الفصل الخامس

6 0 00

الفصل الخامس

(ص93-99)

{ملهى "التابو"، نفق ذو سقف على شكل قوس مكسورة، بني تحت أحد مباني الحي اللاتيني القديمة، وظلّ مدة عشرات السنين، مستودعاً، لا تصلح برودته لغير حفظ

النبيذ، حتى تقرراستثماره، بعد الحرب، كملهى ليلي للوجوديين، ولم تكن فكرة استغلال مثل هذه الأمكنة القديمة قد طرأت على بال أحد!

لو كنت أكتب عن "التابو"، أثناء سنيّ مجده، لرأيت فيه كعبة الوجودية، ولرأيت في الوجودية، تلك.. محط أنظار الشباب، ومحراب ثورتهم الفكرية، ثم أمل الفنلنين،

والشعراء الجدد، في الخروج من دائرة الرتابة والتقليدية، التي كانت "باريس" تسعى للخلاص منها بعد الحرب! أما اليوم، وقد شاعت فكرة استغلال مثل هذا الكهف،

للتسلية الليلية.. حتى اكتظت بأمثاله باريس، ومن بعدها، معظم عواصم العالم، فلم يعد لوصف "التابو"، أول هذه الكهوف، من معنى!

يحار المهندسون اليوم كيف يزينون مثل هذه الكهوف، لاعطائها اللمسة العتيقة الأصيلة.. تراهم يقومون بنفس الاكتشافات، يكررونها حتى صار الإنسان إذا دخل

أحدها، ظنّ نفسه، في أحد أقبية القلاع القديمة.. أو في أحد "الصالونات" الحديثة الفخمة!

لعل سرّ "التابو"، الذي لم يعرف كيف يقلده أحد، كان في انعدام الزينة منه كلياً، لا في البساطة الساذجة.. ولا في الإكثار من الزينة المتكلفة! ففي أيام

"التابو" الأولى، تُركتْ جدرانه الحجرية على ماعمّرها البناء، وعلى طول طرفي تلك الجدران، مدّ صفان من المقاعد الخشبية البسيطة، يقودان النظر إلى نهاية

الكهف الضيقة، حيث رفعت منصة متهالكة صغيرة، كان يتناوب الوقوف عليها فنانون، يقومون بأداء ما عندهم، لا غرف خاصة لهم، يتهيؤون فيها قبل الخروج إلى الجمهور،

كما هي العادة اليوم، بل، يخرجون من بين صفوف المتفرجين.. يتركون رفاقهم، برهة تأدية أدوارهم، ليعودوا إلى الجلوس معهم، بقية السهرة، يشاهدون من يليهم

من فنانين!

دخلنا "التابو"، تلك الليلة، نبحث في عتمته عن "جينيت"، و"باتريس"، وإذا بهما مع بقية أفراد الثلة، يومئون لنا أن نسرع إلى حيث جلسوا! كانوا قد بدؤوا

شرب النبيذ، يضحكون، ويتسامرون، إلا "باتريس"، فقد جلس واجماً.. يبتسم.. بين الفينة والأخرى.. يتفحّص من حوله، في صمت، ثم يعود إلى وجومه..

همست "جينيت" في أذن "مكسيم"..

-.. إنه على هذه الحال منذ الصباح، منذ أن ذهبت "آني" مع "بيبيتا"! ولقد بحث "جون" عنهما.. فلم يجد لهما من أثر؟

-.. وهل علق على ما شاهده من وضعنا في غرفتك؟

-.. لا! لكن وجومه زاد حين وصلنا هنا.. ولم يجد "آني"! لا أحد، حتى هنا، يعرف أين اختفت "بيبيتا"!

أُضيء النور الكاشف.. وخرج أحد الشبان إلى المنصة..

أنزل قبعة "البيريه" عن شعره الأشعث، بكلتا يديه، فتساقطت خصلات على جبينه المقطّب.. رفعها عن عينيه، وقال..

- سألقي عليكم.. شعراً.. عن الحب..

وتكلم عن الموت، والحرب، والنار، والدم!

كان الجمهور ينظر إليه متعاطفاً، مشفقاً على ارتباكه، وما ندّ عن جبينه من عرق.. فما أنهى "قصيدته" حتى علا التصفيق..

هزّ الشاب رأيه، متأسفاً لحماسة الجمهور، وقال..

-.. كنت على وشك أن ألقي عليكم قصيدة أخرى! أما الآن، فلا! لو أنكم فهمتم.. قصيدتي الأولى.. لبكيتم، ولما صفقتم!

ونزل عن المنصة.. وعاد إلى مائدته متأثراً، حزيناً.. فعلا تصفيق الجمهور، أكثر من المرة الأولى!!

وتتالى العرض.. يتخلله غناء، وإيماء، وهزل، ومأساة.. ولا من "بيبيتا"، التي جئنا نسمع غناءها!

رحت أبحث عنها بين الحاضرين، بعيني، آملاً أن تكون قد وصلت.. فلم أجدها.. عُدنا إلى العرض، ثم إلى البحث من جديد! يفتش كل منا بدوره عنها، يودّ ألا ينتبه

الآخرون إلى ما يساوره من قلق.. دون جدوى.. حتى جاء صاحب "التابو" نفسه.. يبدي قلقه لغيابها، ويسائل "جينيت" عنها..

أجابت هذه، دون اكتراث..

-.. "بيبيتا"؟ لم أرها منذ الظهيرة!

- لكن دورها قد اقترب! إن عليها أن تغني قبل "جولييت" كما تعلمون! وإلا بدا للجمهور أنها تتقدم عليها في المكانة!

وأردف في خبث، طغى على قلقه..

-.. وهذا ما لا تقبله صديقتكم، "ملكة النحل" الشهيرة!!

ونظر إلى حيث كانت تجلس "جولييت كريكو"، في زيها الأسود الشهير، شعرها يتهدل على جبينها وكتفيها! يحيط بها عدد من الشبان، في مثل سنها.. يحاولون الظهور

على مثل مستواها الفني، لا سلاح لهم في ذلك سوى مظهرهم الغريب، ونظراتهم وحركاتهم المبتكرة!

وتتابع العرض..

غنى عدد من الفتيات، بمصاحبة ثلاثة عازفين، كانوا يجلسون قرب المنصة، أغاني من القرون الوسطى، أثار صفاء كلماتها وألحانها، في نفوسنا، حنيناً حزيناً،

إلى حب لا نعرفه اليوم!

ثم قام من أدّى مقاطع من مسرحية "هملت".. ألقى فيها دور "أوليفيا".. في طريقة مذهلة.. وإذا بحبيبة "هملت"، التقليدية، العفيفة، التي يعرفها الجميع، تختفي،

لتظهر مكانها "أوليفيا" أخرى، شبقة، يحرّقها صدود "هملت" عن سريرها، حتى أودى ذلك بها إلى الجنون والانتحار.. كل ذلك، دون أن يحيد الممثل قيد حرف واحد

عن النص الأصلي!

قام زميل "لمارسيل مارسو" بدور إيحائي، يرسم فيه على الهواء، لوحات، أدهشنا أننا كنا نتتبع مهارة رسمه لها! نكتشف أصحابها من الفنانين، بأنفسنا.. فنصيح

إعجاباً، تارة، ﻟ "ليوناردو" وتارة، ﻟ "غوغان"، "فان غوخ".."كندنسكي".. أو"بيكاسو".. حتى جاء دور "بيبيتا"، فلم يبد لها ولا ﻟ "آني" من أثر، فتوقف العرض

بانتظار معجزة تعود بها فجأة!

جاءت الثانية عشرة والنصف.. والواحدة.. والواحدة والنصف، وما من إنسان يعرف أين اختفت نجمة السهرة الثانية.. أو يرشد عنها!

وقف صاحب الكهف، يعلن أسفه لتغيبها.. يكاد يقدّم "نجمة الحي اللاتيني الأولى.. "جولييت كريكو" فانتصب "باتريس" واقفاً! وصاح أمام الجميع!

- لا.. لا.. أرجوكم!

بدا ثملاً.. لكنه تقدّم من المنصة في ثبات، شاقاً طريقه عبر المقاعد المتراصّة.. ليقف أمام صاحب الكهف، تحت الأضواء، ويقول، وهو يرتعد ارتباكاً، في لهجة،

يحاول أن تبدو مسرحية، هادئة..

- سيداتي، سادتي..

ثم انحنى إلى الأمام، ذراعاه إلى الوراء، يمثّل دور من يرفع قبعة وهمية، ويلفها في الهواء، كما كان يفعل أهل القرون الخالية.

قال.. ينشد ابتسامة على وجهه، وجبينه يتفصد عرقاً..

-.. لماذا لا تحل الضحية هذه الليلة.. محلّ الجلاد؟!

أدرك، من في الكهف، أن أمراً غريباً يجري عل المنصة! فشدّ انتباههم.. أطبق الصمت على الجميع!

وقف صاحب الكهف، متعجباً.. ثم فتح فاه ليقول شيئاً.. وإذا ﺒ "مكسيم".. يسبقه، فيصيح..

- برافو! "باتريس"! نود مشاهدة دور الضحية!

وصفق بكفّيه مدوياً، مومئاً إلى "جولييت كريكو".. بأن تحذو حذوه.. فتُسكت اعتراض صاحب الكهف..

صفقت هذه.. وصاحت..

- لم لا؟ لقد سئمنا الأدوار المدروسة.. أعطنا ما في قلبك! "باتريس"! ابتكر!

وإذا بجميع من في القاعة يشتركون في التصفيق، متحمسين لهذا التحدي المفاجئ.. ملؤهم العجب، وكأنهم قد انتهوا من مشاهدة عرض ناجح، لا كأنهم مقبلون عليه!

أمسكت قلبي بيدي!

كان "باتريس" قد طلب من الموسيقيين عزف مقطوعة إسبانية معروفة.. فأغرقني الخوف عليه من الارتباك في حرج، واضطربت وتوثبت، وسمعت ضربات قلبي تدوّي في رأسي،

فيعلو صداها على صوت الموسيقى.. إلى أن هدأت المقدمة الموسيقية.. وإذا ﺒ "باتريس" الحييّ، "باتريس" الحائر، المتردد، يتمتم الكلمات الأولى لقصيدة "لوركا"

الشهيرة.. رثاء "اغناسيو سانشيز" التي كتبها، إثر موت صديقه المصارع في حلبة الثيران..

-.. "في الخامسة من بعد الظهر"..

وسرعان ما علت نبرته.. وانتظم صوته..

وراح يصف في تلك القصيدة مقتل الصديق الحبيب، مصارع الثيران، يلقيها بصوت عميق متين.. يعيد المقاطع مرة، بعد مرة، يتهدّج صوته، إذا ما وصف دم الحبيب،

تشربه الرمال.. وتحرقه شمس مدريد المحرقة!

ظننت أن في الأمر حيلة! توهمت أن "باتريس" قد تمرّن على أداء تلك القصيدة، لا أنه يرتجلها الآن! كدت أشك في عفوية كل ما جرى أمامي! حتى وصل صديقي، في

أدائه إلى حيث كتب "لوركا"، في نهاية المقطع، صيحة "آي".. مديدة، وكان قارؤو الشعر يلقونها في لهجة متناغمة طويلة.. يحارون كيف يقلّدون اﻠ "آي" الموسيقية

المأساوية التي تتردد في الغناء الإسباني، الملقب باﻠ "فلامنكو"..

فما إن وصل صديقي إلى تلك اﻠ "آي".. حتى أطلقها صرخة أليمة، مروعة! ممسكاً رأسه بيديه، يهزّه في عنف! يترنّح جسده.. حتى كاد يسقط على الأرض!!

أوقف الموسيقيون عزفهم دهشة لما سمعوا ورأوا!

لحظات.. وتمالك "باتريس" نفسه، بعدها، بصمت، ثم أومأ إليهم بأن يتابعوا العزف.. وبدأ المقطع الثاني، ثم الثالث.. وفي نهاية كل مقطع من هذه المقاطع، كان

يعيد صرخة اﻠ "آي".. وكأنها تتدفق دماً من فمه! حتى أكمل المقطع الأخير.. فما كاد يصرخ اﻠ "آي" حتى تهدّج صوته بأسى حقيقي.. وسالت الدموع غزيرة من عينيه!!}

images/clip_image

الفـصل السادس

(ص101-108)

{حبيبتي هدباء..

أبثك ما بي، وأنا لا أدري ما إذا كنت أودّ فعلاً أن تقرئيني!

ما إن أجلس إليك، حتى تنتابني أحاسيس أود لو أتركها طليقة، غير مكبّلة بقيود الكلام! أحاسيس إذا تداعت، تطورت ونفرت، فكيف ألحق بها وأعتقلها، وكيف أتصيدها

من آفاق النفس، وأسجنها في سراديب اللغة!

كيف أحدثك عما يجتاح نفسي من "أعاصير".. وهل الحديث إلا كلمات؟ وما الكلمات إلا أطر واهية، هيهات أن تقوى على الإحاطة بالنسمات منها!! ثم، هل تنسين أنها

أطر عربية، ابتدعتها الشمس، وصاغها سعير الرمال؟!

ماذا تعرف الصحراء عن سحر الضباب الذي يلفني اليوم في باريس؟ وكيف أُحدّث نور الشرق الساطع عن خفايا درجات الظلال الرماديّ’؟! أو أقلّب معك اليقين.. والمطلق،

عندي، غاب في نفسي، بات تابعاً لدرجات وضوح الرؤى؟!

إن تقرئي كلماتي هذه يوماً، فًتَحْتَ زرقة سماء بلادنا الصافية، أو مختبئة من رذاذ سحابة تائهة! كيف أحدّثك عن هواجس عالم قد يعيش شهوراً لا يرى الشمس

فيها! أو أسابيع، متواصلة، تحت رذاذٍ دائم!!

هدبـاء..

النور هنا، زرقة رمادية، باهتة.. ويقين الشرق، وشمسها، ليسا سوى إحدى وجهات اليقين؟!

هدباء.. هدباء!

أكاد أشدّك معي في رحلة مجهدة.. أكاد أغوص بك في أغوار لا شأن لك بها.. لكنّي بتّ موقناً أنك لن تقرئي هذه الرسالة.. فلا بأس عندي في أن أسامر طيفك، وهو

كل ما تبقى لي من ربيع عاطفة لم أعد أدري كيف تبددت، وغدوت عاجزاً عن التشبث برمالها!

من الذي يسطّر لك هذه الرسالة، في هذه اللحظة؟ ولو قدّر لك أن تقرئيها، في يوم من الأيام.. فماذا ستفهمين منها؟! رسالتي هذه ورقة بيضاء أمامك.. عليها

خطوط سوداء، متشابكة، ملتوية.. "كلمات".. ورموز واهنة.. ترمي إلى حصر ما لا حصر له من هواجس وآمال! رموز لانفعالات تسابق آفاقاً، لا سبيل إلى حصرها، تجمع

الكون، وما فيه، في رعشة!

هذا في كفة.. وفي الكفة الثانية سؤال، أبعد من ذلك، وأدهى!

من الذي يسطّر لك هذه الرسالة؟ من الذي يصوغ الرموز وينحت الكلمات؟ أنا؟ من هو هذا "الأنا"؟ في أي "مرحلة" أقع، في هذه اللحظة، من "مدى" نفسي؟

وهذا "الأنا" الذي يكلمك في هذه اللحظة.. أهو ما "أبحث" عنه في نفسي؟ أهو مصدر الينبوع؟ أولى قطرات مائه الشفافة؟ أهو "أصل" ما يمكن أن ألقبه بالأنا الأولى،

بلا زيف؟ أم هو سيل الأنا، بما يجرّه كل سيلٍ، من رواسب وحصى؟!

لا ريب في أنها مشكلة كل من يتكلم، ومعضلة كل من حاول الإيضاح عن مشاعره بالكلمات!

لكن ما تجهلينه، حبي، هو أن لصيغة الكلام، من التأثير على ماهيّة الشعور، ما للشعور، من قدرة على خلق الكلام! ولغتنا، هدباء، لا تسمح لنا بالتعبير عمّا

"فوق الأنا"! لا تعرف سوى الصور العليا التي لنا عن أنفسنا!

إن علم تركيب اللغة عندنا يشمل عالماً فسيحاً من الأطر الفوقية، أطر لا تقبل، بل لا تصلح لأن تحيط بغير صور فوقية.. لا تقبل، غيرها، من مدى لذاتها!

لماذا أحدّثك عن هذه الأمور؟ ألكي أثقل رأسك بحديث قد يبدو لبعض الناس بعيداًً عن الحياة اليومية؟

ما إن بدأت أسطر لك هذه الرسالة، وقد مضى وقت طويل على مزاولتي للعربية، حتى شعرت بثقلٍ مُرْزحٍ، ما كنت أتصور أنه جاثم على كتفي منذ أن تعلمت الكلام

والكتابة!

تسألين، أي رزحٍ؟

إنه رزح عجزي عن التحدث إليك، في البساطة، والطلاقة، التي أحدّث بها رفاقي، ومن حولي من أناس في باريس؟ أقول، التحدث، ولست أعني، الكتابة!

إن التحدث أمر، والكتابة أمر آخر!

ألست أكلمك بالعامية، حين ألقاك؟ وأكتب لك الآن بالفصحى؟ إني أعيش، في باريس، جنة لن تعرفيها في يوم من الأيام! ولن يعرفها عالمنا العربي، قبل مئات السنين!

أنها نعمة من يستطيع أن يكلّم جاره، باللغة نفسها التي يسمع بها محاضرة فلسفية، في "السوربون"! إنها "أعجوبة"، أن يطلب الجالس في المطعم، طعامه، من النُدُل،

بنفس اللغة التي يسمع بها رئيس جمهورية بلاده، يلقي خطاباً على المذياع! إنها معجزة.. أن يحدّث الفتى فتاته، باللغة التي يبادلها بها الحب، فيستعمل، في

السرير، دون تكلّف، المفردات التي يتداولها الأدباء والشعراء، في أرقى أعمالهم!

ها أنا ذا أكتب إليك، بلغةٍ ما تحدثنا بها قط! إنه "فوق الأنا"، عندي، يحدث "فوق الأنا" عندك! أجمع للوصول إليك، أطراً غريبة عن حياتي اليومية! هي أفكاري

نفسها، لا تتبدى، في العربية، إلا من خلال هذه الأطر ذاتها!

أتدرين أني أضحك أحياناً عليها، وهي تتوضح في ذهني؟! كأنها ألبسة "كرنفال".. لحفلة تنكرية.. أمتعة "دون كيشوت"! وليس لي غيرها من وسيلة للكتابة! فيصبح

لزاماً عليّ، كلما أردت الظهور أمامك ، ألا أبدو متدثّراً غيرها!! يا لي من "دون كيشوت" بائس!

هدباء،

ما إن أشرع في الكتابة إليك، حتى أراني، في قطار، يبتعد مسرعاً عنك! أعجز عن الكلام باللغة التي تفكرين بها.. فيزداد البون بيننا بعداً.. كأن قدراً ساخراً

محتوماً قضى علينا بالتنافر! وإلا، فلماذا أجدني أقرب في التعبير والفهم، إلى أناس غرباء عني؟ إفرنسيين، لا أعرفهم.. فإذا احتدم النقاش، حتى ولو اختلفنا،

أجدهم أسرع إلى فهمي منك.. أنت التي أحببت، ولا زلت أحبّ!

ها قد ألفت هنا الكتابة بالبساطة التي أحدث بها من حولي من إفرنسيين.. فما إن أعود إلى العربية، حتى أراني أبحث ذات اليمين، وذات اليسار، عن مفردات، فإذا

ظفرت بها، نفضت غبار عشرات السنين عن بعضها!

قد أعثر، في بحثي هذا، على تحف يهون التعب للوصول إليها! وبعد استخدامها، ماذا يحلّ بها؟ تغوص في عالم النسيان.. تنتظر أن أمسك بالقلم مرة أخرى، علّني

أحتاج إليها!

عالم التعبير، عندنا، مرتبط بمتحف الفصحى.. صرح أثريّ كبير، لا حاجة يومية لنا به.. متحف، نتلكأ أما أبوابه، خاشعين، وكأن من دون التمتع بأرجائه، بطاقة

باهظة الثمن! فيتعثر المعنى في نفوسنا، وقد يختنق، أو يهرم ويفنى، قبل أن تفتح له الأبواب.. قبل أن تسنح له فرصة تنشّق الهواء.. وكيف له أن يظهر وينطق،

في غير رسالة، أو مقال، أو كتاب؟!

أما هنا.. فالكلام والفكر وحدة رقراقة، في متناول الجميع! ليس عند الإفرنسي ما نعرفه نحن من انفصام بين ما يكتبه، وما يقال.. فهو يكتب ما يتكلم.. مفردات،

جلاها التداول، فغدت مشرقة ساطعة، واضحة..

أنا لا أقول إن الجميع هنا على مستوى واحد من البلاغة، أو المقدرة على التعبير! فهنا، كما في العالم أجمع، لغة صالونات، ولغة رعاع.. لغة للعمال، ولغة

للبورجوازيين! لغة للسياسيين.. وأخرى للبوهيميين! لكن بين هذه العوالم تفاوت في الغنى والصياغة، وليس في النوع! فوارق في مدى تمكن الفرد من لغته، وليس

في مدى رحابة الحيّز اللغوي ذاته، ومقدرته على سدّ حاجاته اليومية والذهنية..

لن أشرح لك أكثر من ذلك.. ليتك تدخلين معي ذات ليلة مقهى اﻟ "مابيون" الذي ألفت ارتياده.. تجلسين إلى جانبي في إحدى زواياه.. ألفّك بذراعي، كما لم أفعل

يوماً في دمشق.. فتسندين رأسك إلى كتفي ونغيب في صمت واع، ننظر إلى من حولنا، ونترقب وصول الأصدقاء!

عليك بالإصغاء لما يدور حولك، كي تدركي في لحظة معنى ما ذكرت.

أليس جميلاً أن يُسمع أي حوار، بين أي متسامرين بسيطين، بلغة "سارتر"؟ أتنصتين إلى هذا البوهيمي الأشعث الشعر؟ أليس حديثه صفحات من "كامو"؟! وغزله، مقاطع

من "بودلير"؟

هل أتعبك حديثي؟ لا بأس! عذرك هدباء، إن كررت أو أطلت! لعلي أُجري في هذه الرسالة حواراً داخلياً، يُظهر مني تناقضات أحاول أن أمحو آثارها من نفسي!

إن "الحب"، في فرنسا، أمر يمارس في الفراش.. فلئن دعا الفتى، فتاته إلى "ممارسة الحب".. فهو يدعوها إلى ممارسة الجنس، أمر يحبه ويفخر بالقيام به، "يمارس

الحب"، أي الجنس، وفي الوقت ذاته، يقول "أحبك" ويعني بذلك العاطفة.. إن الأمرين عنده متداخلان.. وهما في نفسه على مرتبة أخلاقية واحدة!

لكم يحزنني أن أرى البعد يزداد بيننا، كلما طال الحوار!

لماذا حرمتني قبلة، كم كنت تواقاً إليها قبل سفري!

لماذا يجلس أي فتى، إلى فتاته، في باريس.. يقبّلها، ولا يحمرّ وجهها خجلاً مما تفعل.. ولا يعيرهم أحد أي التفات؟ أما آن الوقت كي نضيف إلى حساباتنا، علاوة

على ما نعلمه عن جذور القيود في مجتمعنا، أن القبلة هنا تظل "قبلة"، إذا ما طبّقت في الشارع، وفي بلادنا، تصبح "القبلة" المحترمة "بوسة" في الشارع، أي

تسمية لأمرٍ سوقيّ مبتذل!! فتخجل الفتاة من "اقترافه" أمام الناس!

ثم هناك "قبلة طاهرة"، هذا أمر مسلَم به، لأنها في عالم الفصحى طبعاً! أما في عالم العامية، أي عالم التطبيق، فهل من "بوسة" "طاهرة"؟!

هل من إنسان في بلادنا، لا يزاول الجنس؟ فلماذا نَتَسَتر عليه بهذا الشكل الجبان؟ لماذا نخجل من حاسة طبيعية، كأنها برص، لا نجرؤ على التحدث عنه؟ مَن

الذي وضع على رقابنا هذا النير؟ ولماذا نتابع النوء به؟! أليس تراثنا خلواً من هذه القيود؟!

لكم قلتِ لي فيما مضى، "إنما هو مجتمعنا.. إنها بيئتنا.. وتربيتنا".. الخ. كأن كلمة "مجتمع" و"بيئة" آلهة، تخافين، إن عصيتها، أن تطبق عليك فتوردك الموت!

أما عندنا.. فالويل لنا مما عندنا!!

نحن نعرّف الحب على أنه ميدان العواطف.. أما "ممارسة الحب".. فهو تعبير مترجم، قد يعني ممارسة الجنس، في عالم الفصحى.. ولو جئنا إلى الواقع.. لو عدنا

إلى عالم التعابير العامية، الذي نعيش في كنفه، فهل من جملة صريحة، عامية، أستطيع أن أدعوك بها إلى ممارسة الجنس، دون أن تتمنّي لو تصفعينني على وجهي،

لدى سماع مفرداتها؟! هل من صيغة عامية أستطيع أن أتفوه بها، وأنا أدعوك إلى ممارسة الجنس، دون أن تشعري أني أنتقص من احترامك؟

أفليس في كل هذا ما يدعو إلى العجب؟

أما آن بعد وقت التغيير؟ إذا تحدثنا عن العلم أو الثقافة، سارعتِ إلى القول، في بساطة.. "إننا أبناء مجتمع متخلف"، "علينا التصبر عليه، ومحاولة النهوض

به".. وكأنك بهذا القول، تتميزين، تترفعين، على هذا التخلف! كيف لا تدركين أن التخلف ليس مرضاً يصيب عضواً واحداً من أعضاء المجتمع، يصيب "أحد فعالياته"،

ويعفو عن الأخرى!

إن التخلف وضع شامل عام.. "سن حضارية"، لا يمكن للمجتمع فيها أن يجمع عدة أعمار! كيف تفهمين التخلف، وتتسامين عنه؟ أليس بواسطة فهمك وفكرك المتخلفين؟!

تعترفين أنك من بيئة متخلفة، إذا ما احتدم النقاش بيننا حول أي موضوع.. أما آن لك أن تدركي أن "أخلاق".. "تربية".. "بيئة"..كلمات جوفاء عندنا، تتستر على

واقع أخلاقي وتربوي متخلف؟

أما آن لك، أيتها المتحررة، أن تضربي بكل هذا ف"عرض الحائط؟!

لا، ليس هدفي أن أذكرك بأنك جزء من مجتمعك المتخلف، وأن ليس في وسعك أن تثوري عليه، إلا بقدر ما يسمح لك تخلفك نفسه!

هدباء،

لم تكوني قادرة على هجر المستنقع الذي عشت فيه.. فآثرت أن تبقي طافية فوقه.. وحصّنت نفسك بمفاهيم ومعتقدات، تظنين أنك قد اخترت الأفضل منها!!

كأني بك في فلك بناه نوح شرقي.. حمّل فيه من معتقدات تاريخنا، ومن مبادئنا المتوارثة، أزواجاً! أزواجا!

أما أنا.. فكأني، في هذه الرسالة، "يام" بن نوح، المنسي! ابنه الذي رفض ارتقاء الفلك.. رفض النجاة، على فلك أبيه.. ورفض أن يحمل من الماضي "أزواجاً..

يتزود منها"، للمستقبل!

ثم ها أنا ذا أعدو بعيداً، بعيداً، هرباً من الطوفان! هرباً من فلك أبي! أعدو على غير هدى! وأحدثك عما يمزق قدمي العاريتين، وأنا أطأ هذه الصخور!!

أتراني أبحث عن غير فلك أبي، فلك الشرق، سبيلاً للنجاة؟!

أتراني ما قصدت الغرب، إلا سعياً وراء فلك غربي؟!

لئن كان هذا هو هدفي.. فويل لي!! ماذا لو أدركني اليم والطوفان، قبل لأن أهتدي لما أبحث عنه؟!

لئن أقبل الطوفان.. فهل ينقذني، ما أقف عليه الآن، من رفض، وصخور؟!

وداعاً.. هدباء.. هل سأكتب لك بعد اليوم؟

فراس}

images/clip_image