الفصل الثاني
الرحلة
(الله أكبر .... ولله الحمد)
دوى هذا الهتاف من فم هؤلاء الطلاب الذين يملئون القاعة التي يجري به انتخاب أمين اتحاد طلاب كلية الطب بجامعة أسيوط .. كلهم نطقوا به في آن واحد دونما اتفاق بينهم فور إعلان تنصيب مرشحهم "أنس يحيى عزام" أميناً لذلك الاتحاد ...
وما أن أعلن المسئول عن تلك الانتخابات عن فوز أنس بهذا المنصب حتى قام أنس وابتسامته الوضاءة تملأ وجهه ...
وتناول الميكروفون ... وبدأ محدثاً زملاءه قائلاً ...
(الحمد لله رب العالمين .. أيها الأخوة الزملاء ... إنني لا أعتبر فوزي بهذا المنصب تشريفاً لي .. بل هو تكليف أُلقي على عاتقي وسوف أسأل عنه أمام الله عز وجل يوم القيامة ... وكل ما أعدكم به أني سأحاول أن أكون عند حسن ظنكم بي ... وسوف أبذل ما بوسعي لأوفي تلك الأمانة حقها ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) .
وما أن هبط أنس من فوق المنصة حتى التف حوله زملاؤه ... وشق أحدهم الطريق إليه قائلاً ... (د. أنس .. هل لي بحديث معك ؟ ... إنني صحفي بإحدي الصحف المعارضة ... )
كان وجه أنس مضيئاً ببسمته الدائمة وهو يقول (على الرحب والسعة) ...
سأله الصحفي قائلاً ... (بما أنك تمثل التيار الإسلامي بالكلية .. فما هو موقع تلك الانتخابات من دائرة اهتمامتكم ؟؟ )
ابتلع أنس ريقه وقال .. (بداية أحب أن أوجه شكراً خاصاً للقضاء المصري الذي يعد من أشد الجهات نزاهة إلى الآن ونحن في منتصف التسعينات وعلى وشك دخول قرن جديد .. فبعد عدة سنوات من تزوير إرادة الطلاب وتعيين اتحادات لا تمثل بأي حال عن نبض الكلية .. فقد تم الحكم القضائي لنا بإعادة كل من تم شطبهم من قائمة الترشيح ... وها هي لأول مرة منذ عمر تتم انتخابات نزيهة بالكلية .. والحمد لله كانت نسبة النجاح للتيار الإسلامي مذهلة لهؤلاء الذين كانوا يحاولون تزوير إرادتنا .. وإثباتاً أن الناس يعلمون أن التيار الإسلامي هو الممثل الحقيقي لإرادتهم ونبض وجدانهم ...
وإجابة عن سؤالك .. أحب أن أوضح لك أن الانتخابات لا تمثل لنا سوى أنها إحدى وسائل الدعوة إلى الله عز وجل .. وهي ليست هدفاً في حد ذاتها ..
أخذ الصحفي يسأله أسئلة تتعلق بالأنشطة التي ينتوي القيام بها عبر الاتحاد .. وأنس يجيبه مدعماً قوله بين الحين والآخر بآية من كتاب الله أو بحديث للمصطفى صلى الله عليه وسلم .
وبعدها سار أنس تحفه كوكبة من زملائه المؤيدين له ...
وهناك وفي أقصى القاعة .. أشار أحد الطلاب لاثنين من زملائه قائلاً .. (ها هو .. أظنكما عرفتماه) .
*************
كانت تلك المركبة النيلية تشق طريقها فوق سطح النيل .. وأعلاها كانت تضج الموسيقى الصاخبة بها ...
كانت هناك حلقة من الشباب تتصاعد أبخرة الدخان من أفواههم وأنوفهم .. وتصنع فوقهم سحابة زرقاء عجيبة سريعاً ما تنزوي بسبب الهواء المنساب لانطلاق المركبة التي تقلهم ... وفي وسط تلك الحلقة كان هناك شاب وفتاة يتراقصان على أصداء تلك الموسيقى .. وبين الحين والآخر كانت تلك الفتاة ترتمي على صدره وبين يديه ... بميوعة تامة ...
وبعد مدة من ذلك الرقص المتواصل توقف هذان الراقصان .. فدوى التصفيق الحاد .. وابتسمت تلك الفتاة قائلة لمن كان يراقصها .. (أنت بارع للغاية في الرقص يا سامر ..) .
فضحك قائلاً ... (وأنت مثيرة للغاية يا هايدي .. )
وعلى الفور تشكل فريق آخر للرقص .. في حين اتجه سامر مع هايدي إلى ركن قصي وجلسا ملتصقين ويد كل منهما تحتضن يد الآخر ...
وبدأ سامر الحديث قائلاً ...
- (ما رأيك في هذه الرحلة يا هايدي ؟ )
- (رائعة .. وكذلك كل أنشطة أسرة حورس .. تكون ممتعة إلى أقصى الدرجات) .
- (إذن .. لم أكن مخطئاً عندما دعوتك إليها ...)
- (بل أنا المخطئة إن لم أتبعك في كل ما تشير به عليّ)
- (حسناً .. ما رأيك ؟ هناك رحلة سنقوم بها إلى الأقصر وأسوان في إجازة منتصف العام .. هل ستأتين معي ؟ )
- (هل هي مكلفة ؟ )
- (دعك من التكاليف ... فهي بأجر رمزي .. وإن كانت بكنوز الدنيا كلها سأتحملها وحدي ... المهم أن تأتي معي .. )
ابتسمت وقالت ... (هل تحبني إلى هذه الدرجة ؟؟ ..)
قال سامر بشجن .. (حبي لك لا يُقدر يا هايدي ... )
وضم رأسها إلى صدرها وأخذ يربت على شعرها ...
***********
كان الأستاذ "يحيى عزام" موجه اللغة العربية يقرأ بمصحفه عندما ارتفع صوت طرقات الباب .. فأغلق مصحفه وقام بكل هدوء ليفتح الباب ... فإذا به يجد الطارق هو "عاطف" زميل ولده أنس بالكلية .. فرحب به واصطحبه إلى حجرة استقبال الضيوف ... كان عاطف في غاية التأثر والقلق .. مما جعل يحيى يسأله في قلق (ماذا هناك يا عاطف يا ولدي ؟؟ ) ..
كان عاطف يفرك يديه بعصبية شديدة وأخيراً نطق والدموع محبوسة داخل مقلتيه نطق قائلاً .. (أنس أُلقي القبض عليه يا عمي)
اتسعت عينا يحيى في دهشة وقال .. (قُبض عليه !! ... ولماذا يا عاطف يا ولدي هل اقترف شيئاً ؟! ) ...
زفر عاطف في قوة كأنه يزيح هماً ثقيلاً عن قلبه وقال .. (سأقص عليك الأمر كله يا عمي ..
نحن مجموعة من الطلاب نشكل التيار الإسلامي بالكلية .. ولنا أنشطة نتميز بها عن أي تيار أو اتجاه آخر .. كلها أنشطة تفيد وفي صالح الكلية وطلابها .. ولهذا التف الطلاب حولنا وأحبونا حبا جماً مبعثه إحساسهم بصدقنا في كل أعمالنا وأن غايتها الأولى رضا الله عز وجل ثم العون لكل من يبحث عن معونة ...
وعندما أقيمت انتخابات نزيهة بالكلية .. فزنا نحن بكل مناصب اتحاد الطلاب .. وكان فوزاً ساحقاً اهتزت الكلية لأجله .. ويبدو أنهم لا يريدوننا أن نحاول خوض تلك الانتخابات مرة أخرى ... فبينما كان أنس يسير بصحبة أحد زملائه .. إذا باثنين من الأشقياء ذوي العضلات المفتولة يهجمان عليهما وينهالان ضرباً وبالذات أنس الذي نال ما نال من اللكمات والركلات .. وإذا بعربة للشرطة آتية كان من المفترض أن تقبض على هذين المعتديين .. ولكنها تتركهما يهربان ولا تحاول اللحاق بهما وتلقي القبض على أنس وزميله دونما جريمة اقترفاها .. وعندما ذهبنا إلى القسم لنستعلم عنهما .. لم نجد لهما أثراً .. ومن الواضح أن هذا الحدث كان ملفقاً ليتم اقتيادهما إلى مبنى مباحث أمن الدولة .. ذلك المبنى الذي ترتجف الذبابة عندما تمر بجواره ...
كان يحيى يشعر بغصة في حلقة وألم في قلبه ... كان الحزن يعتريه لأجل ما يدور حوله ... وأخذ يسائل نفسه .. (هل هي جريمة أن تكون شريفاً صادقاً تسعى بحب وإخلاص لخدمة الناس ؟! .. هل هو ذنب أن نتمثل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم {خير الناس أنفعهم للناس} ؟!! ...
أم لأن من يفعلون ذلك يرفعون شعار ...
(الله غايتنا ... والرسول زعيمنا ... والقرآن دستورنا .. ) ؟!!..
وإذا كان خوض تلك الانتخابات جريمة فلم شرعوها ؟!!
وكان يشعر بقبضة باردة تعتصر قلبه لأجل ولده أنس فهو يعلم الأساليب الوحشية التي يتبعونها عند محاولة أخذ الأقوال من متهميهم ...
قطع عليه تفكيره وتساؤلاته حديث عاطف عندما نطق قائلاً ..
- (لقد جئت أخبرك حتى تعرف سبب تغيبه ...)
- (جزاك الله كل خير يا ولدي ..)
وقام عاطف منطلقاً .. وبعد أن أغلق يحيى الباب خلفه لم يستطع أن يقاوم تلك الدمعة التي سالت من عينه ... فتمتم قائلاً (حسبنا الله ونعم الوكيل ....)
****************
كان شاهين الدمنهوري منهمكاً في تصفح أحد ملفات الشركة وبينما هو منهمك إذا بصوت الهاتف يرتفع ... فرد عليه .. فإذا به أحد رجال الشرطة يقول له .. (نأسف يا سيد شاهين .. ولكن هناك حادث نود أن نعلمك به .. )
قال شاهين في قلق .. (خيراً !! .. ماذا هناك؟! )
قال الرجل .. (نحن نستدعيك بناءاً على طلب ولدك سامر)
قال شاهين في دهشة .. (سامر ولدي !! .. ماذا أصابه ؟! )
- لقد تم القبض عليه ضمن المجموعة المتهمة في قضية عبدة الشيطان)
كان الذهول قد تمكن من شاهين وهو يقول ...
(ماذا !!! ... عبدة الشيطان !!! ... وما علاقة ولدي بهم ؟! )
قال الرجل في صرامة ..
(يمكنك المجيء إلينا وستعلم كل شيء ...)
وما إن علم شاهين بالعنوان حتى قام وتناول معطفه ...
وانطلق ليرى ما الأمر ...
************
(هكذا هي صحافتنا التي يطلقون عليها القومية .. لا ترى إلا ما يراه الحاكم ... وتلبس الحق بالباطل ... وتجعل الضحية هي الجاني ..)
نطق يحيى بهذه العبارة وهو يطوي صحيفته ووجهه يحمل أشد آيات التأثر ...
فنطقت ابنته أماني قائلة .. (ماذا هناك يا أبي ؟ ..)
رد عليها قائلاً .. (الصحف تروي الحادث الذي وقع لأنس أخيك على أنه صراع دار بالجامعة ويصفون ما حدث قائلين .....
(بينما توجه طلاب أسرة حورس الوطنيين إلى تهنئة طلاب التطرف .. إذا بهم يعلنون عن الحقد والغل الذي يملأ صدورهم ويعتدون عليهم بالجنازير ويشبعونهم ضرباً وإصابات ) ....
والعجيب أنهم أتوا بصور الطلاب مصابين فعلاً .. ويعلقون قائلين ..
(إن هذا هو أسلوب من يسمون أنفسهم بالإسلاميين دوماً لا ينالون ما يريدون إلا بالعنف الذي هو منهجهم .. وكانت تلك طريقتهم في انتزاع مناصب اتحاد الطلاب .. فقد هددوا طلاب حورس بالقتل فأجبروهم على التنازل) ... حسبنا الله ونعم الوكيل) ..
علقت أماني قائلة ... (ليس هذا بجديد يا أبي ... وعندما ننظر إلى ما يكتبونه إذا تورط مسئول حكومي كبير في فضيحة ما ... إذا بهم صم بكم .. وإذا كتبوا لا يأتون إلا بأشياء توحي ببراءة ونزاهة هذا المسئول) .
كانت الدموع تملأ عيني أسماء وهي تقول .. (ولكن أنس ولدي ... ترى كيف حاله الآن ؟؟ )
ربت يحيى بحنان على كتفها وقال ...
(كان الله في عونه ... واطمئني يا أسماء فلا ذنب له إلا أنه يسعى لرضاء الله .. ويا له من ذنب جميل .. ومهما تذوق من آلام فلن تساوي شيئاً لما كان يحدث لعمار بن ياسر وزوجته سمية وما تذوقه المسلمين الأوائل في سبيل توصيل دعوة الله عز وجل لنا .. وكل هذا في ميزان حسناته إن شاء الله ...
وها أنا قد وكلت محامياً كبيراً يعرف ما سيفعله وإن شاء الله لن يمر أسبوع إلا وهو بيننا ننعم بابتسامته الوضاءة ) ..
************
(هذا الولد لا يعرف ما يفعله .... إنه يهدد سمعتي وسمعة شركتي وجميع أعمالي.. ) .
نطق شاهين بهذه العبارة في عصبية شديدة وهو يجول ذهاباً وإياباً ويدق بقدميه بعنف دلالة ما يعانيه من انفعالات فردت عليه سها قائلة وهي تضرب كفاً بكف
(إنني لا أتمكن من النظر في عين مخلوق بالنادي مما فعله بنا .. )
- (إنني أنتظر حتى يخرج وسوف أجعله يعرف قيمة ما فعل .. )
قالت سها باهتمام ..
(كيف يخرج وهم يعلنون أنها قضية كبيرة وقد يحكم عليهم بعدة سنوات ؟؟)
مط شاهين شفتيه وهو يقول ... (أحد لواءات مباحث أمن الدولة صديقي .. وأخبرني أنها فرقعة إعلامية متعمدة ... هدفها الإعلام بأن مباحث أمن الدولة تطارد كذلك من ينحرف عن الدين وليس المتدينين فقط .. وسوف يغلقوا الملف قريباً عندما يجعلون هؤلاء الشباب يوقعون على إقرار يوحي بتراجعهم عن معتقداتهم .. )
- (ولكن ترى كيف يعامل ابننا هناك ؟ )
- (اطمئني فهم في خير حال ويعاملون أرقى معاملة .... ولكن هل أتى الخادم باللوحات القرآنية والمصحف والحامل الذي أرسلته لشرائهم ؟ )
- (لقد أتى بهم منذ الصباح .. ولكن لماذا تريدهم ؟! .. )
- (أحد برامج التليفزيون سيأتي ليصور معنا لقاءًا بسبب هذه القضية .. وأوصوني بأن أعد ديكوراً يوحي بأننا نعرف الإسلام جيداً .. )
قالت سها في فرحة .. (ماذا ؟! ... التليفزيون سيأتي ليصور معنا .. ولماذا لم تخبرني حتى أشتري فستاناً جديداً أظهر به وأعد زينتي جيداً ؟ )
قال شاهين في ضيق .. (تزيني كما تشائين .. ولكن احرصي على ارتداء الحجاب ) ...
قالت سها في دهشة ... (ماذا !!! ... ولكنه يفسد زينتي .. )
قال شاهين بعنف .. (افعلي ما تشائين ... المهم أن نحاول إصلاح أي صورة سيئة تكون قد أُخذت عنا ... )
************
كان يحيى يضم رأس ولده أنس إلى صدره ويربت عليها بحنان وهو يقول له ..
(اصبر واحتسب يا ولدي ... )
كان أنس يلفه الانفعال وهو يقول ..
(أشد ما يثيرني يا أبي هو الظلم الذي نتعرض له ....
أبسط شيء لماذا لا يجرون معنا أحاديث تليفزيونية ويتركوننا نشرح وجهة نظرنا وما هي أفكارنا كما فعلوا مع من يسمونهم عبدة الشيطان ؟؟ ... )
- (هذا يا ولدي لأنهم يعلمون أنكم على حق وأن فكركم مستنير .. وإذا فعلوا سيتضح هذا لكل ذي بصر ... )
- (أليس من السهل علينا يا أبي أن نغلق على أنفسنا أبوابنا وننعم بالراحة ونترك الحابل يختلط بالنابل ؟؟ )
- (لا يا ولدي ... إن من يعيش لنفسه قد يعيش مستريحاً ولكنه يعيش صغيراً ويموت صغيراً ... أما الكبير .. فهو الذي يحمل العبء الكبير .. فما له والنوم!! ... وما له والعيش الرغد المستريح !! .... ولقد أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة الأمر فقال .. {انقضى عهد النوم يا خديجة} .. لذلك وجب علينا يا ولدي الحبيب أن نسعى لنشرح للناس الإسلام بوجهه السمح الصريح .. وذلك بالمنهج الذي رسمه لنا القرآن الكريم .. {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} وكذلك باتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم واستلهام سيرته العطرة )
- (ما أجمل أن يستشعر المرء بمعية الله سبحانه وتعالى ... أقسم يا أبي أني لم أشعر بآلام بالرغم مما كانوا يفعلونه معنا .. وذلك لأني كنت أعلم أن ذلك في سبيله سبحانه )
- (بارك الله فيك يا ولدي وجعلك من أهل طاعته)
*****************
(ما هذا الذي فعلته أيها المستهتر؟؟)
نطق شاهين بهذه العبارة وهو يتحدث مع ولده سامر .. نطقها بعصبية شديدة وانفعال يلف كيانه ...
رد عليه سامر بضيق ... (هل فعلت شيئاً يمسّك يا أبي ؟ .. أليس كل شغلك ألا أفعل ما يضرك ؟ ...)
- (ومن الذي قال أنك لم تضرني بهذا الذي فعلته ؟ ..)
- (وكيف تم هذا ؟!)
قال شاهين وانفعاله قد بلغ ذروته ... (ألم تعلم أن هناك أعداءًا يتربصون بي ويتحينون الفرص لضربي وقتلي .. وأنت أعطيتهم هذه الفرصة على طبق من ذهب بفعلتك هذه .. فقد انطلقوا يشوهون سمعتي ويلصقون باسمي كل دنيء ويدعمون أقوالهم بما فعلته أنت قائلين "هذا الشبل من ذاك الأسد") ...
لوح سامر بيده في غير اعتناء وقال ... (لم أكن أعلم هذا .. وأيضاً لم أكن أتخيل أن يتم القبض علينا بسبب ما كنا نعمل فما أعلمه أن السلطات تطارد الإرهابيين فقط .. )
قال شاهين في فضول ....
(ولكن ما هي عبادة الشياطين هذه التي كنتم تقومون بها ؟؟؟ )
قال سامر ببساطة ... (مجرد شيء جديد كنا نحاول استكشافه) .
ردد شاهين في لا مبالاة قائلاً ... (عبث شباب) ..
ثم أردف قائلاً .. (للمرة الألف أحذرك قائلاً ... افعل ما بدا لك بشرط ألا تحاول المساس باسمي واسم شركتي .. هل فهمت ؟ )
- (سأحاول ... )
****************
كان سامر حاملاً لحقيبته وعندما هم بالخروج إذا به يجد أمه يتبعها أحد الخدم حاملاً لأشياء ملفوفة بعناية ... فتعجب أن تستيقظ أمه في مثل هذا الوقت المبكر فقال ... (إلى أين تتجهين في هذا الوقت المبكر يا أمي ؟!) ..
(إنها حفلة ستقام في النادي ولابد أم نستعد لها من الآن .. هل ستأتي لترى أمك في عرض الأزياء اليوم ؟ )
(لا يا أمي .. ها أنت ترين أني أحمل حقيبتي متجهاً إلى رحلة للأقصر وأسوان مدتها أسبوع )
(حسناً ... اهتم بنفسك وإذا أردت شيئاً اتصل بنا من هناك ... هل أعطاك أبوك ما تريد من نقود ؟ ) ..
(نعم .. ولكنها غير كافية )
(حاول أن توفق أوضاعك بما أعطاك )
قال في ضيق .. (حسناً .. ولكن هل ستوصليني بسيارتك إلى محطة القطارات ؟)
(إنها ليست في طريقي .. بإمكانك استقلال تاكسياً من الطريق العام )
انطلق سامر دون أن يرد عليها وأغلق الباب خلفه بقوة .
************
(إني أحبك حباً لا مثيل له يا سامر) ..
نطقت هايدي بهذه العبارة ويدها ترقد في يد سامر بينما كان القطار يشق طريقه متجهاً إلى الأقصر ...
كان القطار يعج بالشباب من مختلف الجامعات .. كانت المقاعد عبارة عن شاب وفتاة متجاورين ملتصقين وكل منهما يهيم مع الآخر ...
وفجأة ... قام أحدهم وقال .. (هيا يا شباب لنرى من هو صاحب لقب "الراقص الأول" )
وعلى الفور ظهر كاسيت ضخم وبدأ تشغيله بموسيقى صاخبة وبدأت حلقات الرقص تتكون في وسط العربة .. وكل شاب وفتاة يتباران في قوة وسرعة الرقص ..
وظل الجميع على هذا الحال كأنما لم يخلقوا سوى للرقص والمجون .. إلى أن هبط الليل بأسداله ودخل أحد المشرفين وقال (كفى ضوضاء يا شباب .. فنحن نريد أن ننام )
فاتجه كل شاب وفتاة إلى كرسيه .. وأخذ يتبادلوا الأحاديث الهامسة .. وأيديهم لا تكف عن العبث .. بينما القطار يندفع ويصل إلى محطته النهائية .
************
كان أنس راكضاً في ذلك الوقت المبكر من اليوم كعادته في كل صباح باكر .. حيث يمارس الجري خارج القرية بالقرب من تلك المنطقة الجبلية ...
كان استنشاقه لذلك الهواء الذي لم يتلوث بزفير بشري من الأشياء التي يتلذذ بها ويعلم مدى فائدة ذلك ..
طرق باب المنزل بعد أن عاد إليه .. ففتحت له أمه أسماء .. قبل جبهتها وقال لها .. (السلام عليكم يا أحن أم في هذا الكون )
ردت عليه السلام وذهبت لتعد له كوب اللبن الذي يتناوله دائماً بعد عودته من الجري وممارسة التمرينات الرياضية .... في حين ذهب هو ليغتسل ويستبدل ملابسه الرياضية بأخرى وعندما عاد .. تناول من أمه كوب اللبن قائلاً ..
(جزاك الله كل خير يا أمي .. ولكن أين أماني ؟ ) ...
(إنها تمارس هوايتها .. تطعم الدواجن وتقرأ القرآن مع مشاهدة الشروق كما تفعل في كل صباح ) ..
(هل تعلمين يا أمي ما هو أكثر شيء يسعدني في الإجازات سوءاً الصيفية أو أجازة منتصف العام ؟ )
(ما هو يا ولدي ؟) ..
احتضن أمه وقال .. (إنها تجمع شمل العائلة .. وأشعر بسعادة لا مثيل لها بسبب ارتباطنا القوي الذي لا أرى له سبباً سوى تمسكنا بكتاب الله عز وجل ) ..
ربتت على رأسه بحنان وقالت .. (أدام الله عليك السعادة في الدنيا والآخرة يا ولدي) ...
*********************
كانت الشمس تدنو للمغيب ..
وهناك فوق إحدى الهضاب المتاخمة للجبال التي تكون سلسلة قوية تحمي هذه القرى القريبة من مدينة الأقصر ....
كانت الظلال تصنع أشكالاً رائعة يتغنى بها شعراء الصعيد .. ومن بين هذه الظلال .. كان هناك ظلان يندفعان في لهو وعبث .. لقد كانا سامر وهايدي ...
كان سامر يلاحق هايدي .. وأخيراً لحق بها واحتواها بين ذراعيه وهو يقول بنفس متقطع .. (هل ظننت أنك تستطيعين الإفلات مني ؟ )
انفلتت هايدي من بين يديه وتمددت فوق إحدى المناطق المنبسطة ... ونظرت إلى سامر الذي أتى وجلس بجوارها وقالت له ... (إنني لا أتخيل أن هذه الرحلة ستنقضي الليلة وأننا سنعود إلى القاهرة غداً .. باكراً )
وضع سامر يده على كتفها وقال لها .. (هل قضيت معي وقتاً ممتعاً في هذه الأيام السالفة يا هايدي ؟ )
(لقد قضيت معك أجمل أيام حياتي )
غمز سامر بعينه وقال .. (ولكن ليلة أمس هي أمتعهم على الإطلاق .. أليس كذلك ؟ )
غيمت على وجهها سحابة ضيق سرعان ما مرت قبل أن تكتمل وقالت محاولة تغيير دفة الحديث .. (ماذا سنفعل عند عودتنا للقاهرة يا سامر ؟ )
ضحك ببساطة وقال .. (سنعود إلى حياتنا السالفة .. حفلات ونزهات )
نظرت إليه وقالت .. (هل تحبني حقاً يا سامر ؟؟ )
ضحك بعبث وقال .. (وهل تشكين في ذلك ؟ .. وأنت ما مدى حبك لي ؟ )
(لقد أصبحت حياتي مرتبطة بحياتك )
مال نحوها وقال (إذن أعطني قبلة ..)
انفلتت منه وقامت مسرعة وهو يجري خلفها وأخيراً لحق بها عند حافة الهضبة وأمسك بها ...
وعندما دنا منها بفمه ... إذا بها تدفعه في تمنع مصطنع ... ولكن إذا بدفعتها البسيطة هذه جعلت قدمه تهتز ... فقد كان واقفاً على منتهى الحافة .. وإذا به يفقد توازنه ويهوي من بُعد شبه شاسع ويرتطم جسده أسفلها بقوة ثم يكمل رحلته إلى منتهى الهضبة متدحرجاً ...
وأخيراً سكن جسده بلا حراك ....
*************
أطبق سامر يده بقوة على رقبة هايدي ...
كانت عيناه حاملتان لنظرة قاسية رهيبة ... وكان صوته أكثر قسوة وهو يقول ..
(لقد أردت قتلي أيتها الفاجرة ..)
كانت تحرك يديها في الهواء متشبسة بلا شيء .. وتحاول استنشاق ذرة هواء ولم تجد ...
وأخيراً بدأت أنفاسها تنفذ ...
وإذا بصرخة قوية تنطلق من حلقها أيقظت زميلتها التي تنام معها في الحجرة .. قامت زميلتها فزعة وقالت ....
(ماذا دهاك يا هايدي ؟!!)
تحسست هايدي رقبتها غير مصدقة أنها كانت في حلم والتقطت أنفاسها في صعوبة وقالت في صوت متحشرج .... (لا ... لا شيء ...)
- (ماذا حدث بينك وبين سامر يا هايدي ؟! )
قالت هايدي في فزع .. (لم يحدث شيء ... إنني حتى لم أره بعد المغرب)
قالت الزميلة في تعجب ... (ولكن الجميع لاحظوا أنكم خرجتم سوياً بعد العصر وقد عدت وحدك في حالة مزرية .... وها هي التوابع تظهر عليك بعد النوم)
قالت هايدي في خوف شديد وارتباك لا مثيل له ...
(لقد اختصمنا .. وبعدها تركته ولا أدري ما حدث له بعد ذلك)
غمزت زميلتها بعينها وقالت في تخابث ... (هل نال ما أراد ؟)
استلقت هايدي وغطت وجهها وقالت ... (دعيني لأنام .. فأنا مرهقة)
ضحكت الأخرى ضحكة قصيرة وقالت ... (لا عليك .... يكون هذا الانفعال بعد المرة الأولى فقط) واستلقت نائمة لا مبالية بشيء ....
في حين ذهبت هايدي بخيالها إلى هناك .... إلى الهضبة التي سقط من فوقها سامر .... ما زالت الصورة ماثلة أمام بصرها كأنما قد علقت على جدار خيالها ولم يعد هناك فكاك منها ... لقد سكن جسد سامر تماماً فور سقوطه ... في حين كانت واقفة مشدوهة واضعة يدها فوق فمها ... نادت عليه مرات ومرات ..... ولكنه لم يجب .... فتيقنت أنه فارق الحياة ... وما زال مشهد الجسد الممدد لا يبارح خيالها ..
*****************
كانت هايدي سابحة ببصرها عبر نافذة القطار المندفع إلى القاهرة .. وكان المقعد المجاور لها خاوياً ...
كان بقية الشباب منهمكين في لهوهم وعبثهم غير شاعرين أو عابئين بها .. وإن كان بين الحين والآخر يتهامس شاب وفتاة ويغمزان بعينهما نحوها ....
وهي غير عابئة بالجميع .. أو لنقل أنها لم تكن معهم سوى بالجسد فقط .. فقد كان بصرها معلقاً هناك ... بتلك الصورة الثابتة التي لا تفارقها لحظة ...
(لقد قتلته .....)
همست بها لنفسها وهي ترتعد ....
(لقد فقدت وخسرت كل شيء يا هايدي ....)
قالتها وهي تتذكر بدايتها التي دفعتها لتلك الهاوية ...
كانت هي وصديقتها "فاطمة" كالتوأمان .. كل منهما لا تفارق الأخرى تحملان سوياً أفراحهما .. وتقتسمان الأحزان معاً ....
كل منهما مأوى وبئر أسرار الأخرى ...
حتى التحقتا بالجامعة ....
استقبلهما طلاب أسرة حورس المدعومة من إحدى الوزارات الحكومية وتنال رضا المسئولين ..
كان الاستقبال في حفل ترحيب بالطلاب الجدد ...
على الفور أظهرت فاطمة امتعاضاً مما رأت .. فقد كان حفلاً راقصاً ماجناً لا علاقة له بالأخلاق التي من المفترض أن يتسم بها طالب الجامعة ...
في حين سُرّت هايدي وقد شعرت أنها قد انتقلت من عهد تقييد وكبت حريتها إلى عهد التحرر والانطلاق ...
وكانت نقطة الافتراق ..
ظلت هايدي تشارك في كل أنشطة أسرة حورس متجاهلة كل نصائح فاطمة بأن الفتاة المتزنة لا تندفع هكذا كالهوجاء ويجب أن تحسب خطواتها وتعلم أين تضع قدمها وشيئاً فشيئاً بدأت الهوة تتسع بين هايدي وصديقة عمرها فاطمة حتى أصبح من النادر أن ترى كل منهما الأخرى ...
وفي أحد الأيام فوجئت هايدي بفاطمة أمامها ....
ولكن الجديد عليها أنها كانت ترتدي خماراً وقفازين ...
اندهشت هايدي وحاولت أن تحذر فاطمة من أن هذا هو بداية طريق التطرف والإرهاب ......
ولكن فاطمة ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت بخفوت ... (أعلم يا هايدي أني مهما تحدثت معك لن أقنعك بشيء .. لذلك سأدخر الكلمات حفاظاً عليها .. ولكني أقول لك يا هايدي ... بل أنت التي تسيرين في طريق الانحراف .. وعندما تدركين هذا ... وعندما تكونين في حاجة إليّ .. إعلمي أن قلبي وصدري مفتوحان لك . وأبداً لن أنسى أيام الصداقة الجميلة التي كانت بيننا .. )
ومن بعدها لم تعد هايدي ترى فاطمة سوى مع كوكبة من المختمرات والمنتقبات .. وهايدي تشفق عليها وتتعجب كيف انجذبت فاطمة إلى ذلك التيار الذي يتصف بالجهل والتخلف والآراء المتعصبة .... وظلت هايدي على حالها ....
وتعرفت على سامر .. الذي لم يدخر جهداً في إشراكها في كل الأنشطة الخفية منها والمعلنة ... وهايدي كل يوم تفقد جزءاً دون أن تدري ....
فبعد أن كانت تشارك بالمزاح والكلمات الضاحكة .. البريئة وغير البريئة أحياناً .
وإذا بها تشارك في حلقات الرقص ... ثم تتنازل وتسمح ذات مرة أن يحتضنها سامر متعللة بأنها لحظة انفعال تمر ولا تعود ...... وهكذا ...
حتى أخيراً فقدت أعز ما تملك ... بالأقصر .
كانت موقنة بأن سامر يحبها وأنهما حتماً سيتزوجان وتحت الضغط على مشاعرها بالكلام المعسول والحركات غير البريئة ... استسلمت في لحظة ضعف وكان ما كان ... وانتابتها شبه إفاقة ..
ولكن صورت لنفسها أن سامر يحبها وأنه أبداً لن يتخلى عنها ولكن ...
فجأة وبدون مقدمات .. خسرت كل شيء ..
وأضافت إلى جريمتها جريمة قتل لو اكتشفت لتحطم مستقبلها وذهب إلى غير رجعة ...
هزت رأسها في حسرة وقالت ...
(وهل تبقى لي مستقبل لأحافظ عليه ... لقد ذهب كل شيء ...)
ولأول مرة منذ زمن بعيد ....
ذرفت عينها دمعة .....
*************
(أنا سامح صديق سامر ... هل هو متواجد بالبيت ؟)
حملت أسلاك الهاتف هذا السؤال إلى أذن سها التي قالت ..
(لا .. إنه بالأقصر ولم يعد من هناك بعد ...)
فتسائل مندهشاً .. (لم يعد بعد !!!.. كيف هذا ؟! ... لقد عاد الفوج بأكمله منذ أمس ... ولقد اختصم مع إحدى زميلاته ولم نره بعدها فظننا أنه عاد وحده إليكم)
قالت سها متسائلة بقلق .. (ألم يخبركم إلى أين هو ذاهب ؟؟ )
رد عليها قائلاً ... (لا .. إننا حتى لم نره أثناء ذهابه ...)
فقالت بتوتر ... (حسناً .. حسناً ... سنبحث عنه حتى نعرف أين هو )
فقال ... (آسف إن كنت سببت إزعاجاً لكم ... )
(لا عليك .. بل إني شاكرة لإعلامي بما حدث ...)
وأغلقت الخط دون حتى أن تسمع رده
واتصلت مباشرة بشاهين الذي كان منهمكاً في أعماله ...
فرد عليها فوجدها في قمة القلق وهي تقول ....
(شاهين .. سامر لم يعد من الأقصر بينما عاد زملاؤه منذ أمس ... )
قال في بساطة .. (وماذا في ذلك؟! .. إنه دائماً يتصرف وينطلق دون معرفتنا أو علمنا ..)
- (ولكن زملاؤه أنفسهم لا يعرفون أين هو ... )
- (لا تقلقي حتما رأى صحبة ما مع بعض السياح وأطال فترة إقامته هناك لأجلهم ..)
- (ولكنه لم يتصل بنا ليخبرنا ...)
فرد عليها ضاجراً وهو يقول ...
(وهل كان أخبرنا عندما انطلق من العريش إلى الغردقة في العام الماضي؟)
فقالت وقد بدا صوتها مطمئناً ... (أيعني هذا أنه بإمكاني السفر غداً إلى باريس دون قلق ؟)
فقال شاهين بنفاذ صبر .. (وهل أمر كهذا يعطلك عن سفرك يا سها ؟)
فقالت في حدة ... (ماذا تعني ؟؟)
فقال بعد أن تنهد (لا شيء ... دعيني لأكمل أعمالي وكفاني تعطيلاً ...)
وأغلق الخط دون سماع ردها ...
*************
كانت هايدي تسير عبر طرقات الجامعة وهي محتضنة كتبها ..
نظرتها تائهة ضائعة ... وعيناها متورمتان بشدة .. وقدماها تتخبطان أثناء سيرها ببعضهما البعض ... مما يشير إلى شدة عدم شعورها بمن حولها ....
وإذا بصوت يناديها .. تكرر الصوت أكثر من مرة حتى اخترق سمعها .. فالتفتت لترى من المنادي ... فإذا به سامح صديق سامر .. وأحد أعضاء أسرة حورس البارزين ...
فقالت وهي تبذل مجهوداً خرافياً لتداري ما بها من انفعالات ..
(خيراً .. ماذا هناك يا سامح ؟)
فقال وهو يحاول اختراق أعماقها ببصره النافذ ...
(أريدك في حديث خاص وقد يطول بنا هذا الحديث ... لذا فلنجعله في مكان هادئ .. )
سارت معه مستسلمة إلى ركن قصي لا يكاد أن يصل إليه أحد .. وقالت ..
(أي شيء تريدني لأجله ؟؟)
قال وهو مركز نظره عليها ....
(سامر لم يعد إلى القاهرة ولم يره مخلوق منذ أن سار معك إلى الهضاب والجبال المحيطة بالأقصر ..)
لم تستطع هايدي أن تمنع الرجفة القوية التي هزتها والتي لحظها سامح جيداً وقالت بصوت شبه باكٍ ...
(وما شأني بذلك ؟ .... لقد انطلق دون أن أعلم إلى أين هو ذاهب ...)
عاد سامح بظهره إلى الخلف وهو يعقد ساعديه أمام صدره وقال وهو ما زال محتفظاً بنظرته السابقة ...
(لقد قتلت سامر يا هايدي ...)
فجأة انفجرت هايدي ولم تستطع أن تمنع الدموع التي اندفعت من مقلتيها وعلا صوت نشيجها وهي تقول ...
(أقسم لك يا سامح أني لم أقصد قتله على الإطلاق .. بل إني كنت أشد حرصاً على حياته أكثر منه ..)
ابتسم سامح ابتسامة ظفر بعد وصل إلى ما يريد وقال ....
(هل تعرفين أنه من السهل أن أبلغ الشرطة بما حدث ؟! ... وسيؤيد أقوالي إرشادي إلى موضع الجثة التي ما زالت هناك وسوف يقوم الطبيب الشرعي بتحديد سبب الوفاة والجميع سيشهدون أنك آخر من كان معه ... وبعدها ....
سيحيط حبل المشنقة الغليظ برقبتك الرقيقة لينهي حياتك السعيدة )
أخذت هايدي تتشنج ولم ترد ...
في حين قال سامح من خلف ابتسامته الخبيثة ....
(إلا إذا ..... )
رفعت هايدي رأسها بقوة وقالت ....
(إلا إذا ماذا ؟؟؟ ... )
نظر سامح إلى عينيها بقوة وقال ...
(إلا إذا وافقت على ما سأمليه عليك .... )
فقالت مسرعة .... (إني موافقة ... )
ضحك ضحكة قصيرة وقال ...
(ألا تودين معرفة ما الذي سأمليه عليك أولاً ؟! )
قالت .... (ما هو ؟ )
قال ... (سأحصل لك على عمل جيد تربحين منه ربحاً طائلاً وهو عمل ممتع للغاية .. ولكن بشرط أن أحصل على نصف الأرباح ... ما رأيك ؟؟ )
قالت ... (إني موافقة .... ولكن ما هو هذا العمل ؟؟ )
قال ... (أنا أطلق عليه اسم جمعية الحب ... في حين يطلق عليه الناس اسم سخيف حيث يقولون .... "شبكة آداب" )
**************
كانت فاطمة تحث الخطى لتلحق بإحدى محاضراتها ....
وعندما رفعت رأسها لتبصر الطريق أمامها ....
إذا بعينيها تصطدمان بها ... إنها هايدي
كانت محطمة متهاوية .. ولم تشعر فاطمة سوى بشيء واحد أن عيني هايدي كانتا تصرخان بها طالبتين للنجدة ....
ولم تتمالك فاطمة نفسها فانطلقت واحتضنتها وقالت لها (هايدي .. ماذا بك ؟ .. إنك متعبة للغاية .. هل أنت مريضة ؟!)
نظرت هايدي نحوها بضعف .. فإذا بها ولأول مرة تشعر أن وجه فاطمة يشع نوراً وضاءًا ...
إنها تعرف صديقتها فاطمة منذ أن كانتا زميلتين بالإعدادية وتحفظ ملامحها عن ظهر قلب ... ولكنها تنظر لها الآن .. تجد نفس الملامح .. ولكن بها جذب غير عادي لم تكن تستشعره من قبل ....
وإذا باحتضان فاطمة لها يفجر كل مشاعرها ....
شعرت بدفء مشاعر فاطمة .. وطهرها .. وصدقها ...
شعرت بكل هذا لمجرد احتضان فاطمة لها والجملة التي تلفظت بها ... ولم تستطع هايدي أن تتمالك نفسها فانهارت باكية ....
وإذا بدموع فاطمة تنهمر وهي تقول ...
(ماذا بك يا هايدي يا حبيبتي ؟!! )
لم تنطق هايدي بحرف وهي مستمرة في بكائها ...
فاصطحبتها فاطمة إلى مكان هادئ ... وأخذت تهدئ من روعها حتى هدأت ... وبدأت تقص عليها ..
أخبرتها بكل لمحة مرت بها .. وكل موقف شهدته .. واختتمت قولها قائلة ...
(وعندما وجدني مشدوهة غير مصدقة وغير قادرة على الإجابة أعطاني مهلة يومين لأفكر ... وما زال يهددني بتدميري إن لم أخضع له .. وآخر موعد لردي عليه غداً ..)
كانت دموع فاطمة منسابة على خديها منذ أن بدأت هايدي تقص قصتها وهي غير مصدقة لما تسمع ...
انتهت هايدي من قصتها ومر وقت حتى تمالكت فاطمة دموعها وقالت ...
(لن أقول لك أني حذرتك ... ولن أظل أفاضل بيني وبينك .. ولن أسرد المواعظ والحكم ... ولكني أقول لك يا هايدي .. بأني معك يا صديقتي الغالية ولن أتركك فريسة للشياطين سواءًا كانوا من الإنس أو الجن ... وإن شاء الله سنكون سوياً حتى نتخلص منهم ...)
هزت هايدي يدها بيأس وقالت ..
(ولكن كيف يا فاطمة ؟؟ ... لقد انهار كل شيء .. ولم يعد هناك حتى خيط عنكبوت لأتعلق به ..)
قالت فاطمة بحسم ... (لا يا هايدي .. بل هناك حبل متين يجب أن تتعلقي به ... إنه حبل الله ..)
ابتسمت هايدي بمرارة وقالت .. (حبل الله !! ... وهل يقبل الله أمثالي ؟! ..)
قالت فاطمة ...
(رحمة الله وسعت كل شيء ... وهو سبحانه جل وعلا لا يرد من يطرق بابه أبداً ... )
قالت هايدي ...
(أخبريني إذن وبرد منطقي ... كيف أنجو من كل ما أنا غارقة فيه ؟؟ )
فكرت فاطمة ملياً وقالت ...
(أولاً يجب أن نتخلص من هذا الشيطان المسمى سامح )
قلبت هايدي يدها في تعجب قائلة .. (كيف ؟؟! ...)
قالت فاطمة في حسم ...
(أخبريه أنك غير موافقة ... )
قالت هايدي ... (ليسرع ويبلغ عني .. وبهذا أكون قد انتهيت )
قالت فاطمة ..
(فليبلغ كما يشاء ... المهم ألا تغوصين في المعصية أكثر من هذا .. ولكن أخبريني ... هل أنت متأكدة أن سامر هذا قد مات ؟ )
قالت هايدي .. (لقد سكن جسده تماماً .. ولم يرد عليّ عندما ناديت عليه .. )
قالت فاطمة .. (ربما يكون فاقداً للوعي .. )
قالت هايدي .. (إذا كان كذلك .. لماذا لم يعد حتى الآن بعدما استعاد وعيه ؟؟ ..)
أخذت فاطمة تفكر وقالت ..
(أنت لم تتعمدي قتله يا هايدي ... وإذا واجهت محاكمة عادلة فحتماً لن تظلمي .. وهذا ما أطلبه منك الآن .. )
قالت هايدي .. (ولكن قد يحكم علي بالسجن .. )
ردت فاطمة قائلة ....
(هذا أفضل من أن تغرقي في طوفان الرذيلة وتصبحين من بنات الليل .... أليس كذلك ؟ )
هزت هايدي رأسها قائلة .. (لست أدري .... )
قالت فاطمة .. (ثقي بي يا هايدي وافعلي ما أمليه عليك وقبل كل شيء .. أطلب منك أن تستعيني بالله عز وجل وحتماً لن يخذلك ... فهو سبحانه أرحم بعباده من الأم بوليدها )
قالت هايدي ... (سأفكر .... )
وقامت تزعم الانصراف
فأمسكت فاطمة بيدها وقالت لها ..
(ولكن أرجو منك أن تبلغيني بقرارك قبل أن تقبلي على أي شيء ... هل تعديني؟)
ابتسمت هايدي ابتسامة شاحبة وقالت ... (أعدك يا فاطمة)
**************
(ما هو الهدف الذي تسعى إليه كل فتاة في حياتها ؟ )
واجهت هايدي نفسها بهذا السؤال ...
وردت على نفسها دون أن تنطق قائلة ....
(أن يكون لها بيت مع زوجها الذي يحميها ... وأبنائها الذين تنظر إلى المستقبل عبر أعينهم ...)
- (وهل ما زال لديك أمل في تحقيق هذه الأمنية أو هذا الهدف يا هايدي ؟)
- (لا ... لقد تبخر تماماً .. ولم تعد هناك ذرة تشير إليه ..)
- (إذن .. لم يعد هناك ما تعيشين لأجله ... لقد دُمرت تماماً ... وضِعت .. ولم يتبق لك ما تتمسكين به )
- (إذن هل تتركين نفسك لتوضعين خلف أسوار السجن وتنالين من العذاب ما لا تطيقين ؟ ... بل قد يتم إعدامك ؟)
- (وما المطلوب مني ؟)
- (أن تنعمي بحياتك قدر إمكانك ... أن تنهلي منها ما تشائين ... هذا ما تبقى لك ..)
- (نعم .. لقد ضاع كل شيء .. ولم يتبق سوى أن أنهل من الدنيا قدر استطاعتي وأتمتع بلذاتها المتاحة .. )
انتهت هايدي .. أو انتهى بها الشيطان إلى هذه النتيجة وهي تسير لتلقى سامح ..
وسألت نفسها قائلة ...
(وهل ستذهبين لتخبري فاطمة أولاً كما وعدتيها ؟)
ضحكت ضحكة قصية متهكمة وقالت ...
(وهل أمثالي من يحافظون على عهود .. أو وعود ؟! ... وهل أذهب لأخبرها أني ذاهبة للالتحاق بجمعية خيرية ؟!!! )
(أهلاً يا هايدي )
قطع عليها تفكيرها هذا النداء الذي تلفظ به سامح .. فنظرت إليه وقالت ... (أهلاً سامح .. )
- (ترى ما الذي توصلت إليه ؟؟)
نظرت إليه وقالت ...
(قبل أن أعطيك ردي أحب أن أطمئن على عدة أمور .. )
انفرجت أسارير سامح لما استشعره من من موافقتها المبدئية وقال ...
(أنا طوع أمرك .. ما الذي تريدين الاطمئنان عليه ؟)
- (أريد أولاً التأكد من أن سامر قد مات فعلاً .. وليس متواجداً هنا بإحدى المستشفيات للعلاج .. )
قال سامح بتردد ...
(حسناً ... لقد انقضى أسبوع منذ عودتنا ... فلنتصل بالمنزل عندهم ... ونسألهم عنه ..)
قالت هايدي بحسم (الآن ... ) .. فقام سامح وقال ... (حسناً ... الآن )
وتجها سوياً إلى أحد الهواتف المنتشرة بالجامعة واتصلت بالمنزل وعلى غير العادة ... كان شاهين متواجداً هناك فرد عليها ... وعندما سألته عن سامر ... أخبرها أنه بالأقصر ولم يعد بعد ....
كان هناك خيط ضئيل من ضوء الأمل تتعلق به ... راود خيالها وتمنى كيانها لوهلة أنه ما زال حياً ...
ولكن تبخر أدنى ذرة من أمل كانت تصبو إليها ...
خفضت عينيها بانكسار ونظرت نحو سامح باستسلام فابتسم ظافراً وقال ....
(هل هناك شيء آخر ؟)
قالت ... (نعم .. حتماً سيكتشف أهل سامر مغيبه وعدم عودته وسيبحثون عنه ولن يجدوه .. فما الذي سيحدث وقتها ؟؟)
رد عليها سامح مسرعاً...
(بالطبع سيسألوننا نحن لأننا كنا آخر رفقاء له ... وأعدك أن مجموعة كبيرة ستشهد أنها شاهدته يستقل القطار عائداً إلى القاهرة وحده .. فما رأيك ؟)
قالت .. (تبقى شيء أخير ... ألا وهو أنه من الممكن أن يتم القبض علينا بسبب هذه المهنة الجديدة .. ووقتها ستكون فضيحة لا مثيل لها وتهمة القتل ستصبح عندها أهون ألف مرة )
ابتسم بثقة وقال ....
(اطمئني تماماً ... وثقي أن هذا لن يحدث أبداً .. وإن حدث فهناك أمر سيجعلك تظهرين بريئة .. وستتحدث عنك الصحف أنك مظلومة وأن هذا التشويه متعمد ليتم النيل من شرفك )
قالت بتساؤل .... (ما هو هذا الأمر ؟!)
ابتسم قائلاً .. (الجمعية تضم اثنتين من نجوم التمثيل وهن شهيرات للغاية ... وبالطبع تواجدهم بالجمعية يضمن لنا أننا إذا وقعنا ... حتماً لن ندان ...
فأنت بالطبع سمعت عن الجمعيات التي تم كشفها وكان بها ممثلات شهيرات .. وكلهن تم تبرئتهن .. وظلت الصحف تتحدث عن شرفهن مدة لا بأس بها ....
فما رأيك ؟ )
نظرت إليه وقالت ... (يبدو أنك قمت بحساب كل شيء جيداً )
ابتسم قائلاً .. (أيعني هذا أنك موافقة ؟ )
ولم ترد ......
**************
نظرت فاطمة إلى ساعتها بقلق ... وأخذت تتطلع إلى هنا وهناك .. ولم تجد ما تبحث عنه ....
كانت تنتظر هايدي ...
كانت فاطمة قد عزمت ألا تتخلى عن هايدي أبداً ....
فهي تعتقد أن الشيطان يصور للإنسان خطأه على أنه النهاية ... حتى يوقعه فيما هو أبشع ...
ومهما كانت جريمة المخطئ .. يجب أن نشفق عليه .. ولو وجدنا ثقب إبرة من الممكن النفاذ إليه لمساعدته ... فيجب ألا نتخلى عنه ....
أما أن نرى فلاناً قد أجرم ... فنقول أنه قد انتهى ولم يعد هناك أمل فيه ... فهو الخطأ بعينه ...
ولم تنس أبداً موقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .... عندما ابتلى الله أحد المسلمين بشرب الخمر ...
فأخذ الصحابة المحيطون والصالحون الذين عرفوا بذلك يذمون ويقرعون فيه ....
بينما قام الفاروق بإرسال خطاب لهذا الرجل يقول له فيه ...
(بسم الله الرحمن الرحيم ...
أما بعد ....
فإني أحمد الله عز وجل لك ... فهو غافر الذنب .... وقابل التوب ... شديد العقاب ... ذي الطول ... لا إله إلا هو إليه المصير .. )
فلما وصل هذا الخطاب إلى الرجل ... أخذ يقرأ ويبكي بكاءًا شديداً .. وكان ذلك سبباً في توبته توبة نصوحاً ...
وهنا قال عمر رضي الله عنه للصحابة ...
(هكذا تفعلون .... ولا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم .. )
مضى وقت طويل ..... ولم تظهر هايدي ...
تمنت هايدي أن يكون حادثا منعها من الخروج ...
فذهبت واتصلت بها .. فأخبروها أنها ذهبت إلى الجامعة منذ الصباح الباكر ...
شعرت فاطمة بغصة مريرة ... وقبضة قاسية تعتصر قلبها ...
فقد علمت ما هو مدلول ذلك ...
إنه لا يعنى سوى أنها قد استسلمت للشيطان .........
*************
مرت ثلاثة أسابيع .....
بذلت فيهم فاطمة أقصى جهدها كي تلتقي بهايدي .. ولكنها لم تستطع ....
حاولت أكثر من مرة أن تتصل بها عبر الهاتف ... ولكنها دائماً تكون غير متواجدة ....
حاولت أن تبحث عنها في الكلية والمحاضرات .... ولكنها لم تجدها ...
وأخيراً .. نفذ جهدها وفقدت الأمل ....
فقدته وعينها دامعة لأجل زميلتها وصديقتها القديمة .....
فقدته وقلبها يبكي ويلعن هؤلاء الذين انحدروا بها إلى قاع الضياع والرذيلة ...
وإذا بها في أحد الأيام ... تجد لافتة ضخمة تعلن عن تنظيم أسرة حورس لندوة عن أضرار التدخين ...
وما جذبها أن مقررة الندوة ... كانت هايدي ....
ذهبت فاطمة وقد عاد إليها الأمل في أن تلتقي بهايدي .. وعندما رأتها ... انفطر قلبها في قوة ....
فقد كانت ترتدي ثياباً ... أقل ما توصف به أنها فاضحة ..
كانت عينها تحمل نظرة جريئة لم تعهدها فاطمة أبداً ...
وأخذت فاطمة تتابع فقرات الندوة ....
وما أثار دهشتها ... أن الندوة كانت عن أضرار التدخين بينما منظمو الندوة أنفسهم لم يفارق السيجار أفواههم طوال الندوة التي كانت تظللها سحابة عجيبة من الدخان الكثيف .
فقالت في نفسها ... (عجباً ... ألا يستطيعون التظاهر بعدم التدخين ولو أثناء الندوة فقط ؟!!! ) ............
انتهت الندوة ... أخذت فاطمة تتابع هايدي التي كانت ترافق ضيوف الندوة وتحادثهم وتضاحكهم ... وبين الحين والآخر كانت تنطلق من فمها ضحكة عالية خليعة ... كانت تدمي قلب فاطمة قبل أن ينتهي رنينها ....
وأخيراً التقت بها ...
ما إن وقع بصرها عليها حتى ارتعدت أهدابها وتوترت وقالت .....
(فاطمة !! .... مرحباً بك ... لم أرك منذ زمن )
- (أريد أن أتحدث معك يا هايدي .... )
قالت هايدي وهي تهم بالانصراف ...
(حسناً ... فليكن في وقت لاحق ... فأنا منشغلة للغاية الآن )
أمسكت فاطمة بيدها وقالت لها ...
(بل الآن يا هايدي .. )
حاولت هايدي أن تتفلت .. وإذا بصوت فاطمة الجاد الهادئ يقول لها ...
(هايدي .. إنني صديقتك الوحيدة التي تعرف كيف تفكرين وتعرف كل ما يجري لك .... أخبريني فقط ... لماذا فعلت ذلك ؟؟ )
انكسرت تعبيرات وجه هايدي وقالت بصوت حزين ...
(لقد علمت يا فاطمة أنه قد تم خطبتك ... أي أنك سيصبح لك بيت تتوجين وتصبحين ملكة فيه ... ولكن ماذا سيكون مصيري أنا ؟!! .... )
قالت فاطمة بتأثر ...
(أهذا هو الشيء الوحيد الذي أعجزك ؟!! ... أكان مدخل الشيطان لك من هنا ؟!! يا هايدي لقد قلت لك استعيني بالله وهو حتماً سيكون معك .. وأنا أثق أن هناك شباباً يملأ الإيمان قلوبهم .. وعقولهم متفتحة للغاية ... وأثق أنه حتماً سيكون منهم من يقبل أن يسترك في الدنيا كي يستره الله عز وجل في الآخرة .. )
ابتسمت هايدي بسخرية وقالت ... (دعيك من كل هذا .. لقد انقضى الأمر ... )
أمسكت فاطمة ساعدها بقوة وقالت لها .....
(مطلقاً يا هايدي ... باب الله مفتوح دائماً ... ولا ينغلق أبداً .....)
نزعت هايدي ساعدها وأبعدت يد فاطمة في رقة وقالت بحزن ... (يدك الطاهرة هذه لا ينبغي أن تمس من هي مثلي .... وأرجوك يا فاطمة أن تنسيني تماماً ... فلن أعود مهما حدث ... لقد انقضى الأمر تماماً ... )
وهمت هايدي بالسير ... فقالت لها فاطمة من بين دموعها ....
(هايدي ... أريدك فقط أن تثقي بأن الله يغفر الذنوب جميعاً ... وأن قلبي مفتوح لك دائماً ... )
هزت هايدي رأسها دون أن تنطق ..... وانطلقت ... وانتهى كل شيء .
**************
كانت هايدي تقف بصحبة جمع من الفتيات تحاول إقناعهن بالاشتراك في الرحلة التي ستقوم بها أسرة حورس إلى الإسكندرية في الصيف المقبل ....
أخذت تعرض لهن المزايا والمغريات التي تقنعهن بالاشتراك ولم تتركهن إلا ووافق معظمهن ...
أما الباقيات كان العائق الوحيد أمامهن ... أن أهلهن لا يسمحون بالسفر لهن إلا برفقة أحد أفراد العائلة ....
قامت هايدي بكتابة الراغبات في الاشتراك بورقة وأعلمتهن بقيمة الاشتراك الضئيلة .... فوعدنها بالإتيان بها في الغد ....
وبعد أن أدت هايدي مهمتها ...
حملت حقيبتها ... وهمت بالانصراف ....
وإذا بها عند مدخل الكلية .... يقع بصرها على مفاجأة زلزلت كيانها ....
فأمامها مباشرة .....
كان يقف .... تزين وجهه لحية قصيرة
......... إنه سامر ............
***************
صدرت من فمه آهة ضعيفة كسيحة ... وفتح عينيه بصعوبة ... وأول ما صادف بصره ... صورة القمر المستدير الساطع .. كانت ليلة مقمرة ... مشهد القمر بها يلهب خيال الأدباء ... ولكن هذا المشهد الرومانسي الجميل لم يثر في نفسه سوى الرعب الشديد ...
نظر حوله ... فوجد ظلالاً كثيرة للهضاب والصخور التي تحيطه .. كانت أشبه في عينيه بأشباح راقدة تنتظر استيقاظه لتهجم عليه وتلتهمه ..
ومن هناك ... دوى عواء طويل لذئب حمل صوته رنة الجوع الشديد .. وإذا بهذا العواء يعزف على بقية أوتار وجدانه لحناً مرعباً مخيفاً جعله يهتز من رأسه إلى أخمص قدميه لشدة الخوف الذي يعتريه ....
حاول أن يمد إحدى يديه .. ولكنه اكتشف عجزهما التام .... حاول أن يثني إحدى ساقيه ... فإذا بهما محطمتان ... فاكتشف على الفور السجن الذي وقع فيه
لقد كان كل شيء منبسط أمامه .. ولكنه العجز أحاطه بقضبان قاسية لم ير لها مثيلاً من قبل ....
واكتمل المشهد المخيف الذي لم يحلم به في ألعن كوابيسه ...
...... إنه سامر ..........
الذي لم يفق من غيبوبته سوى الآن ... في منتصف الليل ... تذكر فجأة ما حدث له منذ دفعته هايدي دفعتها البسيطة والتي ولعجبه سببت كل هذا .....
نظر إلى السماء ....
فإذا به يجد أحد الشهب يهوي بها ... إنه يعلم هذه الظاهرة العلمية جيداً ...
إنها إحدى الصخور التي تحترق عند سقوطها عبر غلافنا الجوي ....
ما زال يذكر سخريته من الشديدة عندما سمع أحد طلاب التيار الإسلامي يقول ..
(ها هو شيطان يحترق .. )
ولكنه يشعر الآن حقاً أنه حقاً هناك شيطان يحترق ..... إنه هو نفسه ..
ها هي النهاية تأتي إليه في صورة لم تمر بخياله أو بالقرب منه ولأول مرة يتلفظ لسانه بدعاء .......
قال ..... (يا رب أنقذني)
اهتز بعنف فور نطقها ... إنه ولأول مرة يشعر أن له رباً يلجأ إليه .....
لأول مرة يدرك ويعلم بوجدانه أن هناك إلها هو الواحد الذي يستطيع إنقاذه مما هو فيه ....
ولدهشته وعجبه .. إذا بالرعب المهول الذي ينتابه قد بدأ ينزوي فور تلفظه بكلمة "يا رب" ... فاهتز بعنف أكبر وإذا بحياته السالفة تمر أمام عينيه كشريط سينمائي
ولشدة أسفه لم يجد بها سوى كل شر .... فسالت دمعته وقال ...
(ترى هل ينقذني ربي وأنا مثقل بكل هذا ؟) ... وظل طوال الليل ينتظر إجابة هذا السؤال .
***************
وقف أنس يلتقط أنفاسه بعمق بعد أن قطع ذلك الشوط من الجري المتصل ....
أخذ يتطلع باستمتاع إلى مشهد الهضاب والربا التي تحيطه ... كانت في هذا الوقت البكر أشبه بكائنات ضخمة راقدة في سبات عميق وتنتظر موعداً ما لتستيقظ عنده ....
وهناك عند الأفق .. ظهرت أولى خيوط الشمس ... كانت كأنها أيدي رقيقة تمتد لتتحسس طريقها قبل أن تظهر الشمس نفسها .....
هم أنس أن يكمل رحلته اليومية ... ولكن لدهشته سمع صوت أنين خافت ...
عقد حاجبيه وركز سمعه ليتأكد أنه لم يتخيل شيئاً لا وجود له ...
فإذا به أنين ضعيف لا يسمع إلا بصعوبة ....
ركز سمعه أكثر ليعرف مصدره .. وما إن حدده حتى اتجه نحوه ......
وإذا ببصره يقع عليه .....
كانت ملابسه ممزقة في مواقع شتى ... وملوثة بالدماء المتجمدة في كل موضع ... وكانت عيناه متورمتان بطريقة غير عادية ...
لقد وقع بصره على سامر ... الذي ما إن سمع وقع أقدامه حتى رفع رأسه في عنف وفزع ....
ولكن ما إن رأى أنس حتى تنهد بقوة عنيفة وقال ....
(الحمد لله)
ثم سقط مغشياً عليه ..
*************
(ما زالت الخطوط كلها مشغولة ... ولم أستطع الاتصال بالقاهرة مطلقاً)
نطق أنس بهذه العبارة فور دخوله إلى الحجرة التي يرقد بها سامر ....
كان سامر محاطاً بالضمادات في أكثر مواضع جسده أما ذراعاه ورجلاه فقد كانوا مغمورين داخل الجبس الذي يحاول أن يجبر كسرهم ...
وبجواره كان يجلس يحيى الذي لم يتركه منذ أتى به أنس بهيئته المزرية السابقة
نطق سامر بإعياء شديد قائلاً ...
(أشكرك يا أنس ... لقد أتعبتك معي كثيراً .. )
ابتسم أنس قائلاً ....
(أنا لم أفعل سوى أقل من الواجب يا سامر ... )
قال سامر في امتنان ... (بل فعلت الكثير .. يكفي حملك لي كل هذه المسافة الشاسعة من منطقة الجبال إلى هذا المستشفى .... ومنذ أمس لم تتركني أنت ولا أبوك الكريم ...)
تدخل يحيى في الحديث قائلاً ...
(أعتقد أنه في هذا المساء من السهل أن تتصل بأهلك عبر الهاتف المتواجد بالمستشفى ... ولتضع في حسبانك أنك ستغادر المستشفى هذه الليلة بعد أن تحدثهم .... وسأستضيفك عندي حتى يأتوا إليك إن شاء الله)
قال سامر .. (ولماذا لا أبقى هنا حتى يأتوا ؟!)
قال يحيى ... (هذا المستشفى فقير للغاية ... وإمكاناته وتأميناته ضعيفة ... فمن السهل أن تجد فأراً يمر فوق وجهك ليلاً وأنت نائم ... وأظنك لحظت ذلك بالليلة السابقة .... وبالنسبة للعناية الطبية سأتفق مع أحد الأطباء ليتابع حالتك ... وسوف يأتي إليك ممرض كل يوم ليقوم بتنظيف جروحك والغيار عليها ...)
أُخذ سامر بهذا الكرم الذي أبداه يحيى نحوه فنظر إليه بامتنان وقال ....
(أظنني لن أستطيع سداد هذا الدين أبداً ما حييت)
ربت يحيى على رأسه بحنان وقال ...
(لا تشغل بالك بهذا الأمر يا ولدي ... وثق أنك عندي كأنس ولدي تماماً ..)
*************
(نعم يا أبي ... أنا سامر ... إنني أحدثك من الأقصر ..)
حملت أسلاك الهاتف هذه العبارة من المستشفى الصغير الذي يرقد به سامر إلى القاهرة في مكتب شاهين الذي رد عليه ساخطاً ...
(مرحباً أيها المستهتر ... ترى هل تريد نقوداً إضافية ؟ )
شعر سامر بغصة لهذا الرد الجاف وقال ...
(إنني أرقد بالمستشفى يا أبي ..... ومصاب بشدة ... وأريدك بجواري ...)
قبض شاهين على سماعة الهاتف بقوة وقال ...
(ماذا ؟!! ... وكيف حالك الآن يا سامر ؟)
- (سيء للغاية يا أبي ... متى ستأتي ؟)
(في الحقيقة يا سامر ... إنني مشغول للغاية .. وهناك عملاء كثيرون أرتبط معهم بمواعيد ...)
قال سامر بمرارة .... (ألا أستحق أن تترك كل هذه الأشياء لأجلي يا أبي ؟!)
قال شاهين .... (إنني أفعل كل هذا لأجلك يا ولدي )
- (حسناً ... وأمي ... ألا يمكن أن تأتي .. أم أن سهراتها تمنعها ؟! )
قال شاهين بضيق بعد أن شعر بلهجة سامر الساخرة ... (لا يا سامر إنها ليست في مصر .. إنها في جولة سياحية بباريس ... )
- (هل معنى ذلك أني سأبقى وحدي ؟!)
- (اسمعني يا سامر ... سأقوم بتحويل مبلغ لا بأس به باسمك على أحد البنوك ولتنفق كما تشاء ولتذهب لأفخر المستشفيات السياحية المتواجدة عندك حتى يتم شفاؤك العاجل ... )
- (حسناً يا أبي .. أشكرك كثيراً جداً )
وأغلق الخط دون أن يسمع رد أبيه ... ووجهه يحمل أشد علامات الضيق والحزن ....
كان بجواره أحد الأكواب ضربه بقوة فسقط منكسراً بصوت مدوٍ جعل أنس يدخل الحجرة مسرعاً ليرى ماذا حدث فقال في دهشة ... (ماذا هناك ؟!!)
قال سامر بضيق ... (لا شيء .. )
نظر أنس للكوب المحطم بدهشة وسأله ...
(متى سيأتي أهلك يا سامر ؟؟ )
قال سامر بحنق ... (لن يأتوا أبداً .... )
*************
كان سامر يحاول أن بشتبك بالنوم ... ولكنه لم يستطع ... كان فكره وعقله يجولان بشدة ....
ما زالت تلك الليلة العصيبة تحفر معالمها داخل نفسه .. كانت ليلة رهيبة لم ولن ير لها مثيلا ....
ولكنها جعلته يفيق ...
كان لا يعرف من الدنيا سوى اللهو والعبث ....
لم يكن يعرف سوى السهرات الماجنة والنزهات المتفرقة ... كم تسبب في إفساد أخلاق الفتيات والفتيان ... كم سعى لتضليل مالا يحصى من الشباب ....
ولكن هذه الليلة ....
جعلته فجأة يشعر أن هناك إله جبار منتقم ...
كل لحظة مرت به .. كانت تشعره بذلك ...
وهنا قرر أن يتوب
قرر أن يتوقف عن سبيل المعاصي الجارف التي كان يرتكبها ... قرر أن يسعى إلى الله إن عرف له سبيلاً ....
وهذه العائلة .. التي أرسلها القدر إليه ....
إنه يشعر أن هناك شيئاً غير عادي بها ....
وهناك ريب ينتابه نحوهم ...
فمنذ أن رأى لحية يحيى .... وكثرة تلفظ أنس بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية بين الحين والآخر ... وهو يشعر أنه وقع بين إحدى الأسر التابعة للإرهابيين الذين يسمع عنهم ...
فهناك ... بنادي حورس .... كانوا يلقون لهم محاضرات عن هؤلاء الإرهابيين وعن أخلاقهم وأنهم قوم جاهلون يتلقون تمويلاً من الخارج ... وأن قلوبهم قد صبت من الحجر الصلب .. وأن ... وأن ... من كل تلك الصفات التي تملأ الصحف ...
كانوا يلقنونهم قائلين لهم ... أن شباب حورس هم الذين سيحاربون هذا التيار ... وسوف ينتصر عليه ولكنه الآن يتساءل ....
أي حرب هذه التي كانوا يمارسونها ؟!!
هل المجون والخلاعة والفسق والفجور هي الأسلحة التي تتم بها المحاربة ؟!!!
عموماً ....
إنه لم ير من هذه العائلة إلى الآن سوى كل كرم وخلق قويم ... وها هو بينهم وسيكتشف ويعرف عبر الواقع ... ما هو الأمر على حقيقته ....
*************
استيقظ سامر على غير عادته مبكراً .....
كانت زقزقة العصافير تصل إلى سمعه ... وصياح الديكة يصنع معها سيمفونية جميلة لأول مرة يشعر سامر بجمالها ... أو ربما هي أول مرة ينتبه لهذا ....
نظر حوله ... فبدأ يتبين حجرة أنس التي تركها له ليستقر بها إلى أن يتماثل للشفاء ...
لقد دخلها ليلاً مرهقاً ونفسه تحمل من الضيق ما جعله لم يتبينها ....
كانت حجرة بسيطة ولكنها منمقة ومنظمة في عناية ....
وأمام المكتب المتواجد بها ... كانت توجد صورة للمسجد الأقصى ... صورة كبيرة تمثله والنجمة السداسية الصهيونية تطوقه ... ولكن هناك يد قوية تمتد لتحطم هذه النجمة ... وما يعرفه سامر ... أن هؤلاء القوم يتسترون خلف تلك القضايا ... كقضية الأقصى ومذابح المسلمين ليستعطفوا مشاعر الناس حولهم ويجعلوهم يتناسون ... أو لا يشعرون بنواياهم الخبيثة ...
شعر سامر بآشعة الشمس تمر عبر فرجات النافذة التى بجواره..
فقد كان سريره ملتصقا بالحائط..وبجواره نافذة صغيرة لم يعرف بعد على أى شىء تطل ...
جاهد سامر ورفع يده حتى دفع المزلاج ..وبذل جهدا خرافيا حتى فتحها...
كانت الشمس فى بداية شروقها .. نظر عبر النافذة ..فوجدها تطل على ساحة ملحقة بالمنزل ..و فى أحد جوانب هذه الساحة كانت توجد حظيرة للدواجن...
وهناك رآها...
كاننت قد أعدت الطعام للدواجن وتعد الموضع الذى تجلس به كل يوم...
وسرحت ببصرها نحو الشمس ...
كانت نظرتها حالمة رقيقة ...
إنها أمانى ...
إنقبض قلب سامر فور أن رآها..
شعر ان آشعة الشمس إنما هى منبعثة من خلال هذا الوجه لتنعكس على الشمس... التى تقوم بنشرها إلى كل أنحاء الوجود...
كان وجهها منيرا بقوة جذبته ..
لقد رأى وتعامل مع أكثر الفتيات فتنة وجمالا..
ولكن ...
بالرغم من أن ملامحها عادية وجمالها هادئا...
إلا أن بها جذب قوى لا يدرى له سببا ..شعر فور أن رآها باطمئنان لا مثيل له و
شعر بالهدوء يحتويه...
أحس بنشوة لم يجربها من قبل ...
ولم يمل أبدا من النظر إلى وجهها السابح الحالم الهادىء...
وعندما إكتمل شروق الشمس وارتفعت بقرصها قليلا مدت يدها وأخرجت مصحفا.. وفتحته وبدأت تقرأ فيه ...
يا إله الكون !!
ياله من صوت ملائكى رخيم ...
لقد إستمع إلى كل المطربات والمغنيات..العربيات منهن والعالميات ...
ولكنه لم يسمع صوتا كهذا قط ...
بدأ يركز سمعه...
فإذا بها آيات قرآنية يسمعها لأول مرة...
وإذا بها تهزه فى عنف لا مثيل له..
كان كأنه أول مرة يعرف أن هناك قرآنا قد أنزل...
كانت الآيات تنفذ إلى أعماقه وتحتويه وتهز كيانه..
وإذا بها تقرأ فى سورة النمل..
كانت كل الآيات تنتهى بالسؤال الإستنكارى التعجبى (( أإله مع الله ؟!! )) ..
حتى وصلت إلى قوله تعالى ..
(( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض...
أإله مع الله ؟!! قليلا ما تذكرون ))
لم يستطع أن يوقف سيل دموعه المنهمر وجسده كله يهتز ...
كان يشعر كأنه يدخل الإسلام من جديد .. كانت الآيات كأنها لم تنزل سوى له ..
كانت الكلمات تنطق بأنه قرآن عظيم منزل من لدن العظيم ...
وإذا بشعور جديد ينتابه ...
لأول مرة يشعر أنه ينتمي لدين خالد .. به كتاب عظيم كهذا القرآن الكريم ...
أخذ سامر يتطلع إلى أماني .. إنها ليست فتاة .. بل هي إحدى حورالجنة النقيات الطاهرات ...
إختتمت قرائتها .. وقامت داخلة إلى المنزل بعد أن تركته وقد أحيت فيه مشاعر عظيمة لم يكن يظن أنها به ...
ظل سامر مأخوذا بالأيات يرتعد جسده ويهتز و هو يقول ..(( ترى هل يقبلني ربي ويتوب علي ؟ )) ..
وإذا بأنس يطرق بابه ويدخل في هذه اللحظة ...
كان مرتديا زيه الرياضى وعائدا من جوليه الصباحية ...
نظر إلى سامر .. فوجده ودموعه مبللة ثوبه وملامحه تنطق بالتأثر الشديد...
فقال أنس في رفق ..(( أما زلت متأثرا لأن أحدا من أهلك لن يأتي إليك ؟.. فلتعدنا أهلا لك يا سامر ..))
نظر سامر نحوه وقال له ..(( كم تحفظ من القرآن يا أنس ؟..)) ..
كان السؤال مفاجئا لأنس .. ولكنه رد عليه قائلا .. (( الحمد لله أحفظ القرآن الكريم كاملا )) ..
فسأله سامر بإهتمام .. (( إذا كنت قد أتيت من الذنوب ما تخر الجبال من هولها ... ترى هل من الممكن أن يقبل الله توبتى ويغفر لى ؟ ))...
جلس أنس بجواره وقال ..
(( يقول الله عز وجل ..( قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ..إن الله يغفر الذنوب جميعا ..إنه هو الغفور الرحيم ) ..)).
قال سامر ..(( ولكن هذه المعاصى التى فعلتها هل ستذهب سدى ؟ أم ماذا سيكون مصيرها ؟؟ ))..
رد عليه أنس قائلا ..(( الله سبحانه وتعالى يقول ..( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا .. فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات .. وكان الله غفورا رحيما ).))
سالت دموع سامر وقال ..
(( أشكرك كثيرا جدا يا أنس.. لقد أرحت قلبى ..))
وتنهد فى قوة كأنه يفرغ حملا ثقيلا فوق صدره وقال ..
(( هل تعرف يا أنس .. لقد نشأت في بيت لم أر فيه سجدة لله ..لم أسمع به آية من قرآن .. آخر كلمة من الممكن أن تسمعها هي كلمة {الله} ..ولا يكون النطق بها سوى عند الحلف الكذب غالبا ... وأتت الصحبة من أفسد ما يكون ..
إقترفت من المعاصي مالا تتخيل ..لم نترك رزيلة إلا وفعلناها ..وكأننا خلقنا لا لشيء سوى المعاصى .. وإذا بما حدث لي يجعلني أفيق ...
أريدك بجواري يا أنس .. فلتعدني كأني أدخل في الإسلام لأول مرة .. ولترشدني إلى تعاليمه ...)) ..
قال أنس (( لا تقلق يا سامر .. الله عز وجل رحمته أوسع مما تتخيل .. ولابد أن هذه الحادثة كانت لإنتشالك مما كنت فيه .. فلتحمده سبحانه عليها .. وأنا معك ولن أتركك أبدا ...))
***********
كانت أسماء تحمل صينية وقد رص عليها أشهى الأطعمه وهى داخلة إلى الحجرة
التى بها سامر ...
ونطق أنس قائلا..(( أمى أصرت على أن تقدم لك الطعام بنفسها...)) .... ابتسم سامر بود وقال ..(( العائلة كلها لا أحمل لها سوى الشكر الذى ينطق به كل ذرة فى كيانى ..))..وضعت أسماء الطعام بجانبه ونظرت له..كانت مما عرفته لما أصابه ..وتجاهل أهله له يثير بقلبها الشفقه نحوه.. لذلك أصرت على أن تقدم له الطعام وتطيب خاطره بكلمات ...
كان مشهد الضمادات التي تحيطه جعل قلبها يرق له وشعرت أنها تريد أن تضمه إلى صدرها كما تضم أنس إليه وتربت على رأسه وتمنحه من الحنان ما فقد...
جذبت أسماء مقعدا وجلست بجواره وقالت له ..
((أريدك يا ولدي أن تشعر بأنك بين أمك وأبيك وأخوتك .. وتكف عن لهجة الشكر هذه وهيا تناول طعامك جيدا .. فالغذاء الجيد يساعد على إلتئام جروحك )) ...تناول سامر قطعة من الطعام الذي أمامه وقال باستمتاع ...
(( أقسم أني لم أذق طعاما أشهى من هذا أبدا ...)) ..
قالت أسماء ضاحكة ..(( لا تبخس أمك قدرها .. فحتما هي طاهية ماهرة ..)).
إكتست ملامح سامر بالأسى وقال بمرارة ..(( أمي !! إنها لا تدري أي الطرق بالمنزل يؤدي إلى المطبخ ..ولكنها تعرف جيدا كيف تتزين وما هي آخر خطوط الموضة العالمية ...))..
قالت أسماء بجدية ..(( لا تتحدث عن أمك هكذا أبدا .. وكفاك أنها السبب في مجيئك إلى الدنيا ..)) .
وقالت محاولة تغيير دفة الحديث ..((ما هو مشروبك المفضل كي نعده لك ؟..))
**************
مر أسبوع على سامر لم ير أروع منه فى حياته كلها... حنان لم يعهده..أوربما لم يتذوقه ..إلتمسه من هذه الأسرة الصغيرة ...
يحي ... كان يعامله كأنه أحد أولاده وبحب صادق ولم يكن ينام إلا عندما يطمئن عليه و يربت على رأسه ...
أسماء ... محيط من الحنان .. بل هي الحنان نفسه .. كانت تعد له طعاما ربما لم تعده لأسرتها من قبل .. وكانت دائما تصر على تقديمه إليه بنفسها والإطمئنان على أنه قد نال إعجابه ..
أنس ... القوة الإيمانية الفتية .. وبنك المعلومات المتحرك .. لم يبخل على سامر بمعلومة في أي مجال .. فقد كان يحمل ثقافة لا مثيل لها .. وقد أفاض على سامر من بحر إيمانه ... وكل يوم يمر كان يرقى بسامر إلى أفق جديد لم يدركه من قبل ..
أماني ... الواحة الوارفة الظلال .. والنسمة الرقيقة .. جلستها الصباحية ينتظرها سامر بلهفة لا مثيل لها ... ويظل يتطلع إليها وإلى وجهها السمح الرقيق ويستمع إلى صوتها الشجي الذي يشعره أن القرآن إنما ينزل في هذه اللحظة .. وأنها إنما هي إحدى الملائكة التي تتلوه ...
كان سامر يتمنى ألا تنقضي هذه الأيام أبدا ..
كان يرجو ألا تلتئم جروحه كي يظل أطول مدة ممكنة معهم ...
كان ترابطهم وشدة حبهم لبعضهم البعض يدهشه .. ربما لأنه لم يعهد ذلك من
قبل ...
وفي كل يوم يمر ..كان يرصد بعينيه وعقله ما يدور حوله .
**************
(( حسبنا الله ونعم الوكيل ... ))
نطق أنس بها وعينه تفيض بالدموع بعد أن استمع إلى نشرة الأخبار التي تبثها إحدى وكالات الأنباء العالمية ...
كانت الأنباء تحمل تفاصيل إحدى المجازر التي تعرض لها المسلمين في إحدى بلاد البلقان ..
نظر سامر إليه بتعجب وقال .. (( ما الذي يبكيك بهذه الدرجة ؟! ))
قال أنس بانفعال .. ((أما سمعت بما حدث للمسلمين هناك ؟! .. أرأيت عدد الأطفال الذين ذبحوا أمام آبائهم ... والنساء اللاتي أغتصبن على مرأى من أزواجهن .... هل ترضى بذلك لأهلك يا سامر ؟ .. إنهم مسلمون بنوا عقيدتنا وما يمسهم يمسنا ..)) ..
شعر سامر بصدق أنس التام في كل ما يقول .. وأنه يعبر حقا عمل يجول بصدره ... ولكنه قال متسائلا ..
((ولكن هؤلاء الذين يملئون الصحف صراخا وعويلا على مذابح المسلمين ومآسيهم .. ماذا فعلوا لهم ؟؟ .. إنني أظن أنهم يتسترون خلفها لينالوا أغراضا أخرى خبيثة )) ..
إعتدل أنس وقال في إهتمام ...
(( يكفي ما فعلته لجنة الإغاثة الإنسانية التابعة لنقابة الأطباء ..
فهي أول من سارع لتقديم المعونات للمسلمين في البوسنة والهرسك ... فقد أقاموا مشروعا يسمى } مشروع الخشب { يقوم بجمع التبرعات البسيطة وتقديم ما يمكن المسلمين من الحصول على الدفء من البرد القارص وسط الجليد هناك ..
وأقاموا أيضا .. مشروع كفالة أيتام البوسنة ..
فكانت لديها إستمارات .. كل إستمارة بها بيانات أحد هؤلاء الأيتام مع صورة له .. وإذا أراد أحد المسلمين كفالته يقوم بعمل تعاقد مع اللجنة .. ويدفع قيمة الكفالة الشهرية ... وتقوم النقابة بالباقي ..
وكذلك .. من المعروف أنه في الحج يضيع أغلب ذبائح الهدي ويتلف لعدم وجود
أو صعوبة الحصول على مستحقيها هناك ...
قامت اللجنة بعمل مشروع آخر لنقل هذه الذبائح إلى هناك ...
لقد قال أحد المسؤلين البوسنويين وقتها .. (( والله لولا لجنة الإغاثة هذه لقلنا أنه لا يوجد مسلمين يشعرون بنا ..))
وعندما وقعت مذبحة الخليل التي قتل فيها المسلمين في فلسطين أثناء سجودهم في فجر رمضان على ايدى اليهودي القذر( جولدشتاين ) .. كانوا أول من سارع لمنح المساعدات لأهالي الشهداء ..
وهنا في مصر .. عندما وقع زلزال عام 1992 م .. أول جهة رسمية انطلقت ونصبت خيامها للمنكوبين .. كانت أيضا هي لجنة الإغاثة الإنسانية ..
وغيرها ..وغيرها الكثير .. ولكن التعتيم الإعلامي والتشويه المتعمد يجعل قيمة هذه الأعمال غير مدركة ...
ولكن قبل كل شئ .. هي لوجه الله .. واستشعار حقيقي لما يحدث لهؤلاء المسلمين ومحاولة تقديم ما بالأيدي لهم ))
سكت سامر ولم يستطع أن يفه بحرف .. ونظر إلى أنس وقال ..
(( ولكن أليس هؤلاء هم أنفسهم الذين يوجهون الضربات والتفجيرات ضد شعبنا المصري المسالم .. وكذلك ضد السياح لضرب أحد مصادر إقتصادنا الهامة ؟! ويقومون كذلك بتكفير المجتمع كأنه لا يوجد مسلمون غيرهم !! ))
إبتسم أنس بود وقال .. (( إعلامنا يخلط الصالح بالطالح .. ويضرب المحسن بما فعله المسئ ... أخبرني أولا يا سامر .. ماهي معلوماتك عن الجماعات الإسلامية ؟؟ ))
قال سامر ببساطة .. (( كلهم فكر واحد ومنهج واحد .. ألا وهو التعصب الأعمى والفكر الضال المبني على العنف .. ))
تنحنح أنس وابتلع ريقه وبدأ شارحا يقول .. (( يجب أن تقرأ من عدة مصادر كي تعرف الحقيقة يا سامر ..ولا تسلم عقلك لمصدر واحد .. ولا تجعل نبع معلوماتك إتجاه منفرد ...
عموما اخبرك بما عندي وأنت يجب أن تستوثق منها .....
الجماعات المتواجدة على الساحة الآن تنقسم إلى ثلاثة أقسام ... القسم الأول يفضل العمل المسالم ويكون جل تركيزه هو المحافظة على السنة ومحاربة البدع والبحث في الأمور العقائدية ... وبعضها يغالي في التشدد ..
القسم الثاني وللأسف هو السبب في هذا التشويه المتعمد لكل الإتجاهات الأخرى فهو قد نهج منهج العنف كما تقول أنت وذلك عن فهم خاطئ لبعض أحكام الدين.. وهم للأسف يسيئون للإسلام أكثر مما يتصورون ....
والقسم الثالث هو تيار يمتاز بالوسطية والإعتدال ... فهم الإسلام فهما كاملا شاملا .. لم يأخذ منه الجانب العقائدي فقط أو الجانب الحركي وحده ...
فقد عرف أن الإسلام دين حركي شامل لكل مقتضيات الحياة وأنه دين الخلود .. وعملوا بهذا الفهم وانطلقوا به في كل مجال محققين كل المعاني التي يؤمنون بها والتي هي نفسها تعاليم الإسلام ولكن عن فهم عميق له ...
وهم الذين يحاربون محاربة شرسة ويتم تشويه أعمالهم وأهدافهم بقوة ... ويكفيك أن تقرأ تاريخهم في كتاب } أحداث صنعت التاريخ { للأستاذ عبد الحليم محمود وهم أنفسهم الذين يهتمون بكل القضايا المحلية والعالمية ....
إنني أقول لك يا سامر ... إقرأ وسع إمكانك .. وببصيرتك حتما ستصل إلى الحقيقة ..))
***************
(( كفاك تذويبا لقلبي ..... ))
نطق بها سامر وهو يتطلع إلى أماني في جلستها الصباحية ...
فقد أصبحت هذه الجلسة كالدواء الذي يذهب بأسقامه وإن توقفت هلك وأنتهى ..
كان قلبه ينبض في عنف حين يراها .. ويظل محافظا على دويه طوال جلستها وجسده يرتعد في نشوة ...
ويظل يسبح بخياله ووجدانه معها بعد إنصرافها إلى أن تحين الأخرى ..
لقد تذوق قلبه الحب النقي لأول مرة .....
كم أوهم الفتيات بحبه لهن .. إنه لا ينكر أنه كان ينجذب لهن .. ولكنه إنجذاب إلى مثيراتهن الأنثوية من جمال وفتنة وغيرها ..
أما هذه ....
إنه ينجذب إلى نقائها .. لملائكيتها .. لها كلها بلا تجذء ..
إنه يحب حبا تمكن من كيانه وأسر عقله واحتواه .
إستدارت بوجهها قليلا فبدأت تحجب عنه .. فحاول أن يتحرك قدر إمكانه كي يستطيع رؤيتها .. رفع يده فإذا بهاتصطدم بضفة النافذة فتنغلق في عنف محدثة صوتا مدويا ..
نظرت أماني نحوه في فزع .. فاكتشفت أنه يطل عليها .. فوضعت يدها على وجههاوقامت مسرعة إلى الداخل ...
في حين ضرب سامر النافذة برأسه في حسرة وقد أيقن أنها المرة الأخيرة التي سيراها فيها ..
*****************
(( إنها مهندسة كمبيوتر ... ))
نطق بها أنس مجيبا عن تساؤل سامر الذي كان يستفهم عن مهنة أماني ...
فقال سامر في دهشة .. (( مهندسة كمبيوتر !! .. أليست منتقبة ؟! ))
قال أنس .. (( وما العجب في ذلك ؟! هل النقاب يمنع العلم والتفوق فيه ؟ ..
بل التي ترتدي نقابا حتما تفقه تعاليم دينها جيدا وأن منها طلب العلم النافع .. وأن المسلمين يجب أن يكونوا في مقدمة الأمم في كل مجال كما كانو دائما ...
وانظر بنفسك في كليات الجامعة تجدهن في كليات الطب والهندسة والصيدلة وغيرها ... وبالطبع يكن متفوقات .. ))
قال سامر ..(( لست أنكر أني كنت دائما أستشعر أن هذا النقاب إنما يجعل الغطاء على عقولهن الخاوية .. فلا يدرين شيئا سوى تعليمات التعصب الأعمى .. ))
إبتسم أنس وقال .. (( أكرر عبارتي الدائمة .. تشويه متعمد .. ))
قال سامر وكأنه قد تذكر شيئا ما .. (( لدي أحد أجهزة الكمبيوتر وهناك مشكلة دائما تواجهني أثناء العمل عليه .. أليس من الممكن أن أتحدث إليها وأعرف حلا لها ؟ .. ))
نظر أنس نحوه وظن أنه غير مصدق لما قال وإنما يريد أن يتأكد بنفسه .. ففكر مليا وقال .. (( لا مانع .. أعتقد أنه بإمكانك السير الآن .. في المساء إن شاء الله سنهبط إليها وتعرف ما تريد .. ))
******************
حجرتها أنيقة رقيقة .... ومليئة بالأعمال اليدوية التي توحي أنها أنثى لديها حس فني بارز ... وفي أحد أركانها يوجد الجهاز ..
وعندما بدأ سامر في إستعراض مشكلته قال ..
.. (( إنني أواجه مشكلة في عدم قدرتي على تحويل برنامج } باسكال {
مثلا ثم تعريبه عن طريق النافذة4 .. وعند تحويله لبرنامج تنفيذي لابد من تحميل برنامج النافذة4 ... فكيف أستطيع حل هذه المشكلة كي يعمل البرنامج تلقائيا دون تحميل النافذة4 ؟؟ )) ..
تنحنحت أماني وقالت في خفوت ..
(( من المعروف أن برامج التعريب مثل } النافذة4{ تقوم بتحميل نفسها في الذاكرة وتظل مقيمة فيها كي يتمكن المبرمج من إستخدام اللغة العربية ..
وتقوم هذه البرامج باستبدال بعض الحروف الغير مستخدمة بالحروف العربية عند تحميلها في الذاكرة ... وهكذا
فلكي يتم تشغيل برنامجك بنجاح يجب أولا تحميل برنامج التعريب ثم تشغيل البرنامج .. ويبدوا أنك لا تقوم بتحميل برنامج التعريب قبل تحميل برنامجك .. لذلك فإن البرنامج لا يعمل كما يجب ..
فإذا كنت تريد تحميل النافذة يدويا قبل كل تشغيل للبرنامج الخاص بك فيمكنك إستخدام ملفات الدفع {batch files } ... فمثلا إن كان البرنامج الخاص بك يسمى { myprog.exe } والملف المطلوب تشغيله لتحميل النافذة هو {naf.com } فيمكنك إنشاء ملف نصي .. {text file } وكتابة السطرين التاليين فيه ... naf
myprog
ويمكنك أن تسمي هذا الملف {run.bat } وهكذا كلما كتبت كلمة { run } وضغطت مفتاح الإدخال يقوم النظام أوتوماتيكيا بتحميل برنامج التعريب ..ثم تشغيل برنامجك.. ))
نظر سامر نحوها منبهرا وقال (( يالك من عبقرية !! )) .
وظل يسألها وهي تجيبه وأصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح في سرعة وبراعة
كان سامر يحاول إطالة الحديث قدر إمكانه .. فهو يعلم أنه من الصعب ان يراها أو يتحدث معها بعد ذلك ...
وحين إنتهى الحديث ..
كان الفراق أشبه إليه بنزع قلبه من صدره ...
نظر نحوها ... كان يتمنى أن يخترق نقابها ببصره وإن كان يحفظ ملامحها عن ظهر قلب .... وأخيرا قال في ألم ... (( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))
ردت عليه السلام في خفوت ...
ولكن نبراتها مازالت تسكن أذنه حتى الآن ...
**************
كان سامر قد بدأ يتماثل للشفاء ...
وكان أكثر ما يسعده شفاء روحه .. لقد طهرت تماما من الأدناس .. فقد شعر أنه قد ولد من جديد .
لقد تذوق من قبل كل المتع المحرمة وغير المحرمة .. ولكنه يقسم أن متعة القرب من الله عز وجل لا تدانيها متعة أخرى .
فياله من إحساس رائع حين ترفرف بروحك في الفضاء ..
ويالها من نشوة حين تنام وأنت تشعر أن كل ذرة وخلية بك .. راضية عنك .
لقد إغتسل سامر جيدا .. وارتدى ثوبا جديدا صنع من الطهر والإيمان ..
وأهلا بعهد جديد ....
وفي إحدى الليالي .. كانت الساعة متأخرة من الليل .. وكانت النافذة التي بجواره مفتوحة والقمر أمامه مباشرة ... أخذ يتطلع إليه بنشوة واستمتاع ..
إكتشف سامر أن بداخله مشاعر رومانسية جميلة ولا مثيل لها .. ربما يكون قد إكتسب ذلك منها .. من أماني .. التي لم يعد يراها منذ إكتشفت رؤيته لها .
فأسماء أصبحت هي التي تطعم الدواجن .. وربما تكون أماني تشاهد الشروق في أي مكان آخر غير هذا الموضع .. أو علها لم تعد تشاهده بسببه ...
كم آلمه عدم رؤيته لها ... كم يوجعه مغيبها عنه ...
أخذ يسرح ببصره ويتذكر جلساتها السالفة ويستعيد تفاصيلها ... وكلما إستعاد لمحة .. إستعر اللهيب بداخله ..
أخذ يفكر ترى ما الذي يطفيء هذا اللهيب ؟؟ ... لم يجد سوى أن يذهب ليتوضأ ويصلي ركعتين عسى الله أن يخفف ما به .
قام متهاديا وسار ببطء إلى الحمام المتواجد بالمنزل ..
وإذا به وهو يتهادى .. يجد إحدى الحجرات ينفذ عبر فرجات بابها الضوء .. كانت في طريقه أثناء ذهابه لما يريد .. وعندما مر أمامها .. وكأمر فضولي .. تطلع عبر الفرجات ... فوجد الحجرة تضم جمعا من الرجال مع يحيى .. كان أغلبهم من الملتحين .. وكانو يتحاورون في أمر ما وباهتمام شديد .
كانت فرصة ذهبية ليستطلع ويعرف لأي شيء يدبرون .. وبعيدا عن المحاضرات التي ألقاها على سمعه أنس .. سيعرف كل شيء عبر الواقع ...
كان صوت يحيى مميزا وهو يقول : (( وبالطبع في رمضان المقبل لابد وأن نكثف الدروس الدينية التي تبصر الناس بأمر دينهم .. ففي هذا الشهر تكون الأنفس متقبلة ونازعة نحو الخير ... وبالنسبة للمثقفين سنحاول أن نصدر لهم كتيبا يحوي أغلب الأحكام الشرعية المتعلقة بشهر رمضان من صيام وقيام وغيره ولابد وأن نركز على أحكام الزكاة .. فأغلب الناس يجهلون نصابها سواء كانت زكاة فطر أو مال أو غيرها ))
أكمل آخر الحديث قائلا : (( أرجو أيضا ألاننسى الأيتام والأسر الفقيرة .. فيجب أن نشكل لجنة تجمع التبرعات لنأتي بهدايا لهؤلاء الأطفال ومساعدات لأسرهم .. حتى لا يمر عليهم رمضان والعيد وهم ينظرون إلى غيرهم يتمتعون بالجديد في حين أنهم يشكون الجوع والبأس .. ))
كان الحوار بأكمله يدور حول سبل إحياء النزعة الدينية لدى أهل القرية ومحاولة مساعدة المحتاجين بها ..
وفي النهاية قال يحيى : (( حسنا بالنسبة للمبالغ اللازمة لللافتات والكتيبات التي سنصدرها .. سنجمع تكلفتها منا الآن ... اما الهدايا والمعونات التي سنقدمها .. سنحاول أن نقنع أغنياء القرية ذوي الكرم والمروءة ليتبرعوا لها .. وبالطبع سنشترك معهم لأنه ثواب عظيم يجب ألا يفوتنا .. والآن فلنقسم العمل علينا .. ))
إنطلق سامر بعد أن إكتفى بهذا الحديث ..
وبعد أن عرف لأي شيء يخططون .. ومن أين تأتيهم التمويلات .
كانت دموع سامر تسيل بإنهمار وهو يحتضن أنس ويقول له :
(( أقسم لك يا أنس أني لن أنساك أبدا ما حييت .. لقد أعدت إلي الحياة .. فأنا لم ولن أجد لك مثيلا .. فأنت متفوق في دراستك .. مثقف الفكر .. قوي الإيمان والعقيدة والبدن .. نافع لمجتمعك .. تجاهد كل الأهواء .. أنت مثال للمسلم الحق .. أدعوا الله عز وجل أن أكون مثلك . ))
لم يستطع أنس أن يحبس الدمعة التي في مقلته وقال :
(( أنت ياسامر أخي .. وحتما لك بقلبي مقدار غير هين من الحب فلا تنساني من دعائك أبدا .. ))
وربت على كتفه وقال : (( هيا .. فأبي وأمي ينتظرونك بأسفل .. ))
هبط سامر برفقة أنس .. ووجد يحيى وأسماء في انتظاره .. نظر إليهما بتأثر ..
ثم لم يلبث أن إندفع ملقيا بنفسه في أحضان يحيى ودموعه تسيل في غزارة وقال
(( أنت نعم الأب ورب الأسرة ولن أنسى أبدا ما أفضته علي من حنان ورعاية ))
ربت يحيى على كتفه برفق وقال : (( إعلم يا ولدي أن بيتي مفتوح لك أبد الدهر
وأسرتك هنا تنتظرك وقتما تحل وحينما تريد .. ))
قال سامر في إمتنان : (( أشكرك كثيرا جدا يا أبي .. أرجو أن تسمح لي بنطقها لأني أستشعرها بأعماقي يا أحن أب في الوجود .. ))
والتفت سامر ناحية أسماء التي إبتسمت بود وقالت :
(( لقد علمت من أنس أنك ولدت معه في يوم واحد .. وبهذا فإني أعد نفسي أنجبت توأما .. أنت وهو ... وها هي أمك تقول لك : إئت إلينا كل عام ولا تنسنا أبدا ))
إبتسم سامر بحزن وقال :
(( كم أتمنى لو كنت أنتمي إلى هذه العائلة .. عائلة نموذجية حقا تحمل من الإيمان والمثالية ما لو تحقق في كل الأسر .. لساد المسلمون الأرض وملكوا العالم أصبحو أساتذة له ...
والآن أقول لكم وقلبي ينزف : إلى اللقاء وأنتم بقلبي دائما ... ))
وانصرف سامر ولم تتحقق له أمنية كان على أتم الإستعداد لبذل شطر عمره مقابل تحقيقها .. ألا وهي أن يراها ولو من بعيد ...
أن يرى من منحت قلبه مصدرا للطاقة الأبدية وأعطته سر الخلود ... إنها أماني ...ولكنها أمنية لم تتحقق ...
إنطلق سامر عائدا إلى القاهرة بعد أن تعافى ...
وكان هذا هو آخر يوم له في الرحلة .