4

6 0 00

4

طائر الفرح الأصغر

اقتربْتُ من الفلك وهممتُ بالصعود فتثاقلت قدماي، وفقدت قواي، ووقفت أمامها عاجزاً عن الحركة، ولج بي التحير.

اندفعت " حـم " وأمسكت بيدي وهَمَسَت في قلبي:

لن تستطيع ركوب الفُلْك حتى تخرج من فَلَك الحزن، فالحزن حجاب.

وهَمَسَت في قلبي: الحزن خروج من فلك العشق. والعاشق لا يعرف غير السعادة في القرب وفي البعد.

وهمست في قلبي: كيف تحزن على أخيك التوأم وهو معك في السفينة. فإذا اغتسلت من حزنك سكنت فيه وسكن فيك وتوحدت التوائم.

وهمست في قلبي: " كل نفس ذائقة الموت "، ولو أدركت معنى ذائقة، وأن الميت لا يتذوق، لأدركت أن أخاك الميت الحي سعيد بما يتذوق الآن.

وهمست في قلبي: كيف تقول أخي قد مات وهو لم ينقطع عن أنوار المكاشفات والتجلي.

وهمست في قلبي: لقد لامت طائفة أخاك وقالت: لم تركت السيف؟ وما أرادوها إلا فتنة عمياء. فاحذر أهل الفتنة، فإنهم يقاتلون بسيف الشيطان.

وهمست في قلبي : الموت حرية ، فمن يرضى لنفسه أن يكون مثقلاً بالسلاسل في ظلمة السجن؟

وهمست في قلبي : الحياة غدوٌّ، والموت رجوع، وما المرء إلا طائر يغادر عشه صباحا ويعود إليه مساء.

وهمست في قلبي : الموت حرف في مقام، وجسر إلى القيام، فإذا عبرت هذا الجسر وصلت إلى القيامة.

وهمست في قلبي : الفرح الأصغر الذي يحمله الموت لا يسع جناحيه البدن، ولهذا فإنه عندما يأتي طائر الفرح الأصغر يخرّ البدن صعقا.

وهمست في قلبي : كيف تخشى من الموت، وتحزن على من أصابه الموت، وأنت الذي من أجله خُلق الموت والحياة. والسماوات والأرض ؟

وهمست في قلبي : كنتَ حرفا في عماء، ثم خرجتَ إلى النور ، ثم خرجت من النور إلى الظلمات، فاخرج من الحياة تخرج إلى الموت، واخرج من الموت تخرج إلى أنوار القرب، واخرج من القرب تخرج إلى الفرح الأكبر. وفي حقول الفرح الأكبر سترى الله.

وهمست في قلبي: كن كما أنا، لا الموت يعرفني ، ولا الحياة تعرفني. وأنا أعرف الموت والحياة.

وهمست في قلبي: لا يبدأ العمر بالولادة، ولا ينتهي بالوفاة. فالحياة مقام والموت مقام والآخرة مقام. ثلاث مقامات على طريق تدور حول النور." وكل في فلك يسبحون ".

وهمست في قلبي: الموت حين لا ترى حبيبك، والموت حين تراه، فاحرص على رؤيته تدرك لطائف الأسرار، والمعرفة هي الحياة.

وهمست في قلبي: انظر إلى الميم فنظرت، ورأيت ملكوت السموات والأرض يلفه ميم الموت، وعلى الحائط الفاصل بين الجنة والنار يُذبح ميم الموت، وأنا في مقام الشهادة أنادي الظبية الخوّافة: علام تفرين من الصياد أيتها الظبية الشاردة.

وهمست في قلبي: إذا انسلخت كما الحية من الحاءين : الحيثية والحينية زالت عنك حمّى الرهبة ووُهِبْتَ الثالثة، حاء الحياة، ولكنك لن توهَبَها ما لم تدرك حاء الرحمة.

وهمست في قلبي: في كل نفس صحراء، وفي كل صحراء ربذة، وفي كل ربذة قبر، "وما تدري نفس بأي أرض تموت ".

وهمست في قلبي : الموت الأحمر مخالفة أهواء النفس، والموت الأبيض الجوع، فالبطنة حجاب. والموت الأخضر لبس الصوف والأسمال فإنها تخضرُّ وتتجدد بالقناعة. والموت الأزرق العوم في بحر الأسرار والعرفان حتى تصل إلى جزائر اليقين. والموت الأصفر هو اصفرار الأفعال وسقوطها في خريف العمر المكنون حتى ترجع الشجرة العارية إلى جذورها. والموت الأسود هو احتمال أذى الخلق في الطريق إلى الحق. أما الموت الأسنى الذي لا لون لـه فهو رؤية الرفيق الأعلى تحت سدرة منتهى العشق.

وهمست في قلبي: الموت هو أن يشغلك المتاع عن الموت. المال متاع، والملك متاع، والشهوات متاع، والصروح متاع، وكل جمال غير جمال الله متاع." وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ". فقل للذين توثنوا وتجبروا وتحصنوا في أبراجهم : " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ". ولو أنهم تحصنوا في بروج القلوب لما أدركهم الموت.

وهمست في قلبي : يحكى أن ملكا كان لـه كلب كلْبان، في أزقة المدينة فلتان، يهز ذيله مختالا، ويدخل البيوت بلا استئذان، يأكل اللحم ويمصمص العظم، ويعض النساء والشيوخ والأطفال، ويُجْهز على الشبان.

و مات كلب الملك فخرج الناس جميعاً في جنازته يرسلون الدموع ويلطمون الصدور، ولما مات الملك لم يخرج في جنازته أحد.

وهمست في قلبي : " لن تقوم الساعة حتى يلج الجمل في سم الخياط ". والعارف يدرك أن القيامة قائمة منذ أن فرغ الله من الخلق. أما ترى النجوم تدخل في سم الثقوب؟ أما ترى الشمس تدخل في سم التكوير؟ أما ترى الغنيَّ يدخل في سم النار " يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم؟ " أما ترى السلطان يخلع تاجه وصولجانه، وحاشيته وعساكره ويدخل في سم القبر؟ أما ترى العظام تدخل في سم الرميم؟ أما ترى الأعمال تدخل في سم الحساب؟ أما ترى الملكوت يدخل في سم التبديل؟ أما ترى الدنيا تدخل في سم الآخرة؟ فاحرص على أن يكشف لك محبوبك عن وجهه حتى تلج في سم الرحمة، ولن يكشف لك محبوبك عن وجهه الأنور ما لم تعرفه بقلبك وتتقرب إلى عياله بأعمالك.

وهمست في قلبي : أول معرفتك بالموت ألاّ تسأل عن الموت، لأنك إذا سألت عنه جهلته، وكيف تسأل عنه وهو فيك، وأنت في كل نَفَس تحيا وتموت.

وهمست في قلبي : إذا كنت مَلِكا فاطلب العدل. إذا كنت جلاّدا فاعلم أنك تضرب الأعناق بسيف من ورق ويضربك الجبار بسيف من نار. إذا كنت قاضياً فاملأ قلبك بالنور. إذا كنت فقيهاً فاعلم أن مسجدك في قلوب الناس. إذا كنت فقيراً فابحث عن الذين سرقوك، إذا كنت غنياً فتذكر أن الملك لله. إذا كنت شاعراً فاملأ قلبك بالحكمة .. وأياًّ كنت فردد مع الذي استغني بالآيات البينات عن الأبيات:

وهمست في قلبي إذا خفت الموت فتقوَّ بالشرب، حتى تصل إلى الريّ، فإذا وصلت إلى الري فنيت في الحق ولم تعرف الموت، ولكنك لن تصل إلا بالعشق، ومبتدأ العشق تذوُّق الجمال وذلك مبعث السكر، ومن قوي عشقه تسرمد شربه، ومن تسرمد شربه خرج من السكر إلى الصحو فكان غائباً عن الخلق صاحياً بالحق فانياً عن الأرباب والملوك، ومن كان فانياً في الحق أوتي من الشجاعة الصمدية ما يجعله في مرتبة أعلى من الموت والحياة حيث ينذر نفسه ويبيع روحه للوقوف في وجه كل ظالم من الأرباب والملوك، ولا يزال من كاسات القرب والمحبة يستزيد.

وهمست في قلبي : الشمعة تذوب وذرات نورها تظل عالقة في الفضاء، ومثلها الأجساد تسافر في التراب وتقيم الأقوال والأعمال في خيمة الذكر لا تبرحها. مازال سقراط يحاور تلامذته، والعطار يعطر الأرواح بمنطق الطير، وابن سينا ينشد هَبَطَت إليك من المحل الأرفع، والسهروردي يعلِّم مريديه حكمة الإشراق، والمعري يخفف الوطء . .

طوبى لشموع المعرفة والإيمان والحكمة . . ألا ترى أن الموت إذا طلع تزاورعن كهفهم؟

وهمست في قلبي : جهل النفس جوع . وصمم الروح جوع. وعمى القلب جوع. والجوع هو الموت، وقد زودتك بالخبز وصوت البلبل فعلام تشكو من الضعف ؟ أم أنك كالذين هم "صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يبصرون".

. . .

تذكرت أرغفة الماء فتناولت واحداً منها، وانطلق البلبل يشدو فأوّبت معه وأوبت معي الجبال والسهول ، والنجم والشجر، والشمس والقمر ، ومن كل زوجين اثنين ، حتى اضطربت السفينة بالنغم.

أحسست بالقوة تسري في عروقي، فقفزت إلي السفينة وجذبت مرساتها، ورفعت أشرعة السفر مبحراً من هذا المقام إلى جزيرة أخرى من جزائر البحر المحيط.

معراج الــدال