الفصل الثاني
استقبلت الشام المهدي بالبهجة والسرور، ولاقى أهلها قائدهم الرّباني بالترحاب. فأكرم به من قائد عظيم!! كريم الأصل، نبيل المحتد، اصطفاه الله من أبناء الحسن
بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، مكافأة له على حقنه لدماء المسلمين وإصلاحه بين فئتين عظيمتين منهم بزهده في القيادة، وتنازله عن الخلافة لمعاوية بن أبي
سفيان رضي الله عنه...
نزل محمد بن عبد الله الحسني المهدي دمشقَ، فاتّخَذَها دارًا لِخلافتهِ، ومقرًّا لِحكمهِ، ومعسكرًا لِجيشهِ وفسطاطا لأهل الإيمان.
فابتسمت بقدومه الدنيا، وأشرقتْ في النُّفوس شَمسُ التفاؤل.. وعَمَّ الخير وانتشر الرّزق، فأكل النّاس من فوقهم ومن تَحتهم، ورَبَا المالُ ونَما، حتى فاض، فحثاه
المهديّ على النّاس حثوا، وفرَّقهُ بينهم دونَ عدٍّ ولا حسابٍ، فلا غرو في ذلك إذ كان جوّادًا كريِمًا كجدِّه أبي القاسم، صلّى الله عليه وسلم، الذي كان أجودَ
من الرّيح الْمرسلة؛ حتَّى أنَّ النَّاس من كثرة ما أغدق عليهم المهدي من المال، وما أعطاهم من الهدايا ومنحهم من العطايا، مالوا عن المال وزهدوا فيه، وأشاحوا
بوجوههم عنه..
فامتلأت الأرض عدلاً وإحسانًا، وخيرا وصلاحا على يديه، بعدما أن كانت قد مُلئتْ ظُلمًا وجُورًا، وفسقًا وفُجورًا...
• • • • •
كانت تلك الأيامُ أيام ملاحم ومعارك بين المسلمين وبين أعدائهم، على اختلاف مشاربهم، وتباين عقائدهم، فلقد تأججت نار الحقد في صدور أعداء الإسلام، حين رأوا
نوره يسطع من جديد ليعم المعمورة، فحشد الفرس جيشًا جرّاراً للقضاء على الإسلام وأهله...
فنشبت عندئذ بين الفرس والمسلمين معارك طاحنة. كان النصر حليفا لأهل الإيمان فيها، إذ أمكن الله جيش التوحيد من رقابِ الفرس، ومنحهم أكتافَهم، فهزموهم شرَّ
هزيمة، وشرّدوا بِهم مَنْ خلفهم، وأطفئوا نارَ الحقد المتأججة في صدورهم، ثمَّ ما لبثوا أن ساروا إلى ديارهم فغزوها، وإلى أرضهم ففتحوها..
وفي غضون ذلك ازدهرت بيت المقدس فعمّ في ربوعها الرَّخاء؛ وانتشر الرجاء فعمرت وتوافدَ النّاسُ عليها من أصقاع المعمورة، وقصدوها من كلِّ مكان، وأمُّوها من
كلّ فجٍّ عميق، بعدما استردها المسلمون من أيدي اليهود الغاصبين، ومنّ الله عليهم بتحرير المسجد الأقصى، فطردوا منه اليهود، وأخرجوهم منها أذلاء صاغرين، بعدما
أفسدوا في الأرض، وبغوا فيها بغير الحق، وملئوها ظلما وعدوانا، وتَجبّروا فيها حينا من الدّهر.
• • • • •
بيد أنّ دوام الحال من المحال، فقد انقلبت الأمورُ رأسـًا على عقب فجأة، فتغيرت الحال غير الحال، وأصاب الناس ما أصابَهم، إذ قلبت الدنيا لهم ظهر المجن. فارتدتِ
ثوبا كالِحًا من الحزن، وتسربلت بسربال الأسى؛ فاكفهرت السّماء، وشحت بِمائها، وتشنّجتِ الأرض، فأمسكت خيراتها، فعمّ القحط ربوع المعمورة، وأُخِذَ النّاسُ بالسّنين،
فأصابتهم شدّةٌ عظيمة، فجاعوا وعطشوا. كانت في تلك الإثناء كلّ الإرهاصات تشير إلى حدوث أمر جلل، وخطب عظيم، وأنّ النّاس مقدمون على فتنة عظيمة، ومصيبة جسيمة.
استمرّ القحط والبلاء لثلاث سنوات عجاف متتاليات، إذ حبست السّماء ثلث مائها في العام الأول من الأزمة، وثلثه الآخر في العام الثاني، ثم حبست ماءها تَمامًا
في العام الثالث، فأجدبت الأرضُ، وأقفرت الحقولُ، وغارت الآبار، وجفت العيون، ونضبت الأنهار، فهلك الناس من الجوع والفاقة، وجف ريقهم فهلكوا من الظمأ والصدى.
فالجوع قاتل، والعطش شديد، ولا مجير ولا مغيث!!
جعل الله طعام عباده الصالحين وشرابهم في تلك الأيام العصيبة: التهليل، والتحميد، والتكبير، فلم يجوعوا.. ولم يعطشوا.
كلّ الدلائل كانت تدل على أن أوان الدجال قد حلّ، وكل المؤشرات تشير إلى أنّ زمانه قد أضل...
الدجال!! وما أدراك ما الدّجّال؟؟ فتنته عظيمة، ومصيبته جسيمة!! نكد وبلاء، وتمحيص وابتلاء، فلا فتنة أشدّ على المؤمنين من فتنته، ولا ابتلاء أعظم في الدّنيا
من ابتلائه...
فمَا من نبيٍّ إلاَّ حذَّر أمّته منه ومن فتنته، وقد أحْسنَ نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، في التَّحذيرِ منه حين أَمَرَنا بالتَّعوذِ بالله من فتنته في
كُلِّ صلاة، وباجتنابِ لقائه، والابتعاد عن طريقه...
كما أمرنا بأن نتسلح بالإيمان لاتقاءِ شرّه، فلا عَاصِمَ من شره إلا الله، ولاَ مَلْجأ من فتنته إلا باللجوءِ إليه سبحانه وتعالى؛ فلا ينفعُ شيءٌ في تلك الأيام
إلا الإيمان؛ فمن كان في إيِمانه دَخَنٌ، وفي دينه رقّةٌ، كان إلى اتّباعه أقرب، وإلى الإيِمان به أميل، وإلى الاستجابة إلى دعوته أسرع...
ولعلمه، صلى الله عليه وسلم، أنّ الدجال خارج في أمته لا محالة، فلم يترك مناسبة إلا وحذرهم منه. حتى أنه ذات يوم جَمعَ النّاس، ليقص عليهم ما سَمعه من تَميم
الدّاري ورفاقه عن قصة الجسّاسة التي صادفوها في جزيرة في عرض البحر، وكانت تُدعى بذلك لأنَّها كانت تَجسّ الأخبارَ للمسيح الدّجّال، فقد أعجبته تلك القصة ووافقتْ
ما كان يُحدّثهم به عن المسيح الدّجّال...
فقال الرّسول الكريم، صلى الله عليه وسلم: أتدرون لِمَ جَمعتُكم؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: إنّي والله ما جمعتكم لرغبةٍ، ولا لرهبةٍ، ولكن جمعتُكم لأنّ تَميمًا الدّاري كان رجلاً نصرانيًا فجاء فبايع، وأسلم، وقد حدَّثنِي حديثًا وافقَ الذي كنت
أحدّثكم بهِ عن المسيحِ الدّجّالِ: "حدّثـني أنـّه ركـبَ في سفينةٍ بَـحرية مع ثـلاثين رجـلاً من لُخم وجـُذام، فـلـعـب بِهم الـمـوجُ شـهـرًا في البحر، ثـمَّ
أرفـؤوا إلى جـزيرة في البحر، حتـَّى مغرب الشّـمـس، فـجـلـسوا في أقربِـها، فـدخـلـوا الجزيرة، فـلـقـيـتهـم دابـةٌ أهـلـب، كثير الشّـعـر، لا يـدرونَ ما قُـبُـلـُه
من دُبُـره، مـن كـثـرة الشّعـر...
فقالوا: ويـلكِ!! ما أنتِ؟!
فقالت: أنـا الجسَّاسة!
قالوا: وما الجسَّاسة؟
قالت: أيَّها القومُ، انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدّير فأنّه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لَمَّا سَمّتْ لنا رجلاً فَرقْنا منها أن تكون شيطانة. فانطلقنا سِرَاعًا حتى دخلنا الدّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خَلـْقًـا، وأشَـدّهُ وثَاقاً،
مَجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد!
قلنا: ويلكَ!! ما أنتَ؟
قال: قد قدرتُم على خبري فأخبروني: ما أنتم؟
قالوا: نَحن أناسٌ من العرب. ألجأنا الموج إلى جزيرتك هذه!
... ثم طرح عليهم أسئلة فأجابوه، فقال: إنّي مُخبركم عنِّى: إنِّي أنا المسيح؛ وإنِّي أوشك أن يؤذنَ لِي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض فلا أدع قريةً إلا
هبطتُها في أربعين يوم، إلاَّ مكة وطيبة فهُما محرّمتانِ عليّ كلتاهُما؛ وكُلَّمَا أردتُ أن أدخل واحدةً منهما استقبلنِي ملكٌ بيدهِ السّيف مصلتًا يصُدُّنِي
عنهَا، وإنّ على كل نقبٍ منها ملائكةٌ يَحرُسُونَها...