(3 )

5 0 00

(3 )

تململ الملا أبو ناجي في فراشه ، فصرت ( سبرنكات ) السرير الحديدي الابيض كأسرة مستشفى حكومي ، والذي اشتراه له الحاج فريّح مع آثاث الجامع ، وامتلأت اذناه بصوت مزعج صديء 00

تقلب جسمه يميناً وشمالاً 000 فيما راحت اذناه تمتلأ بصوت آذان الشيخ عبد الكريم آتياً من طرف القرية الشرقي0

ردد مع نفسه جملته المعهودة التي تعوّد ان يرددها في مثل هذا الوقت منذ ان نام ليلته الاولى في هذه القرية قبل اكثر من عام : متى نرتاح من صوتك يا شيخ عبد الكريم000 متى ؟

رفع وسادته ووضعها على اذنيه ليبعد عنهما صوت الشيخ عبد الكريم ، لكنه كعادته دوماً ، اعترف مع نفسه ان لاجدوى من كل ذلك 000 عليه ان ينهض حالاً وهو يردد قولته المعتادة : لعنة الله عليك ياشيخ عبد الكريم 000 وانت كذلك ياحاج فريّح 00 وانتم الذين تنامون مع نسائكم في بغداد 000 وكمن يحمل ثقلاً كبيراً ، هبط من سريره بتكاسل ، والنعاس يكبل جسده كله 00

كان جسمه مخدراً بنشوة النوم والاحلام التي تراء ت له 000 ورأسه – كما في الليالي السابقة – يحس به كـ (( اسفنجة )) كبيرة ، يحيط بها ألم حاد ، جعل اوردة صدغيه تنبض بصوت حاد ، وقاس 00

ارتدى ( جبته ) الكالحة اللون ، ووضع عمامته البيضاء على رأسه الكبير ، وخرج 0

كان اول ما لطم وجهه اللحيم المحمرّ ، سوط صقيعي ، جعله يرتد الى الخلف ، ويغلق الباب ، وهو يتمتم مع نفسه : لعنة الله على هذه المدينة ، هل هذا برد ام جليد 00 في الجنوب ، وباردة هكذا 0 ؟

عاد الى غرفته ، وهو يفرك يديه طلباً للدفء ، وبسرعة خاطفة ارتدى عباءته ( الجوخ ) السوداء 00 وضعها على رأسه ، لفها جيداً على جسده ثم بشفتين باردتين ، ردد مع نفسه كلامه المأثور : الله يلعنك يا شيخ عبد الكريم 0

فتح باب غرفته مرة اخرى ، ودفع بجسده الملفوف بالعباء ة السوداء الى الفضاء البارد الاسود لحوش الجامع ، حيث توجه – متمايلا ً– الى السلم الذي تعود ان يصله حتى لو كان مغمض العينين 0

كان كعادته بعد ان يوقظه صوت الشيخ عبد الكريم ، يرتقي درجات السلم العشر، ليقف في صحنه ، ومن هناك يرفع الآذان 0

وكعادته ، كان قبل ان يرفع صوته بـ (( الله أكبر )) يغسل فمه – كما يقول مع نفسه – بالفاظ السباب التي يزجيها للحاج فرّيح الذي وعده بشراء جهاز صوت للجامع ، ولم يف بوعده - لعنة الله عليه- لحد الآن 0

كان يعرف ان لافائدة من صراخه الاجش وهو يرفع الآذان في سماء هذه القرية ، لان مؤمنيها قد انهوا صلاتهم قبل ان يرفع هو صوته 000 لقد سبقه الشيخ عبد الكريم 00 وهذا حسن 00ماذا كان يفعل لو لم يكن الشيخ في هذه القرية 00 ؟ 00 ها 00

انتبه لنفسه 00 لقد تأخر كثيراً 00 فرفع كفيه المفتوحتين ، أحاط بهما اذنيه وراح ينغّم بهما الصوت الاجش للآ ذان المنطلق من حنجرته 0

بعد ان ينتهي من رفع الآذان ، يعود مسرعاً ، وهو يتثائب ، متخطيا درجات السلم المبنية من الطين درجتين ، درجتين ، وعندما تطأ قدماه ارض حوش الجامع ، تمتلأ اذنيه الكبيرتين كأذني حمار غبي – على حد وصف الحاج فريّح – بشخير( خبالو ) 0

يقف لثوان متردداً ، بين الذهاب الى حيث حوض الوضوء قبالته ليتوضأ ويصلي ركعتي الصباح ، وبين العودة الى حيث الدفء في سريره الحديدي الابيض ، وكعادته في كل مرة ، يقطع خيط التردد الذي يجول في خاطره ، ورأسه المخدرة ، يعود الى غرفته مهرولاً ، ليعيد رؤية احلامه الجميلة مع ( الملحة ) بعد ان يردد مع نفسه قائلاً : الصباح رباح، لم تهرب الصلاة ، سأصلي قصراً 000

ثم يسحب الغطاء على جسده ، ويغمض عينيه ، ويبدأ صوت شخيره يتجاوب مع صدى شخير(خبالو ) ، وكأن الصوتين قد اتفقا على عزف موسيقاهما الناشزة ليتبدد من حولهما ظلام الليل البارد 0

وكما في كل مرة ، تستعصي ( الملحة ) على احلامه ، فيتقلب في فراشه حتى الصباح دون ان يراها 00

كانت الملحة بالنسبة له حلماً كبيراً 00 وكان يحسد الحاج فريّح عليها 00 اما جاسم الاعور فقد فعلها مرة واحدة فقط و كما اخبره ، ولكن – ردد مع نفسه – لا ، ربما يكذب عليّ هذا الاعور الاعرج 0