-1-
شــيء عن مزاج الدكتور توفيق
تبدأ الحوادث في مدينة حلب، وكثير من الأمور يوشك أن ينتهي. عام ينطوي على نهاية الحرب العالمية الثانية، وسبعة وعشرون شهراً على وجود الطبيب توفيق الجابر في المدينة، وأكثر من ثلاث سنوات صاخبة، على شهرة الغانية الفاتنة «سهام» في مرابع اللهو وأوساط الشبان العابثين. ومع أن قوات الاحتلال، كانت تتأهب للجلاء عن البلاد، فقد كان أهالي حلب أكثر اهتماماً بنهاية الحاكم العرفي الذي اقترن اسمه طوال سنوات الحرب، بكل ما عرفته المدينة، من تدابير التعسف والاستبداد، وما كان يشاع من الروايات المختلفة عن فضائح الأحداث اليومية.
في ظهيرة هذا اليوم الشتائي الغائم من العام، حزم الطبيب حقيبته القديمة، وبدأ يجمع كتبه المتناثرة في غرفته الصغيرة، بحي «الجميلية» وهو يستعيد في تصوراته ما عزم على القيام به من أعمال، وفق الترتيب الزمني الدقيق الذي يضعه المسافر عادة، حين يكون عليه أن يغادر المدينة دون رجعة، لم تكن سفرة توفيق، أكثر من عودة طبيعية، إلى خدمته في العاصمة الثانية، غير أنه كان على شيء من الارتباك «الداخلي» لا سبيل إلى فهمه، وهو يفكر، بأنه سوف يتخلى نهائياً عن هذا النوع من الحياة الطليقة - على حد تعبيره - وأنه خلال ساعات قليلة، سوف يقطع كل صِلاتِهِ بالناس والأمكنة والأشياء، وقد ألفها وأحبها، طوال هذه الأيام والشهور. وفي غمرة هذا الارتباك بدأت مخيلته تصطفي ما يمكن أن يترسب، في أعماق نفسه من ذكريات حلب. سوف يودع جارته - صاحبة المنزل - وقد تناسى مزاجها الحيادي الوديع، وأسارير وجهها المكتهلة، ولن يحتفظ إلا بخضرة عينيها الصافيتين، وابتسامتها الجافة. الآن يكتشف أنه لم يعرف عنها شيئاً آخر، وهي لم تسأله إلا عن اسمه، ومهنته، وأين تسكن عائلته في دمشق، ومع هذا فقد كان لها في حياته اليومية، حضور دائم، ولاسيما حين يعود في أواخر الليل، ويصعد الدرج الخشبي الأجوف، بلونه الترابي العتيق، ومنعطفاته المعتمة، والحذر يضطرب في وقع خطاه. كان يعود ثملاً كل ليلة، وملء حواسه إيقاع سهرة مشبوهة، وقلما كان يقدّر للمرأة، أن تضبطه في حالة مريبة. وإذا حدث هذا، ورأت الغرفة مضيئة، كانت تقول بلهجة مفعمة بالشفقة والحنان:
- دكتور؟.. رجعت؟.. هل أغلقت الباب جيداً في الخارج؟.
وقبل أن تترك له فرصة الإجابة، تردف:
- لا تنسَ الضوء.. تصبح على خير.
وكم كان يشعر بالارتياح لهذا الحد «المهذب» من الرقابة.
في مثل هذه الظروف كان يحس أنه سوف يتلعثم بالكلام، لا لأنه أفرط في الشراب فحسب، بل لأن كل أفكاره أيضاً وتصوراته، كانت تدور عندئذٍ حول المخدع الأنثوي العطر الذي غادره منذ قليل. ولأمر ما كان يحرص على أن تجهل المرأة العجوز، وجميع معارفه في حلب، هذه العادة الليلية المزدوجة في حياته اليومية: الحانة وبيت الدعارة. لم يكن في هذا الحرص، ما ينمُّ عن رغبته في الحفاظ على سمعته الأخلاقية، خارج المدينة، فقد كانت رسائله إلى أصدقائه في المدن الأخرى، أشبه بالاعترافات الجريئة، حتى الوقاحة أحياناً، حول مباذله وفجوره. غير أنه الآن يدرك كم كان حصيفاً حين تكتم في حلب. وأوهم نفسه، بأنه استطاع أن يخرج من المدينة، بريء المظهر، نظيفاً أمام الجميع. قال في نفسه وقد أنهى إعداد الأمتعة للسفر، وتناول المعطف: «لا بد أن لدى الإنسان موهبة خاصة، في خداع الآخرين أمام «الفضائح الشخصية»...
- أية طمأنينة.. إنني استطعت التنصل من كل شيء في الوقت المناسب!..
الطمأنينة! هل هي وحدها التي كانت تعنيه؟ ولماذا؟ ما الذي كان يخشاه من هذا الأمر في مدينة حلب، دون سواها من جميع الأماكن؟ مادامت «الذكريات التي سوف تبقى» هي التي تستأثر الآن باهتمامه، وهو يتأهب للرحيل، فلا بد من استعادة الفضيحة - كما يدعوها في حديثه الداخلي - لا لأنها كانت أول امتحان، في حياته العامة فحسب، أثبت فيه أنه قادر على التستر والمراءاة، بل لأنها أيضاً، كانت البداية والنهاية، في تحديد الملامح الأساسية، لشخصيته الغريبة، بداية الحياة المستهترة التي درج عليها فيما بعد، واكتشف من خلالها، أنه من الذين وجدوا على الأرض، من أجل هدف واحد، هو إرضاء نزوات الجسد، ونهاية الأحلام النبيلة، الواسعة، التي كانت تزين له طوال حياته الجامعية، بأن له دوراً مرموقاً، لا يخلو من العظمة. يستطيع أن يؤديه في حياة المجتمع ومصائر الآخرين. أما صفة «الغرابة» فهو الذي أطلقها على شخصيته منذ أن تبين - اثر هذا الحادث الغامض بالطبع - أنه يتفرد باكتشاف حقيقته منذ اللحظة الأولى، واختيار السلوك الذي ينبغي أن يكون عليه، طوال حياته. ربما كان معظم الناس قادرين على مثل هذا الاختيار: ولكنهم يختلفون عنه، هذا هو رأيه. إنهم يجدون أنفسهم في شروط، تفرض عليهم مهمتهم في العالم، وأسلوبهم في الحياة، فيطمئنون إلى ما هم فيه، غير أنهم يحلمون دائماً بشيء آخر. أما هو فإنه - كما يعتقد - لم يخضع لأي شرط مفروض. بل اختار بملء حريته. ولم تساوره أية فكرة بأن هناك ما هو أفضل.
هذا ما يجب أن يعرف عنه قبل كل شيء. فقد لا يُتاح للوقائع أن تكشف عنه في وضوح، ولاسيما أن الأمانة في سردها تقتضي - من الوجهة القصصية على الأقل - عدم التعرض، إلا لما هو حسّي ملموس، يحمل نبضات الحياة في سرها العفوي المباشر.
هناك سبب آخر للتأكيد على هذه الحقيقة في مزاج توفيق، هو أنه منذ أن فكَّر في مغادرة المدينة، وحدَّدَ تاريخ العودة إلى منزله العائلي، وضع خطة كاملة محكمة التفاصيل، لحياته الجديدة في دمشق، ودرس على نحو خاص، كل ما يُهيئ له أن يجعلها سلسلة من الفضائح المماثلة، بذلك يكون صادقاً مع نفسه - على حد تعبيره - ولا نعرف إذا كان قد قدّر في دراسة التفاصيل كيف يستطيع الاحتفاظ، بطابع الشخصية البريئة الطيبة في الظاهر، أو أنه كان حريصاً على الكتمان أيضاً، في البيئة الدمشقية العريقة، وهي تضم، دون ريب، من لداته وأترابه، وحواشي العائلة - على الأقل - من رصدوا كل ماضيه، ولن يعجزوا عن فضح مخازيه، والتسرب إلى أعمق النزعات الدفينة، في كوامن نفسه. كل ما نعرف أن شيئاً من هذا كان موضع اهتمامه الجدي، أو لا بد من أن يكون، ما دامت رقابة الآخرين تعنيه إلى هذا الحد، غير أنه في الوقت نفسه، كان أشد تمسكاً بالمبدأ الذي اختاره بكل ثقة وطمأنينة: أن يستبيح كل شيء، لكي يستفيد من تجربة الحياة.
* * *