2
-: القارئون والذين يكتبون، هم الأخطر، وإنك تفهمني.
-: بالتأكيد.
-: فأين تريدها.؟.
-: موضع القلب.
اتخذ وضعية الرامي واقفاً وسدّد، دوّى انفجار حشوة الطلقة، فشهق الأول وسقط رأسه على صدره، وعضَّ الثاني على لسانه لافظاً أنفاسه، وانبجس دم الثالث من فمه، وتتالت قطراته، تخثَّرت واحدة، والتصقت بها أخريات، يتدلين من رأس الأنف ومنبت الشاربين، كقطرات ماء ميزاب جمَّدها الصقيع.
وهاج الناس أسفل الهضبة، وعلا احتجاجهم وعويلهم الجماعي، فأومأ الضابط آمراً، فأطلق عسكره عشرات الطلقات؛ فوق الرؤوس، فساد صمت مقهور.
نفث زفرته بعد احتباس، وأمسك بندقيته من منتصفها، وطوّح بها في الهواء، فتلقفها العسكري طاوياً عليها ساعديه، وضمَّها إلى صدره، كبعض واجبه نحو سلاح سيده، وهو يكتم خوفه ولهاثه، باذلاً ما يمكنه لإظهار افتتانه بالضابط الممتلئ غطرسة، مخفياً اشمئزازه بما أوتي من قدرة على إخفاء حقيقة مشاعره؛ التي درّبوه جيداً كي ينساها، فإن لم يتمكن.. فليُجِدْ تناسيها، في لحظاتٍ عصبية كهذه.
أومأ الضابط ألكسندر برأسه إيماءة خفيفة لكنها جازمة، فأسرع العريف نحو الجثث، تفحَّصها ثم استدار مهرولاً وأدى التحية معلناً أنَّ أرواحهم قد فارقت أجسادهم.
انفرجت شفتا الضابط عن أسنان كستها طبقة كالزنجار، وكادت ابتسامته المتوترة تفضح اضطراب دواخله، وهو يجهّز لفافة تبغٍ، ما لبث أن دسَّها بين تينك الشفتين اللتين اكتستا بلونٍ برتقاليٍّ كامد، فأسرع العريف يقدح زناد قداحة الفتيل، وأدناها من لفافة سيده، فاشتعل رأسها وهو يمجّها مجّاتٍ متتالية، ولم يك الضابط عثمان منبسط الأسارير؛ ليس لأن الناس شتموا ألكسندر والقيصر، أو لنيلهم من أبّهة السلطان ودولته العليّة؛ إنما لتلك النتيجة التي حققها مراهنه في دقة التصويب. وبرغم ذلك كتم غيظه، وأمَّنَ على حسن إنجاز الضابط الأبرص، ودفع بإبهامه قطعة ذهبية، مشكِّلةً قوساً في الهواء، انتهى باستقرارها في كف ألكسندر، فنظر إليها بشغفٍ، ودسَّها في جيب سترته فوق موضع القلب، بينما عسكره يفكّون الحاجز الخشبي، الضاغط على صدر القتيل الأول، وظهر القتيل الثالث، والحاجزين اللذين يحبسانهم عن يمينهم ويسارهم، بينما الضابط عثمان يجهِّز بندقيته بصمت مطبق، كما كل ما على الرابية، بعيداً عن المنخفض، حيث جموع غير واضحة المعالم؛ بدت كقطيع وعول أرعبه التفاف ذئاب حوله، وأرهقه حصارها، وثمة همهمة سرت وتصاعدت فوق الناس، تظللهم كمزق غيومٍ تائهة؛ ومثل الغبار حين يعلق في الفضاء بين الأرض والسماء، فلا يتحرك وقد سكن من حوله الهواء.!.
وحين أنهى عسكر ألكسندر إبعاد الجثث، تقدم "الأمباشي" محيياً رئيسه؛ منتظراً أوامره، فأوجزها بكلمة:
-: أربعة.
ثم التفت إلى الضابط ألكسندر مردفاً:
-: ما قولك إن أتت رصاصتي في صفن كلٍّ منهم.؟.
لم يصدق الأومباشي ما سمع، فلم يدرِ ما يفعل، همس لنفسه مدهوشاً:
-: أر.. بعة.!!.
كرر ذلك، وفرد من كفه أربع أصابع، ونظر إليها يعدّها، وقد ازداد ارتبااً؛ لا يدري إلى أية جهة يتجه، غير متأكد إن كان أُصيب بدوار، أم أنَّ ما سمعه ليس حقيقة.!؟.
أما ألكسندر فقد علّق:
-: عقوبة مبتكرة، لن يفكر أحد بعدها بإثارة القلاقل.
قهقه عثمان مغتبطاً، واختزل ضحكته فجأة، آمراً بحزمٍ وصلفٍ:
-: أومباشي... هات الستة.
نظر ألكسندر إلى عثمان نظرة المتيقن من خسارة هذا المغتر، فبادله عثمان نظرة تقدح تحدّياً، لم يرجف خلالها له جفن، وسأل:
-: حسبت لك ثلاثة عاقّين بذهبية، فبكم تحسب لي ستة أوباش.؟.
ظلَّ ألكسندر صامتاً، ثم لوى شفته ولم يجب، تحسس جيب سترته فوق موضع القلب، ونفض رأسه غير مستقر على ردّ، لحظتئذٍ حاول الضابط عثمان استفزازه:
-: لن أتوانى عن تعفير سمعتك بالتراب أمام العسكر؛ إمّا برحت ساكتاً.
مدَّ ألكسندر نظره إلى المدى، وزاغ بصره، فرأى تلك الأجساد تتحوّل إلى ما يشبه جذوع الشجر- وقد ساهم باقتلاعها- تتزنر بجذورها، فتتكسر عليها "بلطته"، وتتشظى متناثرة، ثم تتناسق كرؤوس الرماح منجذبة، كأنّ مغناطيساً باغتها، وألصقها بجبينه، فخدشته كوخز الإبر، فنبس:
-: "عصمان"... هذا جنون.!.
كزّ عثمان فكيه ساحقاً كلماته بينهما:
-: ألكسندر تأدّب.. قل بكم تحسب لي قتل ستة برصاصة واحدة.؟.
-: بالذي تطلبه.
-: عشر ذهبيات وامرأة.
-: وإن خسرت.؟.
-: لن أدعك تصيّرني قوّاداً.
ثم سدد وضغط على الزناد، ابتسم ألكسندر بعصبية، وهرول الأومباشي والعريف نحو الحاجز، وعلا العويل من المنخفض وارتفع. بينما كلا الضابطين يمضغان أعصابهما، حتى تقدم الأومباشي مؤدياً التحية صائحاً:
-: تمام أفندم.
زمجر ألكسندر مستفسراً:
-: ما واقع الحال أيها العريف.؟.
-: سيدي.. كلهم أموات.
قهقه عثمان متشفياً، وعلا صوت ضحكته طاغياً على المكان، وامتزج بذاك الهسيس الآتي من المنخفض، وانصرف العسكر ينقلون الجثث، وأخطأ ألكسندر العدّ؛ مفضلاً لو خسر عشرة من عسكره دون هذي الذهبيات، وظلَّ يردد:
-: غير معقول.. لا أصدق.!.
وانبسطت كف عثمان أمام وجه ألكسندر، والتقت خرزات العيون، بينما الذهبيات تتساقط في كف الرابح، وأثناء ذلك كان العسكر يسلبون حصان أحد القتلى من صديقه الفتى، سحلوه وقد تعلّق برسنه، وأوجعوه ضرباً بأعقاب بنادقهم، حتى كاد أحدهم يطلق عليه النار؛ لولا ارتماء أمّه فوقه، وبقي جاثياً قبالتها يكاد غيظه يفلقه، وأخته تحتضنهما، فهمس وعبرة بكاءٍ تخنقه:
-: قتلوه وسلبوني حصانه، هل تفهمين معنى ذلك يا أمي.؟. أتدركين شناعة ذلك يا أختاه.؟.
طبطبت على كتفه ووقفت آمرة:
-: قم.
مسحت أخته جبينه، وفي صمتها توسّل بليغ، وقالت الأمُّ:
-: إنك آخر رجال العائلة، فلتدرك ذلك جيداً.
ومضت مثل نصف إلهة، فهتف الفتى:
-: لكنه ابنك بالرضاعة.!.
توقفت هنيّة، ثم استدارت مخاطبة ابنتها دون أن تنظر إليه:
-: آية.. تعالي، وليتركنا إلى حزن عظيم وضياع؛ إن كان يحسب أنني أرضعته من قربةِ ماء.
وتابعت سيرها واثقة أنها لن تزيد حرفاً، وتبعتها الفتاة متعثرة رانية إليه، وبقي مشتتاً، ينظر إليهما، ضارباً الأرض بكلتا يديه، متابعاً الحصان، متسائلاً:
-: أمعيب بكاء الرجال.؟.
شبَّ واقفاً بشموخ، وقفز عالياً؛ طاوياً ساقيه على فخذيه، وأسقط جسده على ركبتيه، وراح يغني مرثية، محدثاً بجلِّ أصابع كفه، أخاديد في التراب، بعدد من يذكرهم في مرثاته المغناة.
ودعا الضابط عثمان زميله الضابط كمالاً، وجلسا مع ألكسندر إلى مائدة فاخرة، في خيمة ميدانية، فتقدم كبير الطهاة وخلفه معاونوه، وحيّا الضبّاط برقةٍ وكياسةٍ:
-: سادتي.. أتمنى لكم طعاماً كما تبتغون. لدي القلب فلمن أقدمه.؟.
-: لسيدك كمال.
-: والكليتان.. سيدي.؟.
-: للضابك ألكسندر.
قال مبتسماً:
-: أما "الظوظ" واللسان فـ.. لك.. سيدي.
سُرَّ عثمان لنباهة كبير الطهاة، وأكمل معاونوه حوائج المائدة، ثم صرفهم بإيماءة، وبقي قائماً على خدمة سادته، منتعشاً لسرورهم، غير غافل عما يتوقع أن يطلبوه، فقد استلذ حذاقته منذ حين، فصارت غاية بحدِّ ذاتها.
وتذوق عثمان بعض الطعام، ثم رفع رأسه نحو كبير الطهاة، مقوّساً حاجبيه، مبدياً رضاه، فانتشى وزاد نشاطه، واستأنف الضابط تناول طعامه، وفي لحظة انتبه إلى أنّ كمالاً قد أسند رأسه على كلتا يديه، ناظراً إلى كل شيء، لكنه بدا كمن لا يبصر شيئاً.!.
-: إن لم يعجبك الطعام، طلبت لك ما تشتهي.
-: دعك من الطعام، وقل لي: كيف قتلت ستةً برصاصة واحدة.؟!. ألم نتدرب على السلاح ذاته؛ وتخرّجنا في كليّةٍ واحدة.؟!.
قسر نفسه على أن يكون هادئاً وقال:
-: كلْ.. فالطعام لذيذ، ولحم الحصان حلال.
هتف كمال بشيءٍ من التوتر:
-: لن أتناول لقمةً، ما لم أفهم كيف حدث ذلك.؟!.
علّق ألكسندر بصوت خفيض:
-: ما زلت دهشاً، أكاد لا أصدق.!!.
التفت عثمان إلى كمال قائلاً:
-: دعك من هلوسة خاسر الرهان هذا، واعلم أني اتبعت تدريباً مضاعفاً، أجزم أنه أكثر دقّة مما تلقيتماه معاً.
توقف ألكسندر عن مضغ لقمته، وبرد وجه كمال كمن صُبّ عليه ماء مثلّج، ففكّ عثمان بعض اللغز إذ قال:
-: قد استخدم ألكسندر طلقةً مثل سائر الطلقات، أما طلقتي فخاصة جداً، ولعلّها خاصة بالمستقبل المنتظر.
تسرّع كمال سائلاً:
-: ما الذي تعنيه.؟.
فكّ أزرة سترته عن بطنه، وأشعل لفافة، تلذّذ منها بثلاث مجّات متعاقبات، ثم تجشأ معلناً:
-: لم تثبت لي بعد، إلى أيِّ مدى يمكنني أن أمنحك ثقتي، أكثر مما أمنحها لكبير الطهاة هذا.
قال كمال متغاضياً عن الإهانة:
-: كلامك ألغاز، وأنا لا أحبها، فهلا أوضحت.؟.
ابتسم عثمان بفتور وقال:
-: لا بأس.. سيتركنا ألكسندر عما قريب، عندئذٍ ستكون موضع اختبار.
ضحك ألكسندر باقتضاب، وعلّق محاولاً تخفيف التوتر:
-: يظهر أن في الأمر دعابة ظريفة.
ردّ عثمان وهو يطفئ لفافته، ويستأنف طعامه:
-: كلْ أيها الأبرص، فالأمر أكبر مما تتخيل، ولو ضمنت تواصلاً بيننا، لأخضعتك أنت الآخر لامتحانٍ.
-: فمن ينجح تتفضل عليه بسرِّ الطلقة.!.
هزَّ عثمان رأسه بالإيجاب، ودمدم وهو يمضغ لقمته، وقال كمال وهو يتناول لقمته الأولى:
-: باقٍ معك ولو في جهنم، لأعرف ما تخفي.
ضحك عثمان حتى غصّ- أو أنه تقصد ذلك- وأسرع إليه كبير الطهاة بماءٍ، شرب ثم تجشأ، ومسح فمه ومسَّد شاربيه ليقول:
-: لعل رهاننا اليوم- يا عزيزي ألكسندر- كان تدريباً ممتازاً.
ابتسم ألكسندر بمكرٍ معلناً:
-: ربنا التي لم تنقطع ضدهم، كفتنا تدريباً شائقاً وشاقاً.
ثم ضحك وتنهد مطرقاً، كأنه يغرق في ذكريات ما زالت تحزُّ في نفسه، وعلّق كمال:
-: أثخنوكم جراحاً، فخسائركم فادحة.
ردّ ألكسندر بأنفة تخفي حقيقة مشاعره:
-: ليست بالحسبان إذا ما قيست بما غنمناه من أرضهم.
احتجَّ عثمان مراوغاً بخبثٍ:
-: فضلنا عليكم لا يُنكر، والغنيمة لكلينا أيها الأبرص الشريك.
فوجئ ألكسندر فهزَّ رأسه، ثم ضحك مجاملاً بلؤمٍ، واختصر ضحكته ليقول هازئاً:
-: ذكّرتني بواليكم "بطال باشا"، حين نهب منهم ثمانمئة كيس ذهبٍ، ولجأ إلينا، فاعتبرته دولتكم العليّة خائناً، وحين تدخلنا لصالحه، عفوتم عنه.
-: وعيّنته دولتنا العلية والياً على "طرابزون". هل في أقوالكم مثل قولنا: الدّم لا يُصبح ماءً.؟.
قلب ألكسندر شفته غير متأكد وقال:
-: لكلينا ما يعتقد. أما اتفاقنا على تهجيرهم، فقد كان سرِّياً بمرتبة قانون.
ردّ عثمان:
-: يالها من أرضٍ لا شبيه لها.!!. ألا ما أغرب أن يكون لمثل أولاء الرعاع مثل تلك الأرض؛ وهناك شعب فذ بلا أرض.!!.
-: كان فرماناً رهيباً. "من أراد البقاء في وطنه فهو بحكم أسير حرب.". أخفناهم، فهم يرون الموت أهون من الأسر، ضغطنا عليهم بكل السبل كي يتركوا أرضهم.
-: يا لكم من أفظاظ.!!. ألا ترى كيف نهجّرهم لنخلّصهم من فظاظتكم، مسهِّلين لهم النفاذ بجلودهم.؟!.
ضحك ألكسندر، ثم انفجر عثمان ضاحكاً، وأظهر كمال تبرّماً، وقال ألكسندر:
-: ليتنا ننهي الاستلام والتسليم بأسرع ما يمكن.
-: كأنك مللت صحبتنا.!!.
-: ... إنما بودِّي لو احتفلت برأس السنة- ألف وتسعمئة وسبع، بين أهلي والأصدقاء.
-: لعلك قصدت الصديقات أيها الأبرص، إ.. يه.. أنا أيضاً في حاجةٍ إلى الاسترخاء، وتأمّل ما سيكون.
أنهى قوله وخرج من الخيمة ضجراً، فتبعه ألكسندر وكمال، وقفوا على أنف الرابية؛ عند طرف المنحدر؛ قرب الحاجز المقام على عجل، تنفسوا الهواء المحمّل برطوبة الليل، متأملين المنظر أمامهم وستر الليل مسدول، يلفّ المكان بعتمة لا تبددها سوى أضواء النيران التي أوقدها الحرس هناك.. وهنالك، حول جموع الناس في الوهدة والمنخفض، وثمة موسيقا تصلهم كأنغام جنائزية.
سأل عثمان دون أن يلتفت إلى ألكسندر:
-: ألا قل لي، كم فرداً منهم سأستلم منك.؟.
-: لن تستلم أفراداً بالعدد، إنما على شكل أسر، وانتبه إلى مكرهم، فهم يتخاطبون بأسماء عائلاتهم، وقد لا تعرف أسماءهم الأولى.
-: سنرى كيف نحول دون مكرهم.
سأل كمال:
-: أحقاً قتلتم ثلاثة ملايين منهم.؟.
-: كان يجب القضاء على نصفهم، كي يتوقف نصفهم الآخر عن مقاومتنا.
-: ما زال الكثير منهم رهن مناجل الكوليرا والملاريا والجوع.
-: لا أحد يحمّلنا تبعة ذلك، إنها مناجل الغيب وإرادة الرب.
تمتم عثمان بحقدٍ:
-: أمرهم عجيب.!. يموتون وهم يتمتمون بالشهادتين.!.
همس كمال بصفاء:
-: الله..!.
قال ألكسندر:
-: على الرغم مما حدث، أستطيع الاعتراف بشجاعتهم، فقد دافعوا عن أرضهم حتى استنفدوا قواهم.
-: متهوّرون.
وكانت أنغام الموسيقا، ترافقها أصوات جماعية تتابع المنشد بانسجام:
-: (مع أننا خسرنا الكثير.. فلن نخس إنسانيتنا أبداً.).
تمتم كمال:
-: منتهى الرقيّ.. لله درّهم.!.
علّق عثمان على تمتمة كمال:
-: لو خلعت بذتك العسكرية، وصرت إمامهم في هرطقاتهم.
-: كأنك لست على دين دولتنا العليّة.!!.
-: بلى.. وكيف لا أكون.!.
استرق كمال إلى عثمان نظرة استهجان وعدم ارتياح، ولاحظ عثمان ذلك، فتحرك متثائباً، محاولاً التخلص من حرجه، ودعاهما إلى أن يناما، فالعمل المقرف ينتظرهم صباحاً. مضى كمال مرتاباً، ومشى عثمان حانقاً، فأوقفه ألكسندر بقوله:
-: إلى أين.؟.
-: سأحاول أن أنام.
-: إن فيك ما لن يدعك تنام. ألا تريد بقية ما لك بذمتي من رهان اليوم.؟.
تلكأ.. وأبعد عن صفنه ما علق به من سراويله، فاقترب ألكسندر منه لائماً:
-: أكنت تريد أن تتركني تحت وطأة المديونية.؟!.
-: أتعني ما تقول.؟.
-: ما تعوّدت النوم مديناً، لكني سأنالها قبلك.
-: موافق.
قالها غاصاً بلهفته، ثم وجد نفسه ضئيلاً؛ تحت نظرات ألكسندر، فحاول إصلاح ما أفسدته رغبته الجامحة نحو أنثى:
-: بل تكون لي أولاً.
ردَّ ألكسندر بلهجة داعر محترف:
-: إني أفيك دينك فحسب، وسأنالها قبل أن تفتر، لا سيما أنهم تحت تصرفي، وحين يمسون بتصرفك افعل بهم ما بدا لك.
لم ينتظر اعتراض عثمان أو موافقته، فنادى العريف وأخذه هامساً، وعند باب خيمته، راح العريف يهرول، ودخل الضابط فلحق به كبير الطهاة، ووضع أمامه زجاجة؛ سرعان ما جرع منها جرعات متتاليات. نفخ زفيره بقوةٍ محاولاً إطفاء بلعومه، فألقمه كبير الطهاة ملعقة (كافيار) وهو يمسح عرقاً تفصّد من جبينه بتأثير الخمرة، وأشار إلى كبير الطهاة أن يجلس، فأبدى كياسةً، وأشار بيديه وحاجبيه، بأن ذلك لا يجوز، فأمره زاجراً، عندئذٍ جلس على طرف المقعد، ململماً جسده قدر استطاعته على التضاؤل، وابتسامته الودودة تنمّ عن عرفانٍ، لنيله شرف مجالسة سيده، الذي دفع إليه كيس التبغ، فتناوله بخفّة وحذق، وشرع يجهّز اللفافات، ويكوّمها قرب السراج.
وكان العريف ينفّذ التعليمات بدقة، فبدا الأمر روتينياً إلى حدٍّ كبير، فالأضواء قليلة والعتمة أعم، والأصوات تكاد تكون مكتومة، ما خلا أصوات تحركات الحرس وكلاب استنبحها عواء الذئاب، وضباح الثعالب من بعيد، ومجموعة الاختطاف تجوب المكان، منتظمة على هيئة دوريّة، تردع من تسوّل له نفسه مخالفة تعليمات العريف.
واصطحب العميل صديقه الفتى، إلى حيث يسليان نفسيهما، ويزجّيان ما أمكن من هذا الليل الطو.. يل، ثم أقنعه- وقد ابتعدا عن أُمِّه- أن يلبي دعوته لتناول الشراب في حضرة العريف، فذاك شرف لم ينله أحد من أترابه، وقد دسّا في شرابه ما أهجعَهُ، وراحا يحوّمان حول مرقد الفتاة وأمِّها، فلم يلحظا ما يريبهما، فهما تبدوان غارقتين في نوم.
لمحت الأمّ طيفهما غير متأكدة منهما، فداهمها هاجس جعلها تتحسس فخذها، حيث شدَّت إليه السيف قصير النصل، ثم تأكدت من غطاء ابنتها، بل اطمأنت إلى وجودها بجانبها، وأدارت رأسها- دون أن ترفعه- في كلِّ الاتجاهات، فلم ترَ واقفاً أو سائراً إلا الحرس، وذينك اللذين أثارا شكّها، حتى ابتعدا وأخفتهما العتمة. حاولت إصاخة سمعها، علّها تعرف لابنها مكاناً إن سمعت صوته، وأنّى لها ذلك وحظر التجوّل يضرم فيها القلق، ودون ترددٍ خمشت ساعدها، وذرَّت في الخدوش ملحاً، فسكنت وقلبها واجف وهي لا تغفو، وتساءلت:
-: (أتحسُّ الروح بشرٍّ يتربصها.؟.).
ليلة ليلاء تمنت انقضاءها، وإن كان النهار ليس بأقل منها عسراً، لكنه يعني مئات العيون تحميها من قلقها، وإن لم تدفع عنها قدراً ليس يكترث بميقات؛ ولا يحفل بزمان، وأنّى لها بقناعةٍ أخرى، وهي مَنْ رأت من ويلات السفر هذا وتلك الحرب، ما أوقد بياض ناصيتها، قبل أن تختم العقد الرابع من عمرها، تتفجَّرُ بنضج أنوثتها، وإن لواها الغمّ وشح اللقمة، فأصل جمالها باقٍ كشجرةٍ عطشى، وعيناها المحفوفتان برموش سرويّة، تحدّقان في السماء؛ تعوذان بها، لتخفف من ثقل ليلٍ بطيءٍ جاثم في جنبات روحها؛ لا يتزحزح ولا ينزاح، والخاطفون وصلوا إلى مقربةٍ زاحفين، تسمعهم إن همسوا أو تنفسوا:
-: (عليك مواجهتهم، فهل تقدرين.؟.).
(إنّه الخوف على منصته ينقلب إلى ضدّه، والتهوّر يتجاوز الشجاعة، فالانتحار افتداءً آخر الحلول وأيقنها، وإنهم يقتربون، إنهم يتأكدون، وإنهم يشبقون.).
-: كلتاهما تقصم الظهر، فأيتهما نأخذ.؟.
قال الآخر متهدج الصوت:
-: نأخذهما معاً.
زجره الثالث فاحّاً كأفعوان:
-: بل واحدة أيها الوبش، فالأوامر واضحة.
دنا أحدهم من (آية)، فكادت أمّها تشهق، ودنا الآخر منها فانغرزت شهقتها في حلقها.
-: فلنحمل هذه.
وأشار إلى الناهد. تحركت المرأة فزعة، فصالب أحدهم سيفه مع عنقها، همست:
-: ماذا تريدون.؟.
-: الكاعب.
-: احذروا.. إنها مصابة بالتيفوس.. بالـ.. إنها.
-: إذاً أنت.
كمموا فمها وسحبوها مبتعدين، دقَّ أحدهم حجراً بحجر وانتظر، أتاه صوت مماثل، ووقف اثنان لاطيان في حفرة، عرفتهما فقالت:
-: لا ملامة عليك أيها العريف.
والتفتت إلى صديق ابنها ولفظت:
-: ما لهذا أرضعتك أمك.
زجرها العريف رافعاً سوطه، فأمسكته وقالت:
-: لا تكن فظاً، فلقد أتيت معهم طواعية، سلهم لتتأكد، قل ما الذي تبغه.؟؟.
-: سيدي يريد امرأة.
التهب رأسها واضطرب قلبها، أدارت وجهها خفراً، واحتدم المد والجزر بين رأسها والقلب؛ سريعاً مثل الومض، قالت:
-: أطمئن على ابني أولاً.
أمر العريف أحد رجاله أن يعيده إلى مطرحه، فاندفع الرجل إلى مهمته، دنت من صاحب ابنها، وقفت قبالته، بدا وقحاً، بصقت ملء فمها في وجهه، دفعوها ومضوا، والعميل فاغر الفم يدمدم:
-: ما دامت أتت إلى الفحش طواعية، علامَ تترفع الداعرة.؟!. كلانا بيّاع ما لديه؛ وماالفرق.؟!.
استلَّ من عنق حذائه زجاجة مفلطحة، كرع منها، ثم أفرغها في جوفه، فانتفخت أوداجه وجحظت عيناه، وقف وبال في الزجاجة بيلة مديدة حتى طفحت، وضعها جانباً ودمدم:
-: سأنتظرها فأنالها، وأحطم كبرياءها، ثم أسقيها محتوى الزجاجة فأهينها.
زهزق وحكَّ أنفه، عندئذٍ تذكّر أن يمسح البصقة، وخنخن بقوله:
-: فإن وشت بي فضحتها.. ولكن.!!.
ضرب الأرض بقبضتيه وتمتم: تباً للضعف.. تباً لقذارة القوة. ثم أجهش يشتم الدنيا.
{خرج أبوها إلى الحرب ولم يعد، قتلوه لا شك، لا تدري إن دُفِن أم أكلته الجوارح، ولما ساقوا زوجها وخيوله من المرعى، طال غيابه، ثم أعادوه جثة على حصانه، وحين همَّ أخوها أن ينزله، انفجرت بهما عبوة جعلتهما والحصان مزقاً، وتذكرت يوم لبَطَها أحد عسكرهم، فأسقطت جنينها وكادت تموت.}.
مرَّت الصور سريعاً في ذاكرتها، وهي تزحف بينهم مكبّلة، تحسست فخذها عدّلت موضع السيف، فللمعدن صوت غير ما لانسحال الجسد على الأرض، ثم صعدت الهضبة بينهم، ودخل العريف خيمة سيده، ودنا كبير الطهاة مبتسماً وهمس:
-: أدعي أني أمهر الطهاة قاطبة، وأطمع بمعرفة رأيك بما على المائدة، موعدنا صباحاً سيدتي الجميلة.
أشار إليها العريف أن تتقدم، وأزاح لها ستارة باب الخيمة.. (هوذا الخوف على منصته انقلب إلى ضده).. اقتحمت الخيمة مرفوعة الرأس، وقفت بين الباب والمائدة، اتساع عينيها لمَّ المكان وما فيه، فرأت كل شيءٍ دون أن تتلفت.
أنزل الضابط الزجاجة عن فمه مبهوتاً، وجهٌ لم يكن لمن عاشرهن مثل جماله!
وهذان الصفّان من سرو البحيرتين، رموشها والعينان، والقدُّ مثل شجرة ورد، والنهدان كالرمّان، والشفتان كستناء مشويّة.!. أهي كذلك، أم أنَّ الخمرة شاركته رسمها.؟. أو لعلّهُ انزياح الحرمان برائحة الندى، على غصنٍ كاد يجف.!.
-: تفضلي بالجلوس.
جلست قطعة واحدة.. (التهوّر يتجاوز الشجاعة، فالانتحار افتداءً آخر الحلول.).
-: كلي أيتها الباهرة.
-: (ولمَ لا آكل.؟. فقد تكون لقمتي الأخيرة.)
جدّد كبير الطهاة مائدة سيده الضابط عثمان، ووقف ينظر إليها ويسترق نظرات إلى وجه سيده، فاركاً كفاً بكفٍ، يتوسّل رضاه، ويتسوّل كلمةً تُرضي ولعه بمديح صنع يديه. سأله الضابط عن المرأة، فاغْتَمَّ ودفع طبقاً أمام سيده، ثم وصفها بأنها فرس، وهي مثل الكمثرى، لولا ضيم حاق بها، فذهب ببعض نضارتها، إلا أنَّها تبقى مقبولة لندرتها في مثل هذا الفصل، وفي مثل هذا المكان.
-: وصدرها.؟.
-: حمامتان ورقاوان يا سيدي.. دجاجتان.!.
صرخة ملأت الليل وهزّت سكونه. انحسر الدَّم من وجه كبير الطهاة، حتى بدا ببياض قرص من الجبن الطازج.
جمدت عينا عثمان في محجريهما، ونسي للحظات من يكون.!. تفترسه غرائز لا يعلم كنهها، كأنَّه لا يدرك علاقته بما حوله من الموجودات.!.
ابتعدت المرأة عن خيمة الضابط ألكسندر، دانية من حافة المنحدر، واندفع العريف من خيمة سيده كالمجنون، وأعلن أنه مقتول، صرخ بالعسكر والحرس، واستنفر الأومباشي عسكره، والتقى الجمعان كحذوة حصان، طوّقوها فصاحت:
-: قتلته وما دنّسني، وقد نوى.
واخترق الرصاص جسدها، واختتم العريف المشهد بطلقةٍ، ومثله فعل الأومباشي، واستقرت رصاصتاهما في رأسها الذي كان جميلاً، وتدحرج الجسد من عل.
وزحفوا نحو الهضبة كطيور البطريق المهتاجة؛ والوعول المنتهشة، حينئذٍ تبخرت النشوة من رأس العميل، فأطلق مفتتاً القارورة ومشى.. أسرع.. ركض منادياً صديقه الفتى، ودفعه وأخته ليمتطيا الجواد، فلا وقت للحزن، وليهربا قبل أن يطولهما سوط العريف ورصاص عسكره.
-: هيا.. وستجد الأم من يقبرها، وإني منتقم لها.. أقسم.
ساط الحصان فعدا بهما خبباً، حتى إذا ابتعدوا وأخفاهما الوادي، تناول من عنق حذائه زجاجة مفلطحة؛ دلقها في جوفه دفعة واحدة، واعتلى رجماً؛ مخاطباً الناس من حوله:
-: واثقٌ أنكم دافنوها، وقد وعدت الفتى أن أنتقم لها، وإني أفي بوعدي فاشهدوا.
استلَّ سيفه قصير النصل، وغرزه في موضع فؤاده، وسحبه مثل لمح البرق، ثم جثا ووضعه في سرَّته، وضغط جاثماً عليه، فارتفعت سترته وسط ظهره مثل خيمةٍ، وانسحلت ركبتاه فاستوى منبطحاً، وارتطم أنفه بالأرض، وتعفَّر جبينه بالتراب، وبان نصل السيف، وقد اخترقه من البطن إلى الظهر.