الفصل الثالث

4 0 00

الفصل الثالث

آباء و أبناء

كانت منطلقة وقلبها يختلج في صدرها ...

خطواتها لم تكن عاديه .. بل قفزات ... ها هي الآن وقد عادت إليها الحياة .

كانت تظن أن الدنيا قد أظلمت ولم يعد بها خيط من ضوء الشمس ..

وكانت تعتقد بأنها قد إنتهت ولم يعد لها بقية .

وإذا بكل هذا ينحسر ويندحر ...

إنها هايدي .....

فمنذ أن إلتقت بسامر وهي تشعر بأن قلبها قد عاد يقوم بوظيفته الطبيعية ويوزع الدماء إلى كل خلاياها ..

لم يكن ذلك لمجرد اللقاء به .. وإنما لما طلبه منها ...

فقد عرض عليها الزواج ..

فقد أخبرها بأنه قد أفاق من غفلته واهتدى إلى ربه .. ويسعى لإصلاح كل ما أفسد ... وضمن ذلك هي ...

وهي أدركت ذلك .. شعرت ورأت ملامحه الهادئة .. صوته الخافت .. غضه لبصره أثناء التحدث معها ...

وقتها لم تستطع التفوه .. فقد كانت المفاجأة تعقد لسانها .... مفاجأة ظهوره .. وذلك العرض الذي يعرضه عليها .. ظن هو أن صمتها للتفكير .. فأعطاها مهلة لتفعل .. ولم يكن يدري أن كل وجدانها يهتف بأن نعم .

وبينما هي منطلقة ... إذا ببصرها يقع عليه ..... إنه سامح .

الذي أقبل عليها وقال لها :

(( أرى الفرحة ترفع رايتها فوق ملامحك .. ترى ما الأمر ؟؟ ))

وإذا بصفعة قوية مدوية إحمر لها وجه سامح الذي نظر نحوها بذهول وقال :

(( هايدي !! ماذا دهاك ؟؟ هل جننت ؟! ))

قالت بصوت هادر : (( بل أنت أيها الوغد القذر الذي لا أريد وجهه بعد الآن ))

نظر إليها بغضب وقال :

(( ماذا حدث وما الأمر ؟! ))

قالت بانفعال : (( لقد أتي سامر ..... وسوف نتزوج ))

إتسعت عيناه في ذهول .. وظل صامتا للحظات .. وأخيرا قال :

(( ماذا ؟ .. كيف ؟ .. ألم يمت ؟! ))

قالت : (( يكفي أنه قد أتى وأني نزعت الطوق الذي كنت تضعه حول رقبتي .))

إبتسم بسخرية وقال :

(( أهذا ما جعلك تتصرفين معي هكذا ؟ .. ولكن الأمر ليس كما تعتقدين .. فقد أخذنا حذرنا لأمر كهذا .. ))

نظرت إليه وقالت بتردد وخوف : (( كيف هذا ؟؟ ))

قال بتهكم : (( إجراء روتيني يتم مع كل أعضاء الجمعية .. لابد وأن يكون لدينا صورا فاضحة ومخزية لهم .. وأنت على وجه الخصوص نملك شريط فيديو لك كفيل لأن يودي بك إلى الشمس التي لن تحرق سواك ..

لذا أقول لك .. تأدبي معي جيدا .. ومعاملتي لك ستتغير كثيرا ...

وأبلغي سلامي إلى سامر ... )) ..

والتفت منطلقا .. في حين كانت واقفة ذاهلة مشدوهة ...

وأخيرا سقطت مغشيا عليها .

كان المصعد يرتفع بسامر إلى الطابق الذي يوجد به مكتب أبيه في تلك الشركة الضخمة التي يملكها ..

كانت أول مرة يفعل ذلك .. فلم يحدث من قبل أن إهتم بوالده أو أعماله .

كان جل ما يشغله هو المصروف يناله منه ... وها هو قد تغير وتغيرت نظرته لأشياء كثيرة وقد بدأ يسعى لتغير الأجواء المحيطة به قدر جهده .

ولم يدر ما السبب الذي جعل فكره يتجه نحو هايدي !

تلك الفتاة المسكينة التي كان هو السبب الرئيسي في ضياعها .. لقد حاول أن يرأب الصدع .. ولكنها أبت في عناد عجيب .

كان يظن أن أمر كعرضه للزواج بها حتما سيسعدها .. ولكنه إكتشف العكس .

حاول جاهدا أن يجد سببا مقنعا لرفضها ولم يجد ...

حاول أن يذلل أمامها كل الصعاب التي قد تواجه ذلك .. ولكنها أيضا أبت .

وبعدما شعر أنه قد فعل ما يجب عليه نحوها .. إنصرف ذهنه عنها .

أفاق سامر من شروده حينما وصل به المصعد إلى الطابق الذي يبغيه .. وما إن إنفتح الباب حتى إتجه إلى مكتب أبيه الذي ما إن رآه حتى قال مندهشا :

(( سامر !! .. ماذا هناك ؟؟ ))

إبتسم سامر وقال بهدوء : (( لا شيء يا أبي .. فقد أردت أن أراك وأنت تعمل وأن أتحدث معك قليلا .. ))

لم يكن شاهين مصدقا لهذا الحديث وظن أن سامر حتما يريد شيئا ما .. فعاد بظهره إلى الخلف وقال :

(( خيرا .. ها أنا معك .. ولكن يجب أن تراعي وقتي فأنا منشغل للغاية .. ))

قال سامر : (( ألم تلحظ يا أبي أنك منشغل دائما ؟ ))

قال شاهين بتعجب:(وماذا في ذلك! فهذا هو طريق التفوق والرقي في كل مجال).

قال سامر: (( أعرف هذا يا أبي .. ولكني أقول : أشعر أن شغلك الوحيد هو جمع المال .. فلنفرض أنك حزت كل كنوز الدنيا .. ماذا بعد ذلك ؟ ))

قال شاهين : (( ماذا بعد ذلك ؟ .. كيف ؟ .. ماذا تقصد ؟؟ .. ))

قال سامر : (( أريد أن أقول يا أبي أن هذا المال الذي تعطيه كل جهدك من السهل أن يضيع في لحظة .. فلا تجعله كل غايتك ))

قال شاهين : (( أنت أيضا غايتي يا سامر .. إن أسعد يوم في حياتي يوم أن تتوج ملكا فوق هذه المؤسسة وترتفع بها رافعا اسمي معك .. ))

قال سامر : (( أيضا يا أبي ليس هذا هدفا كافيا .. فمن السهل أن تفقدني في لحظة .. ما المانع من أن أموت الآن ؟ .. وقد رأيت الموت رأي العين عند جبال الأقصر .. ))

قال شاهين بتساؤل : (( ماذا تريد من وراء كل هذه التساؤلات يا سامر ؟! ))

قال سامر بهدوء : (( أريد أن أقول يا أبي .. يجب أن تلتفت إلى الله عز وجل وتجعل رضائه أقصى أمانيك وهدفك الوحيد .... لا مانع من أن تسعى لطلب الرزق الحلال ... ولكن لا تنسى الله في غمرة إنشغالك .. فهو الباقي عندما يزول كل شيء... ))

قال شاهين : (( منذ أن عدت من الأقصر .. وبعد أن أطلقت لحيتك ... وأنت تتحدث بلسان هؤلاء المتطرفين .... ماذا حدث لك هناك يا سامر ؟؟ ))

قال سامر بانفعال : (( هل عندما أتحدث بقول الله وقول رسوله الكريم أكن من المتطرفين ؟! .. هل أصبحت كل الآيات والأحاديث النبوية أقوالا متطرفة ؟!))

تنهد شاهين وقال محاولا إنهاء الحديث :

(( إستمع إلي جيدا يا ولدي .. أريدك الآن أن تجتهد في دراستك ولتحصل على شهادتك .. وبعدها ستأتي هنا لتعاوني .. وقتها سترى الواقع وتعلم كل شيء ...

.. وعندها سأستمع لكل مقترحاتك .... ما رأيك ؟ ))

قال سامر : (( حسنا يا أبي .. وأنا أعدك بالنجاح المستمر على عكس السابق ..

وإن شاء الله سوف أكون عند حسن ظنك بي . ))

(( كيف حالك يا أنس ؟ لقد اشتقت إليك كثيرا ))

إنتقلت هذه العبارة من القاهرة إلى الأقصر عبر أسلك الهاتف فرد أنس قائلا:

ــ (( أنا بخير حال .. وأنت ياسامر كيف حالك ؟ ))

ــ (( الحمد لله بخير .. وما هي أخبار أسرتك الكريمة ؟ ))

ــ ((الجميع بخير ولله الحمد .. وأختي أماني قد تكون خطبتها يوم السبت المقبل إن شاء الله .. ))

إهتزت السماعة في يد سامر وقال مندهشا :

ــ ((ماذا ؟! كيف ذلك ؟؟ ))

قال أنس مندهشا ..

ــ (( ماذا هناك يا سامر .. هل هو عيب أن تتزوج ؟!! ))

قال سامر وقد خفت صوته كثيرا :

ــ (( أأسف يا أنس لا يوجد شيء ... مبارك لها ولزوجها ))

ــ (( الأمر لم يحسم بعد .. فهي لم تبد الموافقة وما زلنا ننتظر رأيها ))

شدد سامر قبضته على السماعة وقال :

ــ (( إستمع إلي جيدا يا أنس .. أختك هذه منذ أن رأيتها وأنا أشعر أنها النفحة الملائكية التي لن تكون حياتي سعيدة سوى معها ... أعلم أنها تكبرني بعامين ولكن هذا لا يهم فرسول الله تزوج السيدة خديجة وهي تكبره بكثير ... لذلك أقول لك يا أنس أشر عليها ... وإن رضيت بي سوف آتي ومعي أهلي في اليوم الذي ترغبونه لأتقدم طالبا الزواج بها .... ما رأيك ؟ ))

قال أنس بتردد : (( قولك هذا فاجئني بشدة يا سامر .. ولكن أعدك أن أخبر أبي به وهو سيضعه موضع التفكير وهي إن وافقت سأقول ... هنيئا لك ))

قال سامر :

ــ (( أشكرك بشدة يا أنس وسوف أعيد الإتصال بك لأرى ما الأمر .. ))

ــ (( كيف هذا يا سامر ؟!! إنه قول جنوني .. فق يا يا ولدي ..... لقد تعرفت على فتيات كثيرات فلا تجعل إحداهن تجهز على مستقبلك . ))

نطق بها شاهين في انفعال أثناء حديثه مع سامر الذي كان يطلب منه الموافقة على تقدمه للزواج بأماني ...

رد سامر بهدوء قائلا :

ــ (( هل تنكر يا أبي أني تغيرت كثيرا ولم أعد أفكر كالسابق ؟ ))

رد شاهين قائلا :

ــ (( لست أنكر التعقل الذي طرأ عليك .. ولكن يجب أن تنتبه إلى أنك ما زلت صغيرا ويجب أن تستمتع بمرحلة شبابك قبل أن تقدم على أمر كهذا ))

قال سامر ونبرة الحزن تغلف صوته :

ــ (( لقد أخذت من متع الدنيا ما أتمنى لو تعود الساعة للخلف كي لا أفعل ))

ــ (( حسنا فلننتظر حتى تنهي دراستك ))

ــ (( يا أبي لا يوجد مبرر للإنتظار .. فالحمد لله القدرة المادية متوفرة .... وفوق ذلك لو انتظرت لأبعد من الجمعة القادمة لفقدتها إلى الأبد .))

قال شاهين في حيرة (( لست أدري ماذا أفعل ))

قال سامر برجاء : (( أبي .. إنني ولدك الوحيد .. وهذه هي أمنيتي الوحيدة .. أرجوك لا تحطمها . ))

قال شاهين منهيا الحديث :

ــ (( حسنا فلتدعني أفكر حتى يوم الجمعة القادمة .. وإن كان لك نصيب سنستقل أول طائرة ذاهبة إلى الأقصر في ذلك اليوم .. ))

(( سامر هذا يجب أن يقضى عليه ))

نطق بها أحد أعضاء حورس أثناء جلستهم المغلقة التي تظللها كالعادة سحابة من الدخان القاتم ...

فقال الثاني : (( بالطبع هذا ... فقد كان بيننا ويعلم كل أسرارنا ... وبعد أن جذبه أعضاء التيار المتطرف إلى صفهم تغير تماما .. وها هو يعلن أنه سيصدر كتابا يبين فيه أعمالنا وكل أهدافنا . ))

فال ثالث : (( إنها ستكون فضيحة لو فعل .,. ))

قال سامح وقد كان أحد المتواجدين :

ــ (( لقد كاد أن يفسد لي إحدى عملياتي الخاصة .. ولهذا بيني وبينه ثأر لابد وأن أناله ))

قال رئيس الجلسة :

ــ (( حسنا لقد اتفقنا على ضرورة التخلص منه .. فماذا نفعل ؟ .. هل يعتقل ؟ ))

قال أحدهم (( لا .. إن هذا سيجعله بطلا .. ولن يمنعه من فعل ما يريد ))

قال سامح بحسم :

ــ (( لا يوجد حل سوى قتله .. ))

فقال الرئيس : (( ومن الذي سيفعل ذلك ؟ ))

قال سامح : (( أنا .. فقد ذكرت أن بيني وبينه ثأرا .. وهذه فرصتي لأناله . ))

قال الرئيس :

ــ (( حسنا .. ولكن يجب أن تأخذ حذرك جيدا .. وتفعل ذلك بحيث لا يكن هناك ذرة من شك تشير إليك ... لأنك لو وقعت ستكون فضيحة مدوية .. وفرصة لن تعوض للتيار المتطرف لينال منا . ))

قال سامح :

ــ (( إطمئن.. إنه واجبي . ))

إرتفع ذلك الصوت في بهو صالة الإنتظار بمطار القاهرة الدولي معلنا عن وصول الطائرة القادمة من نيويورك ....

مما دفع أحد الأشخاص ليقف ويتجه نحو باب الخروج .. وأخذ يرقب كل القادمين باهتمام حتى وقع بصره على أحدهم فاندفع إليه وسلم عليه بحرارة واصطحبه إلى إحدى السيارات ... وما إن وضع الحقائب بها حتى استقلاها وانطلقا ...

(( ماهي الأخبار يا سليم ؟ ))

نطق بها القادم من نيويورك .. فرد عليه سليم قائلا :

ــ (( المبنى الجديد يطل على النيل مباشرة وتزينه لافتة ضخمة وأنيقة تحوي اسم الشركة .. وكل العمالة متوفرة .. ولم يتبق سوى تسلمك المفاتيح والأعمال .. وبهذا يصبح أمرا طبيعيا أن تقوم بافتتاحها غدا .. ))

عاد القادم من نيويورك بظهره إلى الخلف وقال :

ــ (( رائع كل شيء يسير على ما يرام .. وغريمنا .. ما هي آخر الأنباء عنه؟))

رد عليه سليم قائلا :

ــ (( نحن على وشك الإيقاع بأحد رجاله المقربين .. وبعدها من السهل الحصول على ما نريد .))

قال القادم بتوعد :

ــ (( عظيم .. كلها خطوات بسيطة وبعدها أنال كل حقوقي .. وهذا الوغد سيعرف من أنا ...

لقد ظن أنه قد قضى علي عنما خدعني واستولى على الشركة بأكملها لنفسه ..

ولكن هيهات .. لقد علمتني ودربتني الحياة في نيويورك على مالم أتعلمه طوال حياتي ..

وليرتعد شاهين الدمنهوري فقد أتى شريكه القديم ........ ( عمر ).. ))

(( حسنا يا أبي وقسم المشتريات .. كيف يكون التعامل معه ؟ ))

تفوه سامر بهذه العبارة أثناء حديثه مع شاهين ... فهو قد اعتاد يوميا أن يبقى مع أبيه بضع ساعات ويحاول أن يفهم منه نظم العمل بالشركة .

كان شاهين يشعر بسعادة جمة لا مثيل لها ... فقد شعر أن لديه ساعد يعينه في أعماله وحائط يحميه عندما يحدث له مكروه ..

لأول مرة يزول عنه الشعور بالوحدة .. فقد كان دائما يشعر أنه يقاتل منفردا في الساحة ..

أما الآن .. فقد تمثلت له أقصى أمانيه أمام عينيه ...

فقد رزقه الله بالولد الذي يحمل اسمه والذي بدا عليه أنه سيرقى بشركته وأعماله

.. هم شاهين أن يجيب تساؤل ولده .. ولكن قطعت عليه طرقات الباب أن يفعل..

أذن شاهين للطارق بالدخول .. فإذا بسكرتير مكتبه يقف ويقول في ارتباك :

ــ (( هناك ضيف يرغب في مقابلتك يا سيدي .. ))

ــ (( هل لديه موعد سابق ))

ــ (( لا ولكنه ………. )) قطع عبارته ونظر نحو سامر وقال :

((ولكنه من الشخصيات الهامة التي تأتى دون مواعيد مسبقة ))

قال شاهين موجها الحديث إلى سامر :

ــ (( حسنا يا سامر كفانا هذا القدر اليوم .. وغدا سوف نكمل ما تبقى ))

قام سامر وقال :

ــ (( حسنا يا أبي ولكن أرجو ألا تكون قد نسيت الموضوع الذي أخذت مهلة لتفكر فيه ))

ــ (( يوم الجمعة لم يأت بعد .. واطمئن فأنا لا أنسى شيئا أبدا ))

سلم سامر على أبيه وانصرف ... في حين نظر شاهين إلي السكرتير وقال بصرامة :

ــ (( من هو هذا الضيف الذي يأتي دون مواعيد مسبقة ؟ ))

أتاه الصوت من عند الباب يقول :

ـــ (( إنه أنا ياشاهين ............ شريكك القديم ( عمر ) ... ))

كان سامر يهبط على سلالم الشركة .. فقد ترك المصعد وأراد أن يتقافز ويعبر عما يعتمل به أثناء إنطلاقه ...

كان يشعر أن الكون كله منسجم معه ..لأول مرة في حياته يشعر بالرضا ...

كان في السابق على الرغم من أنه يحصل على كل ما يريد ... إلا أنه دائما ساخط ورافض لكل ما حوله .. ويشعر باضطراب داخلي مستمر .

كان بالرغم من إنطلاقاته ونشاطاته يشعر أن الحياة ضيقة عليه ...

أما الآن ...

فقد تغير الحال تماما ... الحياة أصبحت رحبة ومتسعة لكل شيء..

الراحة النفسية تحتويه ... والشعور بالقلق ذهب إلى حيث لا رجعة ..

ولم يعد يرغب من الدنيا سوى شيئا واحدا ... إنها هي ....... أماني

تلك الفتاة التي هزت وجدانه واحتوت أحلامه ..

كم يتمنى أن يتزوجها ويسعد في حياته معها ....

ولكن ... ترى هل ترغبه هي أو توافق عليه ؟

إنه لا يعلم شيئا عما يراود خيالها وتفكيرها ..

على أية حال ..

سيذهب الآن إلى أنس ويتصل به ويعلم ما الأمر .

خرج سامر من باب الشركة وهم أن يعبر الطريق إلى الناحية المقابلة حيث ترتكن سيارته .... وإذا بصوت أحد الحراس يصرخ فيه :

ـــ (( إنتبه يا سيد سامر ... ))

نظر سامر بسرعة فإذا بسيارة سوداء تندفع مسرعة نحوه .. حاول أن يعود مسرعا .. ولكنها لحقت به وصدمته بجانبها .

وانطلقت مسرعة وقد تركته مضرج في دمائه الغزيرة .

(( هذه الوثائق كلها مزورة ))

نطق شاهين بهذه العبارة في إنفعال وهو يقلب الوثائق التي أعطاها له عمر في يديه ...

ضحك عمر وقال :

ــ (( كيف هذا يا شاهين ؟ .. صفقاتك لابد وأن يكون بها بعض الشبهة ))

ــ (( كان هذا فيما مضى .. أما الآن فأعمالي وصفقاتي كلها سليمة ونظيفة ))

ــ (( حسنا .. إنه شيء رائع .. ولكن فلتثبت أن هذه الوثائق غير حقيقية فهي تحمل توقيعك وأختام شركتك ))

قال شاهين في حيرة :

ــ (( هذا ما يجعلني على حافة الجنون .. كيف حصلتم على هذا التوقيع وتلك الأختام ؟!! ))

ــ (( دعك من هذه التساؤلات الآن ولنذهب إلى ما هو أهم ... بالطبع تعلم أن وثائق كتلك التي بين يديك كفيلة بأن تجهز عليك ...

ولكنني يا شاهين بالرغم من حياتي العصيبة في نيويورك .. بلد العصابات والصراع والقتال المستمر والتي لا يعيش بها سوى الوحوش ... بالرغم من كل هذا .. لم أتخل عن نزاهتي ولم أتلوث من مجتمعهم القذر ..

لذلك أقول لك .. هذه الوثائق أهددك بها كي أنال حقي الذي خدعتني وسلبتني إياه ... إن فعلت ثق تماما أني لن أحاول الإقتراب منك بعدها ..

وإن لم تفعل .. سترى وتعلم من هو عمر الذي نبتت له أنياب وأظافر ))

جفف شاهين العرق الغزير الذي كسى جبهته على الرغم من الجو المكيف بمكتبه .. وأخذ يتطلع إلى الوثائق غير مصدق لما بها ...

وأخيرا نطق وقال بصوت متحشرج : (( حسنا يا عمر .. كم تطلب ؟ ))

ابتسم عمر بظفر وقال :

ــ (( أنت تعلم يا شاهين أننا بدأنا الشركة مناصفة .. فلنتذكر كم كان رأس المال وقتها ؟ ))

ــ (( هل تعني أنك تريد نصف هذا المبلغ ؟ ))

ضحك عمر عاليا وقال :

ــ (( كان هذا وقتها أما الآن .. فمالي الذي سلبتني إياه قد ربح ونما .. وبالتالي لابد وأن أنال من تلك الزيادة وهذا الربح ))

قال شاهين وقلبه يدق في عنف :

ــ (( كم تطلب يا عمر ؟ ))

هم عمر أن ينطق ولكن قطع عليه الحديث دخول السكرتير مندفعا وهو يصيح :

ــ (( سيد شاهين .. سامر ولدك صدمته سيارة أمام باب الشركة ))

كانت سها تبكي في حرقة وهي تقول :

ــ (( ولدي يا شاهين .. كيف حدث له ذلك ؟ ))

كان شاهين يحتويه القلق والجزع والخوف وهو يطرق تلك الساحة التي تواجه غرفة العناية المركزة ذهابا وإيابا ..

فبعد أن علم بما حدث لسامر هبط إليه كالصاعقة وحمله إلى تلك المستشفى التي يعمل بها صديقه الدكتور ( خليل ) ..

وعندما طلبوا من يتبرع له بالدم حاول شاهين أن يفعل ولكن كانت فصيلته غير متوافقة معه ... وعندما أتت سها مسرعة منحته ما أراد من الدم فقد كانت فصيلتها متوافقة معه ..

ساعتان مرتا وشاهين وسها ينتظران والخوف مستبد بهما ..

قطع عليهما ذلك الإنفعال خروج د. خليل من الحجرة فاندفعت سها نحوه وقالت:

ــ (( ولدي يا د. خليل .. كيف حاله ؟؟ ))

تنهد د. خليل وجفف عرقه وقال :

ــ (( لقد تمزق طحاله بقوة أجبرتنا على استئصاله .. وبقية الإصابات الحمد لله تمكنا من تحديدها .. وإن شاء الله مع العناية به سيصبح في خير حال ))

تنهد شاهين في قوة وقالت سها : (( الحمــــــد للـــــــــــه ))

في حين نظر د. خليل نحو شاهين وقال له :

(( لا تقلق يا سيد شاهين .. سيصبح ولدك بخير إن شاء الله ))

(( أمي .. إني أحبك .. هل أنت راضية عني ؟ ))

نطق بها سامر في ضعف ووهن عندما أفاق ووجد أمه في مقابلته ...

لم تستطع سها أن تمنع دموعها وهي تقول :

ــ (( أنت حياتي يا سامر .. وأرضى عنك بكل وجداني ))

ــ (( الحمد لله .... أين أبي ؟ ))

ــ (( لقد انصرف منذ لحظات .. فقد استدعوه للإدلاء بأقواله في التحقيق الذي يجري لمعرفة من أصابك ))

ــ (( يخيل إلي أن من صدمني أعرفه جيدا فقد لمحت وجهه لوهلة ولكن لم أتمكن من تحديد من هو ؟ ))

ــ ((اطمئن ياولدي .. هذا المجرم حتما سيقع ولن نرحمه وقتها ))

ابتسم سامر بضعف وقال :

ــ (( هل تعلمين يا أمي ؟ .. إنها أول مرة أشعر أنك مهتمة بي وتحملين هذه العاطفة نحوي ))

ــ (( إنك ولدي يا سامر .. جذء مني فكيف تتصور عكس هذا ؟؟ ))

ابتسم سامر وأغمض عينيه وقال :

ــ (( الحمد لله رب العالمين .. ))

(( السيارة كانت شيفروليه سوداء .. والحراس العاملين على باب شركتك قالوا أنها لم تكن تحمل أرقاما ... فهل هناك من تتهمه يا سيد شاهين ؟ ))

نطق أحد ضباط الشرطة بهذه العبارة أثناء التحقيق الجاري بسبب الحادث الذي تعرض له سامر ..

فكر شاهين مليا .. خطر بباله أن يذكر أنه عمر .. ولكنه خير من يعلم أن عمر أبدا لن يقبل على أمر كهذا .. وفوق ذلك ففي أثناء الحادث كان عمر يجالسه والكرة في ملعبه ولا يلزمه أمر كهذا .. وحتى لو كان عمر نفسه من فعل فلن يستطيع شاهين أن ينطق لأن رقبته الآن معلقة بين يديه .

هز شاهين رأسه نافيا وهو يقول :

ــ (( لا .. ليس هناك من أتهمه ))

ــ (( حسنا سنحاول ضبط هذه السيارة وبعد أن يفيق سامر سنستمع إلى أقواله فقد يكون هناك من يهدده من معارفه ))

أنهى شاهين التحقيق وخرج من قسم الشرطة واستقل سيارته وانطلق بها إلى مكتبه بالشركة ... وأخذ عقله يدور ويموج بالأفكار ...

ماذا يحدث ؟ وماذا دهاه ؟؟

فجأة انهالت عليه المصائب من كل صوب ..

عمر .. إصابة ولده .. والله أعلم ماذا هناك ... إنه يذهب إلى الشركة ويخشى أن يستقبله خبر خسران إحدى صفقاته خسرانا مبينا .. فالخسائر عندما تطرق الباب إنما تدخل تباعا بلا توقف ...

منذ زمن طويل لم يتذوق شاهين طعم الخسائر المرير .. وها هو فجأة يتجرعه بقسوة .

ما إن وصل إلى مكتبه واسترخى على كرسيه حتى أخذ يفكر في أمر عمر ...

إنه يثق بنزاهة عمر ويعلم أنه ما من شيء ليغيرها .. ولكن من الواضح أنه قد عاد وقد أبصر الحياة على حقيقتها .. وها هو قد عاد ليطالب بحقه ..

إنه لا ينكر أن خدعته كانت دنيئة عندما سلبه كل ما يملك وتركه وحيدا بلا شيء

كان شاهين منذ زمن قد هجر تماما تلك الصفقات المشبوهة وأصبحت أمواله كلها تأتي من المصدر السليم ... ولكن كان أمر عمر هو الشوكة التي تنغص عليه حياته ... وها قد حان الوقت لينتزع تلك الشوكة

ربما كانت نجاة ولده من هذا الحادث إشارة لأن يفعل ويتخلص من هذا الدين الذي يطوق عنقه .. وكذلك لينتهي من تهديد عمر الذي لا يجد منه فكاكا

ــ (( كيف حالك يا عمر ؟ .. إنني شاهين ))

نطقها شاهين عبر الهاتف فور أن طلب عمر لينهي ذلك الأمر فرد عليه عمر :

ــ (( شاهين !! .. كيف حال ولدك ؟ ))

ــ (( الحمد لله ما زال على قيد الحياة ... أخبرني يا عمر كم تريد مني ؟ ))

أخذ عمر بهذا القول فلم يكن يتوقع أن يخضع شاهين بمثل هذه السرعة فقال :

ــ (( استمع إلي يا شاهين فلست أريد أن تكون حادثة ولدك ذات أثر فيما نقول))

قاطعه شاهين قائلا بحسم :

ــ (( كم تريد ياعمر ؟ .. أريد أن أنتهي من دينك الذي يطوقني ))

بهت عمر بهذا القول فقد شعر بصدق شاهين التام فيما يقول فتنحنح وقال :

ــ (( حسنا يا شاهين .. لقد كانت الشركة مناصفة بيننا .. وأنت أخذت كل أموالي وارتفعت بها الشركة .. وبهذا أقول سنقوم بتقييم رأس مال الشركة الآن ... وأريد نصفه . ))

ــ (( حسنا فلتأت لتصفية هذا الأمر يا عمر ))

ألقى شاهين سماعة الهاتف فور نطقه بهذه العبارة ومد يده ليفك رباط عنقه وأخذ يجفف عرقه الغزير ... وضربات قلبه قد وصلت إلى أقصى قوة لها .

(( الحمد لله لقد تحسنت حالته كثيرا .. وإن شاء الله سيصير إلى الأفضل ))

تلفظ د. خليل بهذه العبارة أثناء حديثه مع سها وشاهين بعد قيامه بفحص سامر

أمسكت سها بيد ولدها وقالت له :

ــ (( الحمد لله الذي عافاك يا ولدي الحبيب ))

نظر سامر نحوها وقال :

ــ (( عيناك متورمتان للغاية يا أمي .. ألم تنمي بعد ؟ ))

تحسست سها عيناها وقالت فزعة .. (( حقا !! .. كيف هذا ؟؟ ))

ثم استدركت قائلة : ـــ (( ولكن لا يهم يا حبيبي .. المهم أنك بخير ))

نظر د. خليل إلى شاهين وقال له :

ــ (( أريدك في حديث خاص يا سيد شاهين ))

تبعه شاهين إلى مكتبه وبعد أن استقر بهما المقام .. عقد د. خليل يديه أمام صدره وقال :

ــ (( في الحقيقة يا سيد شاهين أنني لست أجد ما أبدأ به الحديث معك ))

تسائل شاهين قائلا :

ــ (( ما الأمر ؟ هل توجد مشاكل بشأن مصاريف العلاج والإقامة بالمستشفى ؟))

هز د. خليل رأسه نافيا وهو يقول :

ــ (( مطلقا .. ولكنه أمر آخر ))

ــ (( ما الحدث ؟! ))

تنهد د. خليل وقال :

ــ (( حقيقة لقد كنت أريد أن أترك الأمر ليسير كما هو ولتدوم الحياة كما بدأت ..

ولكن لأنك صديق أثير لدي .. تحتم علي أن أخبرك ))

قال شاهين وقد احتوته الدهشة :

ــ (( لست أفهم شيئا !!! ))

قال د. خليل حاسما الأمر :

ــ (( خلاصة الأمر ... أن سامر هذا من المستحيل أن يكون ولدك ))

ارتعشت كل حواس شاهين وقال بحدة :

ــ (( ماذا تقول يا د. خليل ؟!! .. وكيف هذا ؟؟ ))

ــ (( إهدأ يا سيد شاهين وسوف أشرح لك كل شيء ....

فصيلة دمك ( AB ) وفصيلة دم زوجتك ( O ) إذن لابد وحسب أبسط النظم الوراثية أن تكون فصيلة دم ولدك إما ( A ) .. أو ( B ) .. أما أن تكون ( O ) فذلك هو المستحيل بعينه .. وهذه حقيقة طبية يعلمها حتى طلبة المرحلة الثانوية ...... وسامر فصيلة دمه ( O ) ... أخبرني أنت ما هو تفسير ذلك ؟ ))

اسودت الدنيا فجأة أمام عيني شاهين ولم يستطع سوى أن يتفوه بكلمة :

ــــ (( مــســتـــحـــيــــــــل ..... ))

دوى صوت صفعة قوية تردد صداها بالمنزل وتبعه صوت شاهين الهادر وهو يقول :

ــ (( أيتها الفاجرة اللعينة ... أعطيتك الحرية لتتنزهي وتسهري كيف تشائين .. وليس لتقومي بخيانتي ))

تناثر شعر سها على وجهها وانتثرت دموعها في قوة وهي تقول :

ــ (( صدقني يا شاهين هناك خطأ ما .. أقسم لك أنه ولدك ))

صرخ شاهين قائلا :

ــ (( كفي عن القسم كفاني خداع كل هذه السنوات الطويلة الماضية ...

إنني لم أبخل عليك بشيء .. جعلتك تتابعين حمله مع أعظم أطباء النساء

والتوليد في مصر .. وأقمت حفلة بمناسبة مولده تحدثت القاهرة بأكملها عنها

وأنفقت عليه أموالا طائلة ... وكل يوم يمر في عمري يهتف بي أني مخدوع

وأشبه بالدمية . ))

كانت سها تستمع إليه ولا تستطيع أن تجيب فالحجة أقوى منها ومن قولها ...

ولكن عبر حديثه تذكرت أمرا ما جعلها تهتف في قوة :

ــ (( شاهين .. هذا الولد ليس ولدك ولا ولدي أيضا ))

قال شاهين في سخرية :

ــ (( بالطبع لأنك لم تحملي به .. أم أي خدعة أخرى تريدين خداعي بها ؟! ))

قالت سها بانفعال :

ــ (( أقسم لك يا شاهين أني صادقة .. إنه د. علام .. لقد أتاني يوم الحفل وأخذ يسألني أسئلة عجيبة ومريبة ولقد أخبرتك بذلك وقتها .. فقد أخذ يقول لي ( هل تدركين ولدك إذا أبدلته بآخر ؟ ) .. أقسم لك يا شاهين أنه حتما قام بإبدال وليدنا بآخر في أحد أبحاثه اللعينة ))

عقد شاهين حاجبيه في قوة وقد تذكر قول د. علام عندما أراد أن يوثق الصلة معه .. وأنه يعد لبحث ما ويريد أن يعلم كل شيء عن ولدهما ... إنه يذكر ذلك جيدا .. فهل يعقل أن يكون قد أبدل ولدهما الحقيقي بآخر ضمن خطوات هذا البحث ؟؟ ... إنه يتمنى أن يكون ذلك قد حدث .. فأن يكون ولده قد أبدل بآخر أهون آلاف المرات من أن تكون زوجته خائنة له .. بل هو أيسر بكثير من ان يتحطم الحلم الذي يملأ كيانه بأن يأتي ولده الذي يحمل اسمه وأعماله وشركاته ..

نظر إليها وقال :

ــ (( أدعوا الله أن يكون ذلك صحيحا .. وسوف نرى .. فأمثال هذا الرجل يدونون خطوات أبحاثهم .. وحتما كل شيء مدون عنده في أوراقه .. سنذهب إلى ورثته ونرى ))

(( هاهي مكتبته .. بها كتبه ومراجعه وأبحاثه .... لم يدخلها مخلوق منذ أن قتل .. فقد كان مصرعه بها ))

نطق أحد ورثة د. علام بهذه العبارة لشاهين وزوجته .. كان شاهين قد شرح له كل شيء حتى يقدر الأمر ويأذن لهما بما يريدان ...

توجه شاهين ببصره نحو المكتبة وأخذ يتطلع مشدوها إلى محتوياتها وقال :

ــ (( يا الهي .. كيف نصل إلى بغيتنا وسط هذا الجبل المهول ؟! ))

ــ (( حقيقة لست أدري .. ها هي أمامكم .. فلتبحثوا كما تشائون ووقتما تريدون))

ــ (( ألا تعرف ما هي طريقته في ترتيب أبحاثه ؟ ))

ــ ((مطلقا.. ولكن ما أعرفه أنه دائما يضع وريقات بحثه الأخير في درج مكتبه))

قال شاهين بفرحة :

ــ (( بالطبع هذا ما نبحث عنه .. إنه بحثه الأخير .. فقد مات بعد ولادة ابننا بأسبوع .. ))

ــ (( حسنا .. سأذهب لآتي لكم بمفاتيح درج المكتب )) وتركهما وخرج ..

وضعت سها يدها فوق قلبها فوجدته يدق في عنف وأخذت تتمتم بكلمات لم يسمعها شاهين ... في حين كان الأخير يتوجه بكل كيانه داعيا الله عز وجل أن يجد ما يتمنى ...

دخل الرجل ومعه المفاتيح واتجه بها نحو درج المكتب .. تبعه شاهين ببصره فوجده قد فتح الدرج ونظر ببصره إلي داخله .. وأخيرا أخرج يده وبها دوسيه أزرق اللون به بضع أوراق ..

تناوله منه شاهين في لهفة وفتحه وأخذ يقلب الوريقات ويقرأما بها وبسرعة .. وأخيرا تنهد وقال :

ــ (( الحمـــد للـــــه ... ))

قالت سها في لهفة :

ــ (( ماذا وجدت يا شاهين ؟؟ ))

نظر شاهين إليها وقال :

ــ (( أأسف بشدة يا سها لما خرج مني نحوك ... لقد تم التبديل فعلا ))

************

(( لقد حجزت لك ولوالديك ثلاثة تذاكر فى الطائرة المقلعة من عندكم غدا .. ))

نطق شاهين بهذه العبارة محدثا بها أنس.. فقد أخذ شاهين جميع بيانات يحيى من الملف الخاص بدراسة الدكتور علام واتصل به فرد عليه أنس .. فذكر له العبارة السالفة ..

رد أنس مندهشا :

- (( ألست السيد شاهين الدمنهورى والد سامر ؟! ))

عقد شاهين حاجبيه قائلا :

- (( ماذا ؟! .. هل تعرف سامر ؟ ))

- (( بالطبع لقد مكث معنا شهرا عند اصابته هنا بالأقصر .. ولقد طلب منى مطلبا .. وكنت أنتظر مكالمته لأرد عليه ))

أخذ شاهين ودهش وقال :

- (( يا الهى يالها من أقدار !! حسنا يا ولدى .. إننى أحدثك لأمر بعيد تماما عن مطلب سامر وسوف أقوم بحجز تذكرة رابعة لأختك .. وهذه التذاكر سوف تصلكم غدا بالبريد العاجل .. و أخبر والدك أن الأمر بالخطورة التى تجبره على أن يترك العالم كله ويأتى .. ))

- (( ما هذا الأمر ؟؟ !! ))

- (( لن أستطيع شرحه مطلقا .. ولكن ثق أنه يجب أن تأتوا جميعا .. ))

************

كان سامر قد نقل من المستشفى الى المنزل بعد أن بدأت صحته فى التعافى .. ولم يكن يعلم شيئا مما حدث ولكن منذ لحظات شرح له شاهين كل شيء ..

كان سامر مندهش أيما اندهاش ..

فالمفاجأة قد أخذت لبه .. و أعجزت لسانه عن النطق .. وأخيرا قال :

- (( هل تقصد أن الاستاذ يحيى أبى .. و أمانى هى أختى ؟!!! يااله الكون هل تعلم أنها هى الفتاة التى كنت أرغب فى الزواج بها ؟ ))

تمتم شاهين قائلا :

- (( أعلم يا ولدى .. لذا طلبت أن تأتى هى الأخرى .. ))

نظر سامر نحو شاهين وقال :

- (( ولكن يا أبى .. أعذرنى لن أستطيع نزع كلمة أبى من لسانى .. سأظل أناديك بها .. ولكن كيف ؟؟ إنك أنت إننى أحبك وأتعلق بك وكذلك أمى ..

هل تعلم أنه لو تم اكتشاف هذا الأمر قبل أن يهدنى الله عز وجل الى طريقه القويم لطرت فرحا وطربا ..

لقد كنت أكره كل شيء حولى بما فيهم أنت وأمى .. وكنت أتمنى التغيير …. ولكن بعد أن عرفت واهتديت الى قيمة الأب والأم وكيف وصانى الاسلام بهما بعدها بدأت أنظر نحوكما نظرة مختلفة .. ومن يومها و أنا أتعلق بكما و أصبحت لا أتخيل الحياة بدونكما ..

نزلت دمعة من عين شاهين وقال :

- (( أقسم لك يا ولدى أننى لا أتخيل أن تذهب وتتركنى لقد نشأت بين يدى ورأيتك ورعيتك منذ أن كنت رضيعا .. إلى أن أصبحت شابا يافعا

لست أنكر أننى كنت أنشغل عنك كثيرا ولكنى كنت معك دائما بوجدانى وبعد أن أتيت لتعاوننى فى الشركة شعرت أن حلمى قد تحقق وأننى قد نلت ما أريد … ولكن فجأة تنتزع منى.. أقسم أنى أشعر بمرارة لا مثيل لها .. ))

نطقت سها قائلة ودموعها تسيل على خدها :

- (( انك ولدى يا سامر .. فقد أرضعتك وحميتك فى حضنى وأحمل لك بقلبى من المشاعر ما لا أستطيع ذكره … فأرجوك ألا تنسى أمك أبدا وتزورنى باستمرار .. ))

ابتسم سامر وقال :

- (( اطمئنى يا أمى .. كيف أنخلع من وسط أسرتى التى ربتنى ؟؟ !! .. إننى إن فعلت بجسدى .. فلن يكون بروحى أبدا … ))

************

أخذت سها تتطلع الى أنس فى انفعال … كان قوى البدن … ملامحه تحمل رجولة الصعيد .. وعيناه تحملان أدب الدنيا كلها ..

مدت يدها لتحضنه وهى تقول :

- (( ولـــدى حبيــــــبى ……. ))

لم يستطع أنس أن يتحرك قيد أنملة .. كان ينتابه شعور عجيب غريب لم يلمسه من قبل … بل ربما لم يحدث هذا لبشرى من قبل …

فجأة وبدون سابق انذار يجد ويفاجأ بأن أهله ليسوا أهله !!!! …

أمه التى أرضعته وحمته ورعته إلى أن شب … ليست أمه !!

أباه الذى منحه كل رعاية وتعليم وتأديب …. ليس أبيه !!

أخته التى نعم معها بأجمل أخوة وصحبة … ليست أخته !!

كيــــف هــــــذا ؟؟!!!

وهذه التى تمد يدها لتحضنه … إنه لا يستطيع التخيل أنها أمه ..

مشاعره ترفض فى عنف .. ونفسه تأبى فى قوة ..

أعاد أنس يدها فى رفق وقال :

- (( أستمحيك عذرا .. فلست أستطيع .. ))

قال شاهين :

- (( إنها أمك يا أنس ))

نظر أنس نحوه ..

حاول أن يتخيل أن هذا أباه .. ولكن لم يتمكن

هل يعقل أن تكون هذه المشاعر فى البداية فقط ؟؟؟

وهل ستسير الأمور بعد ذلك على ما يرام ؟

نظر نحو يحيى و أسماء …

كانت أسماء باكية ولم تستطع أن توقف نشيجها .. ويحيى صامت فى حزن

شعر أنس أن ملامحهما قريبة إلى نفسه ..

شعر نحوهما بانجذاب ..

نعم هؤلاء هما أبواه ….

كيف ؟؟!! ….. كيف ينتزع منهما فجأة ويذهب إلى آخرين لا يستطيع تقبلهما بمشاعره ؟؟؟!!

هتـــف قائــــــلا :

- (( لعنة الله على الأبحاث التى تجعل البشر فئران تجارب … لقد خلق الله الانسان وكرمه .. وسخر الكون كله لأجله .. فكيف نجعله ميدانا للأبحاث والتجارب ؟؟ ..

إن هؤلاء الذين يفعلون ذلك من استنساخ وتبديل وغيره … إنما يعبثون بخلق الله عز وجل .. ويحطمون المشاعر الجميلة التى وضعها سبحانه فى البشر لينعم الإنسان بحياته .. ))

قال شاهين برجاء :

- (( ما قولك الآن يا أنس يا ولدى ؟؟ ))

نظر أنس نحوه وقال بنبرة مريرة :

- (( سيد شاهين .. أذكرك بقصة الصحابى الجليل زيد بن حارثة .. عندما أتى أهله ليأخذوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان مولى عنده … خيره المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن يبقى معه أو يذهب إلى أهله …فاختار رضى الله عنه أن يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأنه لقى معه مالم يجده من كل بشر الدنيا …..

أقول لكم أنى سأفعل مثله … إننى لا أستطيع التخلى عمن ربونى و أنشأونى … وشخصيتى ووجدانى إنما أنا مدين لهما بهما . ))

قال شاهين فى جزع :

- (( ولكننا أبواك يا أنس !! ))

قال أنس فى حيرة :

- (( لا أستطيع تقبلكما ))

قال شاهين :

- (( سيكون هذا فى البداية فقط .. وبعد ذلك ستعتاد الأمر وستأتيك المشاعر التى تبحث عنها ))

قال أنس :

- (( إننى لا أتخيل هذا …. ))

نطق يحيى بعد طول سكون وقال :

- (( اعلم يا أنس يا ولدى أن انتزاعك منى .. إنما هو انتزاع قلبى و أحشائى من داخلى … ولكن …

يجب أن ترضى بالأمر الواقع .. فشرعا وقانونا يجب أن تعود لهما

واصبر وإن شاء الله سيجزيك سبحانه وتعالى خير الجزاء … فالمؤمن .. حتى الشوكة يشاكها له بها صدقة .. ))

احتضن أنس يحيى وقال :

(( كم أحبــــــك يا أبـــــى ))

************

كانت أمانى جالسة بجوار سامر وهو ما زال فى فراش المرض .. قالت له :

- (( هل كتب علينا ألا نلقاك إلا و أنت مصاب ؟ ))

ابتسم سامر وقال :

- (( إننى على أتم الاستعداد أن أصاب كل يوم بحادث .. إن كان هذا ما يجعلنى أراك . ))

نظرت أمانى الى الأرض بخجل وقالت :

- (( كفاك لباقة أيها الشقى ))

ضحك سامر وقال :

-(( يا الهى .. كم انت رائعة الجمال و أنت خجولة .. لم يكن عجبا أن أقع فى هواك وأحاول التزوج بك ))

نظرت أمانى نحوه وقالت :

(( هل أنت سعيد يا سامر بأنى أختك و أن أبى وأمى هما أبواك ؟؟ ))

رد سامر مسرعا :

- (( بالطبع .. فمنذ أن كنت عندكم و أنا أتمنى لو كنت نشأت فى هذه الأسرة .. ولم أتوقع أن يحقق الله عز وجل أمنيتى بهذه السرعة . ))

شردت أمانى وقالت بحزن :

- (( مسكين هو أنس أخى .. فأنت أسعد حظا منه .. أما هو .. سيذهب الى قوم لم يألفهم أو يعرفوه … إننى لا أتخيل نفسى موضعه أبدا . ))

نادى سامر عليها قائلا :

- (( أمـــانـــــــى …… ))

نظرت نحوه متسائلة … فقال :

- ((كلمة يهتف بها وجدانى ………. أحبــــــــــــك . ))

ابتسمت أمانى ولم تجب .

************

نظرت أسماء نحو سامر وقالت :

- (( لقد أحببتك .. ولم يجل بخاطرى أبدا أنك ولدى .. ))

ابتسم سامر وقال :

- (( أما أنا..فحنانك أخبرنى أنك أمى و أنت يا أبى ما هو شعورك نحوى ؟))

ابتسم يحيى بوقار وقال :

- (( أقسم لك يا ولدى أنى أحب الكون بأكمله بما فيه .. و أتمنى لجميع البشر السعادة فى الدنيا والآخرة .. وكان حبى لك من هذا المنطلق .. أما الآن وقد علمت أنك من صلبى .. بالطبع ستختلف نوعية هذه المشاعر كثيرا . ))

هم سامر أن ينطق .. و إذا بدخول شاهين يقطع عليه حديثه …

نادى على شاهين و أسماء وقال لهما :

- (( أريدكما لمفاجأة مذهلة …. ))

************

- (( لقد كنت خارج المنزل عندما أتى السيد شاهين هو وزوجته ليبحثا فى أوراق د. علام … ولم أدر بما حدث سوى أمس .. فقد كان مخدومى يتكلم فى هذا الحدث مع زوجته أمامى … وعرفت ما الأمر .. وتحتم على بأن آتى لأحسم كل شيئ و أعيد الأمور الى نصابها .. ))

نطقت أم حسين بهذه العبارة ليحيى وأسماء .. فى حين كانت سها تبكى بصمت فى أحد جوانب القاعة .. وشاهين منهار تماما على أحد المقاعد …

قال يحيى متسائلا :

- (( أية أمور هذه التى تريدين إعادتها الى نصابها ؟؟ ))

قالت أم حسين :

- (( لقد فقدت جنينى الوحيد قبل أن يكتمل … فقد كان فقده بالنسبة لى فقدا للحياة وسر الوجود بها …

وفى يوم الولادة التى تمت لولديكما أنس وسامر طلب منى د. علام أن أترك الولدين بلا إعتناء فور ولادتهما واهتم هو بهما على غير العادة .. وكان هذا أمرا غريبا بالنسبة لى وأثار فضولى بشدة لمعرفة غايته .. مما جعلنى أترقبه لأرى ماذا سيفعل بهما .. ورأيته وهو يبدل الولدين كل فى موضع الآخر .. واعتقدت أنه يفعل هذا حتما لأمر ما فى أحد أبحاثه .. ولكن لأنى جربت مرارة فقد الولد لم أتحمل أن يتذوقها غيرى … فقلت لنفسى ( فليفشل أحد أبحاث د. علام ولكن لا تشقى عائلتان بسبب نجاحه … فظللت ساهرة فى هذه الليلة إلى أن نام الجميع ….. ثم أبدلت و أعدت كل طفل إلى أمـــه الحقيقيــــــة . ))

************

(( أقسم لك يا شاهين أنها كانت مرة واحدة فقط فى لحظة ضعف ولم تتكرر أبدا .. ولم أكن أتخيل أن ولدنا منها . ))

نطقت سها بهذه العبارة وهى شبه منهارة …

انتفض شاهين فى قوة وقال :

- (( لا تقولى ولدنا .. إنه ولدك وحدك .. ))

قالت سها برجاء :

- (( شاهيـــن …. أرجـــــــوك …. ))

قاطعها وهو يهدر قائلا :

- (( أنـــــت طالــــــــــق … ))

شهقت فى عنف وقالت :

- (( شاهيــــــن ….... ))

قاطعها وهو يصيح :

- (( أخرجى و أغربى عن وجهى قبل أن أقتلك .. هيا ابتعدى عنى .. لا أريد أن أرى وجهك القبيح ))

خرجت سها وقد تهدل كتفاها وانكمشت ملامحها وانطلقت وهى تجر أذيال الحزن والألم ..

فى حين إرتمى شاهين على المقعد وفتح قميصه و أخذ يشهق فى عنف …

كانت الدماء تغلى فى كل كيانه وتلون كل شيء أمامه باللون الأحمر …

هاهو قد خسر كل شيء فجأة .. وانهار بيته بدون سابق انذار ….

فقد نصف ثروته فى لحظة ..

وفقد الولد بأبشع طريقة ممكنة فى أقل من اللحظة …

ارتج المنزل بعنف عندما صرخ شاهين بقوة وهو يقول :

- (( لا ))

وسقط مغشيا عليـــــــــــه .

************

جبــــــــــال الأقصــــــــــــر...

ما زالت كما هى منذ أن خلق الله الأرض وما عليها ...

ما زالت قوية راسخة شامخة .. شاهدة على ما يحدث أمامها ومبصرة له ..

ما زالت الظلال التى تكونها كما هى لم تتغير منذ نشأتها مع نشأة الأرض والشمس …

وان كان هناك ظلان جلسا متجاورين فى لحظة الغروب ..

كانت الشمس تميل الى المغيب وقد تلونت السماء حولها بلون أحمر دموى كأنه نزيفها قبل أن تلقى مصرعها وتذهب …

نطق أحد الظلين قائلا :

- (( ما أجملها من لحظة .. لحظة غروب الشمس .. لو تفكر فيها الانسان وعلم أنه حتما سيأتى يوم تغرب فيه شمس حياته .. ما فعل شرا أبدا ))

نظر الظل الثانى نحو الأول وقال :

- (( حقيقة إنك برومانسيتك ومشاعرك الفياضة هذه .. أعطيتنى معنى آخر للحياة يا أمانى . ))

لقد كانا سامر و أمانى .. بعد أن عقد قرانهما …

فمنذ أن اهار كل شيء بالقاهرة ..

تنكر والد سامر الحقيقى له وقال بأن سها إنما تدعى وتحاول الصاق إحدى جرائمها به …

وحينهـــــــا …

أدرك سامر أنه لم تعد له حياة بالقاهرة ..

وتذكر المبلغ الضخم الذى وضعه شاهين باسمه فى أحد البنوك عند مولده .. ذهب الى شاهين ليرده اليه لأنه لم يعد حقا له …

ولكن الأخير تنازل له عنه ..

وبهذا المبلغ توجه سامر الى الأقصر وبدأ بها أحد المشاريع الصغيرة التى تدر عليه ربحا ثابتا ….

ونال أغلى أحلامه عندما عقد فرانه على أمانى …

يالها من عائلة كريمة أصلها طيب ..

كان ضائعا بلا أب ولا أسرة ….

كان شاردا بلا هدف أو أمل .. ولم يكن هناك شيئا ليعيد اليه الحياة سوى زواجه بأمانى … ولم يبخلوا عليه بها .

كان عقلهم متفتحا لأعلى درجة .. ولديهم فهم للإسلام أعمق مما يتصور ..

لم يعلقوا على أصله …. إنما قالوا :

- (( قال رسول الله صلى اللع عليه وسلم .. إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه …. ))

وتم له ما أراد….

و أخيرا سارت الحياة به كما تسير بغيره …

نظر سامر إلى أمانى وقال :

- (( هل تعلمين يا أمانى ؟ .. إننى أعد ميلادى الحقيقى عندما امتن الله عز وجل على وهدانى .. وقد كان ذلك هنا .. بين أحضان جبـال الأقصـر ))

تمـــت بحمــد الله

بقلم د. أحمد مراد

[email protected]