- 1 -

6 0 00

- 1 -

استيقظ سكان الشارع الذي اسكن فيه على صوت الحفارات والجرافات والكمبريصات فعرفوا أن دورهم قد حان في حفريات المجاري، مما أدخل البهجة إلى نفوسهم، وجعلوا يمضون يومين كاملين في حالة من الرضا والسعادة الظاهرة على وجوههم وفي كل أشكال سلوكهم، وتوجوا ذلك بتبادل التهاني وتوزيع الحلوى على الأطفال.

وفي اليوم الثالث، لاحظ السكان أن الحفريات الجارية في الشارع، قد بدأت تختلف في عرضها وعمقها عن الحفريات التي شاهدوها في الشوارع المجاورة، إذ انقضّت (بتشديد الضاد)( إحدى الجرافات المعظمة على إسفلت الشارع، وخلعته من جذوره، وأزاحت معه أساساته إلى أن تحول مكانه إلى تربة زراعية حمراء، تمتد بمحاذاته من الجانبين رقائق الزفتة وأكوام الحصمة الفولية التي كانت قد رصت قبل تزفيت الشارع الراحل.

وسألت أحد الجيران عما يجري، فقال لي بثقة وتفاؤل، ان هذا يجري من أجل ربط الشارع بشبكة المجاري. ولم أرغب في التطفل على مهنة لا أعرف فيها، وقلت لنفسي:" أهل مكة أدرى بشعابها"، وأضفت:" المقاولون أدرى بمجاريهم".

لكن التراب المجروف قد بدأ يتزايد على الجانبين، وبدأت أشعر أن السبل بيني وبين سيارتي قد أوشكت أن تتقطع، ولاحظت إلى جانب هذا، أن الحفرية الممتدة إلى ما هو أكثر من عرض الشارع، قد انزلقت إلى أسفل ، وصار عمقها قريباً من المتر.

وتوالت الأيام، وتوالى ارتفاع أكوام الأتربة، وازدياد عمق الحفرية، ويبدو أن الصخور الضخمة التي صادفتها الجرافات، قد أعاقت المقاول عن الوصول إلى قرن الثور الذي تقف عليه الكرة الأرضية. وهمس لي أحد الجيران صباح أمس، أنه استطاع أن يعرف من مصادر مطلعة، أن الحفرية سوف يستمر العمل الدؤوب فيها إلى أن تبلغ سبعة أمتار، ويعزو ذلك إلى ارتفاع في مستوى الشارع، مما دعا المقاول إلى القضاء عليه قضاء مبرما، إلى ان يهبط إلى مستوى الأنابيب الممدودة في الشوارع الأخرى!

واستطيع أن الخص الوضع الراهن على النحو التالي:

البيت الذي أسكن فيه الذي كان مطلا على الشارع ، فصار "الشارع" مطلاً عليه.

الجرافة التي كانت تتراكض أمام البيت برشاقة ، لم نعد نرى سوى صاريها وقمتها العليا ومدخنتها وسطح المظلة الواقية لسائقها.

اغلقنا جميع النوافذ الزجاجية والاباجورات، ومع ذلك، فأنني لا أعرف كيف تدخل الأتربة إلى البلكونة الخلفية للمنزل.

الأطفال الذين كانوا يركضون وراء الدحنون والعصافير والفراشات الملونة، باتوا في حالة هلع متصلة، لأن خروجهم من البوابة الخارجية قد يعني سقوطهم في مهاوي الهلاك.

السيارات التي كانت تصطف عند الأبواب، وتحت رقابتنا ، نحن أصحابها ، صارت ترقد في شوارع أخرى، وهذا اقتضى ان نذهب إليها قفزا فوق الأكوام المفخمة، وأن نتركها في مراقدها ونؤوب إلى منازلنا، ومخاوف الأنزلاق في الأخدود العظيم مشرعة فوق رقابنا.

وقال لي سائق الجرافة الكبرى بعد ظهر أمس، ان هناك احتمالاً كبيراً جداً للاقتراب أكثر نحو سور المنزل ، لأن المقاول يريد أن يتفادى حرب الصخور ! وأضاف: وفي هذه الحالة، فقد يتعرض السور للانهيار! ولم يفته أن يذكر أيضاً، ان عمل الحفارات والجرافات المتواصل، سوف يهز اساسات المنزل، مما قد يعرضه في اسعد الحالات للتصدع، ومما قد يعرضه في أسوأ الحالات للسقوط فوق رؤوسنا.

ولم أفكر حتى الآن في كتابة وصيتي، لأنني لم ألمس خطراً مباشراً حتى ساعة أعداد هذه الخواطر، ولأنني على يقين من أن الوصية ستكون آخر ما يهتم به رجال الإنقاذ الأشاوس، فالأولويات تفرض عليهم أن ينتشلوا جثتي، قبل التفكير بأي شيء خلاف ذلك. ورغم هذا الأمل العريض في البقاء على قيد الحياة، إلا أن أنغاماً حزينة أعرفها، ما تزال تلح علي في الأيام الأخيرة، إلى أن تبينت فيها " لحن الرجوع الأخير".

أقول للزملاء والقراء والأقرباء والأصدقاء جميعاً، إذا انقطعت أخباري، وظهرت أية أخبار محل هذه الزاوية، فسأكون قد رحلت إلى دار البقاء، وصعدت روحي إلى بارئها، على أنغام لحن الرجوع الأخير، لذا، فإنني أرجو من أخواني في الدفاع المدني أن يهبوا لرفع الأنقاض عني!

9 أيار 1996