٤

3 0 00

٤

هو ذا الفجر قد انبثق وتفجرت أشعته اللامعة على قمم الجبال، وسكنت مياه البحر، فكانت نسمات الصباح تنقش على صفحاته زردًا، وكانت مياهه لا تزال زرقاء تشبه زرقة السماء التي كسف الفجر أنوار نجومها.

وكانت الجبال الشامخة تشرف على ذلك البحر، الذي كانت فيه السفن الشراعية كالحمائم عائدة بالصيادين مشحونة بالأسماك، وبينها مدينة بيضاء القصور بُنِيت منازلها على الطريقة المغربية، وكان أهلها لا يزالون نيامًا في ذلك الصباح.

أما هذه المدينة فهي كاديس ميناء الأندلس، وهي لا تزال حافظة أثر سلطانها المغربي الذي فارقها، والدمع ملء عينيه، وهو يعلم أنه فارق الأقطار الإسبانية فراق الأبد.

وكان المار في شوارع تلك المدينة الضيقة عند تبلج الفجر يجدها خالية قفراء؛ لأن سكانها كانوا لا يزالون نيامًا غير أن باب فندق الأندلس فيها فُتِح، وخرج منه شاب جميل مرتدٍ بملابس يظهر من حسن هندامها على بساطتها أنها باريسية، وكان يصحب هذا الشاب امرأة حسناء على كتفيها شال من الكشمير الثمين، وقد تأبطت ذراعه وسار الاثنان إلى جهة البحر، فكان الشاب يقول لها: سترين يا حبيبتي هرمين أجمل منظر تبتهج له النفوس، وهو شروق الشمس وأنت في البحر.

– لقد رأيت هذا المنظر في العام الماضي حين كنا مسافرين من الهافر إلى بليموث.

وكان هذا الشاب فرناند روشي وامرأته هرمين، اللذين عرفهما القراء فيما تقدم من فصول الرواية.

فابتسم فرناند لزوجته، وقال لها: إن الأوقيانوس المحيط يشبه البحر المتوسط، كما يشبه الزجاج البراق الألماس، وإن سماء أوروبا تشبه سماء الأندلس كما تشبه الأشعة المنعكسة نور الشمس.

ثم ذهب الاثنان إلى الميناء وهما يتحادثان.

وكان فرناند قد رجع إلى زوجته بعد ذلك الهجر القديم، الذي دعاه إليه شغفه بتلك الفتاة التي كانت تُلقَّب بالفيروزة، وكان يسافر في ذلك العهد مع امرأته سائحًا في إسبانيا، فبعد أن ذهب إلى غرناطة برحها قادمًا إلى قاديس.

وكان يقول لها وهما سائران إلى الميناء: أتعلمين أيتها الحبيبة أن قومندان الميناء، القائد بيدرو هو ابن عم الجنرال الإسباني صديقنا الذي يقدم في كل شتاء لباريس؟

– كلا لم أعرف ذلك من قبل.

– إذن فاعلمي أنه عندما كنت منهمكة في ترتيب ملابسك أمس اغتنمت فرصة انشغالك، وأرسلت إليه كتاب التوصية الذي أعطاني إياه ابن عمه الجنرال ليلة سفرنا …

– وهل أجابك على ذلك الكتاب؟

– نعم ولذا فقد بادرت إلى إيقاظك قبل الفجر؛ كي لا تفوتنا نزهة البحر شروق الشمس، ولكن أتعلمين كيف نتنزه في هذا البحر الهادئ؟

– في إحدى سفن الصيد دون شك.

– كلا أيتها الحبيبة في سفينة القومندان نفسه، وهو الذي سيصحبنا في هذه الرحلة الفجرية.

– يظهر أن هذا الرجل رقيق الحاشية، وأنه يبالغ في إكرامنا.

– وستكون بحارة السفينة من الأشقياء المحكوم عليهم بالليمان لاستفحال شرورهم.

ورأى فرناند أنها أجفلت، وخافت من أولئك الأشقياء، فقال لها: اطمئني فإنهم سيكونون أشد وداعة من الحمام بحضرة القومندان.

وعند ذلك وصلا إلى الشاطئ، فرأيا تلك السفينة بانتظارهما، فلما رآهما القومندان هُرِع إلى استقبالهما وأنزلهما إلى سفينته، وكان فيها اثنا عشر رجلًا من أولئك الأشقياء مقيدة أرجلهم بالسلاسل الضخمة، وأربعة من جنود البحرية.

وبعد أن تبادلوا التحيات المألوفة أمر القومندان أن تُرفَع المراسي، ثم نظر إلى أحد أولئك المجرمين، وقال له: لقد وليتك قيادة السفينة يا حضرة المركيز.

وكان المجرم الذي ناداه القومندان باسم مركيز شاب جميل الطلعة، رشيق القد، أزرق العينين، أشقر الشعر، وعلى محياه ملامح الاكتئاب غير أن هيئته كانت تدل على الأنفة والسلامة خلافًا لرفقائه المجرمين، فلما سمع أمر القومندان انحنى أمامه احترامًا، وشرع بقيادة السفينة بمهارة فائقة تدل على أنه ممرن في فنون البحر.

فقال أحد المجرمين لرفيق له: إن هذا المركيز حسن البخت، وقد بات القومندان يحبه ويميزه علينا، حتى لقد بت أخشى أن يطلق سراحه ويوليه مكانه.

فانتهره رفيقه، وقال له: كفاك حقدًا على هذا الرجل، فإنه يفضلنا جميعًا بلين أخلاقه وحسن آدابه، وإنك لا يدفعك للهزء به غير حسدك.

فتمتم المجرم بكلمات لا تُفهَم، ثم سكت خوفًا من أن يسمعه القومندان.

وكانا يتكلمان باللغة الإسبانية وفرناند قريب منهما، فلم تفته كلمة من حديثهما؛ لأن فرناند كان يعرف هذه اللغة، وقد هاج به الفضول إلى أن يعلم السبب في تلقيب ذلك المجرم بالمركيز، فدنا من القومندان، وكان يحادث امرأته هرمين، وقال له: إني عجبت لأمر الشاب الذي دعوته بمركيز، فكيف أتاه هذا اللقب، بل كيف وجد بين المجرمين على ما يبدو منه من ظواهر السلامة والدعة.

فابتسم القومندان وقال: لقد تولتني قبلك الدهشة، فإني عندما توليت رئاسة الميناء، وذلك منذ تسعة أشهر، حُكِم على هذا الشاب بالسجن والقيد خمسة أعوام.

فتأثرت هرمين لنكبته، وكانت تنظر إليه نظرة إشفاق، وقالت للقومندان: أي ذنب جناه، ولماذا حُكِم عليه؟

– ذلك لأنه وجد في سفينة قرصان نروجية أسرتها إحدى مدرعاتنا، فحُوكِم بحارتها ومن جملتهم هذا الشاب في مجلس عسكري، وحُكِم عليهم بالسجن خمسة أعوام.

فقالت هرمين بلهجة ظهر منها عدم التصديق: أيمكن لهذا الشاب أن تكون مهنته النخاسة، فيسرق العبيد ويبيعهم بيع السلع؟

– نعم يا سيدتي …

– ألعله نروجي؟

– كلا فإنه يقول: إنه فرنسي ولكني أرى من لهجته أنه إنكليزي.

– إني أعجب كيف تكون هذه الملامح النبيلة في وجه قرصان نخاس.

– بل هو أعظم من ذلك يا سيدتي، فإنه بلغ من التزوير مبلغًا لم يخطر لأحد من قبل حتى لقد كاد يقنعني فيما يدعيه.

– كيف ذلك؟

فسار القومندان بفرناند وزوجته إلى محل فسيح في آخر السفينة، وقال: تصوري يا سيدتي أن رفقاءه لا ينادونه إلا بلقب مركيز.

– أهو مركيز حقيقة؟

– هذا ما كان يدعيه، ويحاول أن يحملني على تصديقه، وهي حكاية لطيفة سأقصها عليكما فاسمعا.