الفصل الثاني
(ص31-33)
{متى عرفت "مكسيم"؟ أمنذ سنتين؟ ثلاث سنوات؟ كان ذلك خلال منتصف الصيف، وكنت كعادتي في فترات بعد الظهر من شهر آب، أتمشى في شارع "السان جرمان"، أسعى
إلى الجلوس في إحدى شرفات المقاهي العديدة التي فيه.
كنت قد تعودت، في الفصول الباردة من السنة، ألا أرتاد من المقاهي سوى "الفلور"، في إطارها الخاص القديم، أو "الدوماغو"، لما كان يتنادى إليهما من شخصيات
الفن والمسرح! أتسلى بمشاهدة تلك النماذج الإنسانية الطريفة عن كثب، بمراقبة حركاتهم.. وأتعرف أحياناً إلى من كنت في شوق للتحدث إليهم، أو أكتفي بمراقبتهم
من بعيد!
أما في الصيف، أثناء شهر آب بالذات، فلقد درجت باريس على أن تغلق معظم مرافقها، ومؤسساتها، في عطلة طال ترقبها! يهجر الباريسيون مدينتهم المحبوبة، فلا
ترى في شوارعها سوى السواح.. يقصدون هذين المقهيين، أوغيرهما مما ذاعت شهرته الفنية، يتراصون داخل المقاهي.. وعلى شرفاتها.. منتظرين وصول أهل الفن، وهؤلاء
لاهون عنها، يستجمون، ويمرحون على شواطئ فرنسا! فلا يشاهد السائحون، سوى غيرهم من السواح، يكاد حوار المتسامرين منهم يجري في جميع لغات أهل الأرض، ما
عدا الفرنسية!
بُُعَيْدَ ظهيرة ذلك النهار، وصلت قبل غيري من المتسابقين إلى منضدة خالية على رصيف مقهى "الفلور"، شغرت لحظة بلغتها. فجلست، رافعاً وجهي، مغمضاً عيني،
أتلقى أشعة الشمس، أستريح برهة، أتهيأ لقراءة صحيفتي اليومية..
لحظات، وإذا بصوت آلة اﻠ "أورغ دي باباري" ينبعث من مكان غير بعيد عني.. أسمعه عبر أصوات الناس، ومن خلال هدير محركات السيارات، فأنسى أنني في صيف عام
1951 ! أنسى أن باريس قد تحررت من الاحتلال النازي، وأن ست سنوات بكاملها قد انقضت على انتهاء الحرب!! تعيدني موسيقى تلك الآلة إلى سني الحرب، فأحس أن
من يتكلمون الألمانية حولي، هم جنود احتلال نازيون، أكاد أنسى أنهم سائحون، تناسوا ما خلفه أبناء أمتهم من كره وحقد في نفوسنا! عادوا مع زوجاتهم وأولادهم
اليوم، يحتسون الجعة على شرفات مقاهينا! لاهين عما لا يزال يغلي في نفوس معظمنا من ضغينة، وحقد عليهم!
كان صوت اﻠ "أورغ دي باباري" يأتيني كناي سحري، يردد أغنية باريسية قديمة: "تحت جسور باريس".. فأعود مع كلمات تلك الأغنية إلى أيام طفولتي.. أيام الاحتلال
المريرة.. حين باتت أمثال تلك الأغاني رمزاً، كنشيد "المارسيّيز"، يثير سماعها في نفوس الفرنسيين شوقاً إلى باريس الحرة النضرة، التي لا تعرف للحياة من
قانونٍ، سوى الحب والمرح!
كنت قد لمحت عازف تلك الآلة مراراً، في الحي اللاتيني، وكنت أعرف أنه وسيم الطلعة، طويل القامة، فرحت أتصوّره وأنا مغلق العينين.. لكم راودتني فكرة التعرف
إليه! هممت بذلك مرات! أتراجع دوماً، في اللحظة الأخيرة، أخجل من تلك المبادرة، أنتحل لنفسي الأعذار، فأثنيها عن محاولة الاقتراب منه!
كان في ودّي أن أكلمه، ولم أكن أدري متى، أو كيف أبدأ! أحين يدنو مني غير عابئ بأحد؟ متقلداً ابتسامته الساخرة، الحزينة، مادّاً قبعته البحرية، لأضع له
فيها قطعة النقود الصغيرة، كسائر الجالسين من حولي؟ كان الكثيرون يتبسّمون له في مودّة ظاهرة دونما حرج.. يجزلون له العطاء، يطرحون الأسئلة عليه تباعاً،
فيجيبهم، في لهجة عابثة، عابرة! أمّا أنا، فكانت رغبتي في التعرّف إليه تحدّ من حرية تصرفي إزاءه! أرى في زيّه البحري، وفي تلك اللفافة أمامي!! كيف أكلمه؟
وأنا لا أجرؤ حتى على النظر إليه صراحة! كيف أتغاضى عن نظرات مَنْ حولي من الناس؟ هل ألحق به حين يبتعد عن المقهى؟ لا بدّ أنني أكبره بأعوام! كيف سيبدو
مظهرنا للمارة؟ هو، في لباسه البحري، وبطابعه البوهيمي.. وأنا، في ثيابي المدروسة الأنيقة؟! لا تكاد هذه التساؤلات تدور في خاطري، حتى أتراجع عن أية مبادرة
من هذا القبيل! أحسد جرأته في الظهور، في شارع عام، وتحت أنظار الجميع، في ذلك الإطار الذي كنت أتمنى، في سرّي، لو أظهر ضمنه!
وتضخّمت أفكاري عنه في رأسي! يا له من فنان افرنسي حق! إنسان بوهيمي، لا تهمه المظاهر! ولا يشكو من عقد نقص اجتماعية، أو من قيود السلوك مثلي! يمدّ يده،
دونما مواربة أو استحياء، يطلب أجره على ما أسمعنا إياه من موسيقى! ولم لا؟ إنما، هي موسيقاه، قبل أن تسمعها باريس، ومن بعدها، عواصم العالم! لا بدّ أنه
من "مينيلموتنان"، قلب باريس الدافئ، وهذه ألحانه، ألحانها، إذا تجمّع الفنانون، في "الفلور" فللتحدث عن هذه الموسيقى، للكتابة عن أمثال هذا البوهيمي
من الأصيلين.. لنقل وقائع حياتهم اليومية إلى خشبة المسرح، للتمثّّل به.. فالناس يدرسون الفن سنوات ليحاكوا، بالتمثيل، ما يعيشه أمثاله في تلقائية، وعفوية!
فتحت عيني، وقد اقتربت ألحانه مني.. معجباً به، ناقماً عليه، لما وضعه هو، أو العرف الاجتماعي، من فوارق بيننا! حواجز، تحول دون أن أطلب منه الجلوس إلى
مائدتي! دون أن نتمشى معاً في دروب باريس القديمة المنسية، يطلعني على ما يعرفه من ماضيها، يدلّني على أجواء لها، لا يمكن لمثلي، ممن يرتدون ربطات العنق
الأنيقة، أن يتعرفوا يوماً إليها!
كانت ترافقه، على الدوام، فتاة بوهيمية، طويلة القامة، سوداء العينين وجدائل الشعر، يلف جسدها الفتيّ زيّ أسود يحاكي طريقته البوهيمية في اللباس! وقفت
إلى جانبه تبيع رسوماً مائية، استحسنت صنعها، فما إن علمت أنها من رسم ذلك العازف، حتى أُعجبت لموهبته، وما كنت أظنه رساماً، فابتعت عدداً وفيراً منها..}
images/clip_image