- 4 -
عندما تلوى شيء ما يشبه خيط البرق في قلب ملوكي، لم يشعر بقوة غامضة لا سبيل إلى كبحها، أو في الأقل التحكم في زمانها، تغوص في أعماقه أو تطفو إلى السطح، إلى الخارج حاملة إياه من ركن الزقاق حيث التقته ساهرة وسلمت عليه إلى ما فوق البيوت، إلى ما فوق أكواخ الصيادين ومخزن الأسماك الكبيرة، إلى ما فوق ورشة المندائي ونهر الكحلاء، ثم عائدة به إلى ما بين جذوع النخيل، ومارة به من جانب الأعذاق المتدلية حيث ما يزال التمر في طور الجمري.. لم يشعر بانعدام مثل سائر العشاق الذين يهاجمهم الحب أول مرة، بل شعر بقوة خارجية تشبه مطرقة هائلة هوت على رأسه، مطرقة دقته في ركن الزقاق كما لو أنه كان مسماراً بطول متر ونصف- هو ملوكي نفسه الجالس الآن على طرف لسان الأرض، مواجهاً النهر ومولياً ظهره للماجدية، لم يرد أن يفكر في الأمر، في ذلك الذي جرى له عند ركن الزقاق عندما التقته ساهرة وسلمت عليه.. لم يرد أن يفكر لأنه متأكد إنه تلقى ضربة حقيقية من تلك المطرقة، تماماً مثلما هو متأكد الآن من أن قبضة يده اليمنى تمسك بقوة كف يده اليسرى. بدا له وهو تحت ضغط هذا اليقين، أن رأسه سيتناثر أجزاءً صغيرة أمامه وخلفه بسبب تلك الضربة. ثم أخذت الحرارة تشع من جسمه كما لو كان فرناً على وشك الانفجار هب من جلسته مثل نابض وركض باتجاه ورشة المندائي. تناول مجذافاً مستنداً إلى سقيفة الورشة بشكل عمودي، واندفع هائجاً وماراً بنجرس الواقف إلى جانب زورق مقلوب من دون أن يحييه أو يتحدث معه. وبنفس هياجه فك أحد زوارق نجرس من مربطه، ثم دفعه بقوة في الماء وامتطى مؤخرته والمجذاف في يده. تمايل الزورق بعنف ناثراً الماء بعيداً عنه إلى الجانبين، غير أن ملوكي أعاد إليه توازنه بساقيه جلس في مؤخرته وبدأ تجذيفه موجهاً القارب إلى منتصف النهر، ثم عدّل مقدمته في مواجهة التيار، وأخذ يجذف بسرعة وبقوة، وظل لفترة طويلة ثابتاً في مكانه. كان يتقدم بزورقه فوق صفائح المياه المندفعة نحوه مترين أو ثلاثة، لكن تزاحم وتدافع صفائح الماء البيض اللامعة وكأنها مرايا لينة لكنها ذات عزم وقوة تعيد الزورق إلى الوراء إلى مكانه الذي تقدم منه، كان نجرس يراقب من مكانه ما يقوم به ملوكي، وأيقن بعد أقل من عشرة دقائق من المراقبة، أن هذا الفتى قد أصابه الخبل، وفكر: كيف يقوم بذلك وهو الذي يعرف كل شيء عن النهر وعن الزوارق، يصعد التيار في منتصف النهر؟.. رمى مطرقته وإزميله وتقدم نحو الجرف، وصاح بأعلى صوته:
-أيها المجنون.. ما الذي تقوم به؟
لم يتوقف ملوكي عن التجذيف. بدا وكأنه يريد أن يستنفد كل قوته بتلك الضربات السريعة التي تثقب سطح الماء. انتبهت النسوة اللواتي يغسلن الملابس والأواني على الجرف، فتركن ما بأيديهن وتابعن ملوكي وزورقه. انضم إلى النسوة رجال وأطفال وبدأ الكل يراقب بدهشةٍ صامتة. لم تضعف حركات مجذافه وإنما ازدادت سرعة وقوة كما لو أن ذراعيه تسري فيهما قوة تستمدانها من خارج الجسد الذي تنتميان إليه. كان ملوكي في تلك اللحظات المتوترة والمشحونة بسخطه، العاجز هو نفسه عن السيطرة عليه، يرى أن زورقه يتقدم بإطراء نحو جسر الكحلاء، نحو الجسر وضد التيار. لكن ما يجري في وسط النهر وأمام أنظار شهود الشاطئ مختلف تماماً وغير واقعي تماماً، فالزورق كان متوقفاً في مكانه وكأن قوة غير مرئية ثبتته في وجه التيار.
ومن دون سابق إنذار، ضاعف التيار من قوته وسرعة جريانه، وفي الحقيقة أن ملوكي فقد قوته وعزمه دفعة واحدة مثل انطفاء مصباح متوهج فجأة. رأى شهود الشاطئ وكذلك نجرس ميلان الزورق على جانبه، وهكذا اكتسحه التيار مائلاً إلى جانبه الأيسر، كما رأوا انهيار ملوكي ثم سقوطه في قاع الزورق. أخذ التيار يتلاعب بالزورق فاندفع إلى الأمام دائراً حول نفسه باتجاه سدة المشروع. أيقن الرجال والنساء أن ملوكي
والزورق سيتحطمان على ركائز السدة، فارتفع الضجيج فوق رؤوسهم، ثم تحول إلى وجوم ثقيل حين رأى ذلك الجمع من الرجال والنساء
والأطفال نجرس وهو يرمي نفسه بملابسه في النهر ويسبح نحو
الزورق الدائر حول نفسه. وصل إليه بسرعة وتشبث بأحد جانبيه بقوة
ثم سحب نفسه إلى الأعلى خارجاً من الماء. حين جلس في الزورق
لاهثاً ومبللاً بالكامل، لم يوبخ ملوكي المنبطح على وجهه في قاع الزورق. كانت إحدى يديه ما زالت ممسكة بالمجذاف بقوة. خلص نجرس المجذاف من يده، ووجه الزورق من مقدمته نحو الشاطئ، ثم قاده بموازاة الجرف عائداً به إلى حيث الورشة.
حمل ملوكي من قاع الزورق بين يديه ووضعه فوق حصير القصب أمام سقيفة الورشة. خلال الخطوات العشر أو أكثر قليلاً التي قطعها بين الزورق وحصير القصب، لم يفكر نجرس بتقريع ملوكي على ما قام به، بل فكر بخفة وزن هذا الفتى.. تساءل: ألا يأكل هذا الجرو الأسود؟..
جلس على الحصير إلى جانب ملوكي الممدد عليه – سأله:
-ما الأمر؟
نشج ملوكي باكياً، وتحرك مديراً ظهره للمندائي.. عاد يسأله:
-هل عملك في تصليح السيارات جعلك تنسى النهر والقوارب؟.. هل أصبحت حماراً إلى الحد الذي تصعد فيه نهراً من وسطه؟
وواصل كلامه وهو ينظر إلى النهر:
-ما هو السبب الذي جعلك تفعل ذلك؟.. إلى أين كنت تريد الذهاب؟
لم يحصل من ملوكي على أي جواب. فكر: لا بد أن هذا الفتى أوقع نفسه في ورطة أو مشكلة كبيرة. تذكر أن يستبدل ثيابه المبلولة، فنهض واتجه إلى ما وراء مخزن الأسماك تاركاً ملوكي يتقلب بين ألسنة نيران يجهلها، وما كان سيصدقها أبداً لو تسنى له معرفتها.
كان ضوء الشفق ما يزال يضيء المدينة حين عاد نجرس إلى الورشة، كان قد نسي ملوكي المدد على حصير القصب، ولم يتذكره إلا حين رآه مرة ثانية. ظن في أول وهلة أنه فارق الحياة، لكن شخير ملوكي الخافت أبعد هذا الظن.. تطلع المندائي إلى السماء، إلى بقايا النهار وضوء الشفق الذي ارتفع عن الأرض وتعلق بأطراف السماء العليا البعيدة وعرف أن الغروب سيحط على المدينة قريباً، وقريباً جداً فكر: أن عفاريت الجن سينطلقون مع الغروب، ولا يصح لأحد أن ينام إلى جوار ساحل نهر، من المؤكد أن أحد العفاريت سيتلبس ملوكي النائم. ولكي يحول دون وقوع هذا الأمر، اتجه إلى النهر وعاد بجردل ماء سكبه على ملوكي من رأسه إلى قدميه. لم ينهض، يعني أنه لم يهب من نومه، بل تململ على الحصير، فاضطر نجرس أن يسكب عليه جردلاً آخر. جلس ملوكي وهو غارق بعرقه وبماء الجردلين. نظر إلى نجرس بسحنة منقلبة.. قال:
-لماذا؟
-هل أتركك نائماً إلى أن يسقط عليك الغروب؟
قام ملوكي وسار باتجاه النهر بساقين مهتزين. تجاوز الجرف حتى وصل الماء إلى منتصف صدره، فغطس عدة مرات في الماء الضحضاح لجرف النهر، وكان رأسه فقط فوق سطح الماء، وسمح للماء أن يدخل في فمه وعينيه وأذنيه.
جاءه صوت نجرس من فوق أحد القوارب المقلوبة:
-اخرج، فالظلام سيحط على الدنيا.
خرج من النهر وجلس إلى جانب نجرس. بحث في جيوبه عن علبة سجائره، غير أنه ألقاها في النهر:
-ألديك سيجارة يا نجرس؟
ألم تتذكر سجائرك فتخرجها من جيبك قبل أن تغطس في النهر؟
دخن سيجارة من علبة نجرس، وطلب سيجارة ثانية لأن الماء الذي كان يسيل من شعره قد بلل الأولى. سقط ظلام أول المساء سريعاً، وبدوا لمن يراهما من بعيد شبحين غامضين يطلقان الدخان، الذي ما زال محتفظاً ببياضه، من مناخرهما وفميهما.
فجأة وبدون مقدمات، سأل ملوكي
-ماذا تفعل يا نجرس لو شعرت أن امرأة.. فتاة ضربتك بطابوقة على قمة رأسك؟
أخرج نجرس الدخان المحصور في صدره خيطاً طويلاً من فمه، وسأل هو الآخر:
-هل ضربتك امرأة بطابوقة يا ملوكي؟
-قلت لو شعرت.
لكن المندائي تذكر صراع ملوكي ضد التيار، تذكر نشيجه على حصير القصب.. التفت إلى ملوكي وأمسكه من كتفيه وأداره نحوه:
ـ أصحيح أن امرأة ضربتك بطابوقة على رأسك؟
انتفض ملوكي مخلصاً نفسه من قبضتي نجرس ثم نهض من مكانه وابتعد عن القارب المقلوب. وقف والتفت ناحية نجرس... صاح:
ـ لماذا كلما أسألك سؤالاً تردّه إليّ بسؤال آخر؟..
ثم أعطاه ظهره ليختفي وراء مخزن الأسماك بملابس نصف جافة. لم يظهر ملوكي لا في الجوار ولا في شوارع الماجدية إلا بعد التاسعة مساءً. أحدث ظهوره بلبلة والكثير من القيل والقال بين ثلة المفوضين الثلاثة التي بدأت حفلتها الليلية تحت النخلة في وسط لسان الأرض. مر بهم ببدلته الرمادية المزرقة المليئة بالأزرار من الأمام وبالكلمات المكتوبة بحروف إنجليزية في الصدر والظهر، كانت بدلة من قطعة واحدة، لا يلبسها إلا في المناسبات المهمة، وكان قد سرقها من العمال اليوغسلاف خلال بنائهم جسر مغربة. كانت واسعة جداً قياساً لجسمه الضئيل، ولم يأخذها لخياط ليجعلها على مقاسه. لذلك يبدو حين يلبسها وكأنه يسبح في داخلها، وهكذا مر سابحاً بين الأزرار والكلمات الإنجليزية بالمفوضين الثلاثة، وبعلوكي وعلي بن وحيد بائع الأقمشة في الظاهر وعتاد البنادق والمسدسات وقنابل أعماق المياه في الباطن، وبعلي بن موسى بائع النفط بعربة كبيرة يجرها حصان... مر بهم حاملاً بإحدى يديه علبة كيكوز معدنية مليئة بماء مثلج، من دون أن يحييهم، وحتى من دون أن يلقي عليهم نظرة. شعر الجميع بالإهانة، إهانة لجلستهم التي يجب أن يحترمها الآخرون، حتى وإن كانوا يرتدون بدلات عمل أجنبية.
غير انهم ابتلعوا الإهانة، وتابعوا خطوات ملوكي التي جعلتها بدلته الفضفاضة تتجه إلى الجانبين بدلاً من الأمام. تابعوا ملوكي حين وقف تحت النخلة في نهاية لسان الأرض، تابعوه بفضول لم يشعروا به سابقاً وهو يضع علبة الكيكوز المعدنية على الأرض برقة، ثم أخرج من جيب جانبي قدح زجاج وكيس نايلون مليء بمكعبات الثلج، ومن جيب آخر أخرج ثلاثة أكياس من النايلون أيضاً، لم يميزوا محتوياتها في الظلمة الخفيفة، لكنهم ميزوا زجاجة العرق الكاملة التي أخرجها من جيب جانبي آخر.
ـ زجاجة كاملة؟..
ـ هذا يعني أن ملوكي قرر قتل أحدهم...
أسند حدبته الضائعة وراء قماش البدلة إلى جذع النخلة، يعني أنه أعطاهم ظهره.بدا لهم، خاصة المفوضين الثلاثة، أن ملوكي ملأ الليل بالإهانات الموجهة إليهم. إلا أن قلوبهم التي تلين خلال ما يشربون العرق، تسامحت مع تلك الإهانات، ثم سمت ـ تلك القلوب ـ في تسامحها حين تذكروا أن ملوكي لم يسبق له أن شرب العرق أبداً. دار همس بينهم، همس ظاهره وباطنه استند على حب الخير لملوكي.
ـ إذن، هو في ورطة؟
ـ مَنْ؟... ملوكي؟.. إنه قادر على إيقاع نصف قاطني الماجدية في مليون ورطة.
ـ أنتركه هكذا؟..
ـ نعم... إذا كان في ورطة فسيأتي إلينا..
لكن علوكي ذو الصوت الجميل، اقترح أن يذهب إليه، أن يعرف أين حشر ملوكي رأسه.
غير أن ملوكي زمجر في وجه علوكي حالما جلس إلى جانبه. زمجر وكشر مثل حيوان ضار، فتراجع علوكي إلى مجلسه السابق. قال:
ـ كاد ينهشني..
بتلك الزمجرة، وبتلك التكشيرة، حاول ملوكي أن يعبر لعلوكي ذي الصوت الجميل عن حاجته للانفراد بنفسه. حاول أن يفكر وهو وحيد مع نفسه بعيداً عن الآخرين. فشل عن استعادة هدوئه بعد تلك الزمجرة، وشعر أنه بدأ يغضب، وإن غضبه أخذ يتفاقم، وهكذا لجأ إلى قدحه المترع حتى حافته. رفع قدحه من دون ذلك التردد أو الوجل الذي يشعر به مَنْ يشرب أول مرة. رفع قدحه وشربه حتى آخر قطرة، فشبت النار من بلعومه حتى قاع معدته، وابتلع بسرعة نصف كيس اللبلبي وربع كيس اللبن الرائب. ملأت الدموع عينيه، وارتفع ما يشبه جيشاً من النمل المسرع من بطنه إلى رأسه. بدأ اللعاب يتدفق من فمه كنذير للغثيان، غير أنه لم ينشغل بما طرأ على بطنه ورأسه وفمه. أشعل سيجارة توهجت جمرتها في الظلمة تحت النخلة السامقة، وحين أراد أن يريح رأسه على جذعها اضطر أن يزحلق عجيزته قليلاً إلى الأمام ليبعد حدبته عن ذلك الجذع. وبدأ يفكر: لماذا تلك الضربة على رأسي؟.. لماذا ارتعشت حين رأيتها؟... أهي جميلة؟.. هي حورية.. هي آية من آيات الجمال... عند هذا الحد أغمض عينيه وارتبك تفكيره.. حاول أن يعاود التفكير، غير أن جمال ساهرة سد جميع المنافذ أمام فكره.
حاول ذلك ثانية لكنه فشل. اعتدل في جلسته وملأ قدحاً آخر، قدحاً مترعاً فيه الكثير من العرق والقليل من الماء والثلج، وكرعه مثلما كرع القدح الأول، فتطايرت شرارات صغيرة من النار مع دموعه، ونفث جسمه أبخرة ساخنة من مساماته. فتح جميع أزرار البدلة الأمامية، وسال عرق غزير من وجهه فمسحه بأردانه. حين هدأت معدته التي أحس بها تغلي مثل قدر على النار، حين أغمض عينيه عن المصابيح المتوهجة في الجانب الآخر من النهر والمتراقصة من دون انسجام، حاول أن يفكر مرة أخرى، لكن الدوائر، الكرات الصغيرة الحمر والزرق والصفر المتحركة تحت جفنيه دونما توقف، جعلته يحس أنه يعوم في دوامات ملونة.
ثم اختفى كل شيء.. اختفى جيش النمل واختفت الدوائر الملونة، واختفت أيضاً الأبخرة الساخنة المتدفقة من مسامات جسده، الآن، هو يجلس على وسادة لينة لا على أرض خشنة صلبة، والنهر كف عن جريانه السريع وعاد هادئاً مثلما كان، وتوقفت مصابيح الجانب الآخر من النهر عن رقصها العابث. الآن، صفا فكره الذي عصفت به البلبلة والإرباك قبل قليل، ثم إنه يشعر الآن بقوة كبيرة، قوة لم يعهدها سابقاً، تستقر في جسده المنهك المحطم.
حاول وهو يمر بهذا الصفاء النادر لرأسه أن يفكر ولو للمرة الأخيرة، أن يصل إلى حقيقة ماكان سيصل لولا هذا الصفاء الذي لن يحصل عليه بعد هذه الليلة أبداً. وماكان أحد سيصدق ماتوصل إليه لو أنه قصه عليه. لكن ملوكي ـ وهذا من سوء حظه ـ فتح الباب الذي سيطل على تعاسته المزرية طوال السنتين التاليتين. خلال ماكان يكرع الكأس تلو الكأس، كان يفكر بنفس سرعة شربه. حار في البداية أمام خوفه خلال السنوات الأثنتي عشرة الماضية، تلك السنوات التي انقضت من دون أن يرى ساهرة، من دون أن يمر من أمام باب بيتها، فهذه الفتاة خلفت في قلبه الخوف بعد أن رمته من فوق كتف النهر إلى الصخور الخرسانية.
لم يكن ذلك الخوف من النوع الذي يمر بالإنسان تاركاً بصمة سرعان ما يمحوها تعاقب الزمان، بل هو مزق بسالة قلبه الجريء وهو في تلك السن الصغيرة. وهكذا تحولت ساهرة من كائن صغير يمكن اللعب معه بسعادة إلى مصدر فزع دائم. إذن، ماذا حدث اليوم؟.. ماذا حدث بحيث أنني أحب النظر إليها؟... أحب أن أراها في كل وقت، في كل لحظة... هل أحببتها؟..
فزع من تساؤله الأخير، وازداد فزعه حين تذكر إنها هي مَنْ صنع له حدبته.. كرع كأسين سريعتين، فطارت أشجار الجانب الآخر من النهر نحو السماء، وهدر النهر مرتفعاً نحوه.
تناول زجاجة العرق والكأس الفارغة كلاً بيد، ونهض واقفاً وهو يتمايل أماماً وخلفاً. استدار بصعوبة إلى الخلف، ثم سار بساقين مهتزتين، ومر بالمفوضين الثلاثة ورفاقهم. من دون أن يراهم، لأنه كان يسير مغمض العينين. سار كما لو أن قدميه اللتين تعرفان الطريق يقودهما شخص آخر غيره، وغاب في الظلمة وراء مخزن الأسماك بعيداً عن بيته.
استيقظ في عصر اليوم الثاني والدوار يطن في رأسه. استيقظ من دون أن ينهض من استلقائه، يعني أنه فتح عينيه فقط، فطالعته أضلاع زورق مقلوب على جانبه. وجد صعوبة في تمرير لسانه على شفتيه المتيبستين، وكان فمه جافاً. تذكر زجاجته وكأسه، فأدار رأسه إلى الجانب الآخر، فواجهه سطح أسود لزروق مقلوب بطناً إلى ظهر. انقلب على جانبه لينهض، وحين وقف على ساقيه جفل نجرس الجالس مقرفصاً أمام قارب مقلوب آخر وهو يحشر فتائل القطن بين شقوق ألواحه.
ـ ماذا تفعل؟..
ـ كنت نائماً..
ـ منذ متى؟..
ـ منذ ليلة أمس..
ـ بدأت تشرب العرق أيها الأحدب الملعون؟..
خرج من بين الزورقين واتجه إلى الساحل. نزع بدلته الفضفاضة ونفضها عدة مرات ثم طواها بعناية وحشرها في مقدمة زورق مربوط إلى الضفة. بدا لنجرس وهو في لباسه الداخلي فقط وحدبته المكورة في أعلى ظهره وبشرته السوداء، بدا للمندائي وكأنه قادم من مكان يعج بالجن والشياطين. غطس في النهر فشعر ببرودة الماء تلسعه غير أن الطنين والدوار ازدادا في رأسه، فأغطسه عدة مرات وبسرعة تحت الماء: خلال ماكان واقفاً على رمال قاع النهر المتماسكة القوية، خلال ماكان التيار الضعيف لمياه الجرف المار بصدره وبطنه ومابين ساقيه، أحس أن المياه الباردة لم تنعش جسمه الذي أذبلته سكرة ليلة أمس، على العكس، كان يحس أنه بدأ يذوب بالتدريج كما لو أن تيار الماء المار به، يمتص قوته شيئاً فشيئاً.
جاءه صوت نجرس من فوق مؤخرة القارب التي وضع فيها بدلته وحذاءه:
ـ حدث هذا اليوم أمر سيغير الكثير من الأمور.
رفع رأسه إليه فرأى سيجارة تشتعل بين أصابعه. أضاف نجرس:
ـ صادر المفوضون الثلاثة سيارة سمك تعود إلى وهابي.
ـ سيأكلهم وهابي.
ـ هذا ما سمعته من كل شخص صادفته اليوم في الماجدية.
ـ وقبل أن يبدأ بلوكهم سيجعل النجمات البيض الصغيرة تطير من فوق ياقاتهم.
ـ هذا ما سمعته أيضاً.
فجأة، هبطت غيمة سوداء صغيرة على عيني ملوكي. تذكر المفوض عدنان شقيق ساهرة. كان قد شعر أن خيطاً جديداً، خيطاً حساساً يتعلق بحياته وبقلبه قد ربطه به منذ هوت تلك المطرقة على رأسه أمس، وآمن في لحظة خوف وسخط، إن وهابي ملك الصفاطين الذي لا ينازع لديه مقدرة لا حدود لها في قطع هذا الخيط الحيوي بالنسبة إليه في الأقل. تقدم نحو المندائي وطلب منه سيجارة فقد تحول الطنين في رأسه إلى صدام. عاد إلى حيث كان قبل قليل مبقياً رأسه ويده اليمنى التي تحمل السيجارة فوق الماء.
ـ عاد المندائي يقول:
ـ وبعد الساعة الواحدة ظهراً وضعوا وهابي في الحبس.
تدفق الماء في عيني ملوكي المفتوحتين الشاخصتين على المندائي، رأى المندائي من وراء غشاء الماء يتلوى مثل ورقة رقيقة يموجّها الماء بهدوء. رمى سيجارته وفرك عينيه ليخرج منهما الماء. تساءل:
ـ وضعوا وهابي في الحبس؟.. صادروا أسماكه ثم وضعوه في الحبس؟.. لن يرضى وهابي إلا بضرب الماجدية بالمدافع..
ومثلما قال ملوكي كان قاطنوا الماجدية يعتقدون. لكن المفوضين الثلاثة منذ الصباح، وبالضبط منذ أمسكوا سيارة الأسماك المهربة في نهر سعد، وأعادوها ثمانية وعشرين كيلو متراً إلى الوراء، إلى حيث مركز شرطة الماجدية، مع سائقها ووكيل أعمال وهابي، حققوا مع السائق ومع الوكيل موقعين بهما في شبكة محيرة ومبلبلة من الأسئلة التي ألهمها إياهم القانون، جعلوهما يعترفان بكل التفاصيل بعد نصف ساعة من التحقيق، ويعترفان بأشياء أخرى تخص المالك الحقيقي للأسماك بعد أن وعدوهما بإطلاق سراحهما. وضعوا أمام حاكم التحقيق محضري التحقيق الخاليين من أي ثغرة يمكن أن يتسلل منها الدفاع. أصاب حاكم التحقيق الذهول وهو يقرأ المحضرين من البداية إلى النهاية، وماكان قد علق عليه الآمال، يعني تلك الثغرات العديدة والكبيرة التي يضعها مفوضو المراكز في محاضر التحقيق، والتي هي في كل الأحوال، أبواب تطل على براءة الموقوفين، لم يجدها في هذين المحضرين، وهكذا سلك الدرب الوحيد الذي تركه له مفتوحاً ومعبداً المفوضون الثلاثة، فذهب السائق، ووكيل أعمال وهابي إلى ما وراء قضبان غرفة التوقيف، وبيعت أسماك ملك الصفاطين بأسعار بخسة ذهبت عن طريق الإيراد إلى خزينة الدولة، ومع ذلك فقد كانت تلك الأسماك ذات طعم تلذذ به أكثر من ثلاثة أرباع القاطنين في الماجدية..
ووهابي نفسه ليس ذلك الرجل الذي يمكن وصفه أنه لين العريكة... يبدو أن المفوضين الثلاثة لم يصطدموا به في الطريق مصادفة، بل هم اختاروه اختياراً، اختاروه كضحية لفرض هيبتهم وبأسهم كرجال قانون ما يزالون يحتفظون بدماثتهم وابتساماتهم. ومن المؤكد أن تلك السيارة لم تقع في قبضتهم بسبب مخبر مجهول لم يشأ ذكر اسم الصفاط مالكها مثلما قالوا فيما بعد لوهابي الذي ملأ الدنيا زمجرة ووعيداً. لقد كانوا يعرفون كل شيء عن تلك السيارة المهربة، لأن رجال وعمال وهابي كانوا يلتقون بهم في الشوارع والمقاهي، بل ويزورونهم في مركز شرطة الماجدية. كان اختيارهم لوهابي يعني مواجهة أقوى أسود تجار الأسماك قاطبة، فوهابي تربع على قمة هرم الصفاطين منذ زمن نسيه الناس لطوله، وهو رجل ذو ثروة ونفوذ وحظوة لدى الناس والمسؤولين، وسيّر خلال كل الأزمنة أساطيل لا عد لها من السيارات المحملة بالأسماك إلى بغداد والمحافظات الأخرى، إلا أنه لم يفهم لماذا قررت السلطات المحلية عدم تصدير الأسماك خارج العمارة خلال هذا الموسم. فكر الرجل بسمعته، فكر بمكانته بين الصفاطين، يعني أنه لم يفكر بالمال الذي فقده جراء فقدانه للسيارة، عندئذٍ نظر إلى الأمر برمته على أنه مكيدة، ومكيدة حقيرة صنعتها عقول عدائية منقادة إلى قلوب مترعة بالسموم. دخل مركز شرطة الماجدية زاعقاً وصارخاً وشاتماً المفوضين الثلاثة، وذاكراً أسماءهم الصريحة، خرج لاستقباله مأمور المركز والمفوضون الثلاثة، استقبلوه بوجوه مبتسمة وكلمات لينة معتذرة. كانوا يبدأون كلامهم بكلمة "عمي" وجعلوا ذلك الكلام سلساً، هادئاً، ودافئاً يرشح بما يشبه التوسل. ولأن ملك الصفاطين لم يستطع أن يرى، الآن، النجمات البيض اللامعة على وسائدها السود الصغيرة وما يمكن أن تفعله، لا لأنّها تومض بقوة القانون فقط، بل لأنها تمثل الحكومة، إنما رأى ثلاثة فتيان كانوا يتدحرجون أمامه في شوارع الماجدية، ثلاثة فتيان أولدهم آباء يعرفهم معرفة تجعله ينظر إليهم نظرة مَنْ لا يكلف نفسه القيام لهم لو مروا بمجلسه: حلاق في سوق النجارين وفراش في محكمة وصفاط كان حتى الأمس القريب يعمل صياداً على أحد قواربه، وحتى الآن ما يزال يلجأ إليه لاستئجار القوارب والشباك. وهكذا تفاقم غضبه وتفاقم سخطه تجاه هؤلاء المتوسلين الثلاثة الذين جعلوه يصطدم بأنف الحكومة. وقال كلاماً سمعه الناس الذين تجمهروا أمام باب مركز الشرطة، سمعوه بوضوح تام لا لبس فيه، وكانوا على يقين أنه ليس كلاماً، بل تهديداً صريحاً، وفيما بعد، بعد أن خرج الصفاط من مركز الشرطة شهد سبعة عشر رجلاً وأربع عشرة امرأة، ووقعوا على شهاداتهم بالأقلام وببصمات الإبهام، وبقلوب مطمئنة غير خائفة وغير مجبرة، أنهم سمعوا وهابي يقول بصوت عالٍ وواضح جداً، أنه سيلقي المفوضين الثلاثة وليد وعدنان وجعفر في القمامة، وأن الحكومة، كل الحكومة من صغيرها إلى كبيرها، هي في جيبه، وأن القانون الذي تتبخترون تحت ظلاله لا يساوي عندي حبة فاصولياء، نعم حبة فاصولياء واحدة، كما شهدوا أنهم رأوا بأعينهم التي سيأكلها دود القبر غداً، كيف أمسك وهابي بالمفوض وليد من قمة قميصه وهزه عدة مرات في مدخل المركز، ثم ضربه بالحائط عدة مرات أيضاً قبل أن يخرج من المركز ويركب سيارته. وضع المفوضون الثلاثة محضر التحقيق أمام حاكم التحقيق، وأدخلوا عليه السبعة عشر رجلاً والأربع عشرة امرأة، الذين اضطروا إلى نقلهم في حوض سيارة الشرطة على ثلاث دفعات لكي يصدّق أقوالهم، ثارت ثائرة الحكومة التي اشمأزت من وصف قانونها بحبة الفاصولياء... امتقع وجه مدير الشرطة وهو يقرأ نسخة من المحضر، وسيّر كتاباً رسمياً موقعاً بإمضائه يطالب فيه من حاكم التحقيق، ضماناً رسمياً من وهابي على حياة المفوضين الثلاثة.
الآن، أصبح الظلام كاملاً حول وهابي، وذلك يعني أن المفوضين الثلاثة شقوا له الطريق الذي أرادوه أن يسلكه، وفي الساعة الواحدة ظهراً أعاده أولئك المفوضون إلى مركز الشرطة والقيود في يديه. رآه الناس في الماجدية زائغ البصر ومكشوف الرأس وهو جالس القرفصاء في الحوض الخلفي المكشوف لسيارة الشرطة. كان المفوضون الثلاثة قد رفضوا توسلاته، وكذلك التماسات أولاده وأبناء أخوته، ورفضوا أيضاً رجاء إمام جامع الماجدية، بعدم وضع القيود في يديه، بعدم نقله في سيارة الشرطة، بل بسيارته الخاصة وسيركب أحد المفوضين معه. قال وليد وابتسامة واسعة في وجهه:
ـ لحد الآن لم يغب عن بالنا أنه عمنا، بل هو بمثابة أب لنا، لكن لا تورطونا مع الحكومة ومع قانون الحكومة.
تراجع المتوسلون بسرعة أمام الحكومة وقانونها. سارت السيارة ببطء من بيت ملك الصفاطين إلى مركز شرطة الماجدية، تاركة الوقت الكافي لخروج الناس من دكاكينهم لرؤية وهابي المتقرفص في حوضها الخلفي المكشوف... أدار مأمور المركز ظهره لوهابي الذي قاده المفوضون الثلاثة وكلمات الاعتذار تتساقط من أفواههم، إلى غرفة التوقيف التي ما يزال يقبع فيها سائقه ووكيله.
سألوه من خلف القضبان إن كان يحتاج لشيء، غير أنه لم يسمعهم بسبب سخطه المتفاقم في كل لحظة والذي أغلق عينيه وسد أذنيه.
قال نجرس بعد أن أشعل سيجارة جديدة:
ـ حبس الحاكم وهابي لمدة ثلاثة أيام بشرط عدم قبول خروجه بكفالة..
قال ملوكي ورأسه فوق الماء فقط:
ـ لماذا رفض الكفالة؟..
ـ لأنه هدد حياة المفوضين.
أغطس ملوكي رأسه تحت الماء ثم أخرجه.. قال وهو يقذف الماء من فمه:
ـ أعتقد أن أحدهم سيقع قتيلاً، فآل وهابي لا تخيفهم الحكومة.
سرى الخوف إلى قلب المندائي، فحاول تغيير الحديث:
ـ ألا تخرج من الماء؟.. منذ متى لم تأكل؟... أنا لحد الآن لم أتناول غدائي... اخرج لنأكل سوية.
ـ اذهب، سآتي وراءك سريعاً.
ارتدى بدلته وحذاءه بعد ذهاب نجرس، بحث عن الزجاجة والقدح في أرجاء الورشة ولم يعثر عليهما، فزمجر:
ـ الصّبي النجس... استولى عليهما...
بعد الغداء تطوّح ملوكي في شوارع الماجدية حاملاً صداعه إلى كل مكان. لم يجلس في مقهى أو يتوقف في أبواب دكاكين معارفه، فهو يعرف حول ماذا سيدور الحديث، إضافة إلى أنه لم يكن متلهفاً لسماع أكثر مما سمع حتى الآن. وصل إلى نهاية شارع الجامع، إلى حيث ينتهي الشارع المعبد وتبدأ الأرض الخلاء، الأرض السوداء الممتدة حتى شريط البساتين الذي يبدو وكأنه ينتصب على الأفق الشرقي. راقب شريط البساتين المغمور بطبقات من الدخان واحدة فوق الأخرى، وسيطر عليه إحساس بالكآبة لذلك الشفق الهزيل والضوء. ثم مرت من فوقه سحابة طويلة وواسعة وغير متماسكة من أدخنة تنانير الماجدية، وشم رائحة حرق الحطب الجاف المنبعثة من البيوت القريبة. انكفأ إلى الخلف، لكنه لم يسلك الشارع الذي قدم منه، انكفأ إلى الأزقة المتشابكة، الأزقة، التي توّلد انطباعاً غريباً عن هندسة خرجت من عقل مشوش. كان يعرف الأزقة التي تقوده إلى شارع الملعب مختصرة مسافات كبيرة. سلكها لا لأنه لا يملك وقتاً يمكن هدره في سير ملتوٍ بين أزقة تلتوي وتدور هي الأخرى من دون استقامة أو نظام، بل لأنه يريد الوصول ما أمكنه من سرعة حتى يمر، أو يقف على مقربة من بيت ساهرة، فقلبه استيقظ الآن كما لم يستيقظ قلب بشري مثله. استيقظ قالباً كل مشاعره تجاه ما يحيطه من كائنات: بشر وبيوت وشوارع وحيوانات. اكتشف أن خطواته التي كانت قبل دقائق أو لحظات وئيدة وخالية من أي هدف، أصبحت سريعة باتجاه بيت ساهرة. فكر متسائلاً: أهذا ما يسمونه الحب؟... لم يبحث عن الجواب لأنه هو نفسه لم يشأ أن يجد الجواب، لأنه غير قادر على العثور عليه...
اخترق سوق الماجدية من الخلف.عبر شارع الملعب وتجاوز النصف الثاني من السوق ليغوص في الأزقة الكائنة خلفه. مر بفتاة متجاوزاً إياها بخطواته السريعة. لكن شرارة كهربائية صعقته وسمرته في مكانه:
ـ ملوكي... إلى أين أنت مسرع بهذه الخطوات؟
ووقفت أمامه حاملة رقية كبيرة وضاغطة إياها على أعلى بطنها فنفر نهداها متكورين إلى الأمام...هي نفسها التي سلمت عليه أمس، وهي نفسها التي قذفت به من فوق الجرف العالي إلى الصخور الخرسانية قبل اثنتي عشرة سنة، وهي نفسها التي قفزت وراءه وخنقته مهددة إياه بالموت إذا ما ذكر إنها هي مَنْ قذفته. ارتجف أمامها مثل محموم، ونز العرق من جميع مسامات جسده. توقع أنه سيغمى عليه إذا ما ظلت واقفة أمامه وقتاً أطول:
ـ مابك ملوكي؟... هل أنت مريض؟
أفاق ملوكي وهمهم:
ـ لا... كنت أسير مسرعاً.
لكن الأنثى داخل ساهرة رسمت ابتسامة ماكرة في الوجه الجميل. التقط ملوكي الابتسامة، كما التقط ثوب ساهرة البيتي، كان أبيض تنقطه دوائر حمر صغيرة، وظل هذا الثوب حتى آخر لحظة في حياته الذكرى الأكثر حميمية إلى قلبه وعينيه. في تلك اللحظة من ذلك الغروب الكئيب اكتشف مايدور في قلبه، ذلك القلب الذي خانه تاركاً إياه ليتعلق بفتاة سببت له أقسى الآلام طوال شهور، عندما صنعت له حدبة في أعلى ظهره...
قالت ساهرة متغنجة بصوتها:
ـ ألا تساعدني..
وأشارت بعينيها إشارة ساحرة إلى الرقية. سار معها حاملاً الرقية والعرق ما يزال ينضح من وجهه بغزارة. كاد يطير في الهواء عندما تدفق عطرها في خياشيمه بعد عدة خطوات، وعرف أنه سيقف عاجلاً أم آجلاً أمام باب الموت بسبب قلبه الخائن. غير أنه وقف أمام بيت الصياد الأعرج. وقف هو في الخارج ووقفت ساهرة في الداخل وعتبة الباب الخشبية تقف بينهما. مدت يديها لتتناول منه الرقية، لكنه ظل جامداً كما لو أن تلك الصعقة الكهربائية أعادت الكرة عليه. طفت ابتسامة الأنثى للمرة الثانية في الوجه الجميل:
ـ ماذا يا ملوكي؟
شحب وجه ملوكي ليس بسبب السؤال، وإنما انتبه لأم ساهرة التي قدمت من فناء البيت إلى المجاز. وقفت إلى جانب ابنتها وناظرة إلى ملوكي بمزيج من الفضول والشك. سألت ابنتها من دون أن تحيد بنظرها عن ملوكي:
ـ مَنْ يكون هذا الفتى؟..
أجابت الابنة:
ـ ألم تعرفيه؟... إنه ملوكي...
ـ ملوكي ابن أخ جحيل؟
ـ نعم..
اختفت النظرة المريبة من عيني الأم، وقالت بلهجة مليئة بالحنان:
ـ ملوكي الصغير أصبح رجلاً ... لماذا لا تدخل؟
شكر ملوكي الأم بهمهمة غير مفهومة أو واضحة، ثم ناول الرقية إلى ساهرة وودع الأم والابنة بنفس الهمهمة السابقة. ظلت الأم والابنة تراقبان ملوكي وهو يختفي وراء منعطف الزقاق. سألت الأم:
ـ لماذا يلبس هذه البدلة التي يبدو فيها وكأنه مجنون؟..
رنت ضحكة ساهرة في المجاز.. أجابت:
ـ ملوكي مجنون منذ أن كان صغيراً..
لم يخدم الحظ ملوكي حتى يسمع مثل هذا الكلام، لا الآن ولا حتى في آخر لحظة من حياته. غير أنه عرف مثلما يعرف الرضيع الطريق إلى ثدي أمه، أن قلبه تعلق بابنة الصياد الأعرج. ولا يهمه الآن إن كانت قد أساءت له أم لا عندما صنعت له حدبة في الصغر، حاول مثلما حاول في الأمس أن يفكر بهدوء وهو جالس على مؤخرة قارب يؤرجحه تيار النهر في الجرف.
لكن الثوب الأبيض المنقط بدوائر حمر يدس نفسه بين فترة وأخرى ليربك تفكيره. مع ذلك، توصل إلى قناعة غير مبررة، يعني أنه لا يملك الأسباب الحقيقية لقناعته تلك، وهي أنه غير مرفوض من ساهرة. أو أن ساهرة لن تغلق الأبواب والشبابيك أمام حبه، لأنها هي التي فتحت تلك الأبواب والشبابيك على وسعها بابتسامتها وأسئلتها عن صحته، وابتلع ملوكي الحب مثلما ابتلع كؤوس العرق المترعة حتى قاعها. فكر بصفاء، وذلك يعني أنه فكر من دون أن يحشر ذلك الثوب الأبيض المنقط بدوائر حمر نفسه محدثاً الإرباك في تفكيره، أن ساهرة لا تعدو أن تكون الجزاء أو الجائزة أو العزاء، لا فرق، عن الإحباطات التي وسمت حياته، والتي وقفت حائلاً أمام طموحه ليكون رجلاً يُشار له بالأيدي.
اكتشف أن الظلام يحيطه من كل جانب. هرول إلى جورج منصور وعاد بربع زجاجة وثلاثة أكياس من النايلون. غاص في ظلمة الأكواخ وراء مخزن الأسماك، وكر راجعاً إلى لسان الأرض مضيفاً إلى حمله علبة كيكوز مليئة بالماء المثلج. مر بجماعة ليلة الأمس من دون أن يحييهم، وتوغل في اللسان حتى طرفه. هناك على الأرض الخشنة تحت النخلة السامقة، بسط مؤونته وجلس مريحاً حدبته على جذع النخلة غير المستوي. شرب كأسه الأولى مثلما شربها ليلة أمس، يعني أنه ملأها إلى الحافة وكرعها دفعة واحدة حتى قاعها. بدا ملوكي لمن يراقبه عن كثب أنه لم يتعلم أية خبرة من حفلة ليلة أمس، بل ظل غريراً يشرب العرق مثلما يشرب الحليب أو الماء، كانت جماعة المفوضين تراقبه منذ حل على لسان الأرض، وتراقب طريقة شربه، واتفقوا على إنها طريقة بائسة لا تليق بشارب خمرة حتى ولو كان مبتدئاً. تابعوا شربه للكأس ثانية؛ فقال المفوض عدنان بامتعاض:
ـ هذا انتحار... هل نضعه في الحبس؟
سأل علوكي:
ـ ماذا فعل؟..
ـ لم يفعل شيئاً، ولكننا سننقده من هذا الشراب القاتل.
قال المفوض جعفر:
ـ لم يشرب سابقاً... إنه يجهل طريقة الشرب.
قطع حديثهم صوت مخشخش. صوت ارتفع من ناحية طرف لسان الأرض، مطلقاً آهات ضخمة متتابعة. انصتوا للصوت المتقطع، المتفجر والمنبعث من باطن أنبوب معدني ضخم، كما تصور جماعة المفوضين. كان أكثرهم إنصاتاً هو علوكي المغني ذو الوجه الجميل. حين تفجرت القعقعة فوق النهر قال علوكي متنهداً:
ـ أية أغنية هذه؟
فأجاب عدنان:
ـ إنها أغنية الصياد الصغير..
ـ ماذا يقول فيها؟
قال عدنان:
ـ الله وحده يعلم ماذا يقول فيها.
فجأة، توقف الضجيج المعدني القادم من طرف لسان الأرض. توقف كما لو أن شخصاً ما قرر أن يختفي الصوت الشارخ للأذان فحشر قطعة كبيرة من الفلين في فم ملوكي. وملوكي نفسه لم يتوقف عن غنائه المبهم لأن الكلمات كانت تعوزه، فهو قادر على أن يحشر حتى الفئران والقطط والكلاب في أغنيته، لكنه توقف حين صعدت أبخرة العرق إلى رأسه وهاجمت مافي داخل ذلك الرأس بضراوة، وحين ثمل تذكر أين دفن زجاجة الأمس والكأس، تذكر المكان بالضبط فتوقف عن الغناء، مع ذلك، لم يسرع إلى نبش الأرض والإتيان بها، فربع الزجاجة أمامه ما يزال فيه الكثير. ابتلع الكأس الثالثة بنفس الطريقة التي اعتبرها مثالية لمن ينشد الثمالة.ثم أخذت أبخرة العرق تهبط من رأسه لتحاصر قلبه المثقل والمملوء بعاطفة جديدة لم يسبق له أن أحس بها. تيقن وهو تحت طائلة الثمالة أنه عاشق، عاشق، ومعشوق أيضاً حينما استرجع كلمات وابتسامات ساهرة. قرر أمام يقينه هذا أن يسلك كل دروب الحب التي ستنفتح أمامه، وكذلك سيطرق كل دروب الحب التي ستنغلق أمامه، فهذا هو مصير العاشق الذي ينبغي عليه، هو ملوكي، أن يحمل أعباءه وأن يتقبل نتائجه برضى تام كنوع من القضاء والقدر. آمن ملوكي أن هذا الحب لم تسقطه ساهرة في قلبه، إنما هو القدر، قدره هو، إذ قُدر عليه وهو في بطن أمه أن يعيش سعيداً بقدره، وذلك يعني بلغة ملوكي: حبه. هكذا نسي المطرقة التي هوت على قمة رأسه، ونسي أيضاً الشرارة الكهربائية التي صعقته عصر هذا اليوم، وانطلق محلقاً في الظلام الخفيف الراكد فوق النهر، انطلق لا كما تفعل العصافير بطيرانها السريع، بل مثلما تفعل الصقور في أعالي السماء، تدور ببطءٍ فاردة جناحيها من دون حركة أو رفيف لتوحي بالإجلال.
عند هذا الحد، أنهك ملوكي قلبه بتبعات العشق، وعقله بتفكير بدأ منذ كأسه الأولى.. وللمرة الأولى يداهمه إحساس بالسعادة، لم يقدم من الخارج، إنما انبثق مثل صاروخ من مكان ما من داخل جسده، فارتفعت أغنية الصياد الصغيرة لتداهم أول مَنْ تداهم مجموعة المفوضين التي تضخمت كثيراً فباتت حلقة واسعة من الشبان الذين أتوا إلى هذا المكان للمرة الأولى. جاؤوا جالبين معهم زجاجات البيرة والعرق والفواكه والبقوليات، وآملين أن يحصلوا من المفوضين الثلاثة خلال أبخرة العرق على تفاصيل أو إجراءات اتخذت في السر تجاه وهابي، من أجل أن ينشروها في شوارع وبيوت الماجدية، متخذين سمة المطلعين على بواطن الأمور، وبخاصة تلك التي تجري في دواوين الحكومة. كان المفوضون الثلاثة، وفي واقع الحال، المفوضون عدنان وجعفر، إذ أن المفوض وليد يقوم بواجبه الليلي كمفوض خافر في المركز، يعرفان نوايا القادمين والمشاركين لهما في حفلتهما في وسط لسان الأرض. ولأن الحال في وضعه العام لا يخصهما قدر ما يخص أعمال الدولة، فقد تمترسا وراء درع سميك من الصمت حول مصير وهابي. بعد منتصف الليل بدأ القادمون الفضوليون بالانسحاب حاملين أسفهم وقنوطهم وتاركين وراءهم الزجاجات فارغة.
كان جلاس حفلات المفوضين الثلاثة علوكي وعلي بن موسى وعلي بن وحيد وعلي بن حسين لا يهمهم إلى أي مكان سيصل مصير وهابي، وماذا يمكن أن يفعله أو ما متوقع أن يقوم به آل وهابي ضد المفوضين الثلاثة. كان يهمهم أن ينتظموا في تلك الدائرة اليومية المعتادة والكؤوس في أيديهم، يستمعون أو يروون النكات والمقالب التي جرت خلال هذا اليوم في الماجدية.
يذكرون مَنْ تزوج ومَنْ مات على سرير المرض ومَنْ مات ملفوفاً بعلم الوطن.تيقنوا تماماً أن وهابي أفسد حفلة ليلتهم هذه بسيارته المهربة وهجومه على الحكومة، مع ذلك، واصلوا قرع كؤوسهم بعد رحيل الفضوليين، محاولين إعادة الحفلة لتسير في طريقها الاعتيادي الذي يعرفونه جيداً والذي تعودوا عليه منذ أول ليلة شهد لسان الأرض فيها قنانيهم وكؤوسهم وجمرات سجائرهم المتوهجة بين أصابع أيديهم.
انسل علي بن موسى من الحلقة هابطاً لسان الأرض إلى الساحل ليفرغ مثانته، خلال عودته نظر إلى طرف اللسان وتساءل:
ـ هل فر ملوكي؟..
الآن، في هذه اللحظة فقط، تذكروا ملوكي. التفتوا إلى طرف اللسان ثم إلى بعضهم، واستولى عليهم ما يشبه الذهول. قال علي بن حسين:
ـ أنا جالس على الحافة المقابلة للحافة التي تجلس عليها يا عدنان، لو مر من هنا فإنه سيحتك بي... أنا لم أره يمر.
قال المفوض جعفر:
ـ إذن، سقط على الجرف.
هبط الجميع على الجرف تحت لسان الأرض المرتفع. داروا حول اللسان وخوضوا حتى منتصف سيقانهم في مياه الساحل، ولم يعثروا على ملوكي. عادوا إلى مكانهم، لكن علوكي استمر في سيره نحو نهاية اللسان. بحث في المكان الذي كان يجلس فيه ملوكي. لم يعثر على زجاجة أو قدح. انضم إلى رفاقه وهو يقول:
ـ مر بنا من دون أن نراه... لم يترك قدحه وراءه..
سأل عدنان :
ـ كيف حدث هذا؟... أعني كيف مر بنا من دون أن نراه؟
قال جعفر:
ـ أشياء غريبة طرأت على هذا الأحدب الأسود.
قال عدنان:
ـ يجب أن نحذر منه.
لكن علوكي قال ضاحكاً:
ـ هذا الصياد الصغير وجد أغنيته أخيراً..