٢
وقفتُ بجانب أمي عند عتبة الباب الخشبي الكبير. كانت يدها اليمنى تقبض على يدي بقوة كعادتها، وكأنّي سأهرب أو أطير بعيداً عنها. أما يدها اليسرى فكانت تحمل الصُّفُرْطاس الذي كانت قد وضعت فيه حصة أبي من طعام الغداء. ثلاث قدور نحاسية صُفَّت فوق بعضها البعض في هيكل معدني كأنها عمارة معدنية صغيرة.كان القدر العلوي مليئاً بالرز والأوسط بمرق البامياء وقطعتي لحم صغيرتين. أما السفلي فكانت عادة تضع فيه قليلاً من الفواكه. ويومها كانت قد وضعت عنقوداً صغيراً من العنب الأبيض من نوع “ديس العنز” الـذي كان يحبه أبي. أما معصم يدها اليسرى فتدلى منه كيس من النايلون وضعت فيه رغيف خبز ساخن. وضعت قدمها اليسرى على عتبة الباب وأطلقت سراح يدي مؤقّتاً لكي تطرق بيمينها أربع طرقات قوية على الباب الخشبي الذي انفتح ببطء على مصراعيه بتأثيرها. تظاهرت أمي بأنها لم تر الرجل المتقرفص على بعد خطوات من الباب متكئا على الجدار. كان شابّا يرتدي ملابس سوداء وقد دفن رأسه بين يديه وبدا وكأنه يئنّ. تصاعد دخان السيجارة من يده اليسرى. كانت تلك أول مرة أرى فيها رجلاً بالغاً يبكي. حتى تلك اللحظة كنت أظن بأن البكاء من اختصاص النساء والأطفال وحدهم.
سألتُ أمي بصوت خافت وأنا أنظر إلي عينيها القهوائيتين:
- يمّه ليش يبكي هذا الرجّال؟
فوضعت سبّابتها على فمها لتسكتني وهمست: “عيب.” أمسكتْ بيدي من جديد. مِلْتُ إلى اليسار بعض الشيء كي أشبع فضولي وأرى ما يحدث في الداخل. كانت أول مرة تصطحبني فيها أمي إلى محل عمل أبي الذي كان عادة يأخذ الصُّفُرطاس معه في الصباح لكنه نسيه ذلك اليوم عند خروجه.
كان الممر الضيّق يفضي إلى غرفة واسعة بسقفٍ عال وقد وقف ثلاثة أو أربعة رجال عند مدخلها. كانت ظهورهم تحجب المشهد. هل كانوا يراقبون أبي وهو يعمل؟ كان الشارع هادئاً وبالرغم من طول الممر خيّل إلي أنّي سمعت صوت مياه تدلق باستمرار يرافقها صوت أبي وهو يتمتم عبارات لم أفهمها يتخللها اسم ”الله“.
طرقتْ أمي الباب المفتوح بقوة وعزم أكبر هـذه المرة ثم نادت “حمّودي”. لكن لم يلتفت أحد من الرجال الواقفين. تنحّى الرجل الذي كان يقف إلى أقصى اليسار ليبرز وجه حمّودي الـذي كان يعاون أبي في عمله. أسرع يعرج نحو الباب. كان أطول من عمره، أسود الشعر والعينين برموش كثيفة كأنها فرشاة رسم. كان يرتدي سروالاً رياضياً أزرق وفانيلة بيضاء بدت عليها بقع من البلل في أكثر من موضع. بعد تبادل تحية سريعة أعطته أمّي الصُفُرْطاس وكيس الخبز قائلة:
- هاك حمّودي. هذا الغدا مال أبو أمّوري نِساه بالبيتْ.
شكرها وأسرع عائداً إلى الداخل بعد أن أغلق الباب وراءه. أمسكتْ بيدي ثانية واستدرنا كي نقفل عائدين نحو البيت. التفتّ إلى الخلف لألقي نظرة على الرجل المتقرفص. كان رأسه ما يزال بين يديه. وبّختني أمي ثانية وأمرتني بأن أنظر إلى الأمام كي لا أتعثّر وأسقط.
لم أكن في ذلك السن أفقه طبيعة مهنة أبي أو تفاصيلها. كل ما كنت أعرفه هو أنه “مْغَسِّلْكي.“ لكن هـذه الكلمة كانت غامضة بالنسبة لي ولا تعدو كونها مجموعة أصوات تشبه المهن والحرف الأخرى التي تنتهي أغلبها بـ “كي.“ خفت يومها بعض الشيء وسألت أمي:
- بابا يِئذي الناس؟
- لا إبني. بالعكس. ليش هيكي تگول؟
- مو هذا الرجّال هناك كان گاعد يبكي؟
- إي، بس مو من ورا أبوك. هـذا مقهور.
- ليش مقهور؟ شيسوّون جَوّة؟
قالت لي إنّ أبي كان يغسل أجساد الموتى وبأنه عمل شريف ويصيب من يقوم به أجر عظيم. سألتها ونحن نعود إلى البيت لماذا يغسل أبي أجساد الموتى؟ هل هي وسخة؟ فقالت لا، لكنها يجب أن تُطَهَّر من النجاسة. عندما سألتها أين يذهب الموتى. قالت: ”يم االله”. قالت إن أبي يعتني بهم قبل أن يتم دفنهم. سألتها كيف يذهبون إلى الله إذا كانوا يُدفنون في التراب. فقالت إن الروح تصعد إلى السماء لكن الجسد يبقى في الأرض التي جاء منها. ”كلّكم لآدم وآدم من تراب.” نظرتُ إلى السماء. كانت هناك خمس غيوم تتكيء على بعضها البعض وتساءلت: ترى أي منها ستحمل روح الميّت وإلى أين ستأخذها؟