ـ 3 ـ
القوّادون يتناسلون ....
إبتداءاً من أفلاطون وانتهاءاً بــ (ابو نظمي) , كلهم هنا .. في رأسي ..
هذا الرأس الذي تحوّل الى متحف كبير للقوادة , من يدخل اليه سيخرج وفي جعبته الارث الكامل لتاريخ العهر العالمي, قوّادون من مختلف الجنسيات يرتعون هنا , يعرضون سيرتهم الذاتية لهواة الآثار الداعرة , أولهم افلاطون مؤسس جمهورية القوادة ومبتكر أكبر حضارة جنسية , ذلك الذي في جمهوريته الفاضلة يندثر الوجع الوجودي , جمهوريته التي أشاع فيها النساء وجعلهن مُباحات للجميع , لكل من يشتهي , في تلك الجمهورية الكل متساوون والنساء ملك للجميع والمضاجعة حق مكفول, إنـّه العهر الافلاطوني الداعي الى مضاجعة كل شيء .. حتى الآلهة .
من افلاطون تناسل عشرات القوّادين ومن مدينته الفاضلة أنحدرت نظريات العهر لتجتمع هنا في رأسي, مجاميع غريبة من وجوه بملامح قاسية وشوارب طويلة تُشّكل علامة ذات ايحاء متقاطع ومتشاكل أبرز ما يدل عليها وجه (ابو نظمي) , ذلك الوجه الاكثر انزياحاًً في محور تصوراتي...
ابو نظمي ذلك الحقير الذي أهانني مرتين وفي مراحل زمنية متباعدة , أتصوره الآن بوجهين , كل وجه يناسب مرحلة زمنية معينة واهانة معينة , إنها ترسبات الماضي المحرّضة لوعيي أنا القوّاد الناشئ , القوّاد الذي يحمل ذاكرة معبئة بالاهانات ...
اللعنة عليك يا ابا نظمي أنت لا تملك اخلاقاً افلاطونية , ومن العار اعتبارك امتداداً لمؤسس الجمهورية الفاضلة , أقول ذلك بحقك لأنك في احد الايام منعتني من الدخول ...
الآن تعود بي الذاكرة الى ذلك اليوم والى تلك اللحظة بالتحديد , كان لدي استعداد كامل للدفع ولكنك لم تمنحني فرصة الدخول , أنت الآن ماثل أمامي بوجهك الاول , وجهك المقترن بلحظة المنع , كان وجهاً متخشبا وذو ملامح صمغية , وهذا ما أبقاه ملتصقاً بذاكرتي لحد هذه اللحظة , افلاطون بريء منك يا ابا نظمي, كان الدخول , مجرد الدخول , يمثل لي حُلماً كونياً لأني كنت أحمل بداخلي طاقة جيل كامل , جيل متوتر منحني وكالة عامة مطلقة وقال لي اذهب الى ابو نظمي ....
تلك الإهانة التي وجهتها الى الجيل الشبق مثلّت الانكسار النفسي الاول الذي راح يتـّضخم ليتحوّل فيما بعد الى هزة أرضية جعلتني ارتفع الى سماء لم أكن أتوقع بإني سأصل إليها في يوم ما , علقت بغيمة التدّين , بقيت معلقاً بتلك الغيمة لعدّة سنوات, أنظرُ الى الاشياء من موقع اعلى , انقلبت كينونتي , تحولتُ الى شيء آخر, قس , كاهن , شيخ , راهب , شيء تجتمع فيه كل مرموزات الآلهة , لا استطيع تحديد الصفة المناسبة لوضعي انذاك , كل التوصيفات الأثنية قد تلّبستني فتماهيت مع عوالمي الجديدة, أندمجت بها الى درجة التهّجن , الى درجة اصبحتُ فيها كأني قطعة من اثاث الجامع , مجرد انتيكة تفقد قيمتها بمجرد إخراجها من ذلك المكان , لذلك لم أغادر ذلك المكان الى اليوم الذي جائتني فيه إهانتك الثانية ..
هذه الإهانة التي يمكنني وصفها بالإهانة الانقلابية , قدّرية إنقلاباتي أن تكون على يديك , أو بالأحرى على وجهك , وجهك الثاني صاحب الإهانة الثانية الذي مارس التضّاد مع نسخة الوجه الأول المحفوظة في ذاكرتي شكّل لي صدمة تشبه الى حد كبير الصدمات الكهربائية التي تُعيد شيئاً من الحياة لمن بدأ الموت بقضم أعمارهم ...
كنتُ قديساً ذاوياً في محراب مُهمل حين اقتحمني وجهك المطرز باللآثام , فاجئني دخولك لهكذا مكان وتضخّمت المفاجئة حين عرفت بأنك جئت تطلب التوبة...
التوبة.. وعلى يد من ؟ على يدي ... !!
يومها وأنا اطالع الشيب الذي غزا شعرك وأقلّب ركام الذنوب المتكدس في ثنايا وجهك شعرت بأني في الموقع الخطأ وان المكان الذي اتواجد فيه ما هو الا حمّام لغسل الرذيلة , هكذا حدثتني نفسي فتوّلدت في داخلي صرخة اعتراضية : ماذا تعتقد يا ابا نظمي هل انا مغّفل الى هذه الدرجة لأكون وسيطاً لتطبيع العلاقات بينك وبين الآله , وأن كنت أنا مُغّفلاً فهل تظن ان الجهة التي تريد التفاوض معها مغّفلة ايضاً , لا لا يا ابا نظمي ... لا ايها الحقير ..
كنت بوضع هستيري وأنا اصرخ ولكن الصرخة التي اطلقتها لم يسمعها احد حتى ابا نظمي , خصوصاً بعد ان تهيأ لي بان الجامع قد تكوّنت له ابواباً عديدة فأصبح عبارة عن كتلة مُثّقبة , جدرانه تحولتْ الى منافذ عبور تدخل منها أجناس بشرية مشوهة كلها تتقدم باتجاهي ...
بعد ان عدت الى وعيي غالبني شعور غامض فقد نزع تفكيري الى ان هنالك ثمة إنهدام , بناء ينهار, قوى جبّارة تتهاوى أمام ناظري , تيقنت بأن الاهانة تدركني وان كنت في بروج مشيدة , وان هناك خلل في منظومتي الاعتقادية , خلل يتعلق بالثوابت وان المهمة التي اوكلها أي الرب او التي اوكلتها الى نفسي مهمة بائسة وان اسوار مملكتي منخفضة ويمكن لاي أحد مهما كان حجمه ضيئلاً العبور عليها وهتك اسرارها ...
منذ ذلك اليوم بت أمارس اشياء غريبة لم اعتد عليها من قبل , كنت أنظر في المرآة وابتعد بسرعة كأني الوذ بالفرار من خطر محدق , شعرت بأن شكلي بدأ يتغير , هنالك ملامح قد التصقت بوجهي تجعلني اهرب من المرآة , لم يعد بإمكاني ان افعل شيئا سوى الهروب من وجه ابو نظمي .. اقصد وجهي .