الفصل الثالث
11 سبتمبر 2003
اليوم أعود للكتابة إليك بعد طول توقف ، اليوم أتذكر يومي الأول وميلادي الأول وخطوتي الأولى إلى رحم أفغاستان ..
إحدي ليالي الشتاء عام :
هبطت الطائرة بمطار إسلام آباد لكني لم أكن قد هبطت معها بعد ، فقد كنت محلقا ومعلقا هناك في أرجاء المدينة المنورة ، كانت روحي هناك، تستدعي كل لحظات السكينة
ورهبة فضاء الحرم ،وتتجول في شارع سلطانة باتجاة الجامعة للمرة الاخيرة ، وتدور حول جبل أحد من طريق سيدالشهداء فيبدو الجبل بلونه الكبدي لحظة الغروب يعكس
إحساسا بالفداء في النفس ، كنت أحاول أن أستوعب أنني حقيقة قد تركت المدينة خلفي ، وتركت في جوانحها أجمل أيام عمري .
وأيضاً كنت محاصراً بقلق آخر فأنا أعرف أن المدينة تنفي خبثها فهل أنا الآن منفياً وإن كان في صورة سفر رائع النهايات ؟
بدا جميع الركاب ذوو السحنة الباكستانية في الهبوط من الطائرة كانت الساعة الحادية عشر مساءاً بتوقيت اسلام آباد كما أعلنت المضيفة ، وحين هممت في تحويل توقيت
المدينة في ساعتي وكان يشير إلي التاسعة إلي توقيت اسلام آباد اكتشفت أنني فقدت ساعتين من عمري، فابتسمت في حيرة فلكية من أن العمر ينقص باتجاه الشرق .
بخفة مستعيناً بلياقتي وكانت في أوجها هبطت مسرعاً يسبقني فرح الوصول ، كان جميع الركاب حوالي مثقلين بالحقائب والهدايا ولم يكن لدي غير حقيبة الجوالة التي
تحمل علي الظهر ولكني قد حشوتها باتقان بكل احتياجاتي الشخصية من الخيط والأبرة ..والحذاء العسكري ..والسكين السويسرية ذات السبعين استخداماً.. والبوصلة ولم
أنسي حتي فرشاة تلميع الأحذية ، فعلت كل ذلك مستعيناً بخبرة سبع سنوات قضيتها بين الكشافة والجوالة ولا أدري لما وضعت بتلك الحقيبة (روب الحمام) الذي ضحك عليه
عصام الدين الليبي كثيراً فيما بعد ونحن علي قمة جبال جاجي وهو يراني بعد يومين من دخولي الجبهة أتخلص من الحقيبة وكل ما فيها إلا ذلك الروب فلم يكن
بمقدورنا شرح طريقة استخدامه للأفغان الذين لم يستخدموا منشفة من عدة سنوات ولم نكن علي استعداد لتحمل سخريتهم منا .
لقد كان كل شي في الجبهة مختلف ، كل شي غير الذي أعرفه وغير الذي تعلمناه ، كل شي خارج نطاق العادي والمعقول .
لحظات وحل دوري إلي ضابط الجوازات الباكستاني وأنا ادفع له جوازي ، تصنعت ابتسامة تخفي قلقي فقد أضفت في الجواز بيدي كلمتين فقط ، لكنهما أتيا بي إلي هنا وبسببهما
حصلت علي تأشيرة باكستان بعد عامين من المعاناه ، فنحن لسنا ككل البشر ، لا نملك حرية التجول دون وصيه كبير اسمه الحكومه !!! لقد كان جوازي مكتوب فيه مسموح
بالسفر إلي الدول العربية فقط لذا رفضت سفارة باكستان منحي التأشيرة و أمعنت سفارة بلادي في ممارسة العنجهية بقائمة طويلة من التعجيز حتي خيل إلي أنهم ايضاً
يطلبون فيها العنقاء والخل الوفي .
لم يتركوا لي حيله لمدة عامين فقررت الإحتيال كي أحصل علي حقي الشرعي والآدمي في السفر حيث أحب أنا أن أسافر وليس حيث يحبون هم .
يومها ارتجفت يدي وأنا أكتب باللغة الانجليزية ( أضيفت باكستان ) وفي نفس اليوم حصلت علي التأشيرة ورحلت علي عجل وأنا لا أصدق كنت أنظر إلي التأشيرة بروح شاعر
..بروح عاشق منح وداً بعد طول تمنع ، كانت تلك الإضافة التي أرفض أن أسميها تزويراً هي أول خرق اخترقته ضد قانون الوهم . كنت سعيداً وأنا أحصل علي حقي بيدي
، قبلا ما كنت أستطيع أن أفعل ذلك وأنا محاصراً بالوهم من تحيه العلم المهزوم صباحاً إلي نشرة مملؤة بالكذب العمد ليلاً لكن فعلت تحت سطوة روحي التي تأبي إلا
الرحيل إلي تلك الجبال وفيما بعد اكتشفت في أفغانستان الهوة بين الحقيقة والوهم ( القوانين ) التي فصلت فضفاضة على قياسات حكامنا ورغم هذا لا يطمئنون فيلجأون
إلي عباءة ( أحكام الطوارئ ) إذا ما اهتزت مقاعدهم بالظلم المبين .
فجأءة قطع أفكاري وقلقي صوت الختم ( طاخ ) وهو يوسم جوازي واتبعها الضابط بابتسامة وهو يقول اهلاً بك .
تنفست الصعداء وانطلقت ، وعرفت فيما بعد أن هذا الطريق لم يمر به قبلي سوي بضعة عشر رجلاً أعرفهم بأسمائهم وسحناتهم
ولكن مر من بعدنا تحت نفس الختم ( والطاخ تلك ) بضعة عشر ألف رجل لم أعرف كثير منهم .
خرجت من المطار تحملني خطواتي الأولي لكن صمتي أيضاً كان يحمل عنفوان الإنطلاق من بوابة المطار كشعاع نور نحو الموت .
قشعرني ليل إسلام آباد البارد خارج بوابة المطار ولم أكن مستعداً لهذا الطقس ، لكني كطفل ولد للتو أشرعت قلبي على مصراعيه للتوهج والتلفت والترقب لكل الصرخات
والرياح الجديدة .
ها أنا في ساحة المطار الخارجية كصقر جبلي وخلفي تضئ لوحتان أحدهما صالة الوصول والأخري المغادرة ليعبر نفس الساحة بعدي أولئك الألوف من الرجال ليتغير التاريخ
والجغرافيا من بعدهم ويحملون لقباً عجيباً لم يختاروه لأنفسهم وأيضاً لم ينفوه عن ملامحهم إنهم ( الأفغان العرب ) مئات من أولئك الألوف لم يرجعوا من صالة المغادرة
بل دفنوا وتوزعت أجسادهم بين جبال وسفوح أفغانستان بعد أن منحوا الصمت صخب وضياء الدم إنهم الشهداء الذين ننتظرهم دائماً كي يعودوا ، فلم يعودوا ولم نمل الانتظار
.
كم وقفت في تلك الساحة بعد عدة أعوام مستقبلاً ومودعاً كنت أراقب مندهشا حركة الأفغان العرب بين صالة الوصول وصالة المغادرة التي لا يفصلها غير الجدار .
لكن كان هذا الجدار يشطر الرجل نفسه إلي شطرين و إلي حالتين .
كنت أري تلك الوجوه المتأنقة والأثواب والعطور تخرج مجموعات خلف مجموعات كنت أري فيها نوعاً من القلق وعلامات الإستفهام وأشواق تخرج من رماد الانتظار وحباً
لأول سلم العزة وتجربة الرجولة الممنوعة .
وكنت أري نفس الوجوه وهي عائدة من الصالة الأخري للمغادرة كنت وصاحبي نضحك كثيراً ، فامإ نجد أحدهم أكمل جميع ملابسه ولكنه ارتدي الحذاء العسكري وآخر نسي وارتدي
سروال الصاعقة وثالث مزاحاً يجبر أحد مودعية علي أن يعيره الشماغ وآخرين حملا جريحاً مبتورة قدمه يركضان به نحو كونتر مندوب الخطوط ويتعهدون بانهم سيحملون الجريح
حتي الدرج النهائي للطائرة على أكتافهم ولكن مندوبوا الخطوط يعتذرون لعدم وجود سيارة اسعاف فيحتدم النقاش ، عالم اخر .
عيون كالصقور ورجال خرجوا من مصانع الألم والفقد والقصف فلم يعودوا يأبهون بتفاصيل الحياة ، كم رفيق عاد وحيدا بعد أن فقد أعز أصدقائه في قنبلة انفجرت بينهما
أو لغم شقهما واحد للحياة وآخر للقبر .
قفزت لأقرب تاكسي في ساحة المطار وفتحت الباب كي أركب
ياربي ماهذا ؟؟
لقد وجدت مقود السيارة في المقعد الذي يفترض أن يكون جوار السائق ، أفقت والسائق يبتسم لي ويطلب مني التحول للمقعد الآخر فتذكرت أن الانجليز قد مروا من هنا
وبالتأكيد أصبح نظام المرور تابعاً لهم .
لقد أصبت بالهلع طوال الطريق من المطار إلي الفندق وأنا أري سيارتنا تسير في عكس الاتجاه الذي تعودت عليه عمري كله كنت متيقناً أننا سنصطدم لا محالة لذا تركت
قدماي حرية أن تمارس القيادة بالتحيل وتكبيح الفرامل وقت تشاء .
هل كانت تلك السيارة نبوءة لنا بأننا سنسير في عكس اتجاه الوهم ؟ ومن هذا المطار ستتغير خرائط ودول بعد عدة اعوام فقط من وصولي ؟
وأننا سنخرجمن دائرة العمر الممتلئ بأوهام كثيرة أولها وهم اسمه الحكومة التي تعطي وتمنع ، وتهبك حريتك ثم تسلبها منك وقت تشاء ، بل تتدخل في حذف اسم جدك الرابع
حتي تقطع عليك انتمائك العائلي أو القبلي ، ثم وهم الحدود والجوازات الذي رسمه لنا الانجليز علي الورق فنقلناه نحن إلي قلوبنا .
وقف التاكسي أمام فندق فخم ، يا إلهي انه فندق إسلام آباد هوتيل ، لقد اخترته ظناً مني بأن اسمه المحلي سينجيني من الأسماء المشهورة التي طرحها علي السائق ،
ولما كنت من النوع الخجول جداً حتي لو كنت سأدفع كل مافي جيبي قررت النزول ، فهي ليلة واحدة لابأس ، وبعدها ستكون قدمي في ركاب الموت .
نعم فقد أصبح الموت هنا على مقربة رصاصة ، أو تحت جناح طائرة حبلى بالموت خلف تلك الحدود القريبة بين باكستان وأفغانستان .
لا أدري لم تلك الليلة قررت أن أغتسل وليس مجرد استحمام عادي ، هل كنت أريد طهراً وميلاداً جديداً ؟ أو كان إحساسي كالذي يعترينا رهبة الذهاب إالي المشاعر المقدسة
لكني كنت مدفوعاً برهبة الموت كنت كمن يجهز شهيداً وجنازة ،
وليس مقاتلاً ، كنت أعرف وأنا المثقف جداً بصحف الوهم ببلادنا أنني ذاهب أقاتل الإتحاد السوفيتي الدب النووي الذي سيبيدنا في لحظات ، وما كان ذهابي هذا إلا
أخذا بالأسباب والإعتذار إلي الله بأننا لانملك غير أجسادنا كي ندفع بها هذا العدو الغاشم ، كنت أغتسل لأنني أعرف أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن مرتدياً جسده الدامي
وملابسة الممزقة وشعره المغبر وتسبقه ابتسامة الشفاه تلك التي رأيتها فيما بعد في وجوه العشرات من الشهداء ،كنا نوسرهم التراب ونبكي أنفسنا ، ليلتها سألت نفسي
وأنا آوي إلى الفراش كم بقي لخطواتي من العمر ؟؟ .
اعرف ان العمر بيد الله لكن بالاسباب المادية المحيطة وبالوهم الذي عشش فينا من أقمارهم الصناعية وقنابلهم وطائراتهم ، توقعت أيام .. أو أسابيع .. وربما شهور
، لكن من المستحيل أن أكمل العام .
نهضت مسرعاً كالملدوغ من فراشي ، كي أجهز وأكفن الشهيد الذي بين جنبي ما كنت أعرف وقتها أن الموت احياناً يستحيل الي أمنية مفقودة ، وتبكي له الليالي الطوال
ولا يأتيك لكنه كان
يخطف آخر علي مرمي أمل منك متشبثا بالحياة ، فبدأت بتجهيز الوصايا .
فكتبت وصية لأمي التي وافقت علي قدومي رغم قلبها الذي كان يذوب كفقاعات في حمض عيونها .
كتبت لها ( أجمل الأمهات وداعاً .. وامنحي شفاهي .. يدك والقلب كي أطبع قبلة ووردة وسامحيني فأنت أردتني رجلاً )
وحين قررت كتابة وصيتي الثانية إلي ( مي ) ذات السبعة عشر ربيعاً التي عرفت أني أتيت هنا لكنها تجهل السبب و ربما كانت تخمن أنه عملا أو تكملة دراسة وجدت القلم
يتعثر .. يتوقف .. كل الكلمات تهرب ، كل التبريرات تبقي سخيفة وساذجة إذا لم يقرأها شخص يحس بألمك ووجعك لذا قررت أن أكمل في الصباح 0
ما بين النوم واليقفظة أكملت ليلتي حالماً في أفغانستان . وفي الصباح كان يجب أن أتصل بعبد الرحيم الهيراتي صديقي الأفغاني وزميل الجامعة وكنت اتفقت معه علي
أن يرسلني مباشرة إلي جبهة أحمد شاه مسعود أسد بنشير ذو القبعة المائلة وأاشهر المقاتلين في ذلك الوقت .
وقبل أن أتصل علي عبد الرحيم قررت أن أكمل وصيتي لمي ، تلك الوصية التي تركتها ليلاً عاجزاً أن أكتبها لأرملة لم تتزوج بعد .
قررت أن أكتبها علي صوتي بالهاتف وبطريقة أخري فقد كانت مي رائعة وابنة أستاذي بالجامعة لقد قررت أمرا ما عندما رأيتها اول مرة وبقيت عيوننا عالقة ببعضها شهراً
رغم أنها لم تلتقي إلا تلك اللحظة في ثانية قلق عرضاً ، هناك عيوناً تمنحك الدفء تحت ألف صقيع وتصبح لك غطاءً وسكناً ، وهناك عيون تصيبك بقشعريره البرد والتصحر
في صيف يونيو .
وبعد أن عبرت شهر الذهول استدعيت كل شجاعتي وذهبت إلي أستاذي بمفردي .. أطرقت طويلاً .. ولم أمازحة ذاك اليوم كعادتي حتي أصابه شك بأني مريض ، لكني فاجأته ورميت
قنبلتي تلك بين يديه لحظة خجل وقلت له: أريد أن أتزوج مي .. وبعدها أغلقت أذني وفتحت للعرق جداول أخري ما عهدتها من قبل ، ما كنت أعرف اتجاهات رد الفعل لأنفجار
شفاهي ولم أفهم ما قاله أستاذي ولم أدقق في ابتسامته التي ارتسمت أمامي .. أكانت رضا.. أم سخرية من طالب لا يزال يعيش في السكن
الجامعي؟ ، ولكن فهمت أنه يجب علي أن أمر يوم الخميس عصراً كي آخذ الرد بعد أن يتشاور مع صاحبة الشان والعائلة ، عندالباب سألني هل أهلك عندهم علم ؟؟ أو يوافقون
؟؟ طمأنته أنهم يثقون بي وباختياري ، وبالطبع إذا كان هناك موافقة مبدئية فانهم سيقومون بالترتيب النهائي ، كنت أعرف أنه يثق في كلامي فهو يعرفني منذ عامين
وكان لا يخفي إعجابه الدائم بي خاصة عندما يراني أقود فريق الجوالة بالجامعة بين الجبال والشؤاطي ، وكم تسامرنا وحدنا علي شاطئ تحت قدم النجوم بجوار مخيمنا
السنوي كان يتعجب من الصلاحيات التي أعطاني إياها عميد الكلية في تلك المخيمات ، كنت متأكداً أنه يعرف عني الكثير ، لكن لم أكن متأكداً من موافقة مي .
يومها خرجت بسيارتي أقطع الطرقات الدائرية والطولية .. بلا هدف .. فقط لا أريد أن أمنح للسرير جسدي في مسامير الأرق.
انتظرت الخميس ، وجاء الخميس بعد أن ظننت أيام الأسبوع من كثرة الانتظار لم يعد فيها خميساً ، دققت بابهم وعرفت الإجابة في ابتسامة موحية المؤمن الصغير يفتح
لي ويدخلني
الصالون ، وجاء الأب يناور ما بين عبوس ورفض وابتسامة قبول ، لكنه ربما أشفق علي فانفجر ضاحكاً وهو يعانقني بأبوة جديدة وأنا الذي فقدت مشاعر الأبوة وعمري عاماً
واحداً ، أو بالأصل لم أعرفها ، قال أهلاً بالعريس ، لكن مع وقف التنفيذ حتي تنهي دراستك وهي تكمل الثانوية ، وجاءت مي تنفلت وتختفي في شفق الحياء بوجهها المضئ
، واتفقنا علي كل التفاصيل ، المهر والعقد في الاجازة الصيفية ، ورحلت مي تحلم بطفلاً وأرجوحة ورجلاً سمعت عنه ما يشبع خيالها حتي ترتطم بوسادتها الليلة .
مسكينة مي ..!!! أو مسكين أنا !!!!
احتفلت ذات ليلة عائلية في بيتها بثوب فرح كان هدية من أمي لها .. لكنه لن يكون لي .
سمعت صوت أمي بعد تلك الليلة يفيض بالفرح وهي تصف أخلاقها وجمالها كانت كلماتهاكالسكاكين و لا فائدة .. فاليوم فقط قد حصلت علي تأشيرة باكستان وميزان الحياة
والأشياء تغير الآن في نفسي .
وما ذنب مي أن لا تجد رجلا مرموقا يطوق أطفالها بالبسمة ؟ .
وما ذنبي أنا.. أن لا أكون رجلا يقاتل عن النساء المسبيات والأطفال اليتامى في زمن الخنوع ؟ نعم أعرف أنه كانت تلتقي الطرق... في زماننا الرائع الأول .. كانت
تلتقي .. مع نسيبه وخولة.. وأسماء .
ها أنا حصلت علي التأشيرة بعد عامين من فقدان الأمل وبعد أن قررت الزواج كي أكون واحدا من المليار الذين يعيشون علي هامش أعدائهم وفتات دولاراتهم في فضلة التاريخ
.
لقد كانت مي هي الضحية الأولى للتأشيرة فأهلها لايمكن أن يتركوها تعيش في خيام الأفغان تنتظر رجلا ربما يعود بعاهة أو لا يعود ، وأنا أيضا كنت أكثر إشفاقا أن
تمنح لقب أرملة قبل أن تكون عروس لذلك قررت البتر الذي سيؤلم اللحظة لكن سيريح مدي الحياة حملت نفسي إلى الهاتف العمومي .
ثبّت علي روحي القلقة قناعا من البرودة كالأطباء لحظة أجراء العمليات وعقمت صوتي من كل حبات الندي التي كان يفعم همسي لحظة تعاطي الحلم بيننا .. وأعطيت الموظف
الرقم الذي كان يوحي لي دائما بحميمية خاصة.. لكنها اليوم حميمة اللحظات الأخيرة .
ألو.. ( جاء صوتها يدفئ البرد المحيط بي لكني كنت أقاوم )
ألو.. نطقت أنا بها متأرجحا بين الحنان والجفاء .
أهلا مهند .. حمداللة علي سلامتك .. ( كان الصوت يزداد لهفة .
كيفك مي ؟؟( أجبتها بهدوء أكثر )
بخير والحمدلله.. تعرف ، والدتك إنسانة طيبة جدا أنا زرتها أمس
علي لساني مرت كلماتها كشفرة صمت لا أجد كلمات أرد بها .. لا أجد إلا روحي حافية تمشي إليها علي حد السيف .
ألو مهند كيفك .. خير طمئني عنك .. ما بك ؟ .. مريض ؟
لا لا بخير ... مي أرجوا أن تفهميني لم أعد نفس الشخص الذي خطبك أنا الآن إنسان آخر محاصر بأشياء وأحداث أخري فأنا لست هنا كي أكمل الدراسة...لكني جئت كي أدخل
أفغانستان ...وكل الطرق هنا كما علمت لاتنتهي إلا بموتي ..
كان صوتها هناك يتحول الي ذبذبات قلب ونبض امرأة مجروحة في صميم أحلامها .. لم أحاول أن أستوعب كلماتها ..كنت أريد أن أملي وصية موتي وأرحل ولا أنتظر مداولات
الحكم كنت أتمني أنها تقول ستأتي معي .. وتقاتل معي وتخدم المجاهدين
كنت أعرف أن بينها وبين خولة بنت الأزور ونسيبة قرونا من التسبيط والتخويف والمهانة وسم الحكومة في عسل التعليم لذا لم أعرف أقالتها أم لا .لكني كنت متاكد أنها
تقول أريدك أن تكون معي ، كنت أتماسك وأنا أحاول أن استوعب حشرجات الصدمة القادمة من الجهة الأخري وسماعة الهاتف تتأرجح بين يدي و قلقي .
ثم أكملت الرصاصة الأخيرة.. أنت الآن حرة يا مي وليس بيننا ارتباط .. أدعوا الله أن يعطيك رجلا أفضل مني .
كان صوتها يخفت ويتداعي في الجهة الأخري وقلبي هنا يعلو نبضه كطبول إفريقيا .. كنت أتصبب عرقا.. وقلقا..
و أسأل نفسي .. من أين جئت بكل تلك القسوة .. وأنا الذي كنت أدفع من مشاعري وخصوصياتي الكثير كي لا أجرح أحداً.
كبف جرحتها ..؟
نعم ، أحيانا نحتاج إلي تلك الجراح للحظة قاسية دون تخدير أفضل من أن يبقي النزف عمرا والجرح تاكله ( الغرغرينا ).
طلبت من عامل البدالة رقما آخر لكني لازلت مشغولا بالرقم الذي توهج للأبد ..
افقت علي صوت جرس .. دائما كنت أخاف حين يطول رنين هاتف أمي كنت دائما أتوجس أنها رحلت ولن ترد علي منذ أصيبت بالسرطان في ساقها ، فجأة انقطع الجرس . وجاء صوتها
ألو
كيف حالك أمي
حبيبي وروحي وقلبي .. مهند
كيفك يا حبة عيني
الحمدلله بخير ، اتصلت أسلم عليك وأنا غدا إن شاء الله سأدخل أفغانستان ، ادعي لي بالشهادة.
يا حبيبي ربنا ينصركم علي أعدائكم وترجعوا غانمين سالمين ( كانت دائما تهرب من الدعاء لي بالشهادة ) لم استطع أن أخبرها موضوع مي.. خفت علي حزنها وخفت أن تجبرني
علي شئ أعرف أنه لن يكون وانطلقت كطائر مجنحا يطلب قمم الجبال لايرده شئ إلا الموت الجميل ،كنت فرحا فقد تخلصت من كل الحبال التي تربطني بالأرض فأمي راضية عن
وجودي هنا ومي منحتها الحرية المؤلمة لكلينا لكنها ستريحها في النهاية.
وهماً ظننت أنني أصبحت حرا طليقا ، ما كنت أعرف أن النفس البشرية أعقد من إدراكي يومئذ ، فيا للسخرية ، ما كنت أتخلص منه الآن سيكون بعد ذلك أعذب الحكايات الحميمة
على شفاه المقاتلين والمنهكين من السهر والقتال ، فقدكان أجمل الحديث بعد حكايات الشهادة والحور العين ، هو الحديث عن الزواج و حور الطين كما كنا نسمي نصفنا
الآخر، كنا بعد ذلك إذا يعترينا بطئ أمنيات الشهادة نتحول إلى أمنيات الأرض، لا أدري لم كلما اقتربنا من شفاه الموت يعترينا إحساس ما .. بحلم ما .. مثل طيف
زوجة وطفل وأرجوحة ؟ هل هي غريزة حب البقاء تطغي في لحظات الفقد ؟؟ .
قد كان يعتري الكثير منا حين يقف حارسا وحيدا وسط الخوف والثلج والظلام حلما أخضر .. بطفل وبيت وزوجة .. يلقي بكل آلامه العذبة و إرهاقه ذو السنابل المضاعفة
بين عينيها الدافئتين .. وهي تحمل عنه سلاحه تعلقه على الجدار وتمنحه دفء الشاي ودفء السكن ، وتوصيه بالثبات لحظة الموت وهي تهديه مصحفا كان أهداه لها يوما
مع المهر !!! ويكبر الحلم ..
يتسع لطفل يقتحمه بشقاوته وبعينيه السوداوتين ، يتأتأ بكلمة أ..ب..ي..فيمنح القلب طريق النبع ، وفي ضمة الأحضان ، يزرع الأب في صدر الصغير بذور عزة إنتزعها
بعد سنين قهر .
كان كل منا يستيقظ من حلمه الخاص حين يفضح النهار روعة جبال أفغانستان ونكتشف أننا على بعد آلاف الأميال من أول امرأة تنطق بالعربية ، ويكبر بعد ذلك في نفسي
السؤال حين يقفز لي من كتب السيرة والتاريخ .. لماذا أُبعد النساء في هذا الزمن عن الميدان ؟؟ أم نأين بأنفسهن .؟؟ من يملك أن يحذف شموع نسيبه وجراحها التي
تنساب في كل القصص .. ومن يخفي آثار خولة الملثمة وهي تحير خالد بسيفها.. لست أدري من غيّب من؟
بعد أربع سنوات قضيناها في الجبهات ولم نمت أصبحنا نحِن لدفء العائلة، كان أكثرنا حديثا عن ذلك حتى ذاع خبره (صخري ) ابن الطائف
كان ذاك الأسمر يبهرني في كل شيء لهجته المكية ، مزاحه بجنون فيضحكك حتى تدمع عينيك ، وفي خبايا الليل بعيدا على سجادته يبكي نحيبا ، عرفته الخنادق التي اشتهرت
بالمعارك المروعة في قندهار وجاجي وجلال آباد مقاتلا لا ينحني أبدا للرصاص ، أنهكه البحث عن عروس ، كان لا يترك الجبهة إلا إذا أخبره أحدهم أنه وجد له عروس،
كان يضع في البداية شروطا كثيرة ، وفي النهاية كان يمزح ويقول : (فقط أريد أي امرأة بس لا تكون رجّال ) كان قدره أن تعز عليه نساء الأرض حتى يرحل وحيدا إلى
السماء، أذكر يوما جعلني أضحك بذهول عندما جاء على عجل كي يترك عندي أماناته ويرحل إلى الجبهة لفت نظري عشر رسائل وسط الأمانات ..!! سألته : هل هذه وصاياك ؟؟
رد ضحكا ومشاغبا : هي رسائل لزوجات المستقبل اللواتي لم أعرفهم بعد
كانت هوايته إذا تعرف على مجاهدا وأحبه قال له أكتب خطاب لأهلك يبحثون لي عن زوجة ، كانت الخطابات معنونة للجزائر..مصر.. سوريا..السعودية .
وبقيت عندي فلم يعد لها الصخري أبدا، وبقي بجوارها مظروفا فيه قليل من المال الذي كان يجمعه للمهر ..!!
لقد كان الصخري ينتقل بين الجبهات يعبر لحظات الموت والحياة عدة سنين ، كان كثير المزح بجنون وكانت شجاعته لا يوقفها الرصاص الذي يقطف الرؤوس حوله .
عشق بندقيته..
سماها شقراء .. أحبها ..غنى لها بصوته العذب الذي كان يأخذ بقلوب الشباب حوله إذا ما بدأ حداء الروح حول جلسات الشاي الأخضر.
كان يغني لشقرائه..
شقراء نادت ويك صخري دلني
و ارمي العدا بالنار و املأ مخزني
أرني الجماجم ساقطات في الثرى..
واقدم عليهم مثلما عودتني ..
فأجبتها مهلا إني قادم ..
.. ..
وبقيت شقراء بعد رحيله معلقة على الجدار تأبى أن يحملها أشباه الرجال .. من يقوى أن يمنحها دفء وعناد وجنون صخري.؟؟
ورحل الصخري..
يومها كان مهاجما لمواقع العدو حول مطار جلال آباد ، كانت المعركة محتدمة كالجحيم لكنهم كانوا يتقدمون تحت قيادة أزمراي بثبات .. وفجأة هوت قذيفة بينهم ، سقط
كل من سراقة وعابد الشيخ دون حراك ، وهوى الصخري في بركة دماء ، كان المشهد حزين التفاصيل ، انحنى أزمراي على رفيق العمر رفيق الروح والمزاح وابن سرب المليشيا
كي يقبله ويمسح الغبار والدم ، كانت عيون صخري تتشبث بأزمراي وكأنه الوداع الأخير والوصية الأخيرة ..والاعتذار الأخير عن توقف العطاء وعدم إمكانية التقدم أكثر
نحو العدو.!!.
كانت ساق الصخري مهشمة والدم ينزف من باقي جسده من أثر الشظايا ، لكن أزمراي كان يحاول أن يوحي له بعينيه أن الأمر بسيط وستعود مرة أخرى ، رغم أنه بخبرته الطويلة
مع أرواح الشهداء في لحظاتها الأخيرة كان يعرف أنها لحظات الوداع باتجاه القناديل ، كان ازمراي لا يصدق أن قذيفة كهذه تأخذ منه ثلاثة من خيرة مقاتليه فلا طالما
آلاف القذائف انفجرت أقرب من تلك وكان دائما الصخري ينجو منها ، لكنه القدر.
انحنى ازمري على الصخري،.. قبله..مسح الغبار ببطيء..كان يحيرني دائما هذا الازمراي فدائما في الخط الأول ووسط النيران ، يكون عنيدا وصارما كأنك لم تعرفه من
قبل، دائما كان يؤجل دموعه وشجنه لاحقا ..إلا يوم شفيق.. يومها ترك سلاحه وجرى.. بعيدا إلى قمة الجبل..آه من ذاك اليوم..سأخبرك عنه لاحقا .
سُحب الصخري ..كومة لحم مختلطة بدم وغبار من بين يدي أزمراي لعربة الإسعاف وهو يتمتم بالشهادة
وانغمسبعده ازمراي في القتال مرة أخرى ..يلفه الغبار والدخان ورائحة البارود معبأ بها المكان ، وخلفه على الأرض بقايا ثلاثة رجال قد رحلوا..كان يقاتل وكان ينتقم،
وكان يكتم نار دموعه المؤجلة حتى دخل إلى كل مواقع العدو
أزمراي لا تحمله كتب التاريخ لكن الآن حملته زنزانة انفرادية قذرة في أمريكا لأنه ينتمى لأمة لا تستحي وهي تتبرئ منه خوفا على ذل استبد بها ..لوكان روميا لافتدته
كل الجيوش..وكانت صوره على كراسات الصغار في فصول الدراسة..
آه..اخذتني تلك الشجون بعيدا ...وأعود بك إلى لحظة وداع أمى على الهاتف لا أدري لماذا أجلت الاتصال بعبد الرحيم زميل الجامعة ، قد كنت أطلب هدوئا و وجدتني
مدفوعا بجمال إسلام آباد الأخضر أسير في طرقاتها وبين بيوتها المنخفضة المزينة بالقرميد الأحمر.. كانت رائعة لقد بنيت إسلام آباد بعد أن شقت شوارعها وبيوتها
داخل غابة طبيعية ، فكانت تحفة من الطبيعة والمعمار والهدوء الذي لم يكن يعكره سوى نعيق غربان كانت لكثرتها ملفتة للنظر.
في المساء من الفندق اتصلت على عبد الرحيم ، جاءني بعد دقائق لم يكن يصدق أني أمامه ، كان يضحك وتابع السلام بخليط من العربي والفارسي ، ما كان يصدق أني سآتي
كان يظن حديثي القديم معه هو مجرد أشواق ورفع معنويات ليس إلا.
كان عناقه قوي فالأفغان سلامهم وترحيبهم ليس عادي إنه عناق وضرب الأكتاف بالأكتاف، شعب لن يتكرر مرة أخرى في الجغرافيا والتاريخ ، شعب لا يعرف اللون الرمادي
متطرف في كل شيء ، الشجاعة حتى الجنون ، الوفاء حتى يضيع ملكا مثل ( الملا عمر) الذي وفاءا للدين ترك ملكا من بين يديه..كان يستطيع أن يهرب منه لأي فتوى للمصلحة
العامة تبقيه على كرسيه ، وأيضا في المقابل ستجدين تطرفا في الغدر والخيانة ، دائما كنت أمزح مع قادتهم إذا ما دعونا إلي العشاء..وأقول : أتمنى أن لا يكون العشاء
الأخير. فتلك عادة بعض القادة المعروفين بالغدر ، يدعو ضحيته لعشاء دسم وبعد أن ينتهي العشاء يتحول الضيف إلى جثة متفحمة بالقذائف والرصاص في كمين غير بعيد
عن مائدة الكرم،وباقي الطعام لازال ساخنا .
لقد ظللت ساعات مع عبد الرحيم الهيراتي في بهو الفندق نقلب صفحات الذاكرة المشتركة بيننا والمنفردة لكل منا خلال عام افترقنا فيه ، فقد جاء هو إلى مخيمات المهاجرين
ومكاتب المجاهدين بعد أن علق دراسته في الجامعة ، وبقيت أنا أنتظر التأشيرة كي ألحق به كان الحديث بدفء القهوة التي في فمي ،..وبمرارة الشاي الأخضر الذي في
يده ، كانت المرايا في البهو حولنا ، تفضح الابتسام والحزن والصمت الذي كان يهاجمنا كألوان إشارات المرور فلقد كانت ذاكرة كل منا تحمل ألوان الطيف وألوان الفجيعة
.
سألني عن الجامعة في المدينة ...واستنطقته بين حزنه وقهره عن مخيمات العراء للمهاجرين الأفغان والرصاص الشحيح في يدي المجاهدين .
وفجأة قهقه بلا مقدمات وقال: تعرف ؟
أنا لا أستطيع أن أنسى مسرحيتك الصامتة عن فلسطين والأخرى الصاخبة عن أفغانستان ، مازلت أحتفظ بصورتك وأنت ترتدي نظارة على عين واحدة مثل موشي ديان ، لحظتها
ابتسمت وفي نفس الوقت أشعلت تنهيدة من أعماق الذاكرة ..
وقلت له : تعرف!! تلك كانت المرة الأولى التي ترفع فيها ستائر مسرح الجامعة منذ أن شيدته الشركة اللبنانية على أحدث طراز لكنه بقي للعناكب والصمت.
لقد اجتهدنا أسابيع ونحن نعده وننفض الغبار عن المؤثرات الصوتية والضوئية التي كان يزخر بها حتى خرج ذاك الحفل الذي أبهر الجميع، ما كان أحد من الحضور والذين
جاءوا من جامعات ومدارس المدينة المختلفة يتوقع هذا التوهج وكل تلك الطاقات التي جسدت فلسطين وأفغانستان...فأضحكت وأبكت الحضور في نفس الوقت.
وفي توتر أضفت :كان هناك رجلا في الظل هو الذي فجر كل تلك الطاقات فينا إنه الدكتور موسى القرني عميد شؤون الطلاب الذي وقف معنا متحديا تلك العقبات وكل تلك
العقول التي لا تؤمن إلا بنصف الحقيقة..!!
قاطعني عبد الرحيم في لهفة قال : أين هو الآن ؟
وكأنه ثقب في جدار الرئة شباكا للحريق قلت له لقد ارتكبت مذبحة بعد رحيلك في بداية هذا العام .
لقد تم تطهير الجامعة من كل تلك الشموع التي احترقت طويلا ..وأضاءت في الأمة من أندونيسيا حتى البرازيل لقد أصبح عدد الطلاب في الجامعة حوالي 76 جنسية من أقصى
الشرق إلي أقصى الغرب ، لقد أطفئت كل تلك الشموع عمداً..كي يبقى نصف الدين ..ونصف الحقيقة ..وكثيراً من البخور والعود الذي يحرق ليعطر أعطاف حكام لست أدري أهم
في خانة الحكم الجبري ..أم الحكم العضوض ..وكأني كنت أحمل لعبد الرحيم جنازة وليس حديث ذكريات أضفت : تعرف عميد شئون الطلاب الجديد ما درجته العلمية ؟؟
بسخرية قال: الدكتوراه في التربية أكيد .. !!
وبسخرية أكبر قلت بل عقيد أمن ، ارتكب في أول أسبوع من توليه ذاك المنصب مذبحة للطلاب الآسيويين والأفارقة كان كثير منهم علي أبواب التخرج ، لقد رحل هؤلاء الطلاب
إلي جامعات قم و مشهد .
ثم استدعاني بعدها ذاك العقيد إلي مكتبه المزين بالهوائيات وكأنه وضعها عمداً لإرهاب الطلاب والموظفين : يومها فتح معي تحقيق طويل عن تفاصيل المخيمات وهل الأعلام
التي
رفعناها في المخيمات كانت تدل علي أي اتجاهات فكرية ، يومها أصبت بالغثيان من بلادة الأسئلة، وفي نهاية التحقيق وبضحكة ماكرة قال : أظن انك في السنة النهائية
وستحتاج إلي التفرغ والاجتهاد في الدراسة .
فأومأت له بالموافقة..ما كان يعرف أنني قد اعتزلت كل الأنشطة الجامعية الجديدة قبل أن أدخل مكتبه ما كنت أقبل لنفسي أن أكون جزءا من أنشطة تخرج من عباءة الأمن
متشحة بصبغة الإسلام .
لكنه أكيد عرف أني قد تركت الجوالة منذ أن جاءني نائبه مصري الجنسية إلى مخيم الجوالة الأول في العام الدراسي الجديد وكان الهلع والخوف باديًان عليه ، وأخذني
من بين زملائي جانباً وقال: إن الأستاذ عوض العميد الجديد يقول أنك تقوم بتدريب الطلاب في الجوالة تدريبات عسكرية .. فقهقهت ساخرًا .. وبمرارة قلت له إن كان..
استرح .. استعد .. وبعض الزحف وبعض عٌقد الحبال ..والسير بالنجوم ليلاً هي تدريبات عسكرية .. إذاًً فاستلم المخيم الآن .
كنت أعرف أن هذا أول تدخل ولن يكون الأخير وما كنت على استعداد أن أنحني ولو إغماضة عين..
يومها بأسى وحزن خلعت منديل الجوالة الذي ارتديته سنوات طويلة وسافرت به فجاجاً كثيرة وجبال وشواطئ ... وخلعت وأنهيت سنوات من المتعة والإرهاق مع أصحابي لقد
كنا نحاول التغير في قوانين وعادات تلك الجوالة حتى تكون مشبعة بروح الإسلام والتضحية.
يومها انسحب خلفي الفريق الذي عملت معه ثلاث سنوات وكانوا كألوان الطيف من نيجيريا و يوغسلافيا وماليزيا والمغرب .. كانوا أربعة وعشرون رجلاً من أربعة وعشرين
بلداً.
لقد اغتال حقد رجل واحد مدجج بالتقارير والمنصب الخواء عرق سنين وتعب رجال.. لقد كانت السلبية هي السمة الأكثر شيوعاً في ذاك الزمن .. لكن الآن وأنا أكتب لك
تلك الرسائل قد تغير الوضع هناك ... صوت الحقيقة أصبح له وهج وتلك الأصوات التي كانت عالية بالنفاق الآن تتراجع وتستحي.. فلقد عبر حاجز الخوف والقتل آلاف الرجال
... والنت خلق جيل
جديد يهابه أهل السطوة .. أصبح هذا الجيل يعرف الحقائق خارج نشرة الاستقبال والتوديع اليومية التي تخفي الحقائق المرة .
وبعد أن توقف بوحي لعبد الرحيم .. استنطقته بصعوبة .. كأني أفتح طريقا في الأسلاك الشائكة بين عينيه وقلبه وشفتيه.. كان الحديث عن مخيمات العراء لنسوة لم تراهم
الشمس ولا العيون الجائعة ..حديث حزن .. فمن يعرف عادات الأفغان سيحس بالقهر وهو يرى النساء المحافظات فجأة مهاجرات في العراء لا شيء يسترهن غير ثيابهن ، يعذبهن
بكاء أطفال ليل نهار .. بلا طعام ولا حليب .. ولا ماء .. نعم حتى الماء لم يكن سهلا..
حكى لي كيف أصبحت تلك العوائل العفيفة فجأة بضاعة للعيون والكاميرات وموظفي الصليب الأحمر وأباطرة الأمم المتحدة ..كان الكل يتوسل بمعاناتهم ثم يمنحهم الفتات
بعد أن يأخذ ألف صورة معبرة مع تلك الوجوه البائسة .
يومها كلمني أيضاً بقهر الرجال .. عن ضيق ذات اليد وذات الرصاص في الجبهات .. بينما بعض الجيوب الكاذبة في باكستان قد أتخمت وادعت زوراً الجهاد .
وانتهى حديثنا بعد أن رتبنا موعد سفري صباحاً إلى بيشاور الحدودية ، ودعني عبد الرحيم على باب الفندق ودون أن ينظر في عيني كي يرى إجابة دعوته قال : نحن مدعوان
مساءاً على العشاء عند رجل عشق الأفغان وأصبحوا همه بالليل وألمه بالنهار وقد أخبرته بوصولك وهو ينتظرنا الليلة.
قلت له : رجاءاً اتركني استريح الليلة .. أنت تعرفني لا أحب الاجتماعيات كثيراً ، ثم كيف تقول رجل ينتظرني وهو لا يعرفني !!؟؟
لم أكمل كلماتي حتى رد عبد الرحيم بعناد أفغاني : لن أخبرك من هو ، لكن لا بد أن تذهب إليه فهو ينتظرنا .
غادرني عبد الرحيم ملوحاً بيده ومبتسماً.
وتركني وحدي أتسلق سلم الحيرة والأسئلة ترى من يكون هذا الرجل صاحب الدعوة .
في المساء وصلنا إلى بيت أنيق وبسيط في ضاحية جامعة إسلام أباد وما أن اجتزنا البوابة الخارجية حتى أطل علينا رجل له مهابة ، هناك رجال يدخلون الى بؤرة العين
ويذهبوا دون أن تراهم وهناك رجال من هامش الرؤيا يقتحمونك كان الرجل في نهايات
الأربعينات من العمر كانت له مهابة ، ملامحه مألوفة للقلب وبعض الشيب قد زين لحيته بوقار و وضاءة . تقدم إلي وضمني ويده تسحق يدي بقوة كان رياضيًا وسحنته لا
تنطق إلا بأنه مقاتل قديم ، لقد ضمني بمثل عناق الأفغان وهو يقول (اللهم اغفر لي ولأخي) ، كان هذا الدعاء هو سلامه مع الجميع .
وأنا في حيرتي تلك و إذا بصوت منخفض اسمع عبد الرحيم موجهاً خطابه لي: هل عرفته ؟! إنه الدكتور عبد الله عزام.
يا إلهي أردت أن أسلم عليه مرة أخرى إنه حقاً هو..!! لقد رأيت صورته من قبل وقرأت له عدة مقالات عن أفغانستان .
لا أدري يا عزيزتي لماذا وأنا أخبرك بلقاءي الأول به ، يتمدد بداخلي الحزن من جديد .. لقد كان أستاذ و عراب وشيخ الأفغان العرب .. وأصبحنا جميعاً و في دمنا
له دين عرفان ودعاء سواء اتفقنا معه أو اختلفنا.
فهو الذي وقف وحيداً يقاتل ويتحمل الأذى دون فتواه بفرضية العين لقتال الروس في أفغانستان.. كان يسهر الليالي يبحث في كل أمهات الكتب وفي النهار يقف منتصبا
بين المنابر
وجبهات القتال يطلب المدد والجنود والمال والسلاح .. لم يكن يمل، عامان ولم يصغي له غير بضعة عشر رجل .
كان الأسى والحزن في وجه وهو يلوم الحركات الإسلامية عن خذلانها وضنها بالرجال كان يغضب حين يقال له لقد سمعنا أن الجهاد بحاجة إلي مال وليس إلى رجال ..!! كان
يرد عليهم ..ولكن الرجال بحاجة إلى الجهاد .(آه يا سر الكلمات الست)
لقد حرك ذلك الرجل كل الأرواح والخطى المكبلة (باثاقلتم) وبدفء النساء وفتنة الأطفال إلى أفغانستان ، كان في البدء الخطى تأتي إليه معدودة بطيئة خائفة لكنها
في النهاية أصبحت كالموج ..جامحة الصهيل.
نعم خمسة أعوام مرت ما بين عناقي الأول للدكتور في بيته تلك الليلة وبين إغماض عينه مكحلة ببرود الإنفجار كان إنفجارا مروعا ومجنونا مزق أجساد ولديه أشلاءا
بقيت معلقة على أسلاك الكهرباء على بعد عشرات الأمتار من موقع الإنفجار، كان ابنه البكر محمد وصغيره الحب إبراهيم.. ورحلوا ثلاثتهم ... يومها بكينا ... بكينا
كل شيء الأب والأخ والمعلم
نعم لقد بكى من كانوا يخالفونه في الأفكار وطريقة العمل أكثر ممن كانوا يوافقونه .. لأنهم كانوا يبكون أنفسهم ويبكونه.
لقد وقف قبل مقتله بأسابيع على المنبر يدافع عن ذمته المالية وأهل بيته .
كنت أسمع خطبته الحزينة وأنا أزداد حيرة من أمة تهوى قطف الزهور التي نبتت في جفاف صحرائها الطويلة .
وصدق الله دفاعه فبعد أيام رحل جسده وبقيت وصيته مثقلة بالديون التي تطوع الكثير لأدائها عنه ، لقد بقيت وصيته.. تبكينا حروفها ونحن نرى عروق الدم والمسك بها..
نعم اختلفنا معه .. شاكسناه لكننا كنا نحبه أكثر من ذواتنا .
كانت خمسة أعوام بين عناقي الأول و انفجاره وكانت أكثر من خمسة عشر عاماً ما بين عناقي ونفس الشعور وأنا أعانق ابنه حذيفة على أبواب العراق قدراً بلا موعد ،
يومها بكى حذيفة لا أدري أكان يبكي فراقنا سبع سنوات أم يبكي التاريخ الذي ظهر له فجأة في سلامي فتذكر أباه و بيشاور.. و أفغانستان.
لقد كانت ليلة رائعة ليلتي الأولى مع الدكتور كان العشاء ..عشاء روح وعيون أكثر منه تخمة جسد.
كان يكرر ترحيبه لي وكنت أزداد حياءًا من قامته كان يكلمني كأني قائد كبير قد وصل لنصرة الأفغان .. فخفت أن يكون فهم خطأ أني عسكري أو لي خبرة قتالية سابقة
وأنا لا أعرف غير استرح .. استعد.. ومعلومات كشفية ظنها عميدنا الجديد عسكرية.
لكنني اطمأننت حين عرفت أن فكرته قائمة على أن أي عربي يأتي و يبقى داخل جبهة الأفغان فكأنه كتيبة كاملة.. وأن الأفغان تهون آلامهم ويتشبثون بالصبر وهم يرون
العربي الذي قطع آلاف الأميال وترك مخدعه المريح و جاء يشاركهم الجوع .. والسهر والنوم على حجارة الخنادق ويخوض معهم الرجولة في تلال الثلج وجنون الموت.
انتهى العشاء مع الدكتور لكن روحي كانت جائعة لتلك الحكايات التي كان يبوح بها عن الجهاد والأفغان وعشقه الأفغان .. كان يعرفهم اسماً اسماً و جبهة جبهة.
سألني حين هممت بالإنصراف أسئلة ظاهرها التعارف وباطنها حسه الأمني كي يستفيد من هذا الضيف الجديد في مشروعه الجديد الذي بدأ به ببضعة عشر رجل هم كل من وصل
من
العرب .. فأخبرته عن وجهة قدومي وانتسبت لرجل يعرفه بعمق من المدينة .. فضحك وقال : لن أتركك تذهب بمفردك إلى الداخل وطلب من عبد الرحيم تأجيل سفري .
وأنا أغادر الباب تنحى بي جانباً كان يبثني بأسى آلامه فرغم كل تلك الدماء التي أريقت في أفغانستان ورغم كل تلك الفتاوى لم يأتي غير قلة تعد على أصابع اليد
الواحدة وقال إنه يعول على تلك النخبة في إدخال المساعدات لجبهات القتال الكثير .
غادرته متحيراً فيه فهو يختلف عن علمائنا الذين اقتربت عاداتهم وأزيائهم من الرهبان .. لا يتكلمون إلا في المسموح لهم بنصف الدين لكنهم يصمتون عن نصف الدين
الآخر يفرقون بين آيات الجهاد وآيات الصوم وآيات الحكم والظلم ، يخفون على استحياء كل آيات القتال .. ومتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ..!!وتناسوا
أن الخيول من يوم بدر لم تسترح وأن حركة الزمن في المدينة كانت 70 في المئة لصالح الغزوات والسرايا.
كان هذا الرجل مختلفاً .. يعرف عن مؤامرات أمريكا مالا يعرفه ساسة إسلام أباد ، ويعرف عن ابن تيمية أكثر من آخرين ادّعوا العلم ، وكان يعرف عن عادات الأفغان
أكثر من جيرانهم.
وصلت بيشاور .. تلك المدينة التي لم تكن حروفها في النفس قد اكتست بعد بسحر وشموخ من عبروها .
إن الأرواح هي التي تصنع لنا جمال المكان ودفئه وتبعث فينا الحنين و الوله لذات الطرقات التي عانقنا فيها أحبتنا . لم أكن أتوقع أن تلك المدينة المتخلفة والقذرة
والتي تتقاطع في شوارعها شبكات الصرف الصحي المكشوفة لم أتوقع أنها ستصبح في قلوب الآلاف والملايين أجمل المدن المشاغبة في التاريخ . فكم عبرتها خطى الشهداء
وهم يرتدون الزي الأفغاني وينسابون ضحكة في مطاعمها.. و يتشاغبون في أسواقها من خيبر بازار إلى أبدره رود ثم تغمض عيونهم في بيت الأنصار في طمأنينة لا ينتظرون
طوارق الليل .. وأيضاً كانت تتبع خطواتهم خطوات الشياطين والعملاء وابن سلول يسري بالوقيعة بين القلوب .
أصبح اسمها يوحي لنا بالوطن وأصبحت بعدها أسأل كثيراً ما معنى كلمة وطن ..؟؟
هل الوطن هو الذي سمع صرخة ولادتي الأولى لكنه يصم آذانه عن كل صراخاتي في الزنازين بعد ذلك !!؟؟ و يغمض عينيه عن ذل يكبر فينا وخوف يرتدينا !
ولما لا يكون الوطن هي تلك المدن التي لم تنجبنا لكنها تحافظ على الإنسان المتهالك في جوانحنا .. لم يستقر في قرارتي بعد معنى الوطن .. لا تغريك تلك الأغاني
للوطن ولا الراقصين على هديرها.. فهم أول من يبيعه لحظة الحسم .. ولحظة الموت .
كانت بيشاور غريبة في كل شيء فهي عاصمة قبائل البشتون أولئك الرجال الذين أبادوا حملة الإنجليز التي تجرأت ودخلت إلى أراضيهم وتركوا فقط رجل واحد من أولئك الآلاف
هو طبيب الحملة الانجليزي كي يعود يحكي لقادته هول ما رأى وبعدها أصبحت تلك المنطقة تعيش بقانون خاص.. لا يوجد مثله في العالم .. قانون باختصار هو : الطريق
المعبد بالإسفلت يخضع لقانون الحكومة وما دونه فهو لحكم القبائل .. هناك فرق بين أن تقتل رجلاً على الإسفلت أو تقتله بعيداً منه بنصف متر ..
فالفرق بين الإسفلت والتراب هو الفرق بين قانون الحكومة وقانون القبائل.
هنا توقف قلم مهند شبانة .
نسأل الله أن يفك أسره و يرده إلى أهله سالماً .
كما نسأل الله أن يوفقه إلى إكمال هذه الملحمة.
سمعت أن السودان سلمته إلى مصر و لا أدري ما فعلوا به . لكن هذه الأمانة التي تركها عندي أثقلت كاهلي لمدة أكثر من ثلاث سنوات ، رغم أنه عندما كتبها لي أعطاني
الإذن بنشرها و ترك لي الحرية الكاملة في أن أضع اسمه عليها أو أن أنشرها بدون اسم أو بالأحرف الأولى من اسمه فقط.
لكني كنت خلال هذه السنوات أرجو أن أتمكن من الاتصال به ثانية لأرى إن كان قد كتب شيئا أو غير رأيه في شيء . و كنت أخاف أن يؤثر نشرها عليه بشكل أو بآخر.
و لما طالت المدة و رأيت أن الأمة و الشباب بصفة خاصة بحاجة لقراءة تاريخ هؤلاء الشباب بأقلامهم . قررت بعد مشاورة من أثق بهم من أهل الخير نشرها .
ليقرأ الناس طرفا من هذا التاريخ الذي لم يكتب و لتقرأ الأمة الجوانب المضيئة من شخصية أولئك الشباب الذين طالما ظلمتهم و شوهت صورتهم و لم تعرف عنهم إلا ما
يذاع من قبل أعدائهم .
محمد ياسر
294