الفصل الثالث
كان المسلمون في تلك الحقبة في صلح آمن مع الروم، حين جَمعتهم مصالحهم المتقاطعة، فاتفقوا على قتال عدو مشتركا كان من ورائهم، فغزوه معًا جميعا، فقاتلوه وانتصروا
عليه وسلـِمـُوا، وغنموا منه غنائم كثيرة...
ولَدَى انقلابهما من أرض المعركة منتصرين، غانِمين، غلبَ على الرّوم طبعُها، فنقضت غزلها أنكاثا، وغدرت كدأبها، ورفع رجل منهم الصَّليبَ، ثُمَّ صاح بزهو:
• غَلبَ الصليبُ.. غَلبَ الصَّليبُ!
فقام له رجل من المسلمين فكسّر الصَّليب ودَقّ عنقه، فأرداه قتيلا، فوقعت بذلك فتنة عظيمة بين الرّوم والمسلمين تَمايزت على إثرها الصفوف، ولَجأ كلّ إلى رايته:
أهل الإيِمان تَحت راية لا إله إلا الله، وأهل الكفر تَحت راية الصّليب، فتقاتلوا حينا من الدَّهر.
دارت على الروم الدوائر، وكان النصر حليف المسلمين في مواقع عديدة، فغنموا منهم، وأسروا وسبوا.
فاعتنق الأسرى الإسلام لما لامس الإيمان شغاف قلوبهم، وذاقوا حلاوته في صدورهم، فانضموا إلى قافلة التوحيد، وانْحازوا إلى فسطاط الإيمان، ودخلوا في جند الرّحمن،
عن رغبة وطواعية...
فانبعثت نار الحقد في نفوس الروم، وأوغر الغل صدورهم، فألْهب مشاعرهم، فحشدوا حشدهم، وتَهيئوا للثأر، وقد جَمعوا أمرهم - في هذه المرة- على استئصال شأفة المسلمينَ،
واقتلاع شجرتهم من جذورها، كي لا تقوم لَهم بعدها قائمة. جنَّدت الروم لِمعركتهم الفاصلة جَميع إمكاناتِها، وتنادوا إليها من كلّ حدب وصوب، فجاؤوا بِجيش كثيف
في ثمانين راية، تَحت كلّ راية اثنا عشر ألفا، أي كان عددهم زهاء المليون من الرجال، وما أن وصل جيش الرُّوم إلى الشام حتى نزل بقضه وقضيضه بدابق، وهي أرض تقع
على مشارف مدينة حلب، فاتْخذوها معسكرًا لَهم، وقاعدة عسكرية لِجيشهم العرمرم.
وفي الأثناء هبّت طائفة من خيار أهل الأرض من المدينة المنورة لنصرة إخوانهم في بلاد الشام، ودفع الصائل عنها لَمَّا نَما خبر قدوم جيش الغرب وزحفهم نَحو الشام
إلى أهل المدينة، فالتحقت تلك الطائفة بجيش التوحيد الذي كان محتشدا، بالغوطة في دمشق.
وطفقت طبول الحرب تقرع، فاستعدّ الفريقان، وأخذ كل منهما أهبته للمعركة الفاصلة، والملحمة الكُبرى التي تواطأت الروايات على وقوعها، وتوافقت النبوءات على اندلاعها
بين جيش التوحيد من جهة، وجيش النّصارى من جهة أخرى..
ولما تراءت الفئتان، والتقى الجيشان، وتصافّوا أمام بعضهم نادت الرّوم:
• خَلُّوا بيننا وبين الذين سُبُوا منّا نقاتلهم.
وكانوا يريدون بذلك الأسرى الذين اسلمُوا وانْحازُوا إلى جيشِ المسلمين.
فردّ عليهم المسلمون:
• لا واللهِ لا نُخلّي بينكم وبين إخواننا!
عندها استشاط جيش الروم غضبا، وركبهم الحمق، فما لبثت أن انقدحت شرارة المعركة، وكشرت الحرب عن أنيابها، ودارت رحاها، وما هي إلا لحظات قليلة حتى اشتعل أوارها،
وحَميّ وطيسُها، فاستحرَّ بين الجانبين القتل: فتطايرتِ حينئذ الرؤوس، وتقطّعتِ الأيادي، وتناثرت الأشلاء، وسالت الدماء.
فطارت من هول الوقيعةِ قلوبُ الضّعفاء، وارتعدت فرائصُ الجبناءِ رعبا، وكانت المعركة تشتد شراسة، ويزداد وقعها ضراوة مع مرور كل لحظة...
عندئذٍ انْهزمَ الطابور الخامس والمندسون بين جيش التوحيد، فنكصوا على أعقابهم، وفروا من أرض المعركة لا يلوون على أحد، فأحدثَ ذلك شرخا عظيما، وربكة كبيرة
في صفوف جيش التوحيد، فانقلبت فجأة حساباتُهم، وتَخلخلتْ معنوياتُهم، غير أنّ ذلك لم يثنِ من عزمهم على مواصلة القتال، ولم يفتَّ في عضدهم، إذ سرعان ما انبرتْ
ثلثةٌ مؤمنة من أبطال المسلمين وصناديدهم، فاقتحموا جُموع الأعداء غير آبهين بقوتهم، ولا كثرة عددهم، ولا تفوق عدتهم، فقاتلوا قتالاً عنيفًا حتى حجز الليلُ
بين الفريقين، وقد مـنَّ الله على تلك الطائفة المؤمنة بالشـَّهادة، فـَقـُتـلـوا جميعا صابرين محتسبين، ولم ينقلب منهم أحدٌ، ولم ينج منهم رجل واحد.
وفي اليوم التالي نَهضت طائفةٌ أخرى من الأبطال الأشاوس فقاتلوا الأعداء قتالا شرسا، في معركة طاحنة، يشيب من هولها الولدان، وتطير من وقعها عقول الشجعان، حتى
مـَنَّ الله عليهم بالشهادة أيضا كلهم أجمعين مقبلين غير مدبرين... حينئذ أخذت كفة الروم في القتال ترجح، وأمسى لا يفصلهم عن النصر إلا خطوات قليلة...
إذ طفق أبطال الإسلام وصناديده يتساقطون في ساحة الوغى، وعلى أرض المعركة كما تتساقط أوراق الشجر في الخريف وهم يذودون عن عقيدتهم، ويدافعون عن أرضهم..
فلم تغرب شَمسُ اليوم الثالث حتى راحت بأرواح ثلث الجيش المسلم شهداء في الأيام الثلاثة الأولى للمعركة...
عند ذلك قويت شوكة الأعداء، وارتفعت معنوياتهم، وتضاعفت شراستهم في القتال، وهم يرون بأم أعينهم جيش المسلمين يتقلص ويتناقص، ورقعة الأرض التي يقفون عليها تنكمش
وتنزوي من تحت أقدامهم، فاشتدَّ عزمهم، وجمعوا أمرهم على التنكيل بِالمسلمين ومَحقهم مَحقًا في اليوم التالي؛ فهذه فرصتهم قد سنحت، وهذا حظهم قد رفرفت علاماته
في السماء!!...
أنشب الألم مخالبه في قلوب جند الله، ورفرفت فوقهم سحابة الأسى، واشْتَدَّ عليهم البلاءُ، واستبدّ بهم الحزنُ، وزُلزلوا زلزالاً شديدًا...
وما أن لاح فجر اليوم الرابع للمعركة حتى أعَادَ المسلمونَ تنظيم صفوفهم ليخوضوا المعركة بثلث الجيش الباقي، فتَبَايعوا على الموتِ، وتواصوا بالثبات، فنهدوا
جميعا، فاقتحموا صفوف الأعداء بصبر الأبطال، وثبات الشُّجعان، وكانت عيونهم ترنو إلى السماء طالبين المدد، وألسنتهم تلهج بالدُّعاء.
وفي هذه الأثناء أنزل الله سكينته عليهم، وثبت أفئدتهم، فحَملُوا على أعدائهم حَملةَ رجلٍ واحدٍ، وانقضُّوا على جنود الكفر انقضاض العقاب على فريسته، بأفئدةٍ
ثابتةٍ، وسواعدَ فتية، فقارعوهم مقارعة الأبطال، دقة بدقة، وضربة بضربة...
وما أن اشتدّت وتيرة المعركة وازدادت ضراوتها، حتى شدّ كلّ منهم في من يليهِ، وقاتلوا قتال من يطلب الموت، ويعشق الشهادة، حتى أنَّك لم تعد تسمع إلا قعقعة السيوف،
وحَمحمة الخيول، وغمغمة الأبطال...
فطال ذلك اليوم على الرُّوم طولاً شديدًا، وأبطأت شَمسُه في الرحيل...
وما أن مال قرص الشمس إلى الأفول، وانقشع غبار المعركة، وتلاشى في السماء نقعُها، حتى تَجلّت تباشيرُ النّصرِ في الأفق ضاحكة، فقذف الله في قلوب الرّوم الرعب،
وفي سواعدهم الوهن ففشلوا وذهبت ريحهم شذر مذر، وانقلبت الدائرة عليهم، فمنح الله أكتافهم المسلمين، فأثخنوا فيهم قتلا وتنكيلا، وهزموهم شرّ هزيمة.
فسقط منهم خلق كثير لا يُحْصى عددهم، وسالت دماؤهم على الأرض أنْهارًا حتى خاضت الخيل فيها، وتراكمت جثثهم بعضها فوق بعض حتى أنّ الطّيرَ لم يكن في مقدروه تجاوزهم
إذا طار فوقهم حتى يَخرَّ من السماء ميّتًا من نتنِ جثثهم الْمُكدّسة في ساحة الوَغَى...
• • • • •
بيد أن الجيش المنتصر لم يتوقف عند ذلك الحد، فانطلق زاحفا نحو مدينة اسطنبول بتركيا لتحريرها من أيدي الطغاة...
وما أن اقترب جيش التوحيد من مشارف المدينة حتى دبّ في قلوب الأعداء المتحصنين فيها الخوف، وركبهم الرّعب، وقد سمعوا ما جرى لجيش الروم.. فآثروا السلامة.. واستسلموا.
فدخلها جيش الإيمان بالتّهليل والتَّكبير. وكَفَى الله المؤمنين القتال!
وفيما كان الجيش الفاتح في نشوة الفرح، وغاية السعادة بالانتصار المبين، والفتح العظيم في القسطنطينية؛ يقتسمون الغنائم، ويفرقون الأنفال وقد علّقوا سيوفهم
بشجر الزيتون، إذ بالشّيطان يستصرخهم ليرهبهم، ويعكِّر عليهم صفو سرورهم، ويوقف زحفهم، فصاح فيهم اللعين كذبًا وزورًا:
• أنْ قد خرج الدّجّال!! وقد خلفكم في أهاليكم!
نزل الخبر عليهم كالصاعقة، وما لبثت أن خيّمت سحابة الحزن فوقهم، وألقى الأسى بظلاله القاتمة على الجيش، وهاجمت جنودُ الأتراح بشائرَ الأفراح فانتصرت عليها
واغتالتها في نفوسهم، فتبدّل أمنهم خوفًا، وسرورهم نكدًا، فتقافزت قلوبُهم في صدورهم فَرَقـًا، وخفقت أفئدتُهم ذُعرًا، وانبعث الحنينُ بين حنايا صدورهم، فتذكّـروا
أولادَهم وأهاليهم؛ فزهدوا في الغنائم التي غنموها جراء فتحهم لاسطنبول، حيث لم يَجدوا وقتا لتقسيمها بينهم، ثم انتخبوا منهم على الفور طليعة ليتحققوا من النبأ،
فامتطى عشرة فرسان، من خير فوارس الأرض آنذاك خيولهم وشدُّوا عليهم سلاحهم، وانطلقوا على جناح السّرعة، يسابقون الرّيح نَحو الشّام ليتأكدوا من صحة الخبر...
ثم سرعان ما انقلب الجيش المنتصر من مدينة اسطنبول، عائدا إلى فسطاطه، ومقرّ قيادته بدمشق، بعدما علموا أنَّ الدّجّال قد خرجَ حقيقة، للدفاع عن أهاليهم وأبنائهم،
وكان الحزن يَحدوهم، واللوعة تدفعهم، وهم يسابقون الزمن إلى ديارهم ويقطعون الفيافي والآكام.
• • • • •
قفل رشيد راجعًا إلى الشّام، بمعية عبد الرَّحمن التَّميمي، بعدما اشترى فرسًا...
وبينما كانا في طريقهما، ابتدر رشيد عبد الرحمن وهو يغالب عبرته قائلا:
• إن كلُّ الإرهاصات تدلّ على قُرب السّاعة، وبأنَّها أصبحت قاب قوسينِ أو أدنَى يا عبد الرَّحمن، وكلُّ المؤشرات تشير إلى أنّ القيامة قد حان وقتها.. وأظلنا
زمانها!
بلع عبد الرحمن عبرته وقال بلوعة:
• وكيف علمت بذلك يا رشيد؟
• ألا ترى أن كثيرا من علاماتها قد ظهرت وأنّنا نعيش في أيامها؟ فقد أظلنا زمن الدّجّال الذي إذا ظهر فسيكون أول علاماتها الكبرى.
رنا عبد الرّحمن ببصره إلى السماء وقال مرتبكًا:
• نسأل الله السلامة يا أخي!
سكت رشيد برهة ثم قال:
• ما رأيك يا أخي، بأن نعرّج على المدينة المنورة فنزورها، فهي في طريقنا إلى الشّام؟!
• إنّها حقا فكرة رائعة يا عبد الرحمن، فأنا في شوق لزيارة المسجد النبوي! فمنذ مدة طويلة لم أزره.