٣
قالت باكارا: وفي اليوم التالي غيرت ملابسي بملابس أحد خدم رولاند، وذهبت مع خادم كان رولاند يأتمنه، وله صحبة مع خدم قصر الفيكونت فابيان دي أسمول صهر ذلك المركيز الكاذب، فاختلطنا مع خدم القصر، ونظرت جثة ذلك الأعمى، ثم نظرت المركيز كما أشاء وعدت إلى رولاند.
– فأسرع إلى استقبالي وقال: ما رأيت؟
– رأيت ذلك الأعمى وهو أندريا، ورأيت ذلك المركيز وهو روكامبول.
– أأنت واثقة مما تقولين؟
– كل الثقة؛ لأن هيئة هذين الرجلين لا تخفى علي مهما تشوَّه أندريا، وتنكر روكامبول.
– وماذا يجب أن نعمل الآن؟
– أما أنت فلا يجب أن تعمل شيئًا، بل يجب أن تقسم لي بشرفك على أن تبقى في القرية، ولا تعود إلى باريس إلا حينما آذن لك بالرجوع.
– وأنت؟
– أما أنا فإني سأسافر في المساء؛ إذ يجب أن أعلم ما حدث للمركيز دي شمري الحقيقي.
وفي اليوم نفسه غادرت رولاند في القرية لا يعلم ماذا يعمل، ورجعت إلى باريس.
فلما سمع الطبيب صموئيل جميع ما قالته باكارا، وكان مصغيًا إليها أتم الإصغاء، ودُهِش دهشًا عظيمًا من جرأة روكامبول، وقال: إن ما أقدم عليه هذا اللص لا يقدم عليه أحد، ويجب أن نضربه الضربة القاضية ونريح الأرض من شروره.
فقالت باكارا: صبرًا أيها الصديق واسمع تتمة حكايتي، فإني لم أفرغ بعد واعلم بأنه لا يكفي أن أعلم بأن المركيز دي شمري هو روكامبول؛ لأن مثل هذا اللص الحاذق لا يتنكر باسم سواه، ولا يدخل في عائلة شريفة، ولا يختلط بالشعب الباريسي دون أن يكون قد اتخذ الاحتياطات الشديدة، وبالغ في إخفاء آثاره السابقة التي تظهر اسمه الحقيقي.
ثم إنه لا بد أن يكون لديه أوراق، وأدلة وشهادات جمة تثبت أنه ذلك المركيز، الذي إما أن يكون قتله وتنكر باسمه، أو أنه سرق أوراقه واستخدمها لأغراضه، فاسمع ماذا صنعت.
إني عند وصولي إلى باريس أسرعت إلى الكونت إرمان دي كركاز، فرويت له جميع ما سمعت ورأيت.
وكان ذاك الكونت يعتقد أن أخاه السير فيليام قد هلك بين القبائل المتوحشة، فجمد رعبًا عندما علم بشروره الأخيرة، وأنه مات قتيلًا في وادٍ بضواحي باريس.
ثم سألت الكونت رأيه، فقال لي: إن يد الله وراءنا فإن موت الدوق سالاندريرا في اليوم، الذي كانت ستُزَف فيه ابنته إلى ذاك اللص السفاك دليل على أن الله أراد تأخير الزواج؛ كي نتمكن من غل يد ذاك اللص، وأنه لم يأذن بموت الدوق إلا اجتنابًا لمصيبة أعظم، وهي وقوع الفتاة الطاهرة بين مخالب الوحش الضاري.
– إني من رأيك يا سيدي الكونت، ولكني لا أعلم كيف نغل يد ذلك اللص.
فقال الكونت دي كركاز: يجب أن لا نغفل عن أمر خطير، وهو أننا إذا فضحنا روكامبول، وأظهرنا اسمه الحقيقي فإننا نفضح عائلة شريفة تتناولها أقلام الجرائد، فيظهر للناس قاطبة كيف أن هذه المرأة الطاهرة أحبت لصًّا سفاكًا، وهي تعتقد أنه أخوها، بل إننا نهين كثيرًا من العائلات التي فتحت أبوابها لاستقبال هذا الرجل، الذي لا ينبغي أن يكون مقره إلا في أعماق السجون.
– ولكننا لا نستطيع أن ندع هذا اللص يلقب نفسه بالمركيز دي شمري.
– لا ريب في ذلك، غير أننا قبل أن نبدأ في نزع اللقب منه يجب أن نعلم ما حدث لذلك المركيز الحقيقي، الذي اختلس منه روكامبول هذا الاسم.
وكان الكونت دي كركاز مصيبًا فيما قال، فعزمنا في الحال على السعي في كشف الحجاب عن غوامض هذه الأسرار.
وأول ما خطر لنا هو أن نعلم كيف كانت عودة روكامبول إلى باريس، فجعلنا نبحث حتى علمنا بعد يومين أن الذي يدَّعي أنه المركيز دي شمري وصل إلى باريس يوم وفاة أمه فيها، وأنه كان الرجل الوحيد الذي سلم من الغرق؛ لأن الباخرة التي قدم عليها غرقت، وذلك منذ ثمانية عشر شهرًا.
فلما وقفنا على هذه التفاصيل قال لي الكونت دي كركاز: إنه يرجح أن المركيز دي شمري الحقيقي وروكامبول اتفق وجودهما سوية في تلك الباخرة التي غرقت، فإذا صح ظني فإنه يسهل علينا أن نعلم الحقيقة؛ وذلك لأن المركيز دي شمري كان عائدًا من الهند، فلا بد له من المرور بلندرا ولا بد للأوراق الموجودة مع روكامبول أن يكون عليها كتابة من الأميرالية البحرية، وبالتالي فلا بد أن نجد في لندرا ضباطًا يعرفون المركيز من الذين خدموا في الهند، سواء كلكيتا أو في بمباي.
– إن ذلك ممكن لا سيما وأنه يرد في كل يوم إلى لندرا سفن من شركة الهند.
– إن المركيز الحقيقي إذا كانوا رأوه في لندرا؛ فهو إما أنه كان من جملة ركاب الباخرة التي غرقت، وإما أن يكون قُتِل قبل سفرها، فإذا كان الأول يكون قد فُقِد واستولى روكامبول على أوراقه، وإذا كان الثاني فإننا نستطيع الوقوف على آثاره في لندرا.
– لقد فهمت ما تقول وسأسافر إلى لندرا غدًا.
– وأنا أسافر معك أيضًا، فإن رأيين أحسن من واحد.
وفي اليوم التالي سافرت مع الكونت دي كركاز، وبعد اثنتي عشرة ساعة وصلنا إلى لندرا، فكان أول ما شرعنا به أننا ذهبنا إلى الأميرالية البحرية، وسألنا عن المركيز دي شمري، فأخبرنا أحد الموظفين أنه يذكر بأنه كتب الكتابات المألوفة على جواز المركيز دي شمري منذ ثمانية عشر شهرًا، وقال لنا: إنه يذكر أيضًا بأن هذا المركيز ضابط بحري في الهند الإنكليزية وهو مستقيل.
وأخبرنا ضابط في الأميرالية أنه يعرف المركيز، وأنه خدم وإياه في سفينة واحدة، فقلنا له: أواثق أنت من أن الذي قدم جوازه إلى الأميرالية هو نفس المركيز دي شمري؟
– كل الثقة وأذكر أيضًا أني سلمت عليه، وباحثته في أمور كثيرة، ثم أخذ دفترًا ضخمًا فقلب صفحاته ونظر فيها، وقال: كان يصحبه حين حضوره القائد جوكسن وهو من أصحابه الأخصاء، أما هذا القائد فلا بد أن يكون الآن في لندرا؛ لأنه قدم إليها عائدًا من إفريقيا منذ عشرة أيام، فإذا أحببتم أن تروه، فإنكم تجدونه دون شك في فندق جنوا في شارع بلغراف.
فشكرنا هذا الضابط ثم غادرناه، وانطلقنا مسرعين إلى هذا الفندق، وكان القائد جوكسن موجودًا فيه.
فذُهِل هذا القائد في البدء لأسئلتنا الكثيرة إلى أن أخبره الكونت كركاز باسمه، وأنه لا يسأله عن المركيز إلا لأمر عائلي، فقال عند ذلك ما يأتي: إن المركيز شمري كان من أخلص أصدقائي، وقد سافر منذ ثمانية عشر شهرًا من لندرا إلى فرنسا على سفينة شراعية، وكنت من الذين ودعوه.
– أتعرف هذه السفينة؟
– نعم، اسمها مويات.
– أرأيته صعد إليها؟
– بل رأيتها سافرت به، وبقيت واقفًا على الرصيف أودعه بالإشارات إلى أن توارت السفينة عن الأنظار.
وكان هذا جميع الذي نريد أن نعرفه؛ إذ ثبت لنا أن المركيز دي شمري الحقيقي سافر دون شك في السفينة التي غرقت.
فلما غادرنا القائد جوكسن وخلوت بالكونت، قال لي: لم يعد لدينا شك الآن أن أوراق المركيز قد سُرِقت، سواء كانت السرقة في السفينة أو بعد غرقها، فإذا كانت سُرِقت في السفينة فلا بد أن روكامبول كان موجودًا فيها، وإذا كانت بعد غرقها فقد يكون حدث اتفاقًا أن روكامبول كان على الشاطئ متى غرقت فيه السفينة، وأنه عثر بجثة المركيز فسرق الأوراق.
– هذا لا يمكن احتماله.
– لماذا؟
– لأن روكامبول لا يعود إلى فرنسا إلا إذا دفعه أمر خطير إلى العودة إليها، فاستصوب الكونت كلامي.
ولم يبقَ علينا بعد ذلك إلا أن نستطلع بعض الأمور من البوليس، فذهبنا إلى إدارة قلم الجوازات، وعلمنا منها أنه يوم سفر السفينة مويات أخذ منها رجل جوازًا باسم السير أرثير، ثم وصف لنا أوصاف هذا الرجل كما هو مبين عنده في الكتاب، فوجدنا أنها تنطبق أشد الانطباق على أوصاف روكامبول.
وبعد ذلك عدنا إلى الهافر، فدقق الكونت كركاز بالاستعلام عن غرق تلك السفينة، فعلم أنه لم يسلم أحد من ركابها غير أنه كانوا يُشيعون أن أحد أصحاب قوارب الصيد في إيترات كان يقول: إن رجلًا عليه ملامح رجال البحرية قد بلغ سباحة إلى الشاطئ.
فذهبنا من الهافر إلى إيترات، ولم تكن حادثة غرق السفينة قد تنُوسِيت بعد، فأخبرنا الصيادون الذين كنا نسألهم أنهم جميعهم يذكرون الحادثة، وأن معظم الغرقى قذفت الأمواج جثثهم إلى الشاطئ.
ولما أوشكنا أن نقنط من معرفة الحقيقة قال لنا أحد الصيادين: إذا شئتم أن تعرفوا الحقيقة بتفاصيلها فاسألوا الصياد فانتيال إنه يعلم جميع التفاصيل.
فدعونا هذا الصياد وسألناه عما يعلمه، فأخبرنا أنه لم يسلم من ركاب السفينة غير رجل واحد، ولكننا لم نعرف اسمه، فإنه لم يحدثنا بكلمة بل اكتفى أنه اشترى منا رداء ولباسًا.
– وأين ذهب؟
– ركب مركبة وسار بها إلى الهافر، ويظهر أنه قضى ليلة قبل وصوله في جزيرة صغيرة قريبة من الشاطئ، ثم إنه يوجد شاب آخر قد نجا من ركاب السفينة، ولكن هذا الرجل لم تطأ أقدامه الأرض.
فتعجبنا من البيان، وقلنا: ماذا تريد بذلك؟
– إن لذلك حكاية غريبة، وهي أنه بعد غرق السفينة بثلاثة أيام كنت عائدًا مع ابني في قارب إلى الهافر، فرأينا سفينة كبيرة ذات ثلاثة صواري عليها علم نروجي وهي شاحنة خشبًا من الشمال، وكنا قد اصطدنا صيدًا كبيرًا، وكان البحر هادئًا فاقتربنا من السفينة قصد أن نبيعها سمكًا من صيدنا، فصعد ابني إليها فعرض سمكه على الربان فاشترى منه، وقال له: أغرقت سفينة حديثًا عند تلك الشواطئ؟ فقال ابني: نعم، وحكى له عن غرق موبات، فسأله الربان، إذا كان نجا أحد من ركابها، فقال له: لم يسلم غير واحد، فإنه نجا سباحة حتى بلغ الشاطئ، فقال الربان: إذن فإن الذين نجوا اثنان.
ثم أخذ ولدي بيده وذهب به إلى غرفة، فرأى فيها سريرًا ممدودًا عليه شاب يناهز الثامنة والعشرين من عمره، وهو منطبق العينين كأنه نائم وأمامه طبيب السفينة.
فسأل الربان الطبيب كيف حاله قال: أرجو أن أشفيه، ولكن شفاءه يطول وأخشى متى شُفِي جسمه يذهب عقله.
وعند ذلك أخبره الربان أن الشاب المنطرح على السرير ضائع الرشد، وليس عليه من الملابس غير بنطلون وقميص، وجده بحارة السفينة منذ ساعتين مغميًّا عليه في حفرة كائنة في جزيرة صغيرة، وقد كان البحارة نزلوا إليها لجمع الأصداف فعثروا به.
ثم أخبره الربان أنهم يرجحون بأنه سقط في الحفرة بالليل، وأنهم عندما وجدوه كان في وشك الموت.
فقال الكونت: أواصلت السفينة النروجية سيرها؟
– نعم واصطحبت معها الشاب.
– أعرفت اسم تلك السفينة؟
– نعم فإنها تُدعَى إنفسييل، وكانت رافعة راية نروجية.
فوضع الكونت يده على جبينه كمن يتذكر أمرًا، ثم قال: لقد ذكرت الآن فلقد قرأت منذ ستة أشهر في جريدة إسبانية أن إحدى البوارج الإسبانية أسرت سفينة نروجية ذات ثلاثة صواري، وقبضت على بحارتها وهم اثنا عشر رجلًا فحكمت عليهم بالليمان.
قالت باكارا: ولما قال الكونت هذا القول أعطى الصياد دينارين مكافأة له عن تعليماته، ثم قال لي: أظن أننا قد أصبحنا عارفين مقر المركيز دي شمري الحقيقي.
هذه هي الحكاية التي قصتها باكارا على الطبيب صموئيل، فلم نجد بدًّا من ذكر بعضها مما لا غنى عن إيضاحه في سياق هذه الرواية، فنقف من حديثها معه عند هذا الحد، ونقول: إنها في اليوم التالي برحت باريس مع الطبيب في رحلة سرية سيعلم القراء تفاصيلها والغرض منها.
ثم نذهب بالقارئ إلى البلاد الإسبانية، حيث نجد فيها كثيرين من أبطال هذه الرواية العجيبة.