(2)
نهض الشيخ عبد الكريم من فراشه الدافيء ، وبصوت اكله التثائب ردد قائلاً :
- بسم الله الرحمن الرحيم
فصر سرير ( الجريد ) من تحت جسده الهزيل ، كأنه يكمل له بسملته التي بلعها التثاؤب ، وقف في منتصف ( الصريفة ) ، وهو يرتجف من البرد 00 قال مع نفسه :- هذا موت وليس برد 00 ألطف بنا يارب 000 ألطف بعبادك الصالحين 00 انهم اناس فقراء ، وعلى قد حالهم 0
ثم وكمن كفر بشيء مقدس ، قال مستغفراً: استغفر الله العلي العظيم ، ولعنة الله على الشيطان الرجيم 00 ان هذا البرد جزء من برودة اجواء الجنة التي وعد الله بها عباده الصالحين 0
مد يده الى حيث الفانوس المركون على ديلاب صغير، والذي راح ينشر ضوءه الخافت في ارجاء الصريفة، حمله بيده ، واخذ يحرك عتلته الصغيرة باليد الأخرى 00 عندها امتلأت الصريفة بضوء اصفر شاحب، تراءى له السرير كتلة لا لون لها سوى لون اللحاف الاخضر اللامع وهو يخفي تحته جسد زوجته ام مهدي ، بعد ان تكور باحثاً عن الدفء في ثلاجة صريفتهم القصبية 0
ارتدى جبته ، ولف رأسه بالياشماغ ثم احاط جسده بعباءته الصوفية السوداء ، وقبل ان يتحرك ، استعاذ بالله من شر الشيطان الرجيم ، ثم فتح باب الصريفة وخرج الى كتلة الظلام البارد 0 والفانوس بيده ليبدد بالكاد بعضاً من كتلة ذلك الظلام 0
هكذا هو في فجر كل يوم ، وقبل ان يتحول لون العالم من السواد الى اللون الرمادي 00 ثم الفضي 00 ثم 000 كان الشيخ عبد الكريم ينهض من سرير نومه 00 يتعوذ من الشيطان ، يبسمل مرات 00 ويحمد الله كثيراً 00 ثم يخرج من صريفة نومه الى ( المرحاض ) مباشرة ، وبعد ان ينتهي من عمله في تغطية الشيطان بغطاء سميك كي لا يظهر له في النهار – كما كان يحلو له التفكه مع جماعته واولاده بمثل هذا القول – يتوجه الى مكان الوضوء ، اذ ينتظره هناك – في أحد اركان حوش البيت ( الابريق وتنكة الماء ) بعد أن اعدتهما له أم مهدي في الليلة الماضية وهما مغطيان بصينية معدنية قد وضعت عليها طابوقه كامله كي لاتعبث بهما القطط السائبة 0
كان نباح الكلاب يملأ ارجاء القريه كلها ، فيما يتردد في الارجاء عواء ذئاب آت من بعيد ، والريح تعصف تحت سواد الليل بأرجاء حوش البيت ، و قصب السياج يهتز بصفير حاد ، كأنه يدفيء نفسه ، عازفاً موسيقاه الخاصة 0
ادار بصره في ارجاء الحوش ، فاصطدم بالظلام 00 بالسواد البارد ، فيما جلدت صفحة وجهه الملتحاة ، سياط باردة جعلت من شعيرات لحيته البيضاء والسوداء على السواء دبابيس حادة النصال تنغرز بالتوائها صفحة وجهه المتغضنة0
انهى الشيخ عبد الكريم عملية تغطية الشيطان ، ورسم الوضوء ، بعدها توجه الى ( صريفة الخطار ) المبنية في مدخل البيت ، وهو يتسمع الى صرير سرير الجريد الذي تنام عليه ابنته ( هدية ) آتياًً من صريفة المطبخ ومخزن المؤنة0
أنتشر ضوء الفانوس في صريفة الخطار ، فارتسمت الوان متنوعة ، واشكال هندسية مختلفة وهي تنبسط على ارضيتها ، فثمة اكثر من سجادة ملونة قد فرشت على ارضيتها ، فيما توزعت مجموعة من الوسائد المختلفة الالوان والحجوم عليها بتكاسل ولامبالات ، وكأنها هي الاخرى تغط في نوم عميق 0
تحرك والفانوس بيده ، فتحركت امامه هالة الضوء الصفراء منتشرة وكأنها تتقدم امامه الى حيث انزوى سرير ( هادي ) في الركن القصي من الصريفة هادئاً سوى همس خفيف لصوت تنفسه ، فيما كانت هناك صورة ملونة لاحد ابطال كرة القدم وقد شحب لونها ، علقت على جدار الصريفة بواسطة بعض الغراء الرخيص 0
عاد الى حيث مكانه المعتاد في الجهة الثانية من الصريفة ، رفع الفانوس قريباً من وجهه ، فمرت هالة الضوء على الجدار الطولي للصريفة ، فانكشفت بعض الأطر الخشبية ذات اللون الكالح والمتسخة بمخلفات الذباب 0
كانت الصورة الاولى تمثل رسماً للامام علي بن أبي طالب ، وهو يجلس على شيء مرتفع ، فيما سيفه ذوالفقار ملقى على ركبتيه ، وثمة اسدا رابضا قريباً من قدميه وهو ساكن – كما ارد له الرسام – وقد وقف خلفه احد مواليه، وهالة من الضوء القدسي – كما تخيلها الرسام – تحيط برأسه الملفوف بغترة خضراء 00
كان الشيخ عبد الكريم قد اقترب بفانوسه من الصورة ، وراح يتملاها وكأنه يراها لاول مرة 00 مردداً مع نفسه : السلا م عليك ياأمير المؤمنين وعلى ابنك الحسين سيد الشهداء ، وابنائك واصحابك واصحاب ابنك الشهداء 00 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 00 قد اوفيتم العهد 00 و صدقتم الوعد 00ورحمة الله عليكم 0
بعد ان انهى سلامه ، عاد الى حيث منضدة الكتابة الخشبية الواطئة ، وجدها كما تركها ليلة البارحة ، حيث انتشر عليها شرشف اخضر من قماش حريري رخيص وقد صُفت عليها بعض الكتب القديمة ، وبالقرب منها انتصب الحامل الخشبي لكتاب الله وكأنه يعلن وجوده لمن يدخل الصريفة 0
جلس قبالته ، وقبل ان يفتح الكتاب الذي اصفرت اوراقه وكلح لون غلافه الجلدي ، ردد وبخشوع من بين شفتين باردتين كالثلج ، قائلاً :-
- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم 00 بسم الله الرحمن الرحيم 0
رفع كتاب الله الى شفتيه ، قبله مرات ثلاث ، وكان بين قبلة واخرى يحني رأسه عليه ، و يضع جبهته السمراء على جلده الاخضر المذهب البارد 0
أعاده الى مكانه ، فتحه على صفحة كان قد اهتدى اليها بوضع ريشة طائر سبق ان ( شطفها ) ثلاث مرات بماء جار ، وصلى عليها كي يزيل عنها نجاستها 00 ثم صدح صوته قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم
تعالى صوته الرخيم ، مترنماً بآي من القرآن الكريم 0