-3-
صعد الدم إلى رأسه، وازدادت عيناه اتساعاً من شدة الذهول.. وجهه تحول إلى لوحة مشدوهة الملامح.
الشال الصوفي الرقيق، المزغرد بالابتسامة البيضاء المشرقة، والذي طوق عنقها بشياكة.. لم يستطع إخفاء تقويرة الكنزة الحمراء، التي تبرز سفحي نهديها العاجيين الموردين، وتنورتها (الميكروجيب).. انشمرت كاشفة نصف فخذيها المكتنزين بحمرة متوهجة.. يتلامعان تحت جرابين من (النايلون) الشفاف.. بلون البن المحمص.
لحظات من الصمت الجاثم على شفتيه أرطالاً.. منعته من الترحيب بها.! صوته عبر الهواء بعد حين، وهو يصافح يدها الحارة بدفق من دم ساخن، غض: -أهلاً (قمر).
هبطا الدرجات القليلة، ودخلا في خفوت ملون لمصابيح النور، وضباب نشرته السجائر المتوهجة كنجوم صغيرة تشع هنا، وهناك في فضاء هذا (النايت كلوب) من بعد ظهر يوم ربيعي دافئ. فاجأها بسؤاله:
-ألم تغالي كثيراً.. أنت نصف عارية.!!
-يبدو وأنت تعسكر في تلك البقاع الجافة، البعيدة عن الحضارة.. أنك لا تعيش العصر.! إنها الموضة يا صديقي.. أو أنك إنسان رجعي التفكير.. وغيور..!
رغم تحفظه على ما ترتديه.. إلا أنه اعترف بسريرته.. أنها تبدو أكثر أناقة وإثارة عما كانت عليه في لقائهما السابق.
تحدثا في معنى التحرر، والدين، وأحكامه في المرأة.. سلوكاً، وثياباً.
قالت بكل وضوح: -إن الفتاة المحصنة بالعلم، والعقل الراجح، والخلق، لا يعيبها ما ترتديه، وأردفت: -في الجامعة كثيرات هن الفتيات اللواتي فرض عليهن الأهل ما يرتدينه.. تارة باسم الشرع، وتارة باسم الخوف من المجتمع.. وحكي الناس. في قرارتهن لسن بمقتنعات، ولكنهن يخشين المواجهة، والتصريح.. لي ابنة خالة ما إن تصبح بعيدة عن حيها تخلع حجابها، وتخفيه في حقيبتها ومثلها تفعل العشرات.. لقد مضى عصر الحريم يا صديقي!.. إنني لا أختلف عنك مقدرة، وعلماً... أنظر هناك.. وأشارت بعينيها إلى فتاة جالسة بالقرب منهما: -لولا الحلق بأذنيها لخلتها شاباً.. بشعرها، وثيابها. وعندما أجاب.. أن الشرع وضع حدوداً لعورة المرأة. انتفضت قائلة: منذ قديم الزمان، ارتدى البشر ثيابهم حسب الجغرافيا.
فتحت حقيبة يدها.. تناولت علبة تبغها.. أشعلت سيجارة.. نفثت دخانها بهدوء، وهي ترمقه مستكشفة. جاء النادل.. بعد سؤالها.. طلب فنجانين من القهوة.. تسلل الدخان إلى عينيه.. فركهما، وتساءل: -وما علاقة الجغرافيا بالثياب؟!
قالت متبرمة: -دعك من هذا شرحه يطول.
أحس بانزعاجها، ولكنه أعاد السؤال قائلاً بإصرار، وسخرية مبطنة:
-من عِلْمِك نستفيد.!
-الجغرافية تعني أيضاً المناخ.. فلنأخذ الصحراء مثلاً.. أشعة الشمس المحرقة اضطرت الإنسان لوقاية رأسه بغطاء.. الرجل كما المرأة.. والثوب الطويل الأبيض اللون، والفضفاض، يعكس الأشعة، ويسمح للهواء بالدخول إلى الجسد ليبقى رطباً.. وجاء اللثام بمثابة الكمامة لاتقاء الغبار، والعواصف الرملية.. أما الإنسان الإفريقي فقد تحرر من ثيابه.. أو بالأحرى لم يرتد منها إلا ما يستر عورته.. وخاصة من كان يعيش بقرب خط الاستواء.. الحرارة، والجو المشبع بالرطوبة التي تسببها كثرة الأمطار، والغابات التي فرضت على جسده أن يبقى دبقاً.. وخذ الأسكيمو، وطراز لباسهم.. إلى آخر الأمثلة.. وهذا جرى قبل أن تقول الأديان كلمتها بآلاف السنين.
قال وهو يحدِّق بعينيها: -إلام تهدفين في النهاية؟
-أن تقرأني قراءة واضحة، شفافة.. إني هنا أدافع عن الشمس، عن مشروعية الضوء، عن الوضوح.. فأنا عاشقة للنور.. أكره الظلمة.. هل تعلم
بماذا أحلم؟ أحلم بالحق، بالعدل، بالحرية، بالمساواة.. تسود مجتمعنا.. أحلم بسيارة بيضاء بمنزل مدهون باللون الأبيض.. مفروش بأثاث أبيض.. لأن ذلك يشبه لون روحي.
في شلال كلامها.. بهره الألق الذي يشع صراحة، وصفاء، وجمالاً.. أثمله عبق عطرها، واعترف في سره.. أن منطقها، وتفكيرها، صافيان كينبوع نقي التدفق. أراد ضمها، ومعانقتها.. إلا أنها ابتعدت عنه بخفة.. دهش لتصرفها، وشعر كأنما جداراً ضبابياً.. بارد الملمس، فصله عنها.!
في داخله.. أخافته جرأتها، وصراحتها القاطعة كحد السيف، وعشقها لحريتها المتفجر كبركان.!
في مجتمعاتنا.. معظم الناس.. يقولون ما لا يفعلون، ويؤمنون بما لا يصرحون لعلها التربية الخطأ، والتعليم الخطأ، والكم الهائل من موروث الخوف، والتعصب والتقاليد، والعادات.. التي تحكم رقابنا.. لكن هذه الفتاة.. شلال هادر من الوضوح، والشفافية.!
فكر، وهو يتأملها.. هل يجرؤ على تحدي هذا الواقع مع زوجة مثل هذه.؟؟ سلوكه الاجتماعي، العسكري.. المراقب بدقة من أسرته، أقاربه، أهل حيه، طبيعة عمله، لأول مرة.. أحس أنه يجبن أمام اقتحام عالمها الفسيح، وبحرها الهائج الأمواج، وسمائها المشتعلة بشهب جرأتها المتعبة.
بميزان إحساس المرأة.. لمست هزات التردد الوجلة.. تتماوج في فكره، وقلبه. أرادت أن تبعده عن الموضوع.. تساءلت: -سمعت أنك قضيت مدة في السجن.. السبب.. إذا لم يكن ذلك محرجاً؟
مموهاً جوابه، قال: -تأخرت بنجدة فدائي جريح.. أصابه الصهاينة في ساقه.
-آه يا إلهي.. لعله (وفا) قريبي.. إنه يقضي نقاهة في منزله للسبب عينه.!
-وأين يقطن قريبك هذا؟.. سجَّل عنوانه، ورقم هاتفه، وقال لها.. أنه سوف يقوم بعيادته. بقيا صامتين لفترة.. بدت وكأن كل منهما يعيش في عالمه الخاص. فاجأته بقولها:
-اسمع يا أمجد.. لقد استطعت أن تأخذ حيِّزاً من عواطفي.. وكان من الممكن أن ترتقي إلى رباط من الحب أبدي.. ولكن ما بدا لي أنك لست النسر الذي أحلق بجناحيه إلى الأمداء التي أعشقها، ولست المقاتل الصلب الذي يحطم متاريس التخلف، ولست إلا عربة مقرونة بقطارات مهترئة تعبر مسافرة إلى محطات خلفية.!
دافع عن آرائه.. حاول إقناعها بكل حجة ممكنة.. قال لها:
-في نمط سلوكنا، وعاداتنا.. الكثير من مساحات الزهور الرائعة، الفواحة.
-لعل في بعض ما تقوله حقيقة، ولكن المياه الجارية، المتغيرة.. لا تأسن أبداً.
-حسناً.. فلنترك لعواطفنا، وتفكيرنا فرصة أكبر للقاء.. أعتقد أننا في النهاية سوف نصبّ في خليج واحد.
-أرى أن تبحث لك عن فتاة لينة، مطواعة.. تجبلها أناملك كما تريد، إن كنت في عجلة من أمرك.. وإلا فلندع للأيام الحُكْم بيننا.. أغادرك الآن، وصداقتنا مستمرة بالخفقان.. مع نسائم الأخوة.
أجهش وجهه بالحزن.. يدها تركت يده.. دفعة واحدة.. معلنة نهاية قصة حب نبتت أوراقها، ولم تزهر.
...
قام بالتعريف عن نفسه... الصوت ذو اللكنة الأجنبية.. الذي سمعه عبر الهاتف.. أدهشه.. خيل إليه أنه أخطأ الرقم.. أعاد السؤال مؤكداً: -منزل السيد (وفا)؟.. وجاءه الجواب: -نعم.. لست مخطئاً.
-أرغب بزيارته للاطمئنان عليه. فترة صمت مرت... -في الوقت الذي يناسبكم.. إنني في إجازة.
-نرحب بك.. السادسة من مساء الغد.. عنوان البيت.. تعرفه.. حسناً.. أهلاً وسهلاً.
هل يرافقه أحد.. صديق.. قريب.. فكر بالاتصال بالملازم أول جهاد.. عاد وحزم أمره.. لن يرافقه أحد.. ارتدى بزة مدنية، وانطلق.
مخيم فلسطين في دمشق... أزقة ضيقة، متعرجة.. تتداخل معتمة في إقسومات عدة... لا يمكن للمرء أن يرى نهاية لها. رأى فيها.. كل تعرجات وظلمة قضيتهم، وصراعهم منذ حل الصهاينة بوطنهم. قال محدثاً نفسه:
-بل إننا جميعاً نسير في دروبها الوعرة، الشائكة، الملتفة، كمتاهة.. أريد لنا ألا نخرج منها.. حتى نفقد القدرة على تطوير بلادنا، وتنميتها.
فاجأه الاستقبال المُرحِّب.. نهض، صافحه بحرارة، وقال موجهاً الكلام لها: -هذا هو الجاني الذي حدثتكِ عنه.
والشعور بالذنب ما زال يتنفس في صدره.. ناظراً إلى يديها كي لا يخطئ الخطاب: -أجل آنستي.. أنا هو.
لم يلاحظ سواهما في المنزل.. الغرف الثلاثة مرئية بأبوابها المشرعة. الفرش بسيط، على جِدته، وأناقته.. بعض طاقات الورد التي ذبل قسم منها ما زالت تحمل بطاقات إهدائها.. تناولت منه الورد شاكرة.. لقد حرص على أن تكون فخمة، وملفتة.
ما زال كما هو بشعره الطويل.. المرتاح على كتفيه.. أسود لامعاً، كجنح الغراب، وبعينيه الواسعتين، البراقتين، وبجسده المتشامخ، الرشيق.
قدَّمها له: -أختي ليلى.. مدرسة أدب انكليزي.. قضت طفولتها، وصباها مع أمها البريطانية الأصل في لندن.. وبعد وفاة أمها منذ عامين.. قررت العودة إلي هنا في سورية. إنها تحمل الجنسية البريطانية.
بدا النقيب أمجد متلجلجاً في بداية حديثه، ولكنه استعاد سيطرته على كلامه واسترسل موضحاً ما جرى بشكل منطقي.. مقنع.. وبعد تردد أخبرهما أن عقاب ضميره.. كان أشد من سجنه.
انطباع مريح غلف وجهيهما.. وشع في نظراتهما.. مرسلاً إليه تفهماً وقبولاً ودوداً. شخص مختار قرية عابدين.. أخذ مكانه بينهم بانفراجات طريفة، مضحكة، إلا أنه أعلن لهما بثقة.. أن رفقة ذلك العجوز مفيدة، وممتعة ومسلية.
قال وفا، وهو يمضغ قطعة تفاح: -سوف أزور ذلك المختار بعد عودتي إلى القاعدة. قدَّر أن وفا قد تجاوز الثلاثين من العمر.. تساءل مستوضحاً:
-أرجو ألا أكون متطفلاً.. لماذا لم تتزوج حتى الآن؟! قال ذلك وهو ينظر إلى يديه اللتين خلتا من أي شيء يلمع. ردت عليه ضاحكة: -لقد تزوج القضية.! نظر إليها مؤنباً، وقال: -ألا ترى أن الزواج لمن كان على شاكلتي غاية في الصعوبة، على الأقل لمن ستبتلي بي..! على أية حال لنا هدف صممنا على المضي إليه... هو.. أرض شعب، وكرامة شعب، وحق شعب، ومصير أمة غافلة.. وأنا بشكل خاص لي ثأر كبير.
قال أمجد معمِّماً الأمر: -نادرة هي الأسر التي ليس لها ثأر عند العدو الإسرائيلي!
-صحيح.. لكنني تركت أمي، وأبي هناك.. عند طبريا شهيدين لم يدفنهما أحد وصارا طعاماً للكواسر.!!
-إنني آسف جداً.. لقد ذكّرتك بأوقات حزينة مؤسية.
وقف وفا، ونظر إلى صورة معلقة على الجدار.. فيها رجل، وامرأة وطفلان يضحكان، وهما في حضنيهما.. قال وفا: -كنت يوم ذاك في الخامسة من عمري، وأختي زمردة في السابعة.. وهي متزوجة الآن في الأردن.. طفلان جائعان.. يرتجفان خوفاً، وهلعاً بين الصخور.. واقفان يبكيان، وليس لهما معين.. ينتظران وحيدين عودة أمهما التي رجعت بالزورق إلى الشاطئ الفلسطيني، لتنقذ زوجها.. ولكنها لم تعد.!.. عطف علينا الفلاحون السوريون، وأنقذونا، وحقيبتين هما كل ما نملك. نظر إلى ضيفه قائلاً: -آسف لاندفاعي في سرد آلامي. ثم إلى أخته قائلاً: -ليلى قهوتها مميزة.. ما رأيك؟
-على شرط.. بالمناسبة، هل أصبحت قادراً على المسير.؟
-أجل، ولكن لمسافات قصيرة.
-حسناً.. اشرب القهوة إذا قبلتما دعوتي للغداء، أو العشاء في نادي الضباط.
-حسناً.. أيها الرفيق النقيب.. ليكن عشاء.. ليلى تهوى الليل، والسهر.
تملاها وهي قادمة بالقهوة.. عينان تشعان وميضاً عميقاً، آسراً. جمال هادئ، رزين في الوجه.. لكنه يسجد مشدوهاً، خاشعاً، أمام التدفق الصاخب في الجسد المتناسق، والقد المائد.. الثائر، في الصدر المتوثب النهدين.
تلك الليلة، وفي دفتر مذكراته كتب:
ليلى.. أيتها النخلة المخضلة بالصوت العذب..
المتأود شلالاً من رفيف الموسيقى..
أيتها الحقول الذهبية.. المتماوجة كخصلات شعرها..
أيها الفجر المبتسم.. لخطواتي المقتربة من محرابها..
خذوني، وازرعوا قلبي سنبلة عطشى للحب.. في سفوح نهديها المتدفقين.. بعصير العسل.
جلست بقربه.. منارة متلألئة بالألوان الزاهية، وهي تطل شقراء، مشعة على محيط شرقي أسمر.. حقل قمح قطف حزمة من نور الشمس، يتوِّج رأسها وبحر مخملي، مشجر، يرسم خليجاً مرمرياً عند صدرها، تتثنى عند حوافه أمواج متكسرة من الدانتيلا السوداء، تناثرت في ليلها نجوم ذهبية صغيرة، براقة، وذراعان بضَّتان، موردتان، تحررتا بأناقة، وليونة خلال المخمل الناعم.
سهام الإعجاب ترشق المائدة الثلاثية.. تتناثر من بعيد، وقريب، باتجاه الغادة المشرقة. تعمد العديد من زملائه، ومعارفه تحيته بإشارات ملؤها الغيرة، والحسد لهذه الصحبة الفاتنة.
تحدثوا في الموسيقى، والأدب، والرياضة.. بعد أن رجتهما الابتعاد عن السياسة.. أخبرته عن طفولتها، وحياتها، وهواياتها، وعادات المجتمع البريطاني.. حبه للنظام، ودقته في العمل، وأداء الواجب، واحترام القانون، وحرية الإنسان، والنظافة التي يحرص عليها الجميع في كل مكان.
لقد أنشأتها أمها الجميلة، على عشق اللغة العربية.. كانت تتكلمها، وتكتبها. ربتها على حب الشرق، ولكم حدثتها عن دفئه، وسحره، وحضارته.
أخبرته عن (صالون) منزلها في لندن.. وتباهيها أمام أصدقائها، وصديقاتها بالصورة الجدارية الفخمة لوالدها الفلسطيني، وبالقرب منها صورة لزوج أمها البريطاني، الكابتن (فيليب) الذي تتلامع على صدره الأوسمة العسكرية.
لكن حديثها لم يكن يزهو، ويتفتح في عيني أمها.. بريقاً، متألقاً بالشوق الخافق، الحزين إلا عندما تحدثها عن والدها (أبو الوفا) لقد منعت الحكومة البريطانية أمها من العودة إلى فلسطين بعد مقتل زوجها الكابتن فيليب، المتهم بالتعاطف مع الفلسطينيين حتى رسائلها إلى حبيبها أبو الوفا حجبت، والحقيقة أن الصهاينة كانوا خلف ذلك انتقاماً منها بعد أن اكتشفوا علاقتها بالفلسطيني الشامخ، الذي رفض أن يكون عميلاً لحكومة جلالتها.
كانت أمي تجلس ساهمة، وهي تحدق بصورته:
-ماذا أخبرك عنه يا بنتي.. صوته الذي يتوزع في شراييني. عنفوانه المتدفق كشلال في حقول جسدي.. بحار صخبه الهادرة.. صمته المتدلي من جبينه كالتعب اليتيم.. إنه وشم لا يزول، طُبِع على شغاف قلبي.. حب أبدي لعرزاله، لزورقه، لتراب بلاده، ولأسماكه المتقافزة في شباكه، عند شاطئ طبريا التي شهدت ولادة حبي.
حديث ليلى.. هذه الغادة نصف الأوروبية، ورؤياه لها.. أيقظت في ذاكرته سنين خلت.. فتاة "ديرية" سمراء يافعة، يانعة، كثيرة الشبه بها قداً وجمالاً، والتي فتّحت فيه بواكير الرجولة الغامضة، المتدفقة، بولادة غضة، ساذجة، وحرضت فيه حباً للموسيقى، والأدب، وعلى قمته الأدب الروسي الذي ترشرش في وجدانه، وعقله، كزخات مطرية ناعمة، فنمت في روحه رياضاً إنسانية، رائعة، عن الحب، والوطن والطبيعة، والتضحية، والحب.
...
غفا وخياله يطارد طيفها في مروج شاسعة، مخضرة، تهب فيها روائح عطرية، آسرة، وتصدح في أمدائها ريح طرية، ناعمة، تعزف ألحانها على قيثارة سحابة مبتسمة لشعاع الشفق. عندما استيقظ تمطى قبالة نافذة (قمر) المشرعة. رآها، حياها كعادته. دخلت أخته.. سألت: كيف حال الغرام؟ أجابها: -طار إلى زهرة شقراء.
على مائدة الإفطار، قال والده: -كم تبقى من إجازتك؟
-أربعة أيام.
-(شو رأيك).. برحلة لصيد الحجل، إنه موسمه.
-متى.. وأين؟
-إلى اللجاة، وخاصة أنك لم تدخلها أبداً.. غداً مع الفجر نكون هناك.
تدبر والده بندقية صيد ثانية. عندما ناما كان كل شيء جاهزاً لانطلاقة الغد.
اللجاة هذا الركام الهائل، المتوحش، المتبرد، من الحمم المندفعة من أفواه الجبال، وخاصراتها المحتقنة بالغضب الجحيمي، التي رسمت في المدى ومنذ آلاف السنين.. لوحات الوعر المذهلة، القاسية، المتوشحة بالرهبة.
مساطب، ومدرجات، وشقفان، وحقاف ملتوية، متقاطعة بالمسيلات والجروف، وقد تلونت خدودها، وجباهها بالطحالب المفروشة بألوانها المتعانقة، والتي تزهو بقبل من شعاع الشمس. وقد برزت من شفاه الصخر النبتات، والأزهار البرية المنداة، وتلألأت في عيونه مياه شفافة خلفها المطر.. تترجرج بفعل هبات النسيم البارد، المنعش.. في تلك الإشراقة الربيعية لذلك اليوم.
دخلا بطن الوعر.. لم يعد يراه، لكنه.. بعد مدة سمع دوي طلقته الأولى.
هبط منحدراً قاسياً.. أخذه إلى منبسط دائري واسع، التهبت خدوده بأجمات نارية من زهور شقائق النعمان، تطل متمايلة.. مع دفقات الريح.. من بين الأعشاب الندية الخضراء. وتسامقت حول المنبسط.. صخور عالية كالأسوار، وقد ملأتها الشقوق العميقة.. كل شق يتسع لجمل.! إنها قلعة من الصخر!.. قال متعجباً.
سمع شقرقة طيور الحجل.. تربص.. تقدم حذراً.. من أمامه، ومن مسافة قريبة.. طار رف في تحليق مصفق، مفاجئ. صوَّب على أكثف تجمع.. أطلق.. سقط ثلاثة طيور.. صرخ فرحاً.. بلا عناء التقط اثنين. أما الثالث فقد وجده بعد جهد متخفياً، مكسور الجناح، تحت نبتة شيح كثة.
كانا قد اتفقا على الالتقاء عند الواحدة للاستراحة، وتناول الطعام، نقطة الإزدلاف منطار عال من الحجارة شاهداه منذ لحظة انطلاقهما.
خرج من الحصن الصخري. نشطت هبات الريح. انتعش صدره بعد هذه الخنقة في ذلك الجرف. ذهب بصره بعيداً خلال هذا البحر الصخري بأمواجه الساكنة، العابسة.
حكايا، وحكايا، سمعها عن معارك، وأهوال دارت على جسد هذا البازلت. تتمترس خلف صخوره عيون البزاة، ويتردد خلاله زئير الأسود من ثوار الجبل الأشم.. تنقض حاملة الموت على شفارها القاطعة، وبلطاتها الباترة، تفتك بشجاعة خرافية بجيوش الترك الظالمة والفرنسيين المستعمرين. في تلك الأيام التي دخلوا فيها رحم الوعر ترصعوا بالصلابة والبأس، وعلى مراياه التي تألقت بالنور، أضاءت أرواحهم بحب الوطن، وأصبحت أقدامهم راسخة، ثابتة، منغرسة فيه. لم تزحزحهم قنابل المدافع، ولا الشلالات الملتهبة من أفواه الرشاشات.
أما متاهات اللجاة فكم كانت حانية، تدرأ بصدورها الصلبة صليات الموت عنهم، وتسقيهم من حقافها الحانية ماء الحياة.
أوغل في مساره.. فوجئ بذئب يعوي عواء ناحباً، وهو يتمدد على جنبه فوق فسحة معشوشبة. الذئب لم يتحرك برغم تقربه منه. حدس أنه يعاني من أمر ما.. أدهشه ما رأى.. ريشة نيص انغرست في محجر عينه.. قرر أن يخلصه من عذابه. غادره مهشم الرأس، وهو يقول لنفسه: -وللحيوانات الضعيفة أسلحتها القاتلة أيضاً.!
اصطاد زوجاً آخر من الحجل.. المنطار أمامه.. قطع المسافة المتبقية وبعد دقائق قليلة جلس والده بجانبه. فتح براد الشاي.. وشربا بتلذذ كأسين ساخنين، وهما يهزجان فرحاً بتسعة ديوك من الحجل.
فرشا طعامهما، وبدآ يلتهمان غداءهما بشهية التعب الجائع. كان أشهى ما في ذلك الطعام نبتات العكّوب، والدردار، وقرص العنة التي جمعها والده أثناء تجواله. الماء المتجمع في حقف صخري، كان أطيب ماء شربه أمجد.. بارداً، شفافاً، كقطر الندى.. كما قال لوالده.
هجعا تحت ظل صخرة متشامخة بجبروت عملاق. من المحتمل أنهما غفوا في تلك اللحظة الهادرة، الراعدة، المزمجرة، التي مرقت فوقهما تماماً، وعلى ارتفاع قليل منهما، وكادت الريح العاصفة التي أحدثها هذا السرب الجامح أن تقذفهما بعيداً.! أصاب الصمم المؤقت آذانهم. تابعا بنظراتهم تسلق الطائرات نحو السماء، التي اتخذت شكلاً سهمياً.
(ميغ 21) صاح أمجد. بعد قليل، وفي عين الشمس، واضعاً يده فوق عينيه، قال أبوه: -إنها معركة جوية، والعدد لصالح العدو.
صفَّق النقيب أمجد فرحاً: -هناك طائرة تهوي محترقة.. ها هي تنفجر في الجو.. ضربة معلم.!
قال والده: -لم أشاهد الطيار يقفز منها.. لا بد أنه احترق معها.
-انظر يا أبي.. ها هي الأخرى تشتعل.. إنها من طائراتنا.
رد أبوه بحزن: ها هو الطيار يقفز منها.. أرجو ألا يكون مصاباً.. مظلته فتحت.. الريح تدفعه باتجاهنا.. سوف يسقط قريباً منا لا محالة.
لملما حوائجهما، واستعدا للانطلاق إلى المكان المحتمل لهبوطه. نظراتهما ترافقه بخوف.. جسده يتأرجح في هتاف الريح.. مجهول كأسرار السماء ينزل.. إلى أرضه الحانية يتحدر.. وحب تتساوى فيه مفردات الألم تحتويه.
-إنه ينزل إلى الحصن. قال أمجد هاتفاً.
-أي حصن هذا إني لا أراه؟
-ستراه.. هيا بنا.
هدير الطائرات الصديقة يرج الهواء فوقهما.. يبدو أن المعركة الجوية انتهت.. عشر دقائق مضت، وهما يقفزان فوق الصخور، وديوك الحجل تتأرجح على فخذيهما. وصل النقيب أمجد أولاً. مظلة الطيار مشتبكة بسنام صخرة أكثر ما يشبهها.. الفيل.. وجسده معلق في الهواء على ارتفاع يقارب الثلاثة أمتار.. يبدو أنه قد أغمي عليه.. يوجد دماء على صدره، وكتفه.. قال أمجد:
-الوصول إليه خلال هذا الجدار الأملس مستحيل.! لنحاول تخليص مظلته العالقة، وننزله ببطء.
بواسطة سكين قطعا الحبال المعيقة، واستطاعا، وهما يلهثان تحرير "النايلون" الملتف، واضعين كل عزمهما كي ينزل بهدوء.
جسداً ممدداً، استقبلته الأرض على فراش مندى من الأعشاب.
خيط صغير من الدم ما يزال ينبع من كتفه. رش أمجد الماء على وجهه إلا أن الطيار لم يستجب إلا في رشقة الماء الثانية.. أين أنا؟
-إنك في أمان، ولست بعيداً جداً عن قاعدتك. قال أمجد.
والده ذلك الجندي القديم، الذي يحسب حساب كل شيء، فتح حقيبته أخرج قطناً وشاشاً، ومطهراً، ولاصقاً. كشف عن جرحه.. إنها طلقة نافذة خرقت الكتف. أحزمة المظلة ضغطت الثياب عليه، فخففت من النزيف.. طهر الإصابة، وضع القطن، والشاش، ثبتها باللاصق، ثم قال مبتسماً:
-إذا لم يكن يؤلمك شيء آخر، يمكنك المسير.
ساعدا الطيار على الوقوف. شاب.. قدراه في الخامسة والعشرين من العمر. ربع القامة، نحيفها، خيل لأمجد أنه يستطيع حمله حتى الطريق العام، وبلا كلل. سمعا هدير حوامة.. ها هم يبحثون عني. صعد أمجد إلى الأعلى برشاقة، وخفة قط بري، شاهد الطائرة تحوم إلى الغرب منهم، وهي ترسم في الهواء حلقات التفتيش الدائرية.
صاح عليهما: يجب أن نشعل ناراً، الدخان سيهديهم إلينا. قال الطيار بصوت خافت، عليل، لكنه كان مسموعاً إليه: لديّ شهب إشارة.
أخرجها والده من سترة الطيار، وقال لأمجد: عندما تستدير الطائرة باتجاهنا.. أنذرني. شد والده الخيط، فانطلق الشهاب في الهواء أرجواني اللون، وهو يرسل نجوماً متناثرة، متلألئة.
لم يكن هناك حاجة لإطلاق شهاب آخر، لقد اهتدوا إليهم.. مكان مثالي للهبوط.. وسط هذا البحر الصخري.! قال قائد الحوامة.
قدم الطيار الجريح نفسه إليهما: -الملازم.. غازي.. سأذكر دوماً مساعدتكما لي.
حمل اسم هذا الطيار النقيب أمجد.. إلى طيار آخر، أو بالأحرى غازي آخر.. لسوف تمضي السنون، ولن ينساه.. يومها ساعد الضفادع البشرية بعد أن انتشلوه من مياه بحيرة طبريا.. ممدداً على الرمل بوجهه الأزرق المنتفخ، وعينيه المفتوحتين، اللتين تحجرتا في سكون أزلي.
الأمر مضى عليه أكثر من خمس سنوات.. تقدمت الزوارق الإسرائيلية اقتربت من الشاطئ السوري، واحتدمت معركة كبيرة، أذنيه حتى الآن تدوي بصيحات الفرح بين جنود فصيلته لتدخّل الطيران الصديق الذي هاجم الزوارق المعادية. كان الطيار غازي فريداً في هجماته.! في الانقضاض الثالث له لم يستطع الخروج منه لأنه كان انقضاضاً عمودياً فانغرز مع طائرته في الماء.
طبريا، البطيحة، الحمة، فيق، والخنادق، والتحصينات، والدشم، لقد شارك جنوده في حفرها، وتجهيزها عمل معهم في الصيف، والشتاء، أمسك بالمعول، وضرب الأرض بالمهدة.. فلق الصخر لقد تعاونوا في تجهيز تلك المواقع، وسقوها بعرق أجسادهم. إنه لا يزال يذكر كيف قاتل جنوده في معركة الزوارق. لقد كانوا أبطالاً، لا يهابون شيئاً.
مع رجال أمثال هؤلاء.. كان يجدر بنا أن لا نخسر الجولان.!! وبمثل ذلك العار.!! وتذكر أمجد ما قاله له ذلك القائد، الزيتي الوجه، في اجتماع للضباط، وهو ينفش ريشه، وكان ذلك بعد النكسة بشهر واحد عندما سأله: -كيف خسرنا الجولان بتفوقه الطبوغرافي، وتحصيناته ونحن في وضع دفاعي.!!
-أيها الملازم.. الجبهة السورية.. كانت (خرابيش).
هذا الجواب المهزلة.. الذي قاله ذلك القائد الطاووسي، فاجأ جميع الحضور. تمنى أمجد حينها لو يبصق في عينيه، وقال لزميل له، يجلس بجواره: -إن كانت كذلك طيلة السنين الماضية، لماذا لم يحسِّنها، أو على الأقل لماذا لم يتكلم..؟!!
وعندما حكى لجده عن ذلك، ابتسم، وقال:
-المقاتل يا ولدي الذي صمم على النصر، أو الصمود حتى الشهادة يقاتل بأسنانه، ولا يهمه المكان، أو الظرف.
ويذكر أنه أورد مثالاً عن الثائر الأعزل الذي اقتحم الجندي الفرنسي رغم الرصاص المنهمر، وكما روى (قرَط جوزته بأسنانه، وأخذ سلاحه) ولا يزال يحفظ حداءه (العدو حِنّا نجيه، ولا يجينا). وختم الجد كلامه:
-يا بني.. يموت الرجال دفاعاً عن كلمة قالوها، أو كلمة قيلت لهم أو من أجل مبدأ اعتنقوه، أو وعد قطعوه، فكيف بالوطن..؟!!
...
كانت الشمس قد توارت منذ وقت بعيد وراء العمائم البيضاء لمرتفعات جبل الشيخ.. السماء في زرقة لامعة، وهنا، وهناك، سكنت بلا حراك سحب صفراوية، وبنفسجية، بدت وكأنها قطع ضخمة من الصوف المندوف، وعلى الأرض حل غسق ثقيل، بارد.
في تلك اللحظات كانت سرية النقيب أمجد جاهزة للتبديل مع السرية الصاعدة. شعر بالسعادة، فعزلته التي دامت ستة شهور في قرية عابدين قد انتهت. ولسوف يكون أكثر إنسانية بالتواصل مع زملائه الذين حن إلى سهراتهم، وأحاديثهم، ومزاحهم، ولم يخطر بباله أبداً أن ذلك لن يكون لوقت طويل.
تم التبديل، وعند منتصف الليل كانت آلياته المحملة بالجنود والسلاح، والعتاد، تتحرك ببطء إلى مقرها القديم في منطقة قرية الشجرة لتنضم إلى قوام كتيبته المعسكرة هناك. الأنوار الحربية الخافتة تكشف محور التحرك.
قائد اللواء.. الرجل الذي عسكرت الجندية في أدق خلاياه، بوجهه الذي لا يضحك للرغيف السخن كما يقولون عنه.. يقلِّب بأوراق إضبارته، ناظراً إلى الصفحات الممتلئة بالوصوفات، والمعلومات عنه. سمعه يقول: دورة معلم صاعقة، قفز مظلات، قائد سرية، ما كتبوه عنك جيد.
تابع، وهو يحيطه بنظراته: -لقد اخترناك يا أمجد كقائد معسكر تدريبي لعناصر مهمات خاصة، وعلى مستوى التدريب يتوقف نجاحهم في مهامهم، بل وحياتهم. إن أثبت جدارة في مهمتك.. سأناقش القيادة ترقيتك مع أبناء دورتك. توقف قائد اللواء عن الحديث معه.. لدخول أحد الضباط وقّع على أمر قدّمه له، وغادر المكان.
الأمر سري للغاية أيها النقيب. هذا برنامج لدورة مدتها ثلاثة شهور. ضع ملاحظاتك عليه. سنناقش أفكارك غداً في الثانية عشرة. شد أمجد قامته.. حياه، وانصرف.
...
إنه لم يعزف بعد أي نشيد رجولي.. فوق أية منصة حارة لصدر امرأة.
ولم يبذر فوق جسدها أي حقل من قمحه السري، ولم يرتحل ولو لمرة واحدة فوق سفوحها المتوارية خلف ثنايا أثوابها الناعمة المتوهجة بالأنوثة. وجهه ما يزال مختبئاً، متورداً بالحياء.. في ظلمة الكلمات المتلفعة بالشهوة، وعيناه ما زالتا ترمشان في صومعة العيب.
مرة.. ولم تدخل في تعداد التجربة المتبادلة.. عندما اقتحمت (أماني) بنت الجيران عليه حمام منزله الخالي من أهله، وهي لا ترتدي إلا قطعة شفت.. تلامع جسدها من خلالها نارياً، لاهثاً بالمراهقة، حينها احتوته، وجسدها يتماوج زاحفاً فوق جسده الطفولي، المكتنز، العاري.. وهي تأكله بشفتيها، بأسنانها، ويومها لم يدرك لماذا تأوهت، وزفرت وشهقت، ثم تراخت فوقه ذابلة، ناعسة.. بينما كان يردد جملة مكررة راجية.. قومي عني، (خنقتيني).!!
لكن الشيء الوحيد الذي أدركه برغم سنواته الثلاث عشرة، أن ما جرى هو أمر محرّم البوح عنه.
إنها (أماني) تعود إليه مرّة ثانية، في شخص ليلى الشقراء، كالعسل تزحف فوقه في أحلامه، تحرقه بشواظها، وتفيض غلمتها فوّارة في دمه فينصبان جسدين توحّدا في شلاّل من النشوة الهاطلة.
في داخله شيء لا ينام.. يواصل الضجيج، يواصل الحركة.. أعمق من الإحساس، متعطش لرائحة ذلك العبق الأنثوي الذي ملأ صدره مفوّحاً من تلك الغادة، التي حلم بها منصهرة بين ذراعيه.
أدار قرص الهاتف، وطلب رقمها.. جاءه صوتها ناعماً، متعثراً باللكنة:
-أهلاً (كابتن أمجد) كيفك.. اشتقنا إليك.
أسعدته هذه البداية، سأل عن وفا.. أعلمته أنه خارج المنزل. قال لها مازحاً: -الشمس لا تشرق هنا أبداً. وعندما استوضحت مستغربة:
-هل تحدثني من القطب؟! أجابها: -أي مكان لا تتواجدين فيه لا يحدث فيه شروق!
-آه.. إنك تبالغ كثيراً، كأي شرقيّ.. تفضّل.. قل ما تريد.
-رغبتي، متوّجة بأشواقي.. تدفعاني كي أدعوك.
-ولم لا.. إن ذلك يسعدني، وخاصة مع من ارتحت إليه.
كان اللقاء بها عذباً، ناعماً، تخلله البوح بإعجابه بها.
تقبلت إطراءه بابتسامة راضية، توحي بالقبول، مع محافظتها على مسافة دبلوماسية من السيطرة، والقدرة على المناورة.
فاجأته عندما قالت: -سأغيب لعدة أشهر.
-أتنوين السفر إلى بريطانيا؟!
-ليس بهذا المعنى تماماً، ولكنه سفر على كل حال.. واعذرني، فأنا مضطرة لكتمان المكان الذي سأرتحل إليه.
استغرب قولها، ولكنه احترم رغبتها، وافترقا بمشاعر مريحة لكليهما.
***