2
عندما رجعت إلى الفُلْك رأيت الأضواء تتلألأ فيها و" حـم " في انتظاري، والبلبل على كتفها الأيمن يرسل في الأجواء نثار الشهد، فتومض في الأفق الغربي عيون الغاربين وقد حررها السّجان من أسر الزمان والمكان.
كانت الأسماك المضيئة، والأسماك ذوات الألوان البديعة، تغوص في اللجة ثم تندفع إلى الأعلى راسمة قوس قزح، وأسماك أخرى تتقافز إلى الفلك فترقص على أذنابها رقصة اللهبَين، وأطيار النورس تحلق ثم ترنّق فوق الفلك سكرى بترنيمة رحمانية من شهد المشهد.
ـ " حم " أيتها الأم والأخت والحبيبة ما الذي جاء بك؟
ـ لزَّني العشق فصاهَوْت طائر الذكرى واقتبلت القِبلة ، وما إن أمطرتني القُبلة الأولى حتى وصلت إليك ، فاركب معي طائرها قبل أن يطير طائرنا.
ـ اليوم
يا حبيبي
وبعيدا عن أعين الرقباء
زرعتُ راحتكَ في راحتي
وبحنو البستاني على زرعه
ضممتها إلى صدري
خوفا من صقيع العيون
وعندما بسطتُ راحتي
وجدت فيها واحدة من ثمار الجنة
ـ كانت يدكِ دافئة ناعمة
يتوامض فيها نور غريب
وعندما ضغطتِ بأصابعكِ الفردوسية على راحتي
سرت في جسدي صلصلة الجرس
ثـم .. غبت عن الوعي
ـ وعزفتُ بأناملي على مدارج النبض في روضة الصفو
لحناً باكياً
فانفتح أمامي باب أخضر
امتد أمامه بستان يانع الثمار والزهور
فأغراني بالدخول
ولم أتمالك نفسي
من أن أحيطكَ بذراعي عشقي
في نشوة خرساء
ـ هذا الصباح
قطفت وردة من بستان خدكِ
ثم .. سافرت في العطر
وعندما ارتد إليَّ طرف شعوري
حرت في نظرتك
أ كنتِ مسرورة أم غاضبة
لأن زبور وجهكِ المعسّل بالتراتيل
قد نقصت منه آية
وتركتكِ بين الذهول والشعور
بين الغضب والسرور
لأقطف لكِ من بستان الآن
وردة بلون شفتيكِ الناريّتين
أهديها إليك ..
أعوضكِ عما خسرته هذا الصباح
ـ هذا ما حدث اليوم
أما أمس
.. يا لروعة الخجل المحلّى
بسكَّر الآل و سَكْرة الأحوال
ـ أمس..! يالروعة الأمس !
عندما جذبتُ خصركِ إليّ
أحسست بالرعشة التي سرت في جسدكِ المشتعل بالأنوار
وهي تعبر إلى جسدي الألْيل المنطفئ
فهل تسمح لي يا حبيبي بالعروج إلى سدرة جمالك
وأنا العاشق الغارق في مغارة القاف
شَهِد مَشْرِق الشين
من فَلك العين؟
هل ..
أن أبحر في نهر التجريد
ثم أرسي أشرعة التجويد
على ضفتيك
فأشدهما إليّ
حتى يميل الكون الدائر نحوي
وأنت ..
لا تميل عن محور دورانك؟
هل .. تأ ..
لشفتي الراعشتين بالتّوق المعتّق
أن ترفعا أشرعة الحجب
وتبحرا في لجين لجة الساق
وأنا أجدّف بالأيس والليس
في تيار الحيرة
حتى يرسي الفلك على جوديِّ الجلال
أضع أحمال الهوى
وقبلة
تصعق لها كل خلية في جسدينا؟
هل .. تسـ .. يا
لعينيَّ المعتمتين بليل صدودك
أن تستنيرا بقمريك المضيئين في صدرك
وللساني الملمّى بالثناء على خصالك
أن يوقظ ميميهما من الغفوة
فيلقي عليهما سلام العاشقين
ولفمي الصادي
ونهر جمالك جارٍ
أن يرتشف جرعة من ماء الحياة
ويكتشف ما طعم أثمار طوبى
فأنا
يسكنني جوع جميل إلى جمالك
وعطش شفيف إلى شرابك
منذ أن خلق الله الكاف والنون
هل .. تهـ .. يا .. هوو
وقد أيقظ القيظ فينا الهوى
أن تتلبلب أرضي بطور سمائك
فيتفاغم الثرى بالثريا
حتى تغوص الأثداء في الأثداء
وتلتف الساق بالساق
ونغيب عن الوجود في عناق
نحتسي راح الوصل
نرتشف
قهوة القبض والقدَر
حتى يحملنا براق الأشواق
إلى سرمد المطر
صمتت "حـم" برهة لا يعلم غير الياهوو مبتداها ومنتهاها، ثم تسايفت أهدابها ورمتني بنظرة عتب وقالت:
التواجد استيعاب، والوجد استغراق، والوجود استهلاك. ليس من شهد البحر كمن ركبه، وليس من ركبه كمن غرق فيه. ولا يعرف البحر إلا من غرق في اللُّجة.
ثم قالت:
ـ أيها السالك في الأحوال، عليك أن تسافر بنفسك حتى تظفر بنفسك، وتصبح الحقيقة لك سلطاناً. ألا ترى النسوة اللائي حضرهن يوسف قد تلوَّنَّ بجماله فقطَّعن أيديهن، وصاحبته تمكَّنت فتحصَّنت.
ثم قالت:
إذا أحببت عرفت، وإذا عرفت ازددت حباً، وأيهما قدًمت فإنها توصلك إلى الأخرى، فالمحبة استهلاك للنفس في لذّة، والمعرفةُ شهود لها في حيرة، وفناء في هيبة. وإذا تكلمت في المحبة فتلطف بمن قلبه غير مكين، ألم تر سمنون() وهو جالس يتكلم في المحبة إذ جاء طير صغير فلا زال يدنو منه حتى جلس على يده ثم راح يضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدم ثم مات، أما قناديل المسجد فتكسرت كلها.
ثم قالت:
ـ ليست الطريق إلى الحق أن تفارق الخلق، فمحبة الخلق من محبة الحق، فلا يحملْك سكَّر الفناء إلى معازف الغناء، واحرص على ألاّ تَزاورَ شمسُك عن كهف الشقاء.
ثم رفعت المجداف بيد القدرة وضربت به وجه الماء فانسابت الفلك سنين حتى أرست في جزيرة الكلام.
جزيرة الكلام
استقبلتني " ص " على الشاطئ بقامتها الممشوقة ووجهها الأسمر الذي قمّرته شمس الظهيرة. كانت ترتدي ثوباً رملياً شفيفاً تبرز منه مفاتنها، وتسحب ذيله الطويل وراءها كملكة أسطورية، وشعرها الدُّجُنّي المتماوج تمر عليه أنملات الريح الجنوبية الوالهة فتعزف للرائي موسيقى بصرية مرتجلة اللحون كأنها تقاسيم عازف مبدع مجنون.
ـ أخبرتني "حم" بمجيئك، وما عليك إلا أن تتبعني.
تبعت خطاها صامتاً وقد أحاط بي عطرها المنبعث من جسدها المغزول كقصيدة شعرية نسج إيقاعاتها صوفي هراق دمه العشق، وخطر لي أن أسألها ما نوع هذا العطر علّني أحمل منه هدية إلى "حـم".
ـ إنه عطر الصفات أيها الشاب المتشبِّه() ـ قالت من غير أن أنبس بكلمة ـ ولكل امرئ عطره المنبعث بقدر جمالاته، وعندما تصل ستدرك المنبع الذي تصدر عنه عطور الأمثال().
خجلت من جهلي، وأدركت أن الطريق مازالت طويلة، وحدثت نفسي وأنا أتفكر في ذلك الجسد الكوثري المتجدول أسئلة بلا حروف ولا سائل: لو أن فتاة كهذه قد برزت لطواغيت الكلام والظلام لتحولوا إلى دراويش يحملون فوانيسهم ويبحثون عن الحقيقة.
التفتت إليّ وقد سرى برقي في كوثرها وقالت:
ـ طريقك حافلة بالماء والنار وأنت في أوله، فلتكن عينك مبصرة ؛ فما صُنع الجمال إلا من أجلها، لكن الجمال لا يظهر لمن عينه ملئت بالتراب.
فالألحان لا تعزف من أجل أذن صماء.
والمسك لا تشرق أنفاسه الطيبة على الأخشم.
والمرأة لا تتزين من أجل رجل أعمى.
كان المصطفى يقول: " كلميني يا حميراء ، كلميني"، وكي تكون عينك مبصرة لا بد أن تحرق نعل فرسك على اسم محبوبك، وتخرج هذه الشوكة من قدمك لتصل إلى البستان. فإذا كانت عينك مبصرة فإنك ترى الجميل بالكلية من خلال الجميل بالجزئية، ألم يقل النبي: إن الله جميل يحب الجميل.
خجل التراب، فتبسمت "ص" وبحركة رشيقة بسطت شعرها الفاحم على نهديها المتوقدين وقالت:
ـ جمال الحقيقة حقيقة الجمال. وإن جمال المظهر نبض النبع وفيضه، ومن مغاور النفس يتدفق هذا النبع.
لو أن طواغيت الأطلال علموا أن الدنيا ظلال لنبضت قلوبهم بالعشق، لكن العشق لا يسكن الحجر الأصم.
العشق نور ونار وما سواه ظلمة ودخان، فاحرص على مصباحك ألاّ ينطفئ، وعلى طريقك ألاّ ينقطع.
ثم تابَعَتِ المسير عقداً من الجمان أخاف في كل خطوة أن ينفرط.
انسكب الصمت من الدنان الغارقة في بحران التأمل، فلم نكن نسمع غيرَ وقع خطواتنا على الأرض المغطاة بأوراق الأشجار المتساقطة من الأغصان المائسة، وحفيفَ الأفكار المتزاحمة في كؤوس الخواطر. تملكني عشق غريب، وكانت كل ورقة خضراء أو صفراء تطرح رأسها على كتف أختها ثملة بالعشق في بُحران هذا المشهد. ولما طال بنا المسير، وبدأت روابي الجزيرة الناعسة تتوشح بغلائل المساء ساءلت نفسي: إلى أين تمضي بي هذه الحورية الهاطلة من يمِّ السماء؟
ـ نحن في طريقنا إلى شجرة الكلام أيها الشاب، وتحتها نصبت خيمة أمير الكلام، فإن وجدتها مغلقة فلا تحاول دخولها لأن صوته سيصلك مع انتباهة طائر النفس؛ فكن أحرص على الاستماع منك على الكلام، واستمع بقلبك فالقلب مغرفة الكلام.
عجبت من يمامتي السمراء، وفراستها الزرقاء، وهي تدرك الكلام قبل أن ينطلق من نهر الخواطر إلى شاطئ اللسان، تطَّلع على ما في الضمائر، وترى ما في البصائر.
نظرت إليّ "ص" وتبسمت وقالت: من نَظر بنور الفراسة نَظر بنور الحق، والفراسة لوامع أنوار تلمع في القلوب، وتحمل إليك أسرار الغيوب، حتى تشهد الأشياءَ من حيث أشهدك الحقُ، فاحرص وأنت على سفر وخطر على أن تهتدي بهذا النور كي ترتقي بأنوار التجلي إلى المشاهدة، فإن أهلَكَ ما للمسافر في هذه الطريق أن يكون من أهل الغفلة.
تركتني" ص " أمام شجرة وارفة في واد غير ذي زرع ومضت. ثمة خيمةٌ موصدة عليها قطرات من الدم، وعلى باب الخيمة سيف وكتاب وحمامة بيضاء.
حرت في تفسير هذا المقام فجلست على الأرض وأسندت ظهري إلى جذع الشجرة، وفجأة هبت ريح من الجانب الشرقي فتمايلت أغصانها وراحت تتساقط منها أوراق الكلام حكايات ورؤى، وأجاويق وتراتيل، وثمرات ومواويل، وأنا في عجب من شجرة طلْعها حروف وقطوفها لغى. وأحسست بأنفاس أجدادي الأولين تلفحني، وعيون تحيط بي وتومضني فعلمت أني في حضرة الأرواح والزمن المباح.
أصوات متداخلة تهطل من الأغصان الدانية القطوف، وصوت أبي يخترق زحامها ويسكب في كاس دهشتي وحيرتي ياقوت الكلام.
"كان لي فيما مضى أخ في الله"()
هكذا قال أمير الكلام
وبين كان وما هو كائن
تمتد الطريق إلى القلوب
التائقة إلى نور الحقيقة
والمحبوب الأول
يجدل الأنوار القلبية جداول
ويجريها على كتف المدينة
ويقول : هذا أخي في الله
رؤية
في مقام الناس توضأ السالك بدم الكاس
وعلى شاطئ نهر العشق
ألقى حجراً في الماء
ولما رأى الدوائر تتسع اتسعت الروية وصاح:
يا من كان الإيمان لكم نسباً
من يوقف نزف الدم؟
من يصرع تنين الحمأ الغربي؟
ينزل خيبر
من ليل صياصيها؟
من ..؟
يا من قال لكم رب الناس:
" إنما المؤمنون أخوة "
أجاويق الدم
دمعت عينا أمير الكلام على ما فات وما هو آت، وسالت قطرات من دمه الزكيّ المسفوك بخنجر الغدر فغمرت جراحات هذه الأمة الشعثاء وقال:
" كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يَعظِمه في عيني صِغر الدنيا في عينيه "*
أنتـم
يا من أمسكتم بتلابيب الدنيا
والدنيا قبض هواء
أحكي لكم قصة أمّيٍّ جمعوا في كفيه التِّبرَين فقال:
" والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه "
يا عصر جديد الأوثان
أنصت..
إرنانة سهم الإيمان!
يا بنيَّ هلك خزّان الأموال وهم أحياء
فتحرر
من سلطان المعبود الأصفر
من سلطان المصران الأعور
من كل طواغيت الحمأ المسنون
والنفس الأمّارة
يا بنيّ
" كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما يجد ولا يكثر إذا وجد " *
لمن الموائد في المقاصف أُشرعت
والجائعون على الطوى قد باتوا؟
لمن الخورنق والسرير وما بنى
فُجُر الغنى، أموالهم آهــات؟
ورقة من روزنامة قديمة
يحكى أن نبيلاً رومانياً من أولاد الذئبة، كغيره من نبلاء روما كان خاضعاً لسلطان بطنه، يشتهي ما يجد ويكثر إذا وجد، مستعراً بلذّة الأكل ولذّة المنع، مشتبقاً بلعنة الجمع ولعنة الجماع. وكان إذا أعول أطفال المدينة من الجوع أعولت معدته من الطعام، حتى إذا سمع عواءها أدخل ريشة في فمه فتقيأ ثم عاد إلى الطعام من جديد.
وذات يوم غص بريشته فمات
وسقطت روما.
قال لي أبي ونحن حول مِنقل النار نتدفأ في ليلة شاتية :
يا بنيَّ
إني أرى نساء كاسيات عاريات
مائلات مميلات
وأرى الأَمَة تلد ربَّتها
وأرى قوماً يتطاولون في البنيان
وهذه المدينة
تغص بريشتها
يا بنيّ
تابع أمير الكلام
" كان لي أخ في الله ، وكان أكثر دهره صامتاً، فإن قال بدَّ القائلين، ونقع غليل السائلين" *
طوبى لمن كان نور الله في قلبه؛
لأنه يتعلم الكلام من الصمت
ويتعلم الصمت من التفكر
ويتعلم التفكر من أنوار تتنزل على قلبه
تجذبه إلى النور المحيط
فإن تحدث ..
كان في الحكمة متعاليا
وفي الحقيقة صاعدا
ووجهه بالنور مشرقا
طوبى ..
لمن كان باباً لمدينة العلم
وكان العلم باباً لنور اليقين
وكان اليقين باباً للأنوار الرحمانية
عويل المعول
كان أبي بنّاءً حكيماً
يرصف حجارة الطريق لئلا تتعثر فيه امرأة مطفلة أو صغير
ويصلح ما تهدم من البيوت
قال لي ذات صباح موحلٍ وهو يخصف نعله :
يا بني
احذر فتوى عالم خلا قلبه من نور الله
واحذر من شيطان يسرق لغة الدراويش كي يظن الناس أنه من أهل الحكمة والحق؟
واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك
والتمس لك معطار الأنوار
ممن كان أكثر دهره صامتاً
فإن قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين
هكذا قال أبي ثم مات
وفي عتمة الليل
كنت أسمع نحيباً متصلا يقطع نياط القلب
كانت أدواته التي صحبته في رحلة العمر :
المعول والمسحاة والشاقول
تبكي عليه في عتمة الليل
" وكان ضعيفاً مستضعفاً فإن جاء الجد فهو ليث غاب، وصلُّ واد.
لا يدلي بحجة حتى يأتي قاضيا " *
وذات ليلة
مدّ يده إلى صدري وأشعل فيه مصباحاً أضاء الأضالع وقال:
أعلى درجات القوة
أن توصلك القوة باب الرحمة
يقوى في ضعفك مقهور
يضعف في قوتك شَرور
هكذا قال هصير الخصيتين
الملك المنعم في فضته
واستلت بغداد الأعين النجل
تبارز ذاك التتري القادم من بيداء العصر الأسود
.. فانهارت
ماذا لو قال :
" أشداء على الكفار رحماء بينهم "
هل كان لدجلة أن يقذى بدم و فرات؟
يا بني
إذا لم يشتعل قلبك برب الفلق
فلن تستطيع أن تدرأ عن نفسك أذى شر ما خلق
وإذا لم تعشق ما تؤمن
فلن تستطيع أن تتحمل الأذى في سبيله
أما سمعت أمير الكلام يقول:
" كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان لا يشكو وجعاً إلا عند برئه ،
وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل " *
والكلام .. آه من الكلام
سر أوجاعنا
وكان أمير الكلام قليل الكلام ..
فتعلَّم هذا البيان
صمت وكــلام
سقط أبي من فوق جدار كان يبنيه فتهرّأ لحمه وتصدعت عظامه، ولكنه لم يطلق صرخة ألم واحدة.
مسحت بأناملي الصغيرة دمعتين شرقت بهما عيناي وقلت : اصرخ يا أبي.
تبسم ضاحكا من قولي وقال :
يا بني
من يجد في جسمه وجعاً يشغل عن الشكوى
بمصارعة الداء
ومقاربة الشفاء
وهذا أول الدواء
يا بني
عيُّ الفعال أدعى للوبال من عيِّ الكلام
فتعلّم من الصمت كيف يكون الكـلام
وكيف تنسج من الوقت
رداء للحياة
يا بني
شُغِلنا بقعقعة الكلام
وحروب الأرحام
حتى تداعت علينا اللئام
كما تداعى الأكلة على قصعتها
صـرنا أعداداً
وكنّا أندادا
صرنا ثغاء
وكنّا رعاء
وصار أهل الأفعال
يخيطون لأهل الأقوال
رداء للسلام تبين منه عورات أشبـاه الرجال
وربات الحجال
أما سمعت أمير الكلام يقول:
" كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان إذا غلب عليه الكلام لم يغلب
عليه السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على ما يتكلم " *
يا بني
الساكت عن الحق شيطان أخرس
قلت : والصمت؟ ألا يحمد الصمت في مواطن الخطر؟
قال:
تعلم من الصمت الكلام فإن بدا
لك الظلم فالزم جانب الحق ظاهرا
فما النطق أن تغدو خطيباً مفوهاً
وما ب "مفاعيلن" ستصبح شاعرا
قلت: وكيف أميز بين اثنين لا يغلب عليهم السكوت
بائع خصام في مجلس سلام
وبائع أوهام في مورد حِمام؟
قال: كن على ما تسمع أحرص منك على أن تتكلم
واستمع بقلبك لا بأذنك
فإن بعض الكلام قرع
وبعضه صدع
وإن بعض الكلام نور يتنزَّل على الأفئدة
وإن بعضه ظلمات تغشى الأوردة
حكايــة
كان يا ما كان، في سالف العصر والأوان، ملك عظيم، أمر أن يبنى لـه قصر على قمة جبل شاهق يطل على عاصمة ملكه.
عمل المهندسون والبناؤون، وهلك في بنائه الكثيرون.
وكان هنالك درويش يمر كل يوم فيلقي نظرة على ما يجري ثم يمضي.
ولما انتهى البناء وقف الملك أعلى الجبل وحوله حاشيته وحراسه.
ومر الدرويش أسفل الجبل وحوله مريدوه وهو يتكئ على عصاه ويحمل إبريقه.
صاح الملك: قف أيها الدرويش، أي عيب ترى فيَّ أو في هذا القصر؟ أنت تمر كل يوم، تلقي نظرة مستخف ثم تمضي!
قال الدرويش: يا مريضا بالملك، عيبك أن عزرائيل سيعودك.
فما أنت فاعل مع هذا العيب الكبير؟
وعيب قصرك أن سافيات الريح والزمن
ستحوله إلى طلل حائل ، ورسم دارس
غدا عندما يكبو جواد عمرك وكبريائك
ويضمك قصر قلَّصه العمر ..
مترين في متر
وينادي صاحب الخيمة الزرقاء:
يا من في بناء مجدك الخاسر
وقصرك الداثر
أنفقت ما اؤتمنت عليه من مال
وأهلكت الرجال
" لمن الملك اليوم"
فماذا أنت قائل
إذ يجيب الحق نفسه.
" لله الواحد القهّار"
أيها الملك المسوَّر بتيهه وجهله وحرسه
هذه الدنيا بيت عنكبوت
وأنت فيها ذبابة علقت بالشرك
"وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت"
فخالف الهوى
قبل أن يوقظك النوى
وكن كما قال أمير الكلام:
" كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان إذا بدهَهُ أمران نظر أيهما أقرب
إلى الهوى فخالفه " *
بقية موّال قديـم
لي صديق كان قاضياً ومازال
أثرى أقرانه
وفقيراً مازال
مُلِّكوا المزارع والقصور
ومرملاً مازال
يحكم في المئين والملايين
ومسكيناً مازال
يَعِدونه بالأبيضين
الفضة والبضة
ويوعدونه بالأسودين
الشّرة والشدة
ليحكم بالمحال
وكان قبل الحكم
يغلق على نفسه باب الهوى، وطول الأمل
ويخلع في العتبة الوعد والوعيد
ثم يعبر إلى الغرفة الزرقاء
فيمد أمامه سجادة القنوت
مسلماً روحه وجسمه للركعوت
مبحراً في الملكوت
حتى يرى الدنيا بيت عنكبوت
ثم يمسك بالقلم .. وشآبيب القسم
ويتلو .. ويتلو .. حتى تدمع منه العيون
ويسمع من علِّيّين
صرير " ن ، والقلم وما يسطرون "
فيكتب ما يوحي إليه اليقين.
قال العارف بالله:
إني رأيت صديقك هذا في روضة وارفة
على بساط زاهر من بسمات المظلومين
وأنت مازلت تقول : كان صديقي فقيراً ومازال!
هزيم الهزام من تقاسيم البيان
قال لي أبي الذي أوتي أسرار الحكمة:
لقد أعجبني حديثك عن صديقك القاضي الذي يحكم بين الناس
فهلاّ حدثت بهذا الحديث
من أوتي حُكْم الناس.
قلت :
يا أبي إن طائر صوتي لا يصل إليه
فهو على قمة جبل شاهق، وحوله الحراس
وبيني وبينه سبعة أودية، وسبعة جبال، وسبعة بحار
قال :
وهل هو إلا واحد من الناس
يأكل الطعام ويشرب الماء
.. ثم يمضي إلى الخلاء
يمشي في الأرض
ثم ترعاه الأرض
يا بني
ما خلا صاحب الخيمة هباء وفناء
وما صاحبك هذا إلا غبرة من نعاس
يذروها رب الناس
وهاؤم الناس أمامك
فحدثهم بهذا الحديث.
. . .
خرجت من المقام وأنا مثقل بأحمال كلام، ارتصت ذراته في نفسي حتى تناهت صغرا ، وتعاظم جذبه حتى تناهت شدة ، وعذت برب الناس فأطل عليَّ من فوق رياح خماسينية ساقت أمامها غبارا سد مطالع الآفاق، ورماني بالطرف أن هاؤم الناس فحدثهم حديث جدك الذي كان لـه أخ في الله ، وأبيك الذي بكاه المعول والمسحاة والشاقول. ولما أرجعت النظر طويلا في السديم الغباري فلم أجد غبرة واحدة مازها تاج أو صولجان، ولا عسكر أو مرزبان، ألقيت أحمالي التي تساقط قطافها من شجرة الكلام، حتى إذا مازجت الأحرف الغبرة وأَغْبَرت السماء مطراً من نار ، اعتمرَت القوة لساني فناديت :
وقد حدثتكم أيها الناس
عزفت لكم هذه التقاسيم
من هزيم الهزام
بأنامل الرؤية والرؤيا
على أوتار معراجي
يا أيها الناس
"إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا عبد مؤمن، امتحن الله قلبه
بالإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة ". *
معراج الحــاء