الفصل الثاني
اليوم الخامس لي في هذا السجن وأحس بنشاط كبير، وتعود جسدي على الروتين اليومي، الذي أصبح صوتي جزءاً منه، وأنا أبرر وجودي هنا ، وأكرر تهمتي وأرفقها برقم المادة
179 وأيضاً أتبادل تلك التحية الخجلى مع اللصوص والمجرمين والمظلومين والسياسيين، أضفت لثقافتي معلومات جديده ، الناس هنا لا يشرحون لك ماذا فعلوا لكنهم يختصرون
كل ما حدث لهم في رقم هو مادة الجريمة، رقم 130 يثير الانتباه والفزع فهو جناية القتل العمد تعرفت على أحمد المتهم بتلك المادة لكنه يصر على براءته ، الكل
يتعاطف معه ربما لانه رجل في حكم الميت يعيش بيننا ؟؟ وعرفت أن جريمتي 179 وهي أجمل الجرائم هنا فيتاح لصاحبها مالا يتاح لغيره من وسائل الراحة والرفاهية
هنا وجدت السياسين أيضا يقتسمون معنا الزنازين ! أليس دائماً الثورة تأكل أبناءها؟! كنت أراهن أن هذه الثورة مختلفة، لذا رحلت إليها أطلب وطناً، لكن الثورة
هذه المرة أكلت أباها و عرابها وشيخها.
سيدتي.. الآن أحس بشفافية أكثر، وإن عين الروح التي أتعمق بها في النفوس الغامضة والممتلئة بالخوف والفرح المسماة بشر أكثر حدة وأكثر صفاءاً من قبل. ربما أرواحنا
تحتاج فترة ما تبتعد عن ضجيج العادات والولائم المدفوعة الأجر، والضحكات المصطنعة التي تتلقف ابتسامتك كي تكون معك في الصورة، تلك الصورة المزيفة من الحياة،
التي تمحى ألوانها في أول هفوة. الآن أحسست أن الألوان الحقيقة بالنسبة لي لم تظهر إلا في قمتين: قمة الحرية.. وقمة القيد.. قمة الحرية وأنا في خط القتال الأول،
تحت سلطان الموت معلقاً بتلك الرحمة التي تفصلني ما بين الجنة أو النار. حيث هناك تكون الألوان زاهية، الموت.. الحياة.. الشجاعة.. الخوف.. التضحية.. والدم
القاني يرشح على ملابسك، عندما يهمس لك توأم رصاصتك: (إني أحبك)، ولا تكملها حنجرته وهي تتدحرج على سلم الرصاص الذي اغتاله، حينما وقف منتصباً يحميك بجسده وبالأحمر
القاني.
وأيضاً في قمة القيد تصبح الألوان ناصعة، وأنت في ثياب السجن الخشنة، التي تجعل الناس سواسية لا فرق بين لص.. وقاتل..
وسياسي.. ومظلوم.. وتصبح كل الألوان بلا رتوش ولا نفاق، وتتساقط عن جسدك كالخريف عيوناً كم كنت تحبها، وتورق في قلبك عيوناً أخرى لم تكن تراها، كانت بعيدة عنك
وعن كعكة النفاق. لقد عشتُ ألوان اللوحة الأولى بألقها عشرة أعوام، وها أنا.. قد بدأت في عبور اللوحة الثانية، وما بينهما كانت خمس أعوام باهتة.
تأخذني الحيرة كيف أبدأ الحكاية معك، هل أبدأها بأجمل الوجوه التي تمنحنا دائماً حب الحياة كي نعيد تمثيل أدوارهم المستحيلة مرة أخرى؟ أم بالتاريخ الذي لا
يرحم، يمنح الشهرة للأبطال، وهو يرفع هامتهم، وأيضاً يفضح بالشهرة الخائنين وهو يدوسهم. أم أبدأ بأشهر المعارك التي لم تجف دمائها بعد؟ وأشهر السجون التي لم
تفرغ رحمها بعد؟
أم أبدأ .. بخطواتي الأوليلاقتحام هذا العالم الغرائبي والكوكب
الذي علمني سر الكلمات الست.
طوال ليلة الأمس كانت معي وجوه ثمانية رجال، لا أدري لماذا وجوههم ثبتت بالعطر في صمت الذاكرة رغم أن مئة وجه شهيد آخر قد عبرني معهم ، كم هي معذبة للقلب تلك
الصداقات التي تعرف من بدايتها حتمية الوداع، فركاب القطار معك تذاكرهم ذات اتجاه واحد .ولا أحد يعرف في أي محطة سيذوب في شعاع الضوء إلى السماء، لا أحد يعرف
من سيترجل قبل من .
كثير هم الذين منحوني مقاعد قلوبهم لشهر أو شهرين ثم رحلوا بعد أن احتلوا قلبي إلى باقي العمر..
لكن هؤلاء الثمانية لا أدري لم في كل محطات حياتي يصعدون إلي ويقاسموني كل حياتي ، أربعة أوجه من السحاب وأربعة من رائحة السجن، ربما جاءوا يواسونني ويسامروني،
كعادتنا سنين طويلة، ونحن نتعاطى حكايات الفداء على رائحة الشاي الأخضر المر، حتى فرقنا حقد أمريكا والسبعين حرامي !
أو ربما استدعيتهم كي أكون أجمل وأنا أناديهم بأسمائهم دون ألقاب، ليعلم العالم أنهم قاسموني ذات وفاء غرفتي وقلبي وأروع أيام العمر ثم احرقوا عيني بالذكريات
التي لن تعود، لكنني الآن أخفي وجهي منهم خجلاً.
هم الآن ثلاثة في سجون أمريكا، وآخر كما يقول العرب في (أبو زعبل)، وخامس تسلق سلم دمه إلى السماء بعد أن أنهكته الجبال والانفجارات وحروبه الثلاث، وسادس صنع
بجسده النحيل_ الذي تبخر ضباب أحمر قاني _غمامة تحمي اخوانه و تؤخر تقدم العدو، وسابع فقد ساقه في لغم وبعد أن ارتدى ساقاً خشبيةً، وقاد آخر معاركه ووقف وحيدا
يقاتل دبابة بعد أن
انسحب الناس من حوله فاغتاله لغم آخروبقي ينزف حتى المساء وهو يصعد الجبل على ظهر دابة .
وثامن كان صوته إذا يأتيك على جهاز اللاسلكي ضاحكا حتى وأنت محاصر و حولك مئة دبابة وفوقك جحيم الطائرات فانك لا تبالي لأنه يمنحك أمانا ودفئا ..بقيادته وبرودة
اعصابه وسط الموت الغاضب بالطائرات والدبابات، لا تمنحه لك كل الأسلحة التي في حوزتك إنه أبو حفص المصري ...الذي كان يدفئني صوته في ملحمة العيد في مأسدة الأنصار..كنت
ألتحف بصوته رغم البرد والقصف المجنون في كل خمس ثواني قذيفة كانت تهوي على غرفتنا بتبة بدر.
أحس بهم الآن بعناقهم الدافئ، فمن يوقف اللحظة ..والزمن..كي لا يختفوا حين يعرفوا لم أنا في هذا السجن الآن تحت المادة 179..ألمٌ أحس به يأتني عميقاً حينما
أتذكر أني ضيعت (الكلمات الست). فسجنتُ لخيانتها!
لكنهم جميعا سجنوا وقتلوا في سبيلها! الآن يأتوني كأرواح تعشق ذات المزاح القديم، وتلك الإبتسامة التي لا تفارقهم أبداً حتى في أعنف لحظات الموت وقساوة القصف.
الآن يأتوني في سجني وجهاً وجهاً.. .يمنحوا فلبي عصا التوكؤ وأكسجين الروح كي لا أنهار.
( أزمراي).. اسمه الذي اختاره لنفسه عندما ترك الصف الثاني الثانوي بمدرسة الأنصار بالمدبنة المنورة ووصل أفغانستان وتعني بلغة الافغان الأسد ..!! و( اسامة
) هو اسمه الحقيقي.. ووجه رافقني كل سنين الترحال.....و(ابن فرغانة) او البخاري لقب أمازحه به فهو ممن هاجر ابويه من هناك إلي المدينة المنورة قبل سقوط بلاد
ما وراء النهر في قبضة الشيوعية الدموية التي شردتهم ..هل كان ازمراي في عقله الباطن يدافع عن الأفغان وفي ذات الوقت ياخذ ثأر عائلته التي طردت من بيوتها ومزارعها
وتشردت بين المدينة المنورة و أفغانستان على يد روسيا الحمراء..أعرف فقط أنه كان يدور حيث تكون رقاب المسلمين على المقصلة و يعانون القتل والتشريد ، إنه توأم
الروح لتسعة أعوام، ورجل رأيته يقع على الموت فلا يموت ، دائما يذهب بالرجال لخط الموت الأول ويعود لنا محملا بوصاياهم ، يقولون عنه كان بألف رجل ، لم يشهد
أحد أنه انحنى يوما للرصاص ،
لكني كنت أراه ينحني لوردة يحدثها بصمت العاشقين ، ..كنا إذا نزلنا إلى اسلام آباد فلابد أن نعرج على محل زهور النرجس ، كان يجلس طويلا هناك وهو يتنقل ويختار
، وبصعوبة يستطيع أن يمسك بالورود بيده التي طارت أصابعها ذات انفجار تمزق فيه جسده، كان يتنقل بك في قمة القتال، والقذائف إعصارا يطيح بالرؤوس إلى رومانسية
تميز بها ذاك السرب ( المليشيا ) .
وكان من خصوصياتهم ..أنهم لا يقاتلون حبا في القتل..لكن من يدفع الروس بجبروتهم عن دماء المسلمين ؟؟ ، ربماهو الآن قابع في سجن انفرادي في أحد سجون أمريكا..فقد
حاول الهرب من بين كل تلك الأسوار والحراسات هكذا أخبرني ضابط ( الإف بي أي ) وهو يحقق معي ..كان يتهمني أني ساعدته على الهرب ..!! وكانت اجابتي ممتلئة بالسخرية
من هكذا اتهام حتى بدا عليهم الغضب وخاصة على المترجم اللبناني الذي كان يرافقهم ،كنت معللا سخريتي بأني لا اعرف في أي ولاية قد سجن ..فكيف أساعده على الهرب
،وقتها غمرني فرح كاذب هل حقا الأفكار يمكن أن تتحق دون فعل ..وسخرت من نفسي أيضا بمرارة
وانا اتسائل..هل فعلت كل مايمكن أن أفعله من أجل أن أفك أسره ؟؟؟....بالطبع لا..!!!
فقط لحظتها أحسست برهبة ذاك الحكم ..الذي يلزم كل المسلمين بتخليص أسراهم و إلا تأثم الأمة كلها بمليارها البشرية ، كنت ..أتمنى أن أكون أنا الذي فعلت كي يستريح
ضميري..لكني أعرف ازمراي ، ربما يبقى عشرين عاما أخرى يحاول الهرب ولا يمل ، فهو ..لا يقبل بنصف الهوان ..وقد هرب من قبل من سجن عسكري في الفلبين وسط الحراسة
المشددة وكان موضوعا في القيد ومسجونا في زنزانة داخل معسكر للجيش الفلبيني ..قالوا بعد ما هرب بقي يعيش في المقابر والغابات ويقتات على النفايات بلا طعام
ولا مال حتي تمكن من الهرب، لكنه ألقي القبض عليه في ما بعد بماليزيا بشباك النمور...الآن أتذكره في معارك جلال آباد وكيف كانت الأحداق تدور حين يبدأ ينتقي
رجاله ..الذين سيرافقوه لخط النار ..لأننا كنا نعتبرهم شهداء لم يستشهدوا بعد ..أذكر كيف كان يعشق أن يتعاطي شعر الحماسة من التراث .
وبقي أسامة حرا ..عصيا على الترويض هو وسربه الصغير الذي عرف فيما بعد بمجموعة (المليشيا) تلك المجموعة التي أدارت عقارب التاريخ لصالحنا من تحت أنف الروم
الجدد ولحقت بها من بعد كل ألوان الطيف المقاتل..سأعود أخبرك بكل حكاياته وحكاياتهم ..فهم أصل الحكاية..وسر البوح .
وجه ثاني .. خالد الشيخ..او ( كي اس ام ) كما يسميه الأمريكان لا أعرف أهو الآن في سجون السبعين حرامي ومغارات تعذيبهم فقد حصلت إحدى الدول العربية على التوكيل
الرسمي لإجراء التعذيب والتحقيق لصالح الأمريكان ، أو ربما هو موجود الآن في أحد سجون أمريكا العسكرية! ..
وصل خالد أفغانستان وعمره 22 عاما قادما من أمريكا بعد أن أنهي دراسة الهندسة وفي بوتقة المليشيا تبرعم وكان ..خجولا لكنه يضفي مرحا في أي مكان يحط فيه ، أوسعنا
له ..في غرفتنا الصغيرة ..فرشة نوم على الأرض ورف خزانة ، وكل دفء القلب كنا نشاغبه ونناديه (خروف ربنا)، من كثرة شعره الذي يتمدد في كل مكان بجسده! إنه عقدة
أمريكا الأولى الآن، لذا
كان أول انسان استجوبتني الاف بي اي عنه ..كنت اعرف لماذا يسألون عنه ...فهو من العائلة التي.يقال أنها استهوت وتطوعت وحدها لدق المسامير في نعش امريكا وبدا
مسمارها الأول عام 1993 بواسطة ابن شقيقته (الذي اشتهر باسم رمزي يوسف ) كما تقول وثائق محاكمته .
(الافي بي أي ) وحدهم يعرفون ذاك الرهان الذي تم في سماء نيويورك بين رمزي يوسف المعتقل وضابط (الاف بي أي ) الذي كان يمارس عليه الحرب النفسية وهو ينقله بمروحية
في سماء نيويورك إلى السجن ونقلته إحدى الصحف الأمريكية يومها استعراضا وزهوا بالقبض على رمزي .
قال ضابط( الاف بي أي) لرمزي وكانوا يحلقون بجوار البرجين التوئمين : انظر هذا مركز التجارة بقي شامخا لم تستطع أن تنال منه.
رد رمزي في برودة الأعصاب التي يشتهر بها دائما : لم أكن أملك من المال مايكفي لهدم هذا المركز الذي يمد اسرائيل بالحياة لكنهما حتما سيسقطا حين يتوفر المال
لآخرين .
كان غرور الضابط أكبر من أن يفهم الرسالة ربما!!
كان هذا الحوار الذي قرأته في إحدى المجلات وتم في سماء نيويورك قبل عدة سنوات من تهاوي المركز في تراجيديا .خيالية بعيدا عن كل الواقع وكل الخيال الهليودي.يشكل
علامة استفهام كبيرة في نفسي .
لقد استشهد عابد شقيق خالد الأكبر في أفغانستان وهو يقاتل في جلال آباد مع ازمراي ...إنها عائلة عنيده خارج النص اليومي للشعوب يقولون إنهم من أصل بلوشي
ومواليد الكويت ..واكتوت في نار البدون ؟؟ (بدون ) .؟؟ أقبح اسم ممكن أن يحمله انسان !!
(وديع الماروني) ابن شيوخ الكتائب، دخل الإسلام في مرحلة الثانوية، واضطهد وحبس في بيت العائلة، لكنه صبر .ثم عرف سر (الكلمات الست) وخبئ روحها في روحه، فوقف
أمام المحكمة في نيويورك يصنع للتاريخ وجها آخر، وهو يدافع عن إسلامه، قاومت غاشية الدموع يوم محاكمته حينما عرفت أن من وقف في المحكمة يشهد عليه هو الرجل نفسه
الذي دله على
الطريق! كان وديع يوم المحاكمة فارع الشموخ معتدا بنور أشرق في قلبه فهو (مصعبنا) الجديد وبقايا من (آل ياسر).
ثم خطاب. بركتنا وزكاة سربنا، التي حلت لعنة بالروس أينما حلوا، كان وجهه بالرعب أسبق للجنود من طائراتهم ، ذلك الرجل الذي قاتل الروس وهزمهم في ثلاثة بلدان!
كتبت عنه اخت فاضلة اسمها جواهر مقالة رائعة اسمتها جيفارا الذي لنا..!!!وعجيب أن لا يكون خطاب الذي لنا لأننا أمة لا تعرف أبطالها الا من أفواه أعدائها .
لكني أبدأ لك بوجه مختلف أحسست حياله بظلم ..وتشهير ما كان يستحقه
ابو عنتر...الذي غادرنا عندما فُتحت كابول وظن أن مهمته انتهت، وذهب إلى إحدى دول الخليج، ليعيش كالملاين ويطعم صغاره.. ولكن ؟! سُلّم إلى بلده، قيل أنه عُذب
حتى أخرجوه على التلفاز يعلن توبته! لكنه بقي في نفوس أكثر من ألف رجل قد عرفوه وقت الشده.. وهربهم.. وأطعمهم تحت القصف.. هو أبو عنتر!.. ولن ينسوه..
لقد جاءني _ في صيف 95 _ أحدهم منزعجا يخبرني بأن أبو عنتر قد خرج على التلفزيون المصري يعلن توبته ..وكان ظاهرا على وجههه ملامح العلاقات العربية الحميمة
بين الحاكم والرعية..حين يجرب أحدهم الخروج على النص الحكومي الذي يوزع علينا مع الصحف اليومية.
من السهل أن تعذب شخصا أعزلا ومحصورا كي يكذب عليك ساعة..لكن من الصعب أن تبقيه كاذبا خمسة اعوام من التضحية يسير في رحلة الموت اليومي..رحلة الفجر والعصر
أبو عنتر.. ؟؟!!! ..نعم كان هذا اسمه وهذا اختياره للقبه الجديد الذي سيواجه به الموت،كان وجهه الأسمر لازال يحمل ندبات صخب الباطنية ومشاحناتها حينما قرر أن
ينتقل من المقاهي والحواري الخلفية لحي الباطنية، وينضم إلى جسر الحياة من نفق الموت،لم أسأله يوما لماذا اختار هذا الإسم الغريب ؟؟ الذي لم يختاره أحد سواه،
من بين أكثر من عشرة ألاف رجل عبروا المطارات والخنادق وأكفان الشهادة المؤدية إلى أفغانستان..وكانوا يستلهمون أسماء التاريخ ..ومعاركنا الأولي والفتح ، مثل
:
أبو عبيدة..أو القعقاع..لكن أبو عنتر عندما قرر فجأة أن يتغير وكان على عجلة من أمره لم يكن في جعبته غير أساطير الحواري وحكاية عنترة وأبو زيد الهلالي.
لقد اتخذ قراره الأصعب في حياته وهو أن يكون رقما كبيرا يقبل أن يتضاعف الى سبعمائة سنبلة..وأن يغادر صفر حياته.. صفر دائما بلا قيمة على شمال واحد الحكومة..
ذاك الواحد الذي يحيل كل الملايين الكادحة الى أصفار باردة ،
وجاء إلى افغانستان ومعه لغة الباطنية التي أصابها بعض تهذيب المكان والروح .. لكن بقي ترخيم الصوت في أحرف معينه.. والقفشات التي تباغتك من الضحك ..تذكرك
بحواري القاهرة الموغلة في المشربيات ورنين بائع العرقسوس!!! كثيراً ما كنا نداري الضحك بأكف الدهشة وشرطة الحدود الباكستانية ينادون علينا هاتفين من بعيد
في ما يشبه التحية : (السح.. ادح.. امبو)!!!...كانوا يظنون أن تلك الكلمات هي شئ يشبه تحية العرب! ما كانوا يعرفوا أن أبو عنتر يشاكسهم بتلك الكلمات ساخرا
كعادته، حينما يكون قد خبئ في رحلته اليومية بسيارته البيك اب الزرقاء عبر نفق الموت و الحدود بين
أفغانستان وباكستان ما لا يحمد عقباه، وحده كان يستطيع أن يعبر تلك الحدود، ويهرب الاشخاص والطعام والعتاد وفي أصعب أوقات التشدد والمنع الباكستاني، قد كان
وحده كتيبة إمداد صنعت المعجزات في أحلك الأيام!!!
كان بعض من يغريهم الشيطان بعلمهم وكثرة تدينهم عندما ينفردوا بلحظات القصف والموت ، كانوا يخفضون أجنحتهم رحمة لذلك الرجل الأمي الذي لاينام الليل متجولا
بين الأسواق كي يجهز حمولة الإمداد الصباحية لرحلته اليومية للجبهة ، ما كنا نعلم أنه لا يعرف القراءة والكتابة إلا بعد سنين ، فلقد كان يوميا يأتي لكل مقاتل
بطلبه الشخصي خلاف الطعام والسلاح والأشياء العامة، دون أن يخطئ لقد اكتشفنا حيلته، ( مسجل صغير) كان يسجل فيه ..كل الطلبات باسماء اصحابها..
كانت رحلته اليومية تمر بنفق الخطر، من عند اجتيازه لمنطقة القبائل بممر خيبر وقطاع الطرق مرورا بحوالي خمس نقاط شرطة كلها تبتزه ، عندما تكون راكبا معه ستسمع
دائما شرطي يصيح عليه : ابو عنتر ..جزمة...واخر ..يطلب جاكيت ...هذا غير الطعام والنقدية.
نعم غريب أن ترشي الوطن كي يسمح لك أن تموت في سبيل الدفاع عنه.
دائما كان الضيوف الجدد يبدأون الجدال هل ما يدفعه أبو عنتر لنقاط الحدود رشوة..؟؟
وحين يجدوا أنفسهم ستعيدهم تلك النقاط من حيث أتوا ، فكنت وصاحبي نضحك لسرعة تغير الفتوى ..
فتسمع تلك العبارات..يا أخي اعطيه هذه ليست رشوة، هذا مالا ندفعه كي نأخذ حقنا في إراقة دمنا على أرض المسلمين ..هذا مالا ندفعه كي نقاتل دون أموال و أعراض
المسلمين.
أبو عنتر لم يكن يفهم كثيرا في الادلة الشرعية ..كان همه الوحيد أن يعبر بهؤلاء المقاتلين إلى الجبهات بأقل الخسائر.
وما إن ينتهي من تلك النقاط ، يتحول الخطر إلى نوع آخر..فعلى أبو عنتر أن يوقف سيارته ويبدأ بتموبهها بالطين، كي يبدأ الهرب في مطاردات مضحكة وغير متكافئة
بين الطائرات السوخوي والميج وسيارة ابو عنتر (البيك اب ) الزرقاء سلاح الإمداد الوحيد للعرب.
أكثر من مرة كاد أن يلقي حتفه ، وكانت أخطرها يوم انسحاب العرب من مراكزهم تحت وطئة قتال شرس ، وجاء ابو عنتر ووصل على بعد مئات الامتار وهو لا يعرف بقضية الانسحاب
وتفاجئ بالقذائف تنهمر عليه من كل المواقع التي كانت للعرب فاستدار وعاد مسرعا وسط الغبار والقصف المجنون.
لم يكن ينتمي الى جماعات ، بل لم يكن يعرف اسماء تلك الجماعات الى وقت قريب.
عندما توطدت علاقتي به ..وذات صفاء وذكريات حميمة كنا نتعاطاها والشاي يدور بيننا ، سألته : كيف جئت الى هنا يا أبو عنتر..؟؟
ضحك وصمت طويلا..
قلت له مبتسما : احكي فانا اعرف كثير من تاريخك وحواريك الخلفية..
بخليط من الاسي والابتسامة والخجل انفجر بين شفتيه فتيل الذاكرة
قال: آه ..ياخبر أسود ..( وصمت وحملق بعيدا فاستثارني صمته كتلك الثواني الممتده ما بين نزع الفتيل وانفجار القنبلة ).
بدأ يسترسل في أسى : كنت منذ ست سنوات اعمل نقاش في مكة كان كل شئ حولي اسود وكئيب ، رغم أني كنت أُضحك طوب الارض و أجعل من اي سهرة متعة للصباح ..لكن مع ضوء
الصباح كان يلفني التيه من جديد.
الى أن جاء اليوم الذي غير حياتي ..تتخيل كنت أحشش في مكة..؟؟!! ..(قالها بألم..كأنه يريد ان يخبر آخرين أن المعصية ليست نهاية الحياة)..
قال:كنت جالس اقطع الحشيش من اجل سهرة تلك الليلة، تعرف هناك نجلس ندور بالأيام على قطعة صغيرة جدا نقطعها بالفم.. واتعجب الآن من رحمة ربي بي فالآن كل يوم
امر على السوق والحشيش في منطقة القبائل على قارعة الطريق مثل اكوام العجوة في رمضان أقل قطعة ثلاثون كيلو وبسعر كالمجان ، لكن نفسي كل يوم تكرهه اكثر .
آه ..المهم ذاك اليوم كان التلفاز مفتوحا أمامي ..على ما أعتقد كان يبث مؤتمر القمة الاسلامي ..لم انتبه لمعظم كلمات الرؤساء فكلها مكررة، لكن فجأة انتبهت على
رجل ..لم يبدأ كلامه بدبياجة جلالة وفخامة..فقط قال أخي الملك..ثم بدأ يتكلم كلام
لم أسمعه في حياتي..كان رجلا له مهابة يلبس عمامة كان كأنه طالع من التاريخ، سألت بعد ذلك عنه فقالوا لي هذا أفغاني ..ومن قادة المجاهدين الذين يقاتلون روسيا
، بعدها بدأت أبحث عن الطريق لأفغانستان ، أعدت زوجتى الى مصر ثم اتيت إلى هنا..وصلت إلى كراتشي ولم أكن افهم لغة القوم مما كلفني أن اظل واقفا أربع وعشرين
ساعة في القطار كي أصل بيشاور لأني ظننتها فقط ساعتين .
بعد أن نزلت بيشاور عرفت أن هناك عرب و أن عبد الله عزام مسؤلا عنهم ..مباشرة ذهبت إلى بيته ..دققت الباب ..
( سكت برهة يستدعي لحظة عناقه الاول بعبد الله عزام )
والدموع في عينيه قال: ضممني في حضنه بقوة أحسست أنه أخي الكبير أو أبي..
سألني: ما أسمك ..قلت له : أبو عنتر فضحك كثيرا
وأدخلني إلى بيته ..(ثم سكت أبو عنتر كأنه أراد أن يشي بجملة إعتراضية أو إحتجاج مبطن ).
قال : تعرف ..لقد دخلت عليه وعلبة المارلبورو في جيبي ..فلم يقل لي شئ حتى استقبلني وبطريقة أخجلتني نصحني ..من أجل صحتي ومن أجل الجهاد الذي جئت من أجله .
إنما الأخوة الآخرين أجارك الله منهم وسكت..
فضحكت ..لم أكن أضحك على تعليق أبو عنتر لكن كنت أعرف النصف الآخر للحكاية الذي لا يعرفه أبو عنتر ، لقد كان أبو عنتر من أوائل المصريين الذين جاءوا إلى أفغانستان
من غير طريق الحركات الإسلامية أو ما يعرف بالملتزمين..كان أبو عنتر نموذجا جديدا وغريبا على ذاك المجتع الناشئ في بيشاور مما جعل بعض الشباب المتحمس يذهب غضبانا
الي الشيخ عبد الله عزام ويشكك في هذا الضيف الجديد ، بانه ربما كان رجل مخابرات فضحك الشيخ
وقال :هل تظنوا ضابط المخبرات سيأتيكم بعلبة دخانه وحليقا مثل أبو عنتر ..؟؟
بل ستكون لحيته أطول من لحاكم وربما يكون متفقها ومتشددا في الدين أكثر منكم .
بعدها كنت أتوجس خيفة ممن يستعرضون بدينهم وعلمهم وتشددهم فدائما كانوا يتركون علامات استفهام كثيرة .
عندما تكون في حضرة ابو عنتر فانت حتما يصيبك شيئا من تعليقاته الساخرة ...اتذكر كيف استطاع ان يضحك المدرب (عمران السوري) عندما تحديناه بانه لن يستطيع ان
يجعل هذا المدرب المتجهم دائماوالحزين دائما يبتسم لقد كان صوت عمران يصيب بالخوف قلوب أكثر من مائتي رجل هم كل من في معسكر التدريب وهو يصيح: أخي ..هرول..
هرول..وأنت تحس أن مجرد المشي مستحيل فكيف تهرول صاعدا الجبل محملا بخمسة عشر كيلوا من الأمتعه. تحس أن قدمك اصبحت مغراة بالارض وقلبك يدق كطبول افريقيا ..تكاد
تنهار وأنت ترى امامك قمة أخرى لابد أن تجتازها هرولة. وعمران بصوته خلفك يلسعك..ووجهه أمامك معقود الحاجبين ، كان أبو عنتر جديد وكان يعاني من آثار الدخان
التي اهلكت رئتاه قبل ان يتركه..كنت كلما اراه يتنفس بصعوبة وعمران خلفه يدفعه اتخيل ذاك المنظر العجيب في احدى مقاهي خارج المدينة المنورة على طريق تبوك..
والعامل اليمني يقوم بتصفيف الاراجيل بعد
أن يكون مدخنوها قد غادرا المقهي، ثم يحضر سيخا طويلا ويبدا في تسليك واعادة فتح قصبات الاراجيل من جديد..كنت اسال نفسي..ومن سيسلك رئات أولئك الشباب الذين
غادروا المقهي على عجل..؟؟
كنت أضحك وأنا أشعرأن عمران مثل عامل المقهي قد غرز سيخا في رئة أبو عنتر يريد تسليكه بالقوة..
استمر أبو عنتر يمارس عمله بسيارته تلك ذات المقعد الواحد إلى أن فتحت كابول ، وفي ظهر يوم حار بعد أن عمت الفوضى والقتال بين أخوة الأمس ونشط قطاع الطرق ،
يفقد أبو عنتر سيارته التى قضى بها سنوات جهاده في طريق كابول ، على أيدي قطاع الطرق .
كانت الحادثة تشي بالتاريخ أو بما سيحدث . رأيته بعد ساعة يسير حافيا على جانب الطريق ، بعد أن فقد كل شئ فقد كنت وأزمراي خلفه على نفس الطريق ، لكن كنا مسلحين
وتأزم الأمر بيننا وبين مجموعة مسلحة اعترضت طريقنا و حاولت أن توقفنا بالقوة وعندما رأوا شابين ممن معنا يقفزان من صندوق السيارة شاهرين أسلحتهم تيقنوا أن
القتال واقع لا محالة،
فاعتذروا أن هناك خطأ ما ، وتركونا نغادر ، ما كنا نعرف أنهم هم من أخذ سيارة أبو عنتر ، كانت الدموع في عينيه تستدعي الشهداء والجرحى وكل المخلصين . ورحل
أبو عنتر تاركا ألف حكاية ، رحل رجلا آخر غير ذاك النقاش.