على البقاء تحت ظل الشجرة ويعتبرها ملاذه الوحيد لطرد وحشته ، ينفرد بنفسه متأملا في الرقيع ،حيث أن المناظر جدّ جذابة في شهر مارس ، الأرض سربلت اللون الأخضر الذي يلطخ النباتات والأشجار وعصافير "الزٌاوج " تقفز من شجرة إلى أخرى وطيور "الحومّير" تغرّد فوق الأغصان ،ولم يستطع هذا الصّبي طيٌ صفحة الماضي ،بل فتح الأرشيف ليجد نفسه شاردا بفكره يتذكر ذكرياته الجميلة مع أمّه و لم يعد لهذه الذكريات توأم في حاضره بل أصبحت كلٌ لحظاته مرّة في الواقع المرّ .افتقد إلى صوتها الحنون و إلى ابتسامتها المشرقة واستحضر لصفحاته المكتوب عليها بمداد المرارة عندما تذكرها وهي تتألم دون أن يبرئها الثوم ولا الزعتر ولا مهارة الطبيب ، وفتح كتاب حاضره وماضيه القريب ليجد نفسه مجرد نكرة مادامت فاطمة لا تعترف به كطفل يستحق العطف والحنان والاحترام .إنّها أصبحت هي الحاكمة في البيت و ترغم حسناء على النهوض في الساعات المبكرة من الصباح ، وإذا ما تأخرت لدقيقة أو دقيقتين تنزع عنها البطانية وتكب الماء البارد في أذنيها ، وإذا ما اشتكت لأبيها تبرّر سلوكها بأنه تربية حتى تكون نشيطة ومتقنة للأشغال ، ولهذا ترغمها على السير كيلومترات ماشية على الأقدام لجلب الحطب .
تخرج من المنزل والبرودة تقطع الأنامل والوجع يتضاعف في قدميها كلّما زادت من خطواتها ، تنفخ بشفتيها الرقيقتين في كفّيها عسى أن يتدفأ أصابعها المصابة بالألم من جراء شدة البرودة .تقطع الوادي الصغير مارّة بابتدائية اعزوزن مخترقة "اسوحاثن" وصولا إلى "بوهيط" القريب من غابة "تيزيفري"، وما إن تصل حتى تكون أشعة الشمس قد ابتسمت في سماء الجهة ،تجلس المراهقة فوق التّراب وتُخرج من صدرها التّين اليابس وتنظفه من بعض الديدان الصغيرة ، وتأكلها بشراهة بعد المسافة الطويلة التي قطعتها ،وعندما تنتهي من الأكل تضع الحبل فوق قطعة الثوب، وتنطلق في الغابة باحثة عن قطع الأخشاب والأغصان المتساقطة ، بل تجمع كل ماهو قادر على تحمل لهب النار لدقائق ،وتظل ساعات تجمع الأغصان وتكسر الكبيرة والطويلة منها حتى يتسنى لها حملها وترتيبها على شكل طبقات وعندما تشعر أن كمية الخشب كافية وقادرة على حملها ،تولج الحبل تحت الطبقات ثم تمرّره فوق أعلى الطّبقة بالحد الأخر فتشد الحد الذي يقبض الطبقات من الأسفل بالحد الذي يقبضها من الأعلى فتربطهما بقوة ،وتقعد فوق الأرض ضامّة إلى ظهرها الخشب فتعود إلى المنزل مخترقة المنحدرات الخطيرة بحذر وعندما تمشي كيلومترات تكون جبهتها متصببة بالعرق ،فتستريح لبعض دقائق استسلاما للغوب ثم تستأنف مسيرها حتى تصل إلى المنزل وبمجرد الوصول تشرع فاطمة في نهرها ومعاتبتها على التأخر .
- لماذا تأخرت أيتها الغبية ؟
-الخشب يندر وجوده في بعض المناطق ، بذلت مجهودا لإيجاده
- كلا أنت متهاونة دائما في أعمالك وثقيلة، سأربّيك أيتها الحمقاء.
- من فضلك كفى هراء ، إني جد جائعة ، أريد تحضير الفطور والظهر على وشك الاقتراب
- كلي السّم ، حضّري الحرشة إن شئت ، لقد تعبت من إطعامكم.
ذهبت صوب" الخزين" بوجه شاحب والحزن يقطع فؤادها ،فوجدت أنوار جالسا وسط المنزل فوق" الهيدورة" يبكي ودموعه الرقيقة تبلّل خدّيه .
- ما الذي أصابك يا أنوارنا ؟
- زوجة أبي ضربتني عندما طلبت منها إعداد الطعام. كان من عادات أنوار الاستيقاظ باكرا فيجد أمه قد هيأت له الفطور ، أمّا فاطمة فتغرق في النّوم حتى الساعات المتأخّرة من الصباح ، وإذا ما نهضت مبكرا ، سوى إيقاظا لحسناء للذهاب إلى الغابة لجلب الحطب تتدفأ به ليلا .إنها امرأة نصّبت نفسها حاكمة على الأسرة الصغيرة دون أن ينتقدها أحد ، حتى زوجها غدا خاتما في أصبعها، وعندما تسيطر المرأة على الرجل فإنّها لا تعفٌ من التدحرج فوق ظهره ، مادامت قد وجدت المنحدرات سهلة فإنها تفعل ما تشاء بأفراد الأسرة ،وهاهي ترد بالجور على طلب صغير من صبي أراد الدفاع عن حقه الوجوبي في العيش ، عبّر عنه بالبراءة ،فرفضت أن تعد له ولو كأس شاي ، بل رفضت أن تمنحه إرب خبز ، وأجلت إطعامه إلى حين عودة أخته من الغابة .
أخذت قليل من الطحين وغربلته ثم وضعته في آنية من الفخار ، وفجأة تذكرت الملح وعندما بحثت عنه لم تجد الكيس ،سألت فاطمة عن وجوده ه فأخبرتها بانتهائه وأنها سترسل فريد مساءا لإقتناءه من الحانوت .
أعدت الفطور والحرشة بدون ملح وأكلا معا وقبل الانتهاء من تناول الفطور سمعت دقات على الباب ، أسرعت لفتحها وكانت الجارة صفية واقفة أمام العتبة دعتها للدخول ولكنها أبت – جئت إليكم طالبة كيسا من الملح
- يا خالتي انتهى البارحة وإني أعددت الحرشة بدون ملح .
دخلت فاطمة كالعاصفة الهوجاء ، طالبة منها التريث قليلا فدخلت غرفتها وأحضرت لها كيسا من الملح ، واستغربت حسناء واندهشت بعدما أشعرتها بالحرج أمام الجارة .
لماذا كذبت علي ؟، قبل قليل أكّدت لي على أنها انتهت في حين أنك تخفينها في غرفتك.
- هل أنت تحاسبينني ، أنا صاحبة المنزل ، وكانت الجارة قد ذهبت إلى حال سبيلها ،وبينما هما في نقاش حاد من طرف وبرزانة من الطرف الآخر، وإذا بالباب يُدقّ للمرّ ة الثانية ،هرولت حسناء وفتحتها فوجدت رجلا طويل القامة يضع بين شفتيه الغليظتين سيجارة وأحلا سه تبدوا أنيقة وبيده محفظة الملابس غير أنها فارغة ما عادا من قميص وسروال .
تفاجأت بمجيء أخيها الأكبر حمادي وهو أكبر أبناء علال الولد العاصي الذي تميز في صغره بسلوكه المنحرف ،أدخله إلى المدرسة ولكنه سرعان ما طُرد منها بعدما تشاجر مع معلمته وهو تلميذ في الصف الثالث ،وبعد تركه المدرسة بدأ يجلب المشاكل لأبيه وخاصة في مرحلة المراهقة حيث عرف شجارات عنيفة مع أبناء ادشار ، ولم تجدي معه أية محاولة لإصلاحه ،فاضطر والده لبيع المواشي وإعانته على الهجر ة إلى إسبانيا ،وشاءت الأقدار أن تلمس قدميه ترابها ،فاستسلم للحياة الغربية وأصبح مدمنا على المخدرات وشرب الخمر واللهو في الحانات ،وفي إحدى الأيام تم القبض عليه مع نفر من المغاربة يتعاركون مع أفراد من الغجر بالأسلحة البيضاء ، وعندما طُلب منه الإدلاء بالأوراق لم يجدوا في جيوبه سوى بسيطات رافقته في رحلته إلى الأرض الحبيبة.
دخل إلى "الداموس" فأعدت له شقيقته الشاي، وقبل شرب قطرات منه أزال معطفه الطويل وتنفس الصعداء ثم اتكأ على الجدار وظلّ شاردا إلى حين قدوم والده .
- هذا أنت يا حمادي
- نعم ، ألم يعجبك قدومي
- بلى توقعت طردك ، فأنت ولد عاصي والعاصي لن ينجح أبدا .
- أين زوجتك عالية ، أقصد أم حسناء ؟
- رحمها الله، ماتت منذ أزيد من شهر.
كانت السيدة عالية جد لطيفة معه رغم شغبه فإنها تحنّ عليه و خاصة وأن أمه المطّلقة لا تسأل عنه بل لا يعرف وجهها ،فقد استغنت عنه وهو ما زال رضيعا ،إنه ثمرة امرأة منحرفة فطلقها زوجها ، وابنها يشبهها تماما في سلوكه وأفعاله ،إلا أنه وجد عالية كزوجة أبيه تتستّر على أفعاله المنحرفة حماية له من الصفعات التي يتعرض لها ، وتفك أسره إذا ما حبسه والده في خمّ الدّجاج ، وتعدّ له " السايكوك" ،ضغطت على اعلال لمنحه المال الذي يحتاجه للهجرة السرية ، ولكن رغم ذاك كان قاسيا لا يعترف لها بمعروف متسما بقساوة فؤاده ،وفي أحد الأيام أرسله لسقي الدّابة وعند وصوله إلى البئر وجد أحد أعداءه وبمجرد نزوله من البغلة بدأ بينهما اللغو والرفث .
- أنت هنا يا ابن العاهرة .
- وهل هذا شأنك ، أبئر أبيك ؟
وقبل إتمام جملته كانت الحجرة بين أنامله قذفها نحو رأسه، صرخ صرخة مدوية سمعها الصغير والكبير ، وعندما شاهد والد الضحية حاملا خنجرا ،
لاذ بالفرار تاركا البغلة منفردة وراح يركض في الطريق المؤدي إلى مدينة تارجيست،وبعد دقائق وصل والد الضحية إلى منزل اعلال شاتما ابنه .
- ربي ولدك ، أصبح كالذئب ؟
- وما الذي اقترفه هذه المرة ؟
- لقد ضرب ولدي وكاد أن يقتله
حسنا سأعالج معه القضية .
فرّ إلى أحد المنازل التي تعرضت مع مرور الزمن إلى يباب من جراء عوامل التعرية ، يلجها كلما ارتكب حماقة أو ضرب أحد أبناء ادشار يستلقي فوق العشب الذي نمى وسط ساحة الغرف ، يتوسّد الحجر ،وعندما تمرّ ساعات الغضب يذهب عند والده مرفوع الرأس وإذا ما أراد ضربه يشرع في اختلاق الأعذار والدوافع التي جعلته يرتكب تلك الحماقات ،ولكن هذه المرة لم يستطع إقناعه ، فبمجرد دخوله إلى المنزل كان أبوه مختبئا
وراء الباب ففاجأه بضمّ عنقه تحت إبطه ، أسقطه فوق الأرض وربط كفيه إلى الوراء وأدخله إلى إحدى الغرف وبدأ ينهال عليه بالضرب والشّتم، وعندما تعبت يداه أخذ يعضّه بنواجده ويركله وأنهى معاقبته بوضع قطعة قماش في فمه حتى لايسمع صراخه .
خرج من الغرفة لاعنا الدنيا، وساخطا على ابنه الذي لم ينفع معه العنف ولا القول الحسن.
مرت ساعات على أسره وعندما اجتمعت الأسرة حول مائدة الطعام طلبت عالية من زوجها أن يفك قيده ليتناول الطعام.
- فك قيده ، إنه مازال مراهق وسيتعقل عندما يصير راشدا !!
-كلاّ هذا ابني ، أنا الذي أعرف كيف أربيه. قامت من مكانها قاصدة الغرفة التي أُسر فيها وعندما فتحت الباب ،قفز اعلال من مكانه بسرعة متجها نحوها غاضبا ،دفعها بجبروت إلى الداخل فاصطدم وجهها بحافة النافذة ، وما إن وقفت على ركبتيها حتى كانت اللكمة قد جالت حول أنفها وصفعة في خدّها ، سقطت أرضا وهي لا تكاد تتنفس الصعداء فأنهى جوره بركلة أصابت ظهرها
- لقد حذرتك بالإبتعاد عن طريقي عندما أربّي ولدي؟ ! .
وفي الليل خرجت من المنزل دون علم زوجها الذي اجتمع مع شيوخ القبيلة في الزاوية يذكرون الله بالطبول مردّدين "الله حي باقي حي "
خرجت بحذر وهي تبصّ يمينا ويسارا وبعد تجاوزها للساحة زادت من هرولتها ،وصلت إلى "توزلت " ثم انحرفت يمينا متجهة إلى دوارها الأصلي ، وما إن وصلت بدأت الكلاب تنبح بصوت متواصل وأخذت حجارة دفاعا عن نفسها إذا مااقتربت منها ، دقّت في الباب بدقّات متتالية فنادى أحدهم من الداخل .
- من الطارق ؟
- إنها أنا عالية
فتحت أختها الباب ،لماذا لم تأتي في النهار؟
- دعيني أدخل وسأحكي لك القصة .
استيقظ أبوها من فراشه مرحبا بابنته ،واستفسرها عن سبب القدوم في هذا الليل ما دام النهار طويل ، فحكت له الأحداث وما تعرّضت له من حيف من طرف زوجها في سبيل ابنه ، بل بل في سبيل الله الجملة التي تردّدها كلّما قامت بمعروف وإحسان اتجاه الجيران ، إنها المرأة المتشبثة بمبادئ دينها ،ودائما تقابل الزلة في حقها بالصفح والغفران ممتلكة بذلك قلوب جاراتها وزوجها الذي ندم على فعلته، و هاهوقد أتى مبكرا طالبا الغفران معتذرا لها .فعادا معا يتبادلان الحديث حول فريد وحسناء ،منتقلين من موضوع إلى آخر حتى وصلوا " توزلت" وحينها ناداه أحد الأصدقاء ودعاه للغذاء معه ،وبالفعل قبل دعوته ورحب به ترحيب الأمراء خاصة أن البدو شعب مضياف لا يسأمون من الضيف .
ولجاغرفة الضيوف، أما زوجته فمكثت مع حريم الصديق فمن عادات القرويين عدم الاختلاط بين الرجال والنساء في غرفة واحدة ،بل كل جنس يبقى بعيدا عن الآخر في حالة اجتماع العائلة .
دار الحديث بينهما حول الحالة الزراعية لهذه السنة وقلّة الأمطار المؤثرة سلبا على المردود الفلاحي وانخفاض دخل الأسرة التي أصبح ربها يحمل ألف همّ ليوم الأربعاء ،" المرأة تلد كل سنة .وأما الرجل في ابني مزدوي فيلد كل يوم أربعاء " لأنه لا يملك الدخل الكافي لاقتناء المواد الأساسية.
- لا تقنط ،كل يوم برزقه عليك بحمد الله .وقبل مغادرة القبيلة اتفاقا على الذهاب إلى الجبل قصد اقتناء "تيحنيت" (عمود الأشجار يُستعمل لأغرض البناء والسقف) .
وصلا المنزل والأسير قد فكٌ قيده وغادر البلدة دون أن يعرف الطريق الذي سلكه .
وفي المساء مرّ الصديق على اعلال الذي أعد بغلته بكل الوسائل التي يحتاجها لحمل فروع الشجر .
انطلقا بعد أداء صلاة المغرب والليل يغطي الأجواء سوادا وأثناء الطريق التقيا بحمادي عائدا إلى المنزل فأخذه معه تعلّما للتجارة .
- تعالى معي يا ولدي ، أنت الذي سترث التجارة من بعدي .
- عندك الحق ،قالها باللسان فقط .
- ركب معه فوق ظهر البغلة، وبعد الوصول إلى المكان المحدد، دقّ أحدهما في الباب والكلاب تنبح بلا توقف وبعد خروجه جهزوا الدواب بسرعة واضعين أعمدة الأشجار فوق أظهر البغال ، وهذه الأعمدة يتم تقطيعها من الغابة وينقيها البائع من الأغصان ويبيعها بثلاثين درهما والمشتري يعيد بيعها بخمسين درهما وعادة ما يتم تهريبها مستغلين غياب حارس الغابة .
وأثناء رجوعهم فوق" الكودرون" ،شاهد احمادي أضوءا تشتعل وتنطفئ فعرف والده أن هذا النوع من الإشارات الضوئية لا تمتلكه إلا سيارات الشرطة ، قاما بتغيير اتجاه الدابتين
نحو طريق منحدر يصل إلى النهر ، إلاٌ أن دركيي مدينة تارجيست كانوا يعرفون خطط المهربين بحيث تم رصدهم ووضعوا الحراسة قرب النهر ،اقتربت القافلة شيئا فشيئا والدرك ينتظر قدومهم وسط الظلام والخوف يرعدهم .وما إن اقتربوا حتى أعلنت الشرطة وجودها
- قفوا جميعا ، لا تتحركوا ؟
-علال مناديا ابنه ، اهرب ،اهرب
- لابد من إزالة اللواجم وضرب الدواب حتى لا تتمكن الشرطة من القبض عليها، قالها الصديق وهو يزيل لجام دابته ويضربها بقوة. ركضت كالبرق ونفس الشيء فعله اعلال ، فأصبحوا وجها لوجه أمام الشرطة التي كان أفرادها يحملون" اللكوطات" ، إلا أن المهربين استطاعوا الإفلات من أيديهم فلاذوا بالفرار وهم يركضون والشرطة تطاردهم ، واستمر الفرّ والكر لبعض دقائق وبعدها اختفى المهربون عن أنظارهم, وفقد الدرك أثرهم ما عدا أصوات الدّواب التي تصدر من بعيد .وقد ساهمت خفّة البدو ورشاقتهم في إنقاذ أنفسهم من الغرامات المالية التي لا يستطعوا أن يتحملوا دفع قيمتها الباهظة، ولهذا فإنهم مضطرون للفرار من القانون فلولا هذا الفرار لماتوا جوعا ما دام القرويون يحقّقون اكتفاءهم الذاتي بعرق جبينهم دون أن تقدم لهم الإدارة معونات وتساعدهم على الخروج من الفقر ، ولكن بالعكس تطاردهم حتى في الغابة لأنهم يجلبون أعمدة للمتاجرة فيها وآخرين يسقفون بها مبانيهم ، وعند القبض عليهم يعاقبون بتهمة تهريب الأملاك العامة ، فمن الأفضل إنقاذ الفلاح من الأزمة؟ أم التباهي بالأشجار التي يستغلها الأغنياء ؟ الفقر نعمة وأمٌا أن ُتقطع سبل العيش أمام الفلاح فهذه نقمة ،إنهم لا يطالبون لا بالجاه ولا يتمنون الغنى ،بل لا يفكرون إلا في الحصول على لقمة عيش التي أصبحوا عاجزين عن توفيرها ، مضطرين إلى إرسال فلذات كبدهم إلى إسبانيا تحسينا لمستوى العيش وهذا ما فعله علال عندما قدٌم لإبنه آلاف الدراهم متمنيا أن يتفتح عقله الصغير ويصير أكثر عقلانية وربما سيساعده في النفقة ، إلا أنه لم يكن سوى ثمرة مرة عجز عن تحقيق ما حققه أقرانه ، وهاهو قد عاد إلى قريته وأهله وإلى أبيه الذي فقد الزوجة الثانية وكل منهما ينظرالى الآخر .
-ندمتُ عندما منحتك المال للهجرة
-وهل تتمنى عليّ ؟
- علمك النصارى قلة الحياء
- حسنا سأرد لك مالك
-سترد الرّيح ، لم تستطع ادخار المال في إسبانيا فكيف تستطيع ادخاره هنا ، في أرض القحط .
قطعت حسناء حديثهما بآنية الطعام التي وضعتها فوق المائدة ودعت أخاها لتناول الأكل، وبعد إتمامه انسحب إلى الخارج استنشاقا للهواء وليستشفّ التغيرات التي حلت بالحقول ، فاقتحم أحدها القريبة من المسكن تاركا وراءه آثار قدميه التي رفست نبات الشعير المصفرالذي ظل على قامته المستوية فوق أديم الأرض بسنتمترات منذ أن شقّ التراب ما عدا بعض الأماكن التي ازداد نباتها نموا ، أصابت الحيرة هذا الابن البدوي وهو يجول في أطراف الحقول ، فمختلف النباتات المزروعة مستوية مع سطح الأرض وهذا يؤشر على ضعف المردود الفلاحي .
بعد التجوال والطواف من حقل إلى آخر قصد الحانوت التي تُعتبر مكانا مقدسا لبعض الشباب المدمن على المخدرات والتدخين ،حيث أن المدخنين يتوافدون على المقهى البدوي وغروب الشمس فيلجون إلى الداخل وأول ما يبدأون به هو اقتناء التبغ ،فمنهم من ينادي على إحضار "الماركيز و ماربورو"،أما المسنّين فيفضلون تدخين" أولامبيك الزرقاء ،أو كازا" لأنها أرخص ثمنا وأقل نيكوتا .
ولكن التبغ بجميع أنواعه مضر بالصحة ويقود المدخن إلى الهلاك وقسوة قلبه ، لأنه في كل مرة يضع سيجارة في فمه يرتكب معصية واحسب كم عدد السجائر التي يدخنونها كل يوم ، فأغلبهم يستهلكون أزيد من العشرين سيجارة ، فتصير قلوبهم مليئة بوحي الشيطان فيقودهم إلى تعاطي الخمر والإدمان على شربه ، وكم من مرة حصلت الشجارات بين المدمين ،ومستنزفين ميزانية أسرهم ، وإذا ما تساءلنا عن أن أسباب الإدمان ، سنجد أن المدمن نتاج لإهمال أسري إما بمنحه حرية التصرف كما يشاء وإعطاءه الثقة الزائدة ، وإما التشرد هروبا من المشاكل الأسرية ، فيجد الطفل والشاب نفسه ضحية لرفقاء السوء فيقحمونه في حوض الإدمان قاتلا نفسه بنفسه ببطء بل منتحرا ومؤديا إلى تحريف أبنائه الذكور في بعض الأحيان ، لأن الولد يتخذ أباه نموذجا مثاليا،والابن الأكثر صداقة وقربا منه ربما سيصير مدمنا هو الآخر لأنه عندما فتح عينيه وجد أباه متلذذا بالسّيجارة ، ونفس الشيء حدث مع احمادي الذي كان يأخذ رفات السجائر التي يرميها أبوه وينفرد بنفسه ويعيد ملأها بأوراق الأشجار اليابسة حتى أصبح يتعاطها مترددا على الحانوت كل يوم والتي زارها بعد عودته من المهجر وقدم التحية لأصدقائه الذين قاموا من أمكنتهم ترحيبا به ، بل خوفا من جبروته .
- أهلا بك يا زعيمنا !!،
-الله يحفظكم يا شرفاء .
أفلت الشمس وأذن المؤذن لصلاة المغرب ولا أحد من الشباب أو المسنين تذكر الفرض الديني ، فالكل منهمك في" برم اجوانات" وملء السبسي بالنعناع الرومي" (القنب الهندي) ، وعندما يُشبعون رغباتهم بالتدخين ينتقلون إلى لعبة الضما وآخرون منشغلون "بالبار تشي" و"الكارطا" ،فترتفع الأصوات متلذذين بالألقاب , وبعدها يفتحون معجم الرفث والسب واللغو وجلّ عباراتهم ما تحت السر ة ونفس الشيء حصل مع حمادي وهو يخسر إحدى الجولات .
- حسنا في المرة القادمة" سأهزمك يا الكامبوا " !!
- يا ابن العاهر ة لا تستحق إلا كسر أنفك ، "الكامبو" هو أبوك !!.
وقبل إتمام الكلمة الأخيرة انهال عليه بصفعة قوية سقط على إثرها أرضا ،غير أن أحد المشتركين دفع به يسارا والآ خر يمينا ، إلا أنهما ظلا يتجاذبان وكأنهما كلبان مسعوران .
عاد إلى البيت بعد منتصف الليل ، دق في الباب وانتظر لدقائق إلى أن فتحت له فاطمة المنفذ
- أدخل ، الأولاد ناموا ، وأبوك ذهب إلى الجبل.
دخلا معا إلى إحدى الغرف هيأت له وجبة العشاء، فكانت تخدمه وهو يحدّق في جسمها المكتنز ويتبعها بعينيه الثعلبيتين، وبعد تناول الوجبة دعته للتحدث معه في موضوع يهمها.وقد اتفقا على أمور كثيرة وغرتهما الدنيا واستهوتهما بأهواءها فعزما على تشتيت الأسرة الصغيرة نيلا من ممتلكات الزوج الذي أصبح يشيخ كل يوم من جرّاء العمل الكثير و الهموم ومشاكل الحياة اليومية .
واقترحت إزالته من الطريق باستعمال ابنه كأداة لقتله ، فكانت تخطٌط وتفكر والولد العاق يتسع بطنه كلما أقسمت بتقسيم الأملاك ، وبعد أسابيع رافق والده إلى جبل تيزيفري ليساعده في تجارته والتي عادة ما يفضلون إنجازها ليلا تجنبا لإزعاجات الشرطة .
ركب الأب الدابة وابنه يتبعه خلفه ، وجهزوا الدابة بمجرد وصولهم عائدين إلى ادشار في جوف الليل ، وهي الفرصة المناسبة لتطبيق ما اتفقا عليه ،حيث أعلنه بأن أحد أعمدة الشجر يكاد يسقط ، فاضطر إلى ترك لجام البغلة راجعا إلى الخلف دون إدراك ما سيحدث وما إن حسّ باقترابه منها حتى لمسها في مكان حسّاس بجسمها ،فوجّهت ضربة موجعة نحو صدره فتدحرج جسمه إلى الوادي لتستقبله بركة ماء ، أما الدابة فركضت كالبرق ولم يبق إلا احمادي الذي سار فوق المنحدر إلى أن وصل ملتقى النهر بالطريق مخترقا المياه قاصدا مكانه وهو يردد "الله، الله " من جراء الألم الذي يوجع صدره وظهره وبعض من أعضاء جسمه بسبب الركلة وتدحرجه من أعلى الهضبة .
وأخيرا وجده ملقى فوق كلكل وسط النّهر في أحد الأحواض ، وحاول مساعدته على الوقوف فوق قدميه بعد إخراجه من المياه ، إلا أن كل محاولاته باءت بالفشل أمام فقدانه للطاقة والحركات الإرادية ، وطلب منه الذهاب إلى ادشار قصد إحضار جاره لمساعدته على الذهاب إلى المستشفى ، وبالفعل انسحب إلى الضّفة الأخرى مخترقا المياه التي يشكل خريرها موسيقى حزينة يبدو وكأنها لا تتحمل قوة أقدامه وهو يثبو من حجرة أخرى محاولا الخروج من النهر .
وتمكن من الوصول إلى الطريق المؤدية إلى "ادشار اعزوزن" ، أخذ يهرول وكأنه لص يتربص به الأعداء أو كأنه فار من الشرطة التي تلاحقه فيعدو دون تمهل ويزيد في خطواته سعيا للإلحاق بالدّابة التي لم يجد لها أثر ،ولم يكن يفكر في مصير أبيه ،بل إن إغراءات فاطمة أنسته الرحمة بأبيه.
يلهث فوق الطريق ويصعد في المرتفعات راكضا في المنحدرات والشمس تهدي له بعضا من أشعتها.يمشي وفكره شارد بحديثها التي وعدته بتقسيم كل أملاكها بعد تنحيته لتتمتع بالألبسة ، إنها تعشق التباهي بأبهى المناظر الأنيقة لا يهمّهما سوى تزيين شكلها ومظهرها ،متكبرة على نساء القرية وتخال نفسها سلطانة المنزل وعلى زوجها الذي يطيع أوامرها ويقتني لها كل ما تمنته واشتهته .وتفرض سيطرتها على الأطفال الثلاثة ، فهي دوما توقظ حسناء رغما عنها وترغمها على القيام بمشاق لا تسمح طاقتها الضعيفة بإنجازها, ويوما أرسلت فريد إلى أحد الحقول كي يحضر نباتات للماشية والثلج يغطي أرضية القرية ، ولايخبرون أباهم بشر زوجته خشية حدوث شجار بينهما ، ولهذا اضطروا للصبر غير عابئين بحقوقهم ، صبر ورثوه عن أمّهم التي تميزت بالرزانة والصبر ، ولم يكن الابن الصغير بعيدا عن جور زوجة أبيه ، بل تسبّه بكلام غير لائق رغم أنه أعز الأبناء وأقرب الناس إلى قلب علال لما يتصف به من هدوء ورزانة في الحديث وفي سلوكه الأخلاقي ولكنها رغم ذلك تعاتبه على بعض الأخطاء التي قد يرتكبها عندما ترغمه على غسل الأواني المنزلية في حالة غياب شقيقته, وقد استطاعت بشيطانيتها زرع عدو لزوجها للقضاء عليه إنه ولده الأكبر الذي يحمل دمه ،ربما قد يكون ابنه وربما قد يكون بذرة رجل آخر لأن اعلال لم يجري أية تحقيقات وخاصة أن أمّه باعت شرفها قبل الزواج به, وبعد أشهر لا تزيد عن العشرة طلقها بعد اكتشاف خيانتها ، فكيف يمكن لإنسان أن يغتال والده كما حاول احمادي الذي يصل إلى المنزل ليجدها تنتظره سماعا للخبر الجميل وتبدأ في النواح ،وكم يتقن النّساء التمثيل والتعبير عن رغباتهن فيسقطن الرجل سمكه في شباكهن كما ستحاول فاطمة تمثيل الزوجة الصالحة والنواح بعد أن يخبرها بموته ، ولكن ظنها لم يصدق عندما أعلنها أنه على قيد الحياة .
–أنت حمار ، لا تتقن فعل أي شيء .
- عندك حق ، أنا حمار ، لأني أصغي إليك .
بعد الحوار القصير الذي دار بينهما ، اتّجه إلى جاره قصد طلب المساعدة للمريض ، ووجده متكئا على أحد أركان المنزل مستنشقا روائح السبسي يُخرج شرائط دخانية من فمه .
وما إن تلقّى الخبر حتى رماه من يده وجهز دابته بسرعة وامتطاها عازما على مساعدة زميله الذي ينافسه في لعبة "الضاما "ويجتمعان معا كل خميس لممارسة طقوس دينية في زاوية بعيدة كل البعد عن العبادات المقربة لله عز وجل, ومازالت مترسخة إلى حد الساعة في بعض البدويين القدامى ومن ينتقدهم يعتبرونه زنديقا. وأعود إلى الاحداث حيث كانت شمس ذلك اليوم جدّ جميلة ، الكل مرح بعمله ، الرّعاة الصغار يرددون الأغاني الريفية "ابعذايي أمالكة" ومنهم من يردد" أكعكع أزبيدة ....أكعكع أزمارينو " أما النساء فمنهم من يقطف النباتات للمواشي، فترى نفرا منهنّ يمشي على الطرقات حاملات للأكياس والحبال يقصدن الحقول المتوفرة على النباتات رغم قلة الأمطار ، وعادة ما يكون بين النساء القرويات أحاديث وحوارات متنوعة منها ما هو شخصي فتحكي لهن مشاكلها الاسرية ، وينهجون نمطا متشابها في الحديث ، فإذا ما بدأت الأولى بانتقاد ولدها سلبا أكملت الثانية التدخل بالإساءة إلى جلّ أبناءها, وأما الباقيات فيعبرن عن أسفهن لضياع أبناءهن المدمنين على المخدرات ، ولكن في اليوم الآخر تستهل إحداهن الحديث بالثناء على ابنها فيبدأ بعدها المدح يتفخم في الحلقية من لسان إلى آخر .
وأعود أنا بقلمي إلى ميدان الحبكة متقصّيا آثار الجار وهو يقترب من الموضع الذي يتواجد فيه صديقه.
كانت الشمس قد ازدادت حرارتها عندما شاهده وهو ملقى في ضفة النهر بعدما أخرجه بعض الفلاحين من النهر الذين يملكون جنات قربه ،وصلوا إليه والمسكين جد مبلل يرتعش من شدة البرد ووضعوه بصعوبة فوق ظهر الدابة ، تحرك الموكب المتكوٌن من علال وابنه وجاره قاصدين المستشفى المركزي لمدينة تارجيست ، وأثناء الطريق حكى له الحادثة التي أوصلته إلى هذه الحالة ، وشعر المُصغي بحيرة ما دامت الدابة متميزة بالهدوء فراوده الشك بأن هذا الحادث ليس عاديا .
دخلوا المدينة من الجهة الجنوبية مارين" بواد السّبت ثم الكوشا" وصولا إلى المستشفى المتواضع الذي يستقبل عشرات ومئات المرضى من مناطق مختلفة " سيدي بوتميم ، بني بونصار ، ازرقت، بني أحمد، ابن البشير " وحتى السكان المنتمين لجماعة ابن حذيفة يقبلون على المجيئ إلى هذا المستشفى نظرا لقربهم منهم" كتزمورين" .
ولجوا المستوصف ونواح المريض نتيجة وجع صدره وظهره ، إلا أن ألمه لن يساعده لزيارة الطبيب لأن العشرات في الداخل ينتظرون الدخول إلى الطبيب ،حتى بابه الخارجي لم تسلم من بعض المتسكعين والمجانين المتكئين على جدار المستشفى وألباسهم متسخة نائمين فوق الكارتون ،تنبعث منهم روائح كريهة بمجرد الإقتراب من الباب ، ونفس الشيئ يعرفه المجال الداخلي فالعنكبوت أسّس إمبراطوريته في السقف والأركان بعدما شعر بالأمان والاطمئنان ،
والمقاعد امتلأت بالمرضى فمنهم من يجلس منتظرا فرصة الدخول إلى قاعة العزل كي يسجل اسمه ومنهم من يقف منتصب القامة أمام باب قاعة الطبيب الرئيسي الذي يعطي وقتا كافيا للنساء، فكلّما دخلت إحداهنّ، هبت ريح الملل على وجوه الرجال وهم يتساءلون عن سبب البطء والكلٌ ينتقد الأطباء نادما على هذا المجيء، لأنه يعلم أن الطبيب سيعطي له رخصة شراء الدواء دون فحصه بالأجهزة الغيرالمتوفرة في المستشفى ما عدا البسيطة منها ، فيكتب كلمات بالفرنسية فوق ورقة صغيرة يقدمها للمريض بعد وصفه العلّة ،وكم مرة أخطأ في وصف الدواء المناسب وكم من شخص فقد أمواله هباء منثورا في شراء دواء لا يعالج العلّة المرضية التي يعاني منها المريض ، والحمد لله أطباءنا جد متفوقين ، فكلما اشتكى مريض بألم في بطنه قال له الطبيب في مستشفى تارجيست " فيك المصران الكبير "وبالتالي فكل من تألم في بطنه فهو مصاب بالمعي الغليظ .
جلس علال قبالة قاعة التسجيل ينتظر خروج بعض النساء من القاعة ، وقد تمكن من تسجيل اسمه بعدما اقتنى الجار "لا بريتة " فبدونها لن يكون بمقدور المريض الحصول على اسم الدواء الخاص بالحالة المرضية ، وهنا نجد أنفسنا مستغربين أمام الحالات المستعجلة التي تستدعي السرعة في العلاج ، فلنتصور أن فلاحا لدغته أفعى وجاء من بني بونصار للاستشفاء فهل مفروض عليه حمل الدفتر الصحي أو شراءه من الصيدلية وانتظار دقائق للتسجيل ، فيمكن لصحة المريض أن تسوء أكثر إذا لم يتم إسعافه حان وصوله ، غير أن حياة الإنسان في نظر بعض الأطر ليست لها قيمة ، بل إنهم لا يقومون سوى بعملهم ،وأغلبهم لا يقبلون دعوات المرضى المستعجلين كما هي حالة الجار الذي طلب من إحد ى الممرضات الإسراع في فحص صديقه المتألم ولكنها لم تعبأ بطلبه ، فاضطر إلى التماس الدخول من أبناء الشعب المكتظين أمام الباب ولم يرفض أحدهم بل كلّهم دعوا بالشفاء العاجل للمريض .
كان المستشفى مملوء عن آخره بالمرضى وخاصة قاعة الانتظار التي لا تحتوي سوى على عدد قليل من المقاعد، وما إن خرجوا من مكتب الطبيب حتى اقتحم بعض النساء المدخل وأشار إليهن بإغلاق الباب، فالعشرات منهم يحدقون في مكتبه وسئموا الانتظار لساعات فتجمعوا بشكل متداخل وبلا انتظام ،ويزيد غضبهم عندما تُقدٌم المساعدات المستعجلة لأولاد الأغنياء رغم مجيئهم متأخرين وتفتح لهم كل الأبواب دون احترام البدو الذين أشرقت عليهم الشمس في المستشفى .فقد دخل أحد الأساتذة ومعه ابنه المصاب "بالكراجم" فتم استقباله بحفاوة من طرف إحدى الممرضات التي أدخلته غرفة الإنعاش وبعد ثوان قليلة حضر إليه الطبيب الرئيسي لمعاينة حالة الطفل المدلٌل ،ربّما يكون مريضا وربّما قد يكون بعافيته فأولاد الأغنياء يتظاهرون بالمرض ليحصلوا على مطالبهم الكبيرة ، وأما الأطفال الذابلين بين أحضان أمّهاتهم فدعوهم يصرخون إلى حين فقدان طاقتهم وبعدما سيصمتون إنه الواقع المر !!! .
جلس علال بجانب غرفة الفحوصات منتظرا حضور الطبيب المختص الذي كلما سأل عنه الجار إحدى الممرضات قالت له إنه مازال في منزله ، الساعة تقترب من الحادية عشر ضحى والموظف لم يحضر بعد،إنّه لدليل على غياب المسؤولية ، فهل دائما يجب على المواطن انتظار الموظف لمدة طويلة رغم أن مسؤوليته تبتدئ في الساعة الثامنة صباحا .
بعد شفاء علال وانتعاش صحته خرج من المستوصف عائدا إلى دواره ومنزله إتماما لما تبقى له من الحياة مع أبناءه الأربعة وزوجته ، وقد ظلّ أنوار طول النهار محدّقا اتجاه مدينة تارجيست سعيا لرؤية أبيه وهو يسير فوق الطريق، تحقق له ذلك عندما ظهر على بعد مئات الأمتار وهو يصل التٌلة الصغيرة راكبا فوق دابته ، في البداية لم يصدق بأنه أباه فنادى أخويه .
يا حسناء !يا حسناء ! أبي عاد !
انطلق مسرعا لملاقاته ورحب به خير الترحاب، مدّ يده وحمله ثم وضعه فوق ركبتيه واستأنفا مسيرهما إلى المنزل.
وبعد أشهر لا تزيد عن السبعة دخل أنوار إلى المدرسة وقلبه ينبض بهجة وسرورا وهوى بشكل جنوني المكوث في حجرة الدرس ، وبعد تسجيله في القسم الأول ابتدائي ،ا قتنى له والده اللوازم الضرورية للدراسة وكان عدد التلاميذ المؤلفين لهذا القسم عشرين تلميذا ، فمنهم من يأتي من دوار "بوعدي " ضاربا مسافة ثلاثة أو أربعة كيلومترات وعادة ما يحملون في محافظهم وجبة الغذاء و هي عبارة عن قطعة خبز مبللة بالزيت ، ويوم الخميس يأخذون معهم الأسماك وبعض الفواكه الموسمية ، و التلاميذ بسطاء في الأغلبية ما عادا البعض منهم، فإنٌ وجود أربابهم في المهجر مكّنهم من الظهور بملابس أنيقة عكس باقي التلاميذ المُكدٌرة وجوههم و أحلاسهم بالغبار .
تميز أنوار بالصٌبر على حفظ سور القرآن الكريم المقررة وكل القواعد التي يُمليها عليهم المؤطر ، وهذه الخاصية يكتسبها تلاميذ البدو من خلال أسلوب التدريس الذي اتّسم بالجدية والصرامة وعقاب كل من لم ينجز واجباته ، فأنوار كان ملزما عليه بابتلاع كل كلام المعلم وتسجيله في الذاكرة, لأنه يدرك جيدا أنه لن يستطيع فتح أي كتاب بوجود امرأة قاسية كزوجة أبيه التي تهيئ له وتفرض عليه إنجاز العديد من الأشغال ، وكلما رأته عائدا أمرته بالإسراع إلى رعي الغنم ، والنتيجة النهائية حصوله على معدلات متوسطة وضعيفة أحيانا رغم امتلاكه لإمكانيات ذهنية غير محدودة ، ولكن للأسف يمكن أن تضيع بوجود أناس لا يقدّرون قيمة العلم كزوجة اعلال القاسية والمحرقة لكرامة الغلام الطيب المّصاب بمرض الانعزال عن الآخرين وخاصة الابتعاد عن المنزل نظرا للمشاهد الجائرة المُمارسة من طرف فاطمة ضد الأولاد وخاصة شقيقته الضحية الأكبر لظلمها ، فكل صباح توقظها بالشتم واللغو وتقذف بملابس إخوتها في ساحة المنزل آمرة إياها بغسلهم دون تردّد ،وتتجاوز الحدود فتمارس عليها العنف الجسدي ، فيوما قررت الإبنة تحضير الرغيف لأخويها وأبيها و أثناء انجاز عملها فاجأتها بلكمة عنيفة وقوية فوق رقبتها دون سابق إنذار وبلا أي مبرر ،فأصابها الهلع والفزع من جراء المفاجأة المرة التي ستنزل بفاطمة عندما دخل اعلال وابنته منحية الرأس وعينيها مليئتين بالدموع ودون طلب سبب الشجن توجه مباشرة إلى زوجته ليُسمعها ما لم تسمعه من قبل ،وقد يصبر الرجل مدة طويلة على سلوك زوجته الجائرة, ولكن عندما يُكشر بجبهته ينفجر كالبركان وكم من امرأة تتجرأ على وضع السلة فوق رأس زوجها معتقدة بأنه ساذج ومُغفل لأنه يعاملها برفق ، إلا أن الرجل كيفما كان ليس ساذجا وإنما التنازل عن حقوقه لصالح زوجته هو الذي يجعله رقيقا معها لأنه يفكر بالعقل للحفاظ على أمان الأسرة ووحدتها .
وفي هذه السنة طلب احمادي من والده أن يزوجه بامرأة يشغفها وهدّده بالانتحار إن لم يتزوج بها، ولم يجد الأب الحنون حلا آخر رغم رفضه تلك المرأة ولكن إصراره دفعه إلى خطبها له ، وبعد أسابيع قليلة أُقيم حفل الزفاف، فكانت زوجة اعلال تظهر بمظهر المرأة الطيبة الحنونة وتعامل حسناء بلطف أمام الجارات ، والحفل اتسم بالتواضع مقارنة مع باقي المناطق التي دخلتها الثقافة الغربية ، وحفل الزواج في بادية الريف العزيز يُقام في يومين ، فاليوم الأول يسمى "بالحنة" حيث يجتمع الأهل والجيران وكل المدعوين في منزل العروس والعروسة ،ولكن كل من المرأة و الرجل يبقيان بعيدان عن بعضهما
البعض، فالنساء يجتمعن في غرف خاصة والرجال في غرف أخرى ، وعند حلول الليل يكتظ المنزل بالنساء بمختلف أعمارهن وخاصة الفتيات والشابات اللواتي يستغلن الأعراس لإظهار جمالهن وأناقتهن للشبان أثناء الرقص والغناء إما داخل المنزل أوفي الساحة حيث يتمكنوا من مشاهدتهن بكل حرية ،كما أن البعض منهم يسرقون الأنظار من وراء الباب ويهووا الاستمتاع بمشاهدة جسم الراقصات والائي يزدن من شوقهم عندما يخرجن إلى الساحة ،وحينها تتّسع الحلقة الدائرية فيدخل الشبان والأطفال والكلّ يمرح ويرقص، ومن عادات الزواج في اعزوزن القيام "بسابحين الرازق " بالنسبة للرجل أما المرأة فعادتها مختلفة ، فبعد تناول وجبة العشاء ارتدى العريس جلباب أبيض ،خرج إلى الساحة ليجد صفوفا من الرجال كل صف يتكون من ثلاثة أعضاء متشابكي الأكتاف ، الصف الأول في المقدمة والعريس وراءه ثم اصطفّ الآخرون وراء مولاي مردّدين " سبحان الرازق ، سبحان الخالق " يطوفون في الساحة بضع مرات ومولاي مغطّيا رأسه بطربوش مرتديا الجلباب، وبعدها خرج الفتيات ومعهن حسناء حاملة صحن الحناء ، وجلس فوق الكرسي فوضعت على أصبعه الصغرى قليل من الحنّاء والنساء يزغردن والكل مسرور وسعيد ، إلا شخصا واحدا لم يأبه بما يحدث بل كان جالسا في إحدى الأركان البعيدة عن الملأ مستمعا إلى الموسيقى المتنوعة التي يصدرها بعض الصراصر والحشرات ، إنه الطفل الصغير أنوار الذي ينفرد بنفسه سائما من صداع الزغاريد والكلام الفاحش الصادرمن أفواه الشباب ، كان هذا الغلام يتأمل في النجوم محاولا تعدادها ، ظلٌ صامتا إلى حين انتهاء اليوم الأول من الحفلة دون أن يسأل عنه أحد أ أكل أم شرب ، عندما يفقد الطفل أمه يصبح كورقة الشجرة في شهر الخريف تسقط إلي الحضيض فتتفتّت أو تقتات منها الحيوانات فتصير وكأنٌها لم يكن لها وجود كما الحال بالنسبة لانوار الجالس في الظلام والساحة فارغة ، وربما العزلة في مكان هادئ أفضل من الإجتماع مع أهل الدنيا ، وأعود إلى هدوء الليل وسكونه وأنوار مطأطئ الرأس وفجأة شعر بوجود أصابع تشتبك بشعره الملولب فأوجس خيفة واعتقد بأن حشرة ما سقطت فوق رأسه .وضع كفه فوق شعره ورأسه مايزال منحنيا وأخذ ينظر بين قدميه وإذا بدائرة تشع نورا تدور حول قدميه وفجأة وجد نفسه وسط الحلقة النوارنية تحمله أذرع وجسمه تشلٌلت جلٌ أعضاءه ، وراح يسبح في السماء الدنيا مخترقا الجبال والوديان ومقتحما الأزمنة دون أن يعي هدفه حتى استيقظ من غيبوبته ليجد نفسه في قصر مزركش بأفضل أنواع الديكورات ولكنه فارغ من رائحة البشر ماعدا من كتاب انتصب فوق كرسي من ذهب فنادى عليه
- تعال لتتصفحني ، اقترب مني لمعرفة حقيقة الواقع والإنسان.
لم يستطع تحريك شفتيه ولا حتى أحد أعضاء جسمه الذي يرتعش خوفا وفزعا، وبعد لحظات قفز الكتاب من مقعده ليصير شيخا يشع دفئا ونورا، ضمّه إلى صدره وهمس في أذنه اليمنى وبدأت الكلمات تتدفق من لسانه كمياه الشلالات والطفل يصغي لأحاديث الشيخ الأبيض الذي وجٌه إليه جملا شتى فهم البعض منها ، وأكثرها لم يتمكن من فك لغزها ، مرت ثوان قليلة فرجع الشيخ إلى حالته الأولى والصغير يتصبّب عرقا فاقدا لوعيه، عندما فتح عينيه وجد فاطمة قد أزالت البطانية عن جسمه آمرة إياه بالذهاب إلى المرعى لرعي القطيع ، فظلت المشاهد منقوشة في ذاكراته ولم يستطع أن يفسرها، بل لم يقتنع أهي حلم أم حقيقة ، المهم أنه استيقظ وهو يدلك عينيه والتعب يبدوا واضحا على محياه ، وانطلق وراء القطيع بعد أن غسل وجهه . وعادة ما يحمل معه قطعة من الخبز والتين اليابس يضعه في البلاستيك أو يملأ به جيبه ويتجه صوب المرعى قائدا القطيع آمرا المواشي بالبقاء ضمن المجموعة وإن انحرفت إحداهن صاح بصوت عال"ارجع"، وإن لم تجب يؤدبها بالحجارة ، فكان يتمشى في الطريق مردّدا الأغاني والقصائد الشعبية التي حفظها من الكراس ، يصل الحقل بعد قطع أربعة كيلومترات ويعتكف وراء الماشية لساعات و عندما تُعلمه معدته بالصداقة يمنحها بكل سخاء ما جلبه معه ،و في هذا اليوم يبدو عليه نوع من الدهشة و الحيرة لما حصل له أثناء الليل، و لم يستطع إخبارأحد لأنه يعلم جواب فاطمة التي تعاتبه دوما وتكبح حرية تعبيره ،إلا إن التفسير الوحيد الذي اقنع به نفسه هو الجن ، غير أن هذا الموضوع أطوى صفحته عندما تذكر عرس أخيه الأكبر وسيعود باكرا إلى المنزل عكس أيام الخوالي حيث يضطر للبقاء حتى ما بعد العصر .
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر عندما رجع إلى المنزل مردّدا بعض الأناشيد "مدرستي الحلوة مدرستي الجنة " وعند وصوله كان المدعوون بدأوا يلتحقون ويتوافدون إلى المنزل حاملين معهم الهدايا المتمثلة في أكياس الطحين ، وكلما اقتربت الظهيرة إلا وازداد عدد القادمين ، فالنساء والفتيات ملأن المنزل والرجال داخل خيمة القصب والأطفال يمرحون والشباب بعضهم جالس تحت ظلال الأشجار وآخرون منهمكون في التدخين ورشف السبسي ، الكل تغمره الحيوية والنشاط وخاصة عندما خرج الفتيات العازبات إلى الخارج للرقص والغناء على شكل دائرة فيطفن ويتناوبن في إعادة مقاطع الأغاني الزٌجلية
ومنهنّ من تستعمل الدف والأخريات يستعملن السينيات والدلو, فيشكل هذا التنوع في وسائل الموسيقى لحنا عجيبا وتزداد الإثارة عندما يلج الشبان الدائرة التي تتسع شيئا فشيئا ، فقرية اعزوزن تتوفر على مجموعة من المواهب الشابة المبدعة للقصائد الامازيغية والزجلية ، ومنهم من يتقن الرقص الهندي بمجرد مشاهدة أفلام "أميتاباشير واهرتيك روشان" ولكن رغم هذه الفرحة والرقص والغناء كان أنوار منفردا يجلس تحت ظل شجرة. كان هذا الغلام رقيق الجسم أسمر الوجه يزداد نحافة كل يوم ويخفي أسرارا لايعلمها إلا هو والخالق، جُبل على الرزانة والإنطواء على نفسه متجنبا الدخول في صراعات وشجارات مع الاطفال ، كان طفلا هادئا لا يعرف عنه الناس إلا حسن الخلق . وصلت الحفلة إلى اللحظة الأهم ، فالعريس حزم أمتعته للذهاب إلى دار الكنّة لإحضار زوجته ،بعد تناول وجبة الغذاء اتجه الموكب إلى دوار العروس . فكان حمادي يقفز من مكان إلى آخر مثل الغزال وكل مرة يبصّ في ملابسه الأنيقة، ويرشف السيجارة دون احترام مرافقيه خاصة حسناء التي تمسك بيده اليمنى وجارته ممسكة بيده
الأخرى والنساء يزغردن كعادتهن .
ركب السيارة واتجهوا إلى البلدة المجاورة كي ترافقه حبيبة قلبه وفاطمة كانت من ضمن الموكب وهي الأخرى سيطر عليها الكبرياء والغرور فأخذت تتحرك في السيارة مثل الضفدعة حتى أنها شوشت على الركاب الذين عاتبوها وبعدها هدأت كما تهدئ النار بعد صبّ الماء عليها .
وبعد وصول الموكب أخذت الزغاريد والابتسامات والأغاني تستقبل الوفد المزديوي الذي علٌق عليه بعض الشبان الحاقدين على أبناء القبيلة ، وهذا الحقد متوارث منذ العقود السابقة ، ولكن الغريب في الأمر هو احتقار كل شخص ينتمي إلى الهوية المزديوية ، ونفس الأمر يتعلق بالصهر الذي وُجٌهت له نظرات تكبر وابتزاز من طرف بعض الشبان ، دخل العريس وجسمه يرتعش ويزيد عرقا كلما اقترب من الغرفة الآوية للعروس المغطاة بزي أبيض فلا يظهر أطرافها إلا الكفين، وقبل المغادرة أخذت بعض الصور التذكارية للعروس مع الأهل والأنساب فحصلت مشدات كلامية بين فاطمة وأخت العروس فكلاهما أرادتا أخذ الصور مع العروسين في جميع الحالات وكل منهما تنافس الأخرى إلى أن تحول إلى معركة بالشتم، والنساء و عندما يدخلن في صراع كلامي من الصعب إسكاتهن فكل واحدة تدافع عن نفسها وإن كانت هي المخطئة .
انتهى سوء التفاهم بإعلان مغادرت العروس إلى بيت الزوجية بالزغاريد وإطلاق الألعاب النارية في السماء وبعدها انطلقت السيارات" بتبويقاتها" وأمّ العروس تمسح دموعها حزنا على فراق ابنتها التي ستعيش بعيدا عنها ، في حين أهل العروس كانوا ينتظرون اتجاه القبيلة بين الفينة والأخرى منتظرين عودتهم ، وفجأة سمع الأطفال صوت السيارات وما إن رأوها حتى قالوا نحن قادمون إليكن يركضون ويتزاحمون في الطريق الضيقة ، يصرخون ويتدافعون لمشاهدة موكب العروس .
انضاف عضو جديد إلى عائلة المزديوي المتمثلة في زوجة حمادي السيدة حورية وهي شابة ذات الخامسة و العشرين ربيعا مليئة الجسم.
إنّ زواج حمادي سيؤدي بالعائلة إلى معرفة تحول جذري فيما يخص علاقة الأب مع ابنه الأكبر ، حيث أنٌ هذا الأخير طلب منه أن يمنحه بعض الحقول لإشتغال فيها وحرثها بالمزروعات فزوجته هي من شحنته و أقنعته بضرورة العمل والاستقلال، غير أن رد فعله كان الرفض وأقنعه بضرورة بقاء العائلة مجتمعة والأرض التي يملكها اعلال حصل عليها بشق الأنفس بعد حصول المغرب على الاستقلال ، وبالتالي فأرضه غير قابلة للتجزئة ، وأشار إليه بالعمل سويا جنبا إلى جنب وخاصة وأنه بدأ يهرم يوما بعد يوم وبالتالي فهو في أمس الحاجة إلى يد ثالثة .وبعد حلول موسم الزراعة الذي يبدأ في ابني مزدوي أول شهر أكتوبر ونهاية شهر شتنبر ، سيحدث سوء تفاهم أدى بالأب إلى رفض ابنه بالعمل معه ، لأن حمادي يجتمع مع أصدقاءه في الحانوت حتى منتصف الليل وفي الصباح يرفض الاستيقاظ مبكرا ومن المعلوم أن الفلاح يتوجه باكرا إلى الحقول لحرثها ، أما حمادي فيلتحق بأبيه بعد ثلاث أو أربع ساعات وبالتالي استغنى عن خدماته ولم يعد يطلب من زوجته إيقاظه ، بل أصبح فريد يساعد أباه في عملية الحرث ،أما أنوار فعندما يخرج من الابتدائية يجد أمه الجديدة في انتظاره تأمره باخراج الماشية إلى المرعى بصوت حاد يملأه الغضب.
بعدما استغنى الأب عن خدماته دفع به إلى الاعتماد على نفسه، وعدم الاتكال على ما تنتجه الأرض ، فحرمه من أخذ قسط من المحصول الزراعي بعد عملية الدرس ، وهكذا استقلّ احمادي وبنى غرفة واحدة بجوار منزل أبيه ، وعرفت الأسرة قطع رحم بعد المشادات الكلامية التي دارت بينهما وأهانه باللغو وقلل من احترامه كأب . ولم يعد يزوره ولا يسأل عن حاله ، حتى أن زوجته قطعت كل العلاقات التي تربطها بالأسرة الجارة . وقد استمر هذا الصراع لسنوات والإبن العاق ينتظر بفارغ الصبر وفاة والده العجوز الذي ستغمره الفرحة بعد زواج ابنته حسناء إلى مدينة تطوان ، حيث أنه سمعت يوما دقات على الباب وعندما فتحتها وجدت أناس غرباء على القرية ، رجعت فورا إلى أبيها وأخبرته بوجود قوم منكرون ، وبعد استقبالهم وشرب الشاي الذي أعدته لهم تقدم الحاج بوخيار لخطبة حسناء لابنه مصطفى، والحاج كان صديقا قديما لعلال ،رحل إلى مدينة تطوان للإشتغال بالتجارة وبعدما صار ابنه راشدا أعانه على إتمام دينه وذلك بالزواج بحسناء الشابة ذات الثامنة عشر ربيعا ، وبعد إبرام عقد الزواج بمدينة ترجيست ثم تحديد الحفلة التي أقيمت بعد شهر حيث أن فاطمة كانت تستدعي جارتها قصد المساعدة في تنقية الشعير من الحصى الرقيق وتهيئة الطحين .
مارست فاطمة عنفا نفسانيا قاسيا على أنوار، يتجلى أساسا في السٌب والشتم الذي يتعرض له ، وتفرض عليه القيام بمجموعة من الواجبات أولاها رعي الماشية طوال النهار حتى العصر وبعد العودة يذهب إلى البئر لسقي الماء فيظل يشتغل طول اليوم وهكذا دواليك ، وستنضاف الأعباء المنزلية إل الأشغال الخارجية بعد زواج حسناء الذي تم في أحسن الظروف ، فبعد الظهيرة بساعتين وصلت بعض السيارات إلى دار السي علال وتم توديع العروس والدعوة لها بالصلاح.
مرّ على زواج حسناء بضعة أشهر وفكر الأب في زيارتها رفقة زوجته ، وهكذا ركبا السيارة من اعزوزن اتجاه تارجيست وأغلب السيارات لا تتوفر على الشروط اللازمة للنقل ويسمى سائقوها "الخطافون" وبعد الوصول إلى المدينة اتجها مباشرة إلى المحطة اشترى تذكرتين للسفر إلى تطوان ، وبعد حلول الليل اكتظت المحطة الطرقية بالمسافرين الذاهبين إلى مدن مختلفة طنجة ، الحسيمة ، الناظور ....
وقفت الحافلة في الممر الأيمن للمحطة ، واجتمع المسافرون أمام المدخل ، وبمجرد نزول الركاب أخذ الناس يتزاحمون و كأنهم قطيع من الغنم يتنافس على أكل التبن ، و جل المحطات الطرقية المغربية تشهد مثل هذا التزاحم ، لأن المسافر عادة ما يفضل الجلوس فوق أحد المقاعد الأمامية هروبا من المقاعد الخلفية نظرا لتواجد المحرك ، كما أن الزحام يكون نتيجة لركوب المسافرين لم يقتنوا التذاكر وبالتالي فعلى الراكب الإسراع لأخذ مكانه خشية الوقوف ساعات داخل الحافلة .
يغيب النظام في المحطة الطرقية المغربية نظرا لغياب الوعي من جانب المواطن ومن جانب المسؤول . فأثناء مواسم السفر وخاصة العطل والصيف يستغل بعض السماسرة هذه الفترة بشراء مجموعة من التذاكر لبيعها بأثمان باهضة بعد نفاذها من مكاتب البيع، فمثلا إذا كانت التذكرة تباع في مكتب البيع بثمانين درهما، فإن السمسار يشتريها بنفس الثمن ويبيعها بعد نفاذها بمائة وعشرة دراهم لأن المواطن مضطر لشرائها قصد السفر ،إضافة إلى أن سعر التذكرة يزداد ارتفاعا في مواسم العطل،فمثلا تجد ان ثمنها مكتوب في زجاجة الشباك ولكن عند اقتناءها من الداخل يتفاجأ المواطن بارتفاع سعرها.
انطلقت إلى تطوان بعد مغادرة تارجيست ، وعلال يفكر في ولديه الصغيرين فريد وأنوار مرددا مجموعة من الأسئلة و سرعان ما أزال من ذهنه كل هذه الأسئلة قائلا في قرارة نفسه "إن الذي خلقه الله لا يضيعه" .فسكان البادية في ابن مزدوي وخاصة القدامى منهم كانوا يؤمنون بالقضاء والقدر ويزرعون أراضيهم متوكلين على الله ، و عاشوا في القبيلة كأسرة واحدة الكبير يحترم الصغير والصغير يوقر الكبير، والأمّ عندما تطهو الخبز في الفرن التقليدي توزع جزءا منه على الاطفال فيفوح منه روائح زكية ، ولكن في زماننا هذا تعكرت العلاقات بين الأسر بل بين أفراد الاسرة ، ويمكن الذهاب أبعد، كأن نقول أصبح الإنسان في ابن مزدوي يعيش صراعا بينه وبين نفسه، الهوة بين العالم المتطور والعالم المتخلف تزيد يوما بعد يوم ، وأصبحوا عاجزين عن مسايرة التقدم الحديث نظرا للجهل وغياب الوعي والإبتعاد عن الثقافة الأصيلة وديننا الإسلامي هو السبب في انتشار الفواحش والمنكرات وفساد العقيدة وظهور الاضطرابات النفسية والإحباط الذي يعاني منه الشاب ، فالبطالة تكبح طموحاتهم والتدخين والخمر والأغاني والأفلام الفاحشة واللغو حولت الأفئدة إلى أحجار لا تخشع لآية قرآنية ولا تتحرك عند الإستماع للآذان ، إنه واقع يقطع القلوب والرأسمالية الغربية تزيد الطين بلة ، فاغلب الشباب لا يفكر إلا بالمادة و المادة يعتبرونها هدفا في حياتهم ، حتى غدوا ينتظرون الغنى والخروج من الفقر وحينها سيؤدون الصلاة دون أن يعلموا أن الفقر هو الجاه بعينه وأنه نعمة أفضل الهدايا التي يمنها الله على عبده ، إلا أن العديد من المتأسلمين غرقوا في الأفكار الليبرالية الهادفة إلى تحقيق الربح والعيش في الرفاهية كفاطمة التي أصبحت عازمة على القدوم إلى تطوان والعيش في البذخ, وخاصة عندما نصحها أحد التجار ببيع ممتلكاتها وإنجاز مشروع بالمدينة وحينها ستعيش في رفاهية ، فكانت تتخيل نفسها وهي سيدة المنزل تأمر خدامها بإحضار كل ما اشتهته كما تشاهده في المسلسلات المصرية ولم يعد هدفها في الحياة هو البقاء في أسرتها بل إنها بنت طموحات مادية ولهذا تفضل الزواج بالكهلة وبعد السطو على الأموال تقتلهم بالسّم دون أن يكشف أحد شرّها كما فعلت مع الرجل الذي تزوجته قبل اعلال فورثت أملاكه، وشرعت في نشل أموال زوجها دون اكتشاف سريتها، وقد رفض كليا بيع ولو شبرا من أرضه إنها أصله وأصل أولاده وهو الذي عان وتحمل الصعاب للحصول عليها، فبمجرد استشاره في بيع الأراضي للإستقرار بالمدينة انفضّ قائما مشيرا إليها بتوديع الأهل ، و بعد العودة إلى دشار عاودها الطموح فبدأت تحلم وتتخيل منزل كبير فيه أَسرّة وهي جالسة متكئة على وسادتين أنيقتين وفوق الطاولة أنواع مختلفة من الحلوى وبيدها جهاز التحكم في السلجم منتقلة من قناة الأفلام إلى الأغاني، وبينما هي سارحة في عالمها دخل أنوارإلى المنزل عائدا من المدرسة وبمجرد رؤيته وجهت إليه نظرات حاقدة وأمرته بتجهيز الدابة للذهاب إلى البئر سقيا للماء ، ولكنه رد عليه بصمت "أنا لم أفطر بعد وإني جد جائع" ... قالها ورأسه منحني في الأرض ، غير أنها رفضت إطعامه إلا بعد أداء مهمته وبالفعل ذهب إلى البئر دون أي إعراض ، وبعد ملء القارورتين بالماء عاد إلى المنزل ،وهذه القارورتين تحملان ثلاثين لترا في كل قارورة ، دخل إلى المطبخ لإعداد للشاي وعندما بحث عن زيت الزيتون وجدها في غرفتها مخبأة.وما إن شاهدته يفرغ الزيت في الصحن حتى صرخت في وجهه وانتزعته منه وقدمت له زيت الطبخ ممزوجا بالماء والذي سبق أن استعملته من قبل ، إلا أنه أبى أكله نظرا لنفوره من مذاق زيت الطبخ وفي الأخير فضّل أكل الخبز الحافي وشرب الشاي محدقا في الصحن الذي به الزّيت القديم وفجأة ظهر الكتاب الذي رآه في تلك الليلة ، وتبدو صفحاته لامعة جذبت أنظاره وبدأ يقرأ الجمل المكتوبة كلمة تلو الأخرى ملتهما قطع الخبز ببطئ ثم توقف عن المضغ عندما وصل إلى السطر الثاني المكتوب فيه . - دافع عن حقك بكل ما تملكه من طاقة من اللحظة التي تُداس فيها حقوقك واعرف أن الحق يؤخذ ولا يعطي . ثم اختفى عن أنظاره ،ظل يفكر في معنى خذ حقك بيدك وذهنه شارد ، ثم نظر مجددا إلى الصحن متسائلا مع نفسه" إذا كنت أحب زيت الزيتون فلماذا لا أثور كي آكلها" .
نهض من مكانه حاملا الصحن واستبدله بآخر يحتوي على زيت العود كما يسمونه ، وما إن جلس مرت به فاطمة ،ودقّ قلبها عندما رأت زيتا جديدا في الصحن فركلته بقوة وغضبت في وجهه وسبّته بكلام فاحش ، بدأ قلبه يرسل دمعات إلى مقلتيه وسرعان ما ازدادت صبيبا لامست وجنتيه النحيفتين ، وفي تلك الفترة من الضحى دخل اعلال وكاد أن يصطدم بالصحن المقلوب وابنه واضعا رأسه بين ركبتيه والدموع تنزل من طرفيه كالمطر في الليالي الشتوية ، وأدرك الأب أنّ سبب بكائه هي فاطمة فحكى له القصة وقبل إتمام كلامه نظر حوليه آخذا حجارة قذفها صوب فاطمة التي انسحبت ،إلاّ أنّ الحجارة أصابتها في ظهرها وصرخت من جراء الضربة المؤلمة فتمثلت السقوط على الأرض مردّدة "لقد قتلتي العجوز."..
وبعد إبراءها من الوجع فتحت باب غرفتها وأخذت أحلاسها قاصدة والديها .
استقبلها أهلها بالترحاب ظانين أنّها زارتهم وسألوها عن أحوال زوجها فبدأت تشتكي لهم بأنه يظلمها وأبناءه مشاغبون ولا يحترمونها رغم أنها تعاملهم برفق، وفي اليوم التالي التقت ببعض صديقاتها وحكت لهن مساوئ زوجها ،وكانت بينهن صديقة تشتغل بمدينة طنجة بأحد المعامل ، وأغرتها بالغنى والعيش الراقي إذا ما ذهبت إلى المدينة للاشتغال والعمل وخطّطت معها كيفيّة تحقيق مراميها، وفي الأخير انتهى الجمع النّسوي وعندما دخلت المنزل وجدت زوجها ينتظرها طالبا منها العفوو الغفران ، وهي الأخرى غيرت ملامحها وسلوكها فأصبحت الزوجة الحنونة والمرأة الطائعة والمثالية مستغلة ثقة زوجها فتأخذ أجزاء من ماله كلما سنحت لها الفرصة بذلك وتخبئه بسرية تامة في مكان خاص دون أن تستحي من الله ،واستمرت في سرقة أموال زوجها لمدة تزيد عن سنتين وفي تلك الفترة كان أنوار على مقربة انتهاء المرحلة الابتدائية ، أمّا فريد فيشتغل مع أبيه في الفلاحة، بينما احمادي يعيش في أزمة خانقة وخاصة بعد ازدياد مولود له وصهره هو الذي ينفق على ابنته ، أما هو فيظل غارقا في النوم حتى منتصف النهار وبعد الاستيقاظ يتّجه إلى الحانوت متسولا" الماربورو "والنعناع الرومي من أصدقاءه الشرفاء كما يناديهم ويبذلون كل طاقتهم لتلبية طلباته لأنهم يعتبرونه الزّعيم والقائد الشجاع وهو العالم والمفتي يستشيرونه في كل الأمور قبل الإقدام على ارتكاب الحماقات ...
انفردت فاطمة بحمّادي في إحدى غرفه التي بناها مؤخرا للحديث عن المشروع الذي ينويان القيام به وأخذت تتحدث بلا توقف كي تبحره في موج يمّه من حرير ورمل شاطئه من ذهب ، إنه هو الآخر جرفه حلم فاطمة دون السؤال عن مصير أخويه .وبعد برمجته بمهامه أدخلت يدها إلى صدرها وقدّمت له بعض المئات من الدراهم كي يشتري كلّ الحاجيات الأساسية لأسرته مادامت كل أمواله تذهب هباء منثورا في شراء الخمر والتبغ وذكّرته بشراء سمّ قاتل يستعمله البدو لقتل الكلاب الضّارة ،بعدما خرجت من منزله عائدة إلى غرفتها وجدت اعلال منهكا من كثرة الأشغال ، وبدأت تتحدّث عن ذمائم احمّادي وما سيصيبها بعد موته من معانات وطلبت منه كتابة الوصية عند العادل ليحميها من شرّه متوسّلة إليه بمنحها أراضيه الواسعة باسمها وترك الباقي للولدين ، وبعد تفكير عميق هزّ رأسه بالإيجاب.
حلّ يوم الأربعاء والبدو كالنمل فوق الطّرقات بعضهم متجمعيّن وآخرين متصافين وأغلبهم يمتطون الدّواب واعلال هو الآخر كان من بينهم ، دخل المدينة الصغيرة متجها مباشرة إلى العادل لكتابة الوصية، وفي نفس الوقت كان ابنه الأكبر يجول في السوق باحثا عن "العسفة" التّي وجدها واقتنى منها الكميّة المطلوبة ، أمّا الأب فقد قرّر منح أراضيه الخصبة والواسعة لولديه بعدما اكتشف أنانيّة الزوجة ولم يترك لها سوى القلّة القليل.
عاد احمَادي إلى القرية بعد الظهيرة شبه ثمل ،و ما إن رأته يقترب من المنزل حتّى أسرعت إليه وساعدته في حمل الخضر والسلّة، وعند الوصول إلى الساحة أشارت إليه بإشارة مفكوكة اللّغز ومدّ إليها كيسا مغلفا بصفحة الجريدة .
بعد مضي أسابيع سقط الزوج طريح الفراش متألما في معدته ويشعر بالإختناق ، وفي إحدى الليالي نادت فاطمة على فريد وأنوار وأخبرتهما بأن والدهما يحتضر ، كانت تلك الجملة كبركان أحرق قلب الصغير .
- يا فريد يا أنوار إنني على وشك الموت عندما ستدفنونني خذا معكما الحالة المدنية واذهبا عند أختكما وأنت يا فاطمة اذهبي إلى أبوك فإن احمادي رجل شرّير سيعذبكم إن بقيتم هنا .
كانت تنوح وتتمثل بالبكاء وقلبها يكاد يطير فرحا لأنها على مقربة من تحقيق طموحها، أما أنور فقلبه يعتصر ألما وحزنا على والده ويتضاعف الألم كلما فكر في مستقبله متسائلا مع نفسه"أين سأعيش ومع من سأستقر" ؟ وكيف سيستمر في الحياة دون والديه ؟ كل هذه الأسئلة لم يجد لها أجوبة مثلما لم يجد علاجا لأبيه الذي يتكور فوق فراشه مرددا " الله ، الله " وأشار إلى ولديه بالذهاب إلى الحانوت للمناداة على احمادي ، وبالفعل انطلق الأخوين صوب المقهى البدوي والأمطار مازالت ترقص مع موسيقاها فوق التربة وتدقّ بقطراتها فوق الأشجار والآدمة ، والسماء سوداء بالغيوم والرعد يوجه صفارة الإنظار المرعبة وكأنه يأمر السكان بإتخاذ الحذر من حرب عدوانية مدمّرة ، وفي هذا الجو البارد وقفنا من بعيد نشاهد على الشاشة أنوار يتصارع مع الطين رافعا قدميه ليتمكن من الوصول إلى الحانوت وأمامه شقيقه يرتعش بدنه من جرّاء البرودة الشتوية وأذنيه محمرتين وألباسهما شبعتا ماء الأمطار التي رافقتهما حتى دخلا المقهى الشيطاني وداخلها احمادي يرشف سبسي طويل مليء بالنعناع الرومي والشباب متخشعين في مشاهدة فلما أمريكيا خليعا, فتراهم يعيشون مع الأحداث بعقولهم التي غدت هديّة بلا ثمن للأفلام الإباحية ، وبينما هو في خشوع نادى عليه أنوار .
-يا احمادي إن والدي ينادي عليك ، إنه جد مريض
- سيتعافى بعد يوم أويومين.
- ربّما ، ولكنّه يطلبك .
- ماذا يريد منّي ، أنا لست طبيبا ، دعوني أتمم الفيلم ,هزّ كتفه أحد أصدقاءه و أقنعه بالذّهاب إلى المنزل رفقه أخويه ، فخرج وعينيه حزينتين بفراق الفيلم ، ودفع بأخيه إلى الأمام شاتما والده ولهذا العالم الذي يعيش فيه وزاد غضبه عندما ابتلت ملابسه بالماء وظل يحدث أخويه بعنف طوال سيرهم على الطريق إلى أن دخلوا غرفة المريض الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة ملتمسا منه احترام أخويه ، بينما هو ينظّف رأسه بالمنشفة غير مبالي بما يقوله والده وعقله ما زال سارحا في لقطات الفيلم دون أن يعي ما يقوله الممثلين, وبرهة أشار اعلال بسبّابته في الأعلى قائلا " أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمد رسول الله " وقبل أن يتممّها تقيّأ الدّم وتوٌّف لسانه عن الحركة وسقط يده فوق السرير فتوقّفت كل حركات جسمه فقفز أنوار فوق جثته .
-لا تمت يا أبي !لا تتركنا
فامتلأت عينيه بالدموع وبدأ فريد هو الآخر بالبكاء ثم فاطمة ، أمّا احمادي فغطّاه بالبطّانية وخرجوا من الغرفة يبكون ، ووجه أنوار مكتئبا زاد اصفرار ، وبعد دقائق أخذ الابن الأكبر يطوف من غرفة إلى غرفة متجوّلا في منزل أبيه وفي قلبه زهور الفرح تنبت بتلقاء نفسها بهجة باقتسام وأخذ الأملاك المتواضعة .
وفي اليوم التالي عرف سكّان القبيلة نبأ وفاة اعلال، والجار قد زار الأسرة في الصباح الباكر وأرسل أحد أبناءه لشراء الكفن ، وما إن ظهر كفّ الشمس بوضوح حتّى نادى على بعض الشبّان وطلب منهم حفر القبر في المقبرة.
الشمس تقترب من وسط السماء والناس يأتون من كلّ صوب وحدب و الجا ر منهمكا في إعداد اللّحم بعد ذبح بعض الغنم ، وفاطمة تطهو الخبز بمساعدة جارتها .
الشمس ترسل أشعّتها الحارّة بعد أيّام من المطر حتّى الماء المختلط بالتربة أخذ يتبخّر في السماء والأرض بدأت تربتها تجفّ شيئا فشيئا ، البارحة كان الطين يلتصق بحذاء أنوار بقوة واليوم فقد تماسكه ، وأصبحت التربة تتفتت ، ربّما هي الأخرى فقدت حياتها بعد تبخّر الماء ، كما صعدت روح اعلال إلى الحياة الأزلية الباقية ، فاستسلم جسمه للرجال يغسلونه قبل وضع الزّي الأبيض ويخرج من منزله مودّعا أبناءه دون الإشارة لا بيده ولا بكلمة يفصح بها عن المكان الذي يودّ زيارته ، ولكنّ الأمر لا يحتاج إلى الوداع ، والمكان الذي سيكون بيته الأزلي لجثمانه غني عن التعريف .
وهاهو أنوار يحدّق في الشابين اللذين يحملان المحمل ، وظلّ مراقبا لتحرّكاتهما حتى وصلا خلف المنزل ووضعاه في مكان آمن حتى لا يقترب منه الأطفال ، وبعد برهة دخل الولدان إلى الغرفة بوجود بعض النسوة ، وكشفت فاطمة عن وجه زوجها المصفر والجاف واليابس كقطعة خشب ودّعوه بقبلة فوق جبهته ، غير أن أنوار كان أكثر الأقرباء تأثرا بوفاة أبيه معتصما بوجهه وهو يقبّله بحرارة ، فأخذته امرأة كاهل بعيدا عن الجثة.
وبعد صلاة الظهر دخل الرجال إلى المنزل والولدين ينتظران في الخارج رؤية أبيهما فوق النعش لآخر مرّة في حياتهما ، خرج الرّجال مردّدين " لا إله إلاّ الله محمد رسول الله " منهم من يحمل النعش وآخرين يسيرون في الأمام وفي الخلف أنوار واقف في مكانه يذرف الدموع وكلّ من يمرّ أمامه يقدّم له التعزية ، وأخد الموكب يختفي من الأنظار شيئا فشيئا حتى اختفت الأصوات المردّدة " لا إله إلا الله محمد رسول الله" .
بعد أخذ الجثمان إلى المقبرة تمّ تقديم الطّعام للنساء والاطفال, وغادروا المنزل قبيل العصر كل إلى حال سبيله ، أما أنوار فزاد غرقا في الهموم وفريد اختفى عن الأنظار ولم يتم التعرّف على الطريق الذي سلكه ،بحثوا عنه في الدواوير المجاورة ولكن أثره اختفى ، فمنهم من يقول بأن فاطمة أرسلته ليعلن أباها بالوفاة وعندما أراد عبور النّهر جرفته الميّاه ومنهم من يقول بأنّه هاجر البلدة لأنّه فقد السّيطرة على نفسه بعد وفاة والده .