مسـافر بـلا حقـائب
مسـافر بـلا حقـائب (رواية) لوليد الحجار
القـسم الأول الفصل الأول
مقاطع مختارة من الرواية
(ص9-16)
{البحرالأبيض المتوسط، 1950
وداعاً.. حبيبتي !
وداعاً !! وداع، فاض به صدري، أرمي عالمك به، كمن يرميه بلعنة!
أتعجبين؟! أتعجبين هدباء، من هذه الكلمات، أصدّر بها أولى رسائلي إليك؟! ألوف مثلها تتسابق إلى شفتي، تتناطح، كل كلمة تود لو تكون الأولى، تصفّق لهذا
الوداع، تفسره، تدعمه، تود لو تستنطق من حروفه ألوف المعاني والصور!
لا.. ليس هذا وداع آسفٍ على ما ترك!
أرى الدموع تتجمع بين جفنيك! لا تجزعي! فلكم أحببت عينيك، لكم أحبهما! ويفطر قلبي ما يشهق به الآن صدرك من أسى! ورغم ذلك.. أنظر إلى عينيك الواجفتين،
فأتشفّى.. وتهدأ نقمتي، في قرارتي، إذ أعلم أني أبكيهما! وأن في استطاعتي-أنا البعيد- أن أخفف من غلواء ثقتهما العمياء، المقيتة!
آه حبي.. ليت في وسع الدموع أن تغسل بعض ما اتسخ!
أكنت أعلم، وأنا أجتاز ذلك الشارع الضيق، الطويل، الذي يفصل بين دارينا، أني سأسخط يوماً عليك، كما أفعل الآن؟.. أو أن وداعي، هذا، سيتلو وداعنا، ذلك
الطويل، الوديع، على الهاتف؟!
هذا ما كان بالأمس.. أكنت سعيداً لنبرات الحزن في صوتي؟.. أستبق، وأنا ممزق حزين، ما أشعر به من نشوة، الآن؟..
هل كنت أودّع فيك طفولتي؟ لماذا ألصقت شفاهي بالسماعة التي في يدي؟ هل كنت في تلك اللحظة، أودع فيك أمي، ووطني، أودّع حباً عقيماً، لم يجتز يوماً مرحلة
القبلات على الهاتف؟!
لكم أكره القدر الذي وضعك في طريقي! أكره أنني أحبك!!
أهو حبك الذي أقتلعه من نفسي الآن؟.. ما لي أنتشي وأنا أرى الدم يقطر من يدي؟!!
وما ذنبك هدباء.. ما ذنبي أنا؟.. ما ذنبنا، سوى أن ما يفصل بين دارينا، دقائق، كنت أسبق الريح، مرات كل يوم، لأجلس، وأخيك، في حديقة داركما الدمشقية القديمة..
نتنقّل بين الليوان، والقاعة، والمربع.. نستعرض ما قرأناه عن الحب، والفلسفة، فتظهرين، بخصلات شعرك السود، المتهدلة.. تتركين القهوة، على حافة البحرة،
بدلال.. تودين مشاركتنا المطالعة، ثم تغيبين.. وتعودين، لتطلّي من شرف غرفة النوم العليا.. عيناك النجلاوان، في بريق.. وابتسامتك الحلوة المرة تداعب شفتيك،
تجسّدين للحظات خاطفة، جميع ما يعتمل في نفسي من عطش، وموسيقى!!
وتسائلينني بدلال.. "أهكذا يسهل عليك السفر؟.. كيف تترك مدينتنا الحبيبة؟.. وعطر الياسمين؟!"..
كيف لا أحبك؟ كيف لا أحب أصداء نفسي، كانت ترجّعها إلى عيني صفحات وجهك الرائع المتعالي؟ كيف لا أعبد إباءك وأنفتك؟ ثم كيف لا أمقت حباً منعني عن فتاة
سواك! وكبّل جسدي الفتيّ بقيود كبتك الجائرة، وبقيم مجتمعك الكاذبة؟!
ولن أسألك عما كنت تشعرين به نحوي.. أو عما اعتمل في نفسك يوم أتيت لزيارتي، لتوديعي، قبل سفري بأيام! لعلك حين أقدمت على تلك الزيارة، كنت ترين فيها
"مثلاً" في تحدي القيود الاجتماعية! تحدٍّ، لم يسبقك إليه أحد! "قدوة".. سيسجلها التاريخ لأمثالك من العفيفات! أو، من يدري.. لعلك كنت ترين فيها منّاً
تكرمت به علي.. "هبة" يتوجّب علي أن أحتفظ بذكراها إلى الأبد!!
لا.. لا أود الخوض فيما يمكن لفتاة محافظة مثلك أن تشعر به من تناقضات وهي تجد نفسها وحيدة، للمرة الأولى، مع شاب تحب، في غرفة من داره خالية من الناس!
حسبي ما مرّ بي! ويكفيني أن أذكر الذهول الذي اعتراني وأنا أراك ترتعدين من وطأة ما اعتمل بك من كبت!
هل كنت أنت هدباء التي أحببت، منذ أن تفتحت في نفسي العاطفة؟! بالله! ماذا أخافك مني، حتى بدوت على ما بدوت؟! ما الذي قلّص عضلات وجهك، وزمّ شفتيك؟ لمَ
جفّ لعابك، حتى بح صوتك! وغاب لونك!
هل تدرين حبي، أنك أنسيتني في تلك اللحظة أنني حقاً "فراس"، ذاك الذي كنت تعرفين؟! أتذكرين كيف جلسنا، بعد برهة، ينظر كل منا إلى الآخر، في صمت ودهشة،
وكأنه يراه للمرة الأولى!؟ لا أذكر الآن شيئاً مما كنت تقولين! وظني أنك أنت الأخرى، ما كنت آنذاك تدرين شيئاً عما دار في ذهنك! جل ما أذكره الآن، ولو
أن في سرد ذلك جرحاً لكبريائك، هو أن ما أئرتِ بي من إحساس، كان أقرب لما يمكن لحيوان أن يشعر به، نحو حيوان آخر!
أشعرتني بدوافع جنسية، مشوبة بقشعريرة تماثل تلك التي يشعر بها الإنسان إذا ما واجه حيواناً كاسراً! لا أظن إلا أنني كنت قادراً في تلك اللحظة على تصرّف
أخجل من تصوره الآن!
لقد زججت ما أعرف عن ذاتي في غربة كريهة إلى نفسي، فرحتُ أداعب قسوة، ما كنت أعرف أني قادر على الإحساس بها!
من الذي لا يعرف أن للنفس مجاهل تختبئ وراء ما دفعتني إلى اكتشافه عن نفسي من متاهات؟! لا بدّ أني بدوت أمامك في تلك الساعة عارياً من الحجب! ولاح لك
ما كنت أحاول فرضه على نفسي من هدوء وتصرف متزن!
ألهذا زال اضطرابك؟! وإلا فما الذي أطربك فجأة من حيرتي، وأنزل الهدوء على نفسك، حتى استويتِ، وجمعت ساقيك ساقاً إلى ساق، وانتحيت جانباً، في جلسة أردتها
تلقائية، وقوراً، ثم مددت ذراعك نحوي، تداعبين خصلة شعر انحدرت على جبيني الذي تفصّد عرقاً!
أي دور هادئ غريب انسقت في تمثيله؟! كنت، منذ لحظات، ترتعدين، وتتلوين، كالجسد المشنوق، بينما كنت أحاول، بما أمكنني من لطف، أن أتمدد إلى جانبك! أي جرم
كنت قد حاولت ارتكابه، حتى انتابك ذلك المس؟! هل حاولَت يدي الوجلة أن تمتد إلى صدرك؟ أهذا هو الجرم؟ هل لمست شفتاي خدك، أو أذنك؟!
نعم.. ولم أعد أدري كيف انقضت تلك الدقائق الطوال قبل أن أصاحبك إلى الباب!
غريب! غريب، كيف أطلتِ الوقوف على الباب، وأمعنت في الحديث الهادئ، وصدرك، طفل ضائع لم يعد يعرف غير صدري ملجأً ومقراً!
ولم يكتمل رفضي لك حتى تلاصقت شفاهنا، في تلك اللحظة، للمرة الأولى!
قلتِ- وأردتها نبرة ساذجة حيرى-..
- إن كان لا بد في هذا الوداع من قبلة.. فلا بأس.. إنما هي المرة الأولى التي أقبل فيها شفتي إنسان.. لا تلمني.. فأنا لا أجيد فن القبل..
وصدقتني القول! آه.. حبي.. كيف أفسّر أنك بدوت لي في تلك اللحظة كمن عرفت عشرات الرجال!!
أين السذاجة في قبلة أولى تناقش فن القبل؟!
أين البراءة، في جسد كان منذ لحظات يتشنج.. ويكاد يركل أول لقاء له مع جسد أحب؟ أهي العفة في نظرك؟ أهذا هو الطهر في ظنك؟! ويحك هدباء! تحت أي حمل ترزحين؟!
ولست الملومة في ذلك! إنها مفاهيم قومك، يحملونها منذ أجيال، ويبرعون في إعادة غرسها فيك، وفي غيرك من "الطاهرات".. إلى الأبد!
الأخلاق، والتربية الحسنة، في عرفهم، هي في أن تصومي عن الجنس، حتى يكاد يجف جسدك من الجوع! تتمشين في الطرقات، لا تنظرين إلى شيء، ولا بأس في أن تتلفتي،
كالملسوعة، إذا ما طالعتك رائحة الحياة! تخفين ما تحسين به من كبرياء كاذبة، وراء قناع بارد كالموت! حتى إذا صعدت سلم دارك، وعاد عبق ما تشتهين، يطالعك
من وراء أبواب ونوافذ مفتوحة على غرف النوم، تعودين إلى التضوّر، تتصورين الرجال كشياطين، مرغوبة، جميلةّ، لكنك تكرهين شهوتك! فتلجئين إلى سريرك، يتلوى
حرمانك في أحشائك، كأنه أفعى!
أين العجب في أن تضمر نفسك، بعد كل هذا؟ أين العجب في أن يصبح الإحساس الطبيعي وحشاً كاسراً، ترتعدين إذا ما لاح في أفق حياتك أنك ستجلسين إليه! وحين
تتزوجين، إن تزوجت، فهل ستمحو بحبوحة سني الزواج الطوال ذكرى سياط العوز الذي عانيته في شبابك؟! وما الذي سيمحو الندوب التي ستخلفها تلك السياط على جسدك
الفتيّ؟..
لماذا قدر لي أن أحب فتاة في مثل عفتك؟! وهل أنا المذنب؟ ألست ابن البيئة نفسها؟.. لا أقوى على حبِ إلا من كان في مثل عفتك؟ أتعجبين، بعد هذا، أن أقول
"وداعاً" حزينة، متشفية؟!
أعجب من نفسي! أحبك هدباء، وليس في الكون ما يفعم نفسي أكثر من أنني في هذه اللحظة، أشق البحر في مركب يبعدني عنك وعن شبح هذا الموت الذي قسرني حبك على
العيش في كنفه!
عدت لا أدري، أسعيت إلى باريس نزوعاً إليها، أم هرباً منك ومن بلدي!
ماذا أعرف عن باريس، سوى ما سمعته أو ما قرأته عنها في الكتب؟! ومع هذا، فلئن صح القول بأن لا لذة في حرية سوى بمقدار ما كان يعانيه الإنسان قبلها من
أسر.. فإن جوعي لباريس كبير، كبير! وحريتي فيها ستكون أكبر مما بوسعي أن أصفه لك!
أرى ثغرك الحبيب يبتسم بمكر! وأسمعك تقولين: "ألست تناقض نفسك؟!"، "أراك واثقاً من أنك ستستسيغ الطعام، بعد جوع!".. "فلماذا تنكر عليّ الحرمان والكبت،
إن كان لي في ذلك استساغة أكبر للجنس، فيما بعد؟!".. أسمعك تقولين.. "ما المانع من أسري الجنسي؟ إذا كان لي في ذلك تذوّقٌ أكبر لممارسته بحرية فيما بعد؟!"..*
لا، وألف لا!!
أنا أحارب أسري! وأنت.. إنك مطمئنة إليه! تنعمين به! أو أنك تنتظرين أن تُفكَّ عن معصميك الأغلال! أنا لم أنتظر أن يُفتح باب سجني، لأكتشف أن ساقيّ قد
ضمرتا، حتى لم يعد باستطاعتهما المسير! لقد حطمت قفصي، قبل أن ينسى جناحاي كيف يصفقان، ويطيران! أما أنت، فلئن تململت، فلضيق سجنك، وحسب! لا لأنك في أسر!
* * *
هل أبدو كمن يجلجل نشيد نصر يود لو يطبق به الآفاق؟! لا بأس! ينتابني في هذه اللحظة ما لا أستطيع وصفه من تيه!
تركت أوراقي هذه برهة، ورحت أتجول! فيها على ظهر السفينة، متقدماً، حتى تجاوزت المرساة، ووقفت على السدة، لا يفصلني عما يضرب رأسها الحاد من موج، سوى
حاجز قليل الارتفاع، أمسكت به، ألاقي الرذاذ والهواء العاتي في صدري.. حتى شعرت كأنني أنا الذي أحض هيكلها الكبير على المضيّ! كأني أنا الذي أرفعه بساعدي
فوق لجج الأمواج! يشقها، ونمخر معاً غياهب الليل البهيم!!
* * *
ها أنا ذا أعود إليك، يطفح صدري بنصر عليك، لا أفهمه! أليس من الغريب ألا أود أن أشارك في هذا النصر أحداً سواك؟!
إنها الواحدة بعد منتصف الليل! أين أنت الآن حبي؟ وفي أي سبات هانئ تغطين؟
تكاد أصابعي لا تقوى على الإمساك بالقلم، لشدة بردها! ألهذا أذكر الدفء الذي ترفلين فيه في فراشك الآن؟ إخوتك.. أخواتك.. جميعهم حولك، يحيطون بك، في غرفهم
المجاورة.. وينعمون بنوم هادئ، عميق..
عبق آخر السهرة ممزوج بدفء الموقد، ينساب طليقاً، في أروقة الدار، وبين غرفها، بعد أن ماتت النار.
سيرقد بلدك قريباً.. سينام جميع من فيه.. وستتصاعد أنفاس النيام، غمامة كسلى، شرقية، تغلف تلك الواحة الكبيرة، وتعود بأحلام من فيها إلى الوراء.. مئات
السنين! سيبعث الزير في أحلام الشباب.. وعنتر.. وقيس.. وصلاح الدين! ستبرق السيوف، والخناجر! وتتطاير الرماح فوق نواصي الجياد الأصيلة البيض! وستعلو المآذن،
وتعلو! لا تضاهيها في التيه سوى عبقرية الشعراء! يقهرون الأعداء.. ويربحون المعارك، بأوزان، ولا أفخم! فيعودون، وقد أنهكهم الكلام، إلى ليلى، تطوف بين
مضاربهم، كالغنم الرائع.. تحوم فوق خيامهم، كآهة من ناي حنون! ويمضي الليل.. ويتورد الأفق، قبيل الغسق.. فتتورد وجنتاك، وتفركين عينيك في صحو ناعم بطيء..
هذا بلدي! ما أجمله، وما أتعسه!
هل أسمعك تقولين إن هذه ليست أحلامك؟ لا بأس! فهذا عالمها.. ومنها تأخذين الأحجار التي تبنين بها القصور، وتظنين أنك تبتكرتينه من أحلام!
هل جال في خاطرك يوماً أن تسأليني عن أبعاد عوالمي الداخلية؟ هل لاح لك يوماً أن هنالك في الشرق من لا يستسيغ القوافي، ولا الآهات الشرقية التي تعرفين؟!
ولئن سألتني رأيي فيها، لأجبتك بانها سمٌ يتعاطاه شرقنا منذ أجيال، كقات اليمن!!!
ستندثر مدينتنا هذه عما قريب، ولن يبقى فيها غير صور خيالك عنها! مدينتنا التي عرفها آباؤنا.. ستبيد! وآثارها التي غذّت طفولتنا، ستمحى إلى غير رجعة!
لكم أحببت بلدي! أحببته طفلاً، وعشقته حدثاً، حين كنت أظن أن له أبعاد نفسي وشمولها! ماذا يمكن لأولى سني المراهقة أن تعرف عن عالم المال والسياسة؟..
كنت، وأخاك، نجوب شوارع مدينتنا، نسير في دروبها القديمة، الضيقة، وبين جدران قلعتها، كأن ليس فيها سوانا، كأنها قصر لنا، ومن فيها من الناس، نفوس تطوف،
أو تطير، مثلنا، لا بطونٌ، ستصرخ يوماً من الجوع، فيستقطب عويلها نحيب عشرات الألوف من الجائعين! فيهرعون، زرافات، ليقتلعوا الأخضر منها واليابس.. في
إيقاع جاهل، تاريخي، محتوم!!
بلدي هذا الذي تركت البارحة مساءً، أودعه، فيك، وداعاً لا أسف فيه!
تعلمين أن ليس معي من المال سوى ما يكفي لإيصالي إلى باريس! وأن ليس ما ينتظرني هناك سوى قدر مجهول، قاتم الوجه، إذا تبسم لي، لم يمنحني أكثر من فرصة
للعمل تقيم أودي، وتكفيني العوز! ورغم ذلك، أراني سعيداً.. بالابتعاد عن عالمٍ ضقت فيه بعاصمة ليس في مكتباتها سوى ما يسمح به رقيب جاهل! ولا قراءة فيها
سوى بما يسمح به، آخرون، يخافون على وظائفهم! ضقت بالسرقة، والنفعية، والفوضى، في عالم يتّهم فيه، بالعمالة، كل من نادى بالنظافة! وبالرجعية، كل من تكلم
في هدوء!! ضقت بدعاة الحرية، ينقلبون إلى سجانين، أو حراس لسجون أسيادهم! ويصيبني الغثيان، إذ أرى من كانوا ينادون بالمساواة الاجتماعية، يصبحون رؤساء
لعصابات أشد من المافيا، حتى باتت ثروات أقلهم شأناً تعدّ بالملايين.}
* * *
(ص21-25)
{أحسست أن كلمة الشرق والعروبة، مظلة هائلة يودّ لو يقرر أبعادها، بنفسه، كل إنسان من مائة وثلاثين مليوناً من المتخلفين! تنوء حضارة أرقاهم تحت رزح أربعمائة
سنة من الجهل والاستعمار التركي! مظلة، تظلل الملايين من الناس، بعضهم مترفٌ أو جائع، سيّان عنده وجود هذه المظلة وعدمها، وبعضهم الآخر، ساهمٌ، ضائعٌ،
يرى فيها خاتم سليمان، ولا يرى إذا نظر إلى السماء غيرها! أدركت أني لن أقبل بعد اليوم بهذه المظلة، أوغيرها، هوية لكياني! كياني قائمٌ كالصخر، بغير ما
حاجة إلى هوية! والهوية، أية هوية، إطار وحسب، إنها مظلة، مهما تكبر، وينبسط ظلها، فهي لن تعدو كونها مظلة! أداة.. قد تنتقل من يد إلى يد، قد تضيق يوماً
بمن يقبل ويعتاد ظلّها، فتدفع الغالبية المتزاحمة، بالأقلية من أمثالي، نحو العراء!!
تدركين حبِّي، بعد كل هذا، أنني أودّع فيك أكثر من حبي، والوطن! الشرق الذي أرفضه ليس مفهوماً مطلقاً أتعامى عنه، أو واقعاً تاريخياً أجبن عن المساعدة
في حمل عبئه! لئن كانت القومية واقعاً.. فإن ما أرفضه هو تحديد صفات هذه القومية على أيدي أناس متخلفين! أنا لا أرفض الشرق.. أنا لا أرفض العروبة! بل
المفهوم الذي صاغه عنها أساتذة متخلفون! والهوية التي تتبعهم في استحسانها جحافل المتخلفين! أنا ابن هذه الأرض، وابن القرن العشرين بكل ما فيه من تناقضات،
وما فيه من علم، وفلسفة، ومن موسيقى! فما شأني بالخيمة والكوفية والخنجر؟! إنها ذكرى من ذكريات بدو حكمهم أجدادي!!
أأنا الغريب العجيب إذا ما تطلعت إلى ما وراء الحدود، أم أنت التي تسترشدين لواقعك اليوم بهدي أحكام ومفاهيم كُتبت أو لفّقت على ألسنة أناس ماتوا منذ
ما ينوف على ألفي عام؟!
هدباء.. أودع فيك بعض نفسي.. أبترها عني.. فأتمزّق في ذلك بين قسوة.. وحنين.. لا يرحمان! ولا بأس عندي أن تري في رفضي لشرقيتي ما قد ترين! فأنا في هذه
الردهة.. طائر وجل.. ينفّض ما نبت عليه من زغب، عرفه، وأحبه.. طائر بات يخاف العراء.. فيتحسس نفسه متوجساً متفائلاً، جاهلاً لما سينمو على جناحيه من قوادم!!
* * *
أتريث قليلاً لأعيد قراءة ما كتبته لك، فأسخر من نفسي، ومن قدري! كيف تجذبني رومانسية القرن التاسع عشر، وأقبلها، ثم أنهض، وأرتمي في واقعية القرن العشرين...
ألم أكن منذ لحظات أخبّ في ضباب القرن التاسع عشر؟! أسمع الأمواج تئن على أصداء "شوبان"، وتدوّي بألحان "فاجنر"؟ وإذا وقفت على سدة المركب.. ألم أكن "الهولندي
الطائر"؟ أحضّ الأشرعة على مقارعة الأعاصير؟
ثم أنظر إلى نفسي من منظار آخر.. مَنْ أنا في هذه اللحظة؟! كيف تتراءى لي تجربتي معك؟ أليس من دواعي السخرية أن تبدو لي كتجربة ابن القرية المثقّف؟! فلاح..
توسّم في نفسه طموحاً، فعاف فلاحة محافظة أحبها! ضاق ببدائية من حوله من الناس، فحزم متاعه، أو رمى به بعيداً.. وهجر قريته، قاصداً العاصمة!!
علوت عما أنا فيه الآن.. فلم أبق فراساً، وأنت لم تبقي هدباء.. بتّ أي "محمود" أو "علي"!! وأنتِ، أية "عائشة" أو "مريم" أو "ريا".. قصة تتكرر كل يوم..
وعلى جميع المستويات!!
بالرغم من هذه النظرة المتعالية على تجربتي أقول، لا! فكما أني حصيلة قرنين متباعدين في الزمان.. كذلك هي تجربتنا، ممتدة.. متكاملة.. متناقضة، أعجز عن
أو تبسيطها أو تحديدها ضمن قالب فكري أوعاطفي معروف!
آه حبي! لو كنت حقاً "عائشة"، وقبلتك في ذلك الوداع المقيت، على باب داري، لوقفت حيرى، أو صفعتني، غضبى، على وجهي، أو.. لأقبلت تقبلينني دون فهمٍ أو محاكمة
لما كنت تفعلين!!
لو كان سكان مدينتنا على براءة أهل القرية، وجاء مَنْ يحدثهم عن الحضارة والثقافة التي لا يعرفون.. لمجّوا ما يفرض عليهم، أو، حاولوا تفهّمه، أو، لسدّوا
آذانهم عنه.. لكن، هيهات أن يقف من أبناء أية قرية، قوم أدعياء، صلفاء، ينصّبون أنفسهم أساتذة جهابذة في علم ما لا يعلمون، ويصيحون، صوتاً واحداً: "لدينا
من التراث مايكفي! ما لنا ولما هو أجنبي! إن لفي عاداتنا، وتقاليدنا، معالم لحضارة تضاهي أكبر الحضارات! حسبنا إحياء التراث..!!"
أليس هذا ما في مدينتنا اليوم؟
لئن قيل موسيقى، تبارى للدفاع عن "الموسيقى الشرقية" أناس لا يعرفون حتى كتابتها! ألأنهم ولدوا في الشرق، جاز لهم أن يلقبوا ما يدمدمونه من تفاهة، باﻟ
"الموسيقى الشرقية"؟! وإذا اختلفوا.. فإلى مَن مِن الناس يحتكمون؟ أليس إلى رجال السياسة؟ وليس لمعظم هؤلاء من حسٍ موسيقي؟! ماذا يعرف أي عربي متوسط الثقافة
"عن" الموسيقى، أو "مِن" الموسيقى، سوى ما يسمعه من محطات إذاعاته؟ ولم ينشأ هذا الجمهور، ولم يترعرع، إلا على سماع هذه الإذاعات نفسها! إنتاج تافه، لقومٍٍ
أميّين تافهين! حلقة مفرغة من التخلف! تطربون ﻟ "زمرد" و "فيروز" و "ياقوت" وتقفون صفّاً واحداً للدفاع عما يطربكم! ناسين لأن حسّ الطرب ليس حدساً من
بنات عبقريتكم، بل ملكة، يشكلها ويغذيها عندكم واقع وأناس متخلفون! فتقتنعون بما تجترون، مُقصين مَن يحاول رفع مستوى هذا الفن في بلادنا، تنعتونه إمّا
بالعمالة، وإما بفقدان ما تلقبونه باﻟ "أصالة الشرقية"!!
من منكم قرأ ابن رشد؟!
من منكم قرأ الفارابي؟!
أسفي عليكم يا أبناء أمتي! أيكم الأصيل؟ وما هذه الأصالة؟ أهي القرب، أو التقرّب من عيار ذوقكم المتخلف؟!
والفنّ؟ ماذا أقول وأساتذة الفن في بلادنا لا يصلحون طلاباً في أولى سنيّ المعاهد العالية! في حين أن نقّادنا.. نقّاد الأدب، والفنّ في بلادنا.. محررون،
مرتزقة.. سياسيون!!
والأدب؟ لست أدري أية معجزة فرضت على الشرقيين الاعتراف أن الأدب يستطيع تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية! لكن، ما نفع هذا الاعتراف، حين لا يعرف الشرقيّ
عن الأدب العالمي سوى القليل، القليل، مما تُرجِم، أو سُمح بترجمته من الآثار الأدبية العالمية؟!
إنها مدينتنا.. طبقة كبيرة من عالمنا.. أخذت المسميات من الغرب، وأفرغت فيها ما يطفو فوق نفوسها من قذى وتخلف! كيف لا أشعر بالغربة في وطن وجد المحتالون
فيه ستاراً لتخلّفهم في كلمة "شعب"، فأسموا نكاتهم القميئة "نكاتا شعبية"! حكمهم المتدنية العثمانية "حكماً شعبية"! ومسرحهم الضحل المخزي، "مسرحاً شعبياً"!
يقلدون القردة والحيوانات، على المسرح، ويعلّمون الصغار أن في هذا ما يسلّي ويضحك ! تصل دررهم الشعبية هذه، عبر وسائل الإعلام، إلى جميع البيوت، رغماً
عن أنوف أصحابها! حتى بات من يعاف التدني في الذوق، لا يعرف أين يذهب، هرباً منه! ولا أين يتجه، للاعتراض عليه! وحيثما تلفّت أو اتجه، أنصار لقميص عثمان..
"قميص الشعب" ! أو أناس لا مبالون، يكسبون أرزاقهم في هذا السوق.. يتسلون ويدافعون عن وجوده..}
images/clip_image