3
ودعتني" ص " أمام الأسوار وقد علت وجهَها الممطرَ خمراً وسلاماً سحابةُ حزن، قالت:
ـ أختك " حم " في انتظارك.
خطر لي أن اسألها عن سبب حزنها فاستبقت سؤالي بالجواب، وما علمت قبلها فتاة تقرأ ما لا يكتب وتسمع ما لا يلفظ :
ـ الحزن مرآة الذاكرة، والذاكرة مرآة الزمن، ومنذ أن خلق الله ذرة الزمن الأولى حين أهبط آدمَ وحواءَ الأرض كان الحزن. وللأفلاك والأجرام أحزانها التي لا يدركها الإنسان. وللنور أحزانه المظلمة، وللظلام أحزانه المنيرة، ولكن ذلك عسير على فهمك، فاخلص إلى أختك قبل أن تنقطع بك الطريق.
ناسك الربذة
عندما وصلت إلى الشاطئ كان أمر عجب، فقد غاض البحر، وانحسرت مياهه عن صحراء مترامية، يشقها نهر من المهل، وغاصت السفينة في اللزوجة. وران على الأكثبة الرملية المترامية جو سديمي ساكن مثقل بأبخرة من كبريت وزئبق وغبار ودخان.
اقتحم قلقي نحيب البلبل وإرنانة " حم " فهرعت إلى الفلك وأسرجتها وبحثت عن البوصلة في قاع السفينة فلم أجدها فوقفت متحيرا.
أشارت " حم " بيد واهنة إلى راء الرحمة والرهبة فأدركت إشارتها وأسلمت عنان السفينة إلى "مَرَجَ البحرين" فقادها مع التيار وانسابت ببطء التفكر نحو مغرب التذكّر.
ـ إذا وصلت صحراء الربذة فقل للربان أن يرسي في ميناء الغفاري.
بصعوبة شديدة نَطَقَت هذه الكلمات ثم غامت في إغماءة غائرة.
حملْت شقيقةَ الروح وبلبلَ الدوح إلي مقدمة السفينة باحثاً عن نسمة شاردة، ولما يئست من هبوب صباً نسلت من جناح البلبل ريشةً صهباء عزفت بها على قيثارة السماء ترياق صباً وانطلقت منشداً من مغرب الصبر حتى مطلع الصباح.
أيها القمري المهاجرُ
في غابر الأزمان والأسمال
من حاء الأحوال
إلى لام الظلال
تنثر فوق البيوت الهاجعة
أغانيك الدافئة الحزينة
عد إلى شجر الغَرْب
قبل أن تغرب شمس العمر
ويأتي حطاب الغابة النائمة
يجتث بفأسه العاتية
شجرة العمر التي تفيئ إليها
أيتها الطالعة
من دنِّ اشتياقي
حورية بحر
راضية مرضية
إني لأشعر بالوحشة والبرد والصقيع
في بلاد لا تنتمي إلى قلبي
وإني لَيحملني الشوق الأول
إلى شقائق الصدر النعمانية
المضرجة بشفق العشق
أيها الحبيبان المهاجران
إلى سرادقات الضنى والضباب
هذا أنا ..
والقلب الذي خفق منه الجناح
بحبكما ذات طهر
باق على العهد
منذ أن سكب الفجر
قطرة السنا الأولى في شفتي
وإلى أن يعم نور المحبة
جميع القلوب الظامئة
تناهى غنائي المحزون إلى طائر النفس فنفض جناح اليقظة؛ وصحَت " حم " من رقدتها وعاد بلبل الدار من الغيبة، فأمطرني فرح أزرق. وعبرت من الفلك إلى الشاطئ فاستقبلتني عجوز خاوية على خريفها، تجول في عينيها دمعتان من خراب ، وعلى مطارح النظر تلوح خرائب الربذة الذابلة، قالت:
ـ ألست شقيق " حم " وحبيبها وابنها ؟
ـ بلى أنا شقيق " حم " وحبيبها وابنها، فماذا تريدين، وكيف عرفت؟
قالت العجوز الخاوية على خريفها:
ـ أنا حاء " حم " وحفيدتها ، وزوجة أخيك التوأم، الغفاري الذي مات ليلة أمس.
عجبت من حفيدة تكبر جدتها، وأخ توأم لم تحدثني " حم " عنه، وأدركت سر غضب السماء، وحزن الأرض، وانحسار البحر، وظهور الدخان، واندياح المهل الناري. وكُشِفَ لي عن اعتلال " حم " في السفينة، وصمت البلبل الذي ما عرف غير الغناء.
ـ يا سيدة الخريف الخاوي على شتائه هل من مساعدة أقدمها لك؟
ـ تساعدني في دفن أخيك التوأم قبل أن تصل عساكر الخان فتصلب جثته على باب المدينة.
ـ سأفعل وإن كنت لا أعرف توأمي الذي تدعين.
ـ كيف تعرفه وقد ولد في جوف جمرة متقدة في كهف رطب مظلم بمساحة كل الأوطان المقهورة ، وولدت أنت في كرم عنب يمتلكه خمّار القرية المعمورة في ذروة الجبل المتعالي؟
ـ أود أن أعرف المزيد عنه قبل أن ألقاه.
ـ إنك منه وهو منك، ولكنه وحده الذي سار وحده، ومات وحده، ويبعث أمة وحده.
قالت هذا ثم التفتت إليَّ وأردفت.
ـ وأين البلبل يرتل فوق القبر سورة الرعد؟
ـ سورة الرعد!
ـ حتى تلد الأرض بمثله، زمن المخاض آت كالكتاب، لا ريب فيه.
ناديت البلبل فحط على كتفي الأيمن، وتبعت العجوز عبر الأكثبة الرملية. فرأيت الغفاري ممدداً، والقبر ممهداً، وما من قافلة عابرة تقرأ عن المرتبذين فاتحة الغابرة . فقد انقدَّ الدرب، وضاق الرحب، واحتربت الأطماع، وانطمس الوجه بالقناع.
واريت توأمي الثرى، وحط البلبل فوق الشاهدة وأرسل ألحان المعادَّة والندب فترددت أصداؤها في المشرق الذي شرِق بشروقه ، ومزِق وترُ نهضتِه، فغارت ركبتاه في غار الغربة والشرك.
رأيت أناسا قدموا من البرازخ يقدِّمون العزاء فخطر لي أن أسألهم عن حلِّهم وترحالهم وأحوالهم، فانبرى أحدهم وكلبه باسط ذراعيه في وصيد القبر وقال:
ـ في كهف رطب مظلم
بمساحة كل الأوطان المقهورة
أغلق فمه حجر حدَّره سيل البهموت
كنا أربعة
انطفأت في أعيننا أزمان اليقظة
فجأة
جلجل في قيعان الكهف الصوت أتِيّاً من وديان الوأد الأكبر
قال الأول : هذا صوت الرعد
قال الثاني : إنها القارعة
قال الثالث.. قال الرابع..
والأقوال أثافيٌّ ورجوم
عاد الصوت يجلجل:
مات الطفل وثدي الأم تحطب
انهض..
انهض يا فرح الأمس الثاكل رغد الغد
لا يحملك النوم إلى شطآن الراحة
لا يبعدك الرحم الرطب عن الميلاد
انهض
ما أنت بميت
دمك الأحمر لم يصبح مِزقة ليل
تحلم، تبصر، تتقلب، تصغي ، تتنفس كالأفعى في جسد البرد
انهض
فالمنتظرون على الشاطئ فلكك غاصوا في المهل إلى الأعناق
وكل الكلمات المزروعة فجراً، زنبق، وردًا، نورًا
يبست
وخفافيش الشوك
دمك امتصت
انهض
مات الطفل وثدي الأم تحطب
. . .
صمت المكتهف الأمسَ برهة، ثم طال صمته، فاستوى الربذي في قبره وقال : هل أ كمل لكم الحكاية، وإنها مثل كل حكاية فيها خان وحان وصاحب شرطة، وأمير وفقير، ونمرود وداع ومحرقة. ورابذ ومربوذ وربذة. ثم صفق بكفيه ونادى الشخوص للمشهد.
أخذ الممثلون مواقعهم على خشبة المسرح، وتقدم الراوي باتجاه الجمهور حتى غاصت قدماه في نهر الزمن الميت ، وانطلق محدثاً:
أيقظ أهلَ الكهف النوَّمَ
صوتُ السيل الآتي من ملكوت الجرح
أزاحوا الحجر
انسلوا نحو مدينتهم
قال الأول : كم لبثنا؟
قال الثاني : ما هذه مدينتنا.
هذه مدينة مسوَّرة بـ " ياليل ! "، كل شيء قد تغير، حتى الديكة تنام
إلى الظهيرة، ما عادت توقظ الفجر.
صرخ الخان الأعظم : أية صاعقة نزلت علينا؟
سأل صاحب الشرطة : هل أعلن حالة الطوارئ؟
قال قارون : يا هامان ، هذه أموالي فابن الصرح، حصنه بالأبراج والأدراج، وبالمقاصل والمنازل، وبكل أبتر ، وسراديب خيبر.
اعتلى القادمون من الزمن الأخضر التلال المشرفة على المدينة، وخرج المستضعفون من البيوت وقد اجتذبهم صوت رجل معمم بالحكمة ، مزنَّر بالغضب:
ـ موجة غضب أسأل عنها
أسأل عن مزنة فجر تهطل ناراً فتهز حرارتها رحم الأرض
كل نقود البلد قديمة
ما عادت تحمل للناس الخبز
لا أقسم بهذا البلد
ودم الوردة حِلُّ في هذا البلد
وعلى الطرقات يموت الناس إذا صمتوا
ويموتون إذا ما نطقوا
ويموتون لأن الخان الأعظم
البهموت الخناس
يوقد شعلة عمره
من زيت الناس!
. . .
أَصمُتُ
والصمت نداء
يسفح في أروقة الليل حروفاً
كلمات لا ترسم في الأوراق
كل الكلمات غدت جثثا فوق الأرصفة الحبلى بالخوف
وعلى الدرب الممتد
ما بين الجرح وبين الصرح
فرسان من شمع
صدئت خوذاتهمُ تحت الأمطار
وبنادقهمْ في أيديهم تغزو كبد الربذة
مَنْ راعٍ يعزف في ناي من نار
يوقظ في هذا البلد الفجر؟
. . .
اخترق المسرح ذاك النمرود الوالغ في الشهوة والدم
ـ ابنوا محرقة
فيها النار تعربد
أحرقوا الكلمة..
. . .
قذفوهم في أقبية النار
راح النمرود يؤلف أغنية
مرَّ النور العلوي عليهم قال:
" يا نار كوني برداً وسلاما "
لا تحترق الفكرة
لا ينطفئ الصوت الآتي من ملكوت الروح الأعلى
المتغلغل في جسد الأرض
النابت كلمات بهار في ملح التربة
الماء يسافر في الذرات
يغيب..يغيب طويلا
ثم يعود إلينا خصبا
قد يزهق سيف الطاغوت الأرواح
وتنساح دماء فوق الأرصفة التَّربة
ودموع الأطفال العطشى للعب الأخضر
تغسل ساحات مدينتنا الهرمة
لكن الفكرة لا تحترق.
. . .
احترق المشهد ..
نهض الربذي المتوحد من قبره، نفض عن رأسه غبار الموت، التفت صوب التلال المكللة بأشجار الغار والعار، خاطب الجمع المحتشد المنتظر الكلمة:
" أوصاني خليلي بسبع : أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأمرني ألاّ أسأل أحداً شيئاً ، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبَرَت، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرّاً ، وأمرني ألاّ أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من : لا حول ولا قوة إلاّ بالله، فإنهن من كنز تحت العرش" ()
خفق بلبل الدر بجناحيه، وأذاع سكَّر الحبيب المصطفى بمنقاره: " ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء، على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سرَّه أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذرّ"
وضع أخي الربذي قدميه في القبر، واغترف بعينيه الأزمنة الماضية والآتية، والتحف بغضب المستضعفين البؤساء، وقال:
" كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الوصية " وهذه وصيتي للأقربين والأبعدين. للجاهلين والغافلين. للسالكين والركَّع السجود.
ـ التحف بالغضب
وانهمر مطراً من كبريت ونحاس
يغسل صدأ الفاس
باسمك ندعو
من أعماق الجرح النازف
التحف بالغضب
وتدثر بالرعد
وتزمل بالبرق
وادفع بالناس إلى يقظة طوفان علوي
واصنع الفلك بأعيننا
واصرخ بالمرتبذين المضطهدين المحرومين
تعالوا
وسترسو الفلك على جبل الجودي
سنزرع في رحم الغربة حباً، خبزاً، أملا
وسنعمر أرجاء الكون بحاءات الحق، الحرية، والحب
ونعيش .. نعيش سلام الرحموت
وغداً
نكتب عن أيام الجوع، الموت ، القهر الأصفر
ويموج الناس سنابل في ملكوت الأرض العطشى للفرح الأكبر
وتزغرد في أرحام النسوة
أطفال في طور التكوين
شوقاً للزمن المأمول الأخضر
. . .
التحف بالغضب
وانهمر مطرا من علِّيِّين
واصدع بما تؤمر
وأعرض عن المشركين.
أنهى أخي التوأم وصيته وعاد إلى قبره فتمدد، والتحف بالثرى، والتحفتُ بالحزن. انفضَّ الجمع إلى برازخهم، وتركت العجوز وهي قائمة تسقي القبر زمزم الغناء والدعاء كي لا تجففه شمس الصحراء ، ثم قفلت عائداً ومعي البلبل.
معراج الميم