-2-
هاقد مر أكثر من شهر، والمقاول المسؤول عن إنشاء أخدود عظيم أمام منزلي لم يكتف بالآليات التي ذكرتها من قبل، فأردف إليها حفارة جديدة ما تزال بورقتها ، كي تكون عونا وسندا للآليات الأخرى في تمزيق وجه الأرض، وتغيير معالمها، وتحدي الصخور.
ها قد مر كل هذا الوقت، والحفريات التي قيل أنها ستنتهي في غضون عشرة أيام، ما تزال في بداياتها، رغم الانهيارات الجسيمة التي حدثت، والهبوط الذريع الذي غار بالورشة بأكملها حوالي ثلاثة أمتار ونصف المتر تحت سطح اليابسة، وهي ليست أكثر من نصف الهبوط المقرر، إذ ما تزال ثلاثة أمتار ونصف المتر أخرى من الاستكشافات الجيولوجية الفريدة!
وفي كل كرة أتأمل الانخساف الفظيع الذي حدث للشارع المار أمام بيتي، أزداد يقينا بضخامة الكرة الأرضية، واتذكر كم هي متواضعة حفريات المقابر، وأدرك أكثر من أي وقت مضى أن الإنسان من التراب وإلى التراب يعود. فثمة علاقة عضوية بين الإنسان والتراب ، فهو من تراب مجبول ، سرعان ما يداهمه الموت، فيجف كالزهرة المقصوفة، وتخرج منه نداوة الحياة، وتفيض روحه، ويتحول إلى تراب يندغم بتراب الأرض، ويتداخل في نسيجه.
وربما كانت هذه التأملات سببا مباشراً في تعلقي بموسيقى " لحن الرجوع الأخير"، الذي لا أفتأ أدندن به من وقت إلى وقت . وكلما حاولت التخلص منه واستبعاده عن خاطري، أجد نفسي بغتة متلبسا بحادثة دندنة جديدة، تثير الأسى في النفس ، وتقطع نياط القلب! ولا اشك، أن ثمة علاقة خفية، تربط هذا الإلحاح الموسيقي بأواصر وطيدة ووشائج عتيدة بالحفارة العملاقة التي أضافها المقاول للأسطول المتخندق في لصق بيتي!
ففي وقت القيلولة والاسترخاء على أنغام الحفارات والجرافات والأتربة السابحة في كل الأنحاء، سمعت صوت جسم ما يسقط على أرض المنزل، فسعيت راكضاً نحوه، ووجدت بلاط السيراميك الذي يغطي جدران المطبخ ، قد سقطت منه بلاطة، وان بلاطات أخرى موشكة على اللحاق بزميلتهن المهشمة!
لم أكترث للحفلة التي ينبغي أن أقيمها في سبيل شراء بلاط جديد ووضعه مكان البلاط المدمر ، وإنما أكترثت كثيراً للمغزى الذي حمله سقوط البلاطة في طياته!
فهذا يعني أن الارتجاج المتصل على مدى اثنتي عشرة ساعة يومياً، قد بدأت تظهر نتائجه! فالكوارث الكبرى تبدأ عادة بسقوط بلاطة من سيراميك المطبخ، وتنتهي بانهيار سقف المنزل على رؤوس المواطنين القاطنين فيه!
وللإنصاف ، فان مقاول الأخدود العظيم، كما يبدو، رجل مجد ونشط، ويربط آناء الليل بأطراف النهار، في سبيل الوصول إلى قاع الدنيا، حيث المقرر أن ترقد أنابيب المجاري بسلام ، وأخص بالذكر إضافة الحفارة الأخيرة التي تأكل الصخر بليونة وسلاسة، كما لو كانت تأكل رغيف هامبرغر
صحيح أنها تحفر الصخر وتنقر رأسي في آن واحد، وصحيح أنها حفارة جبارة قادرة على التنزه في جوف الصوان، لكنها لا تتوانى أن تهز بذبذباتها أركان البيت، بدليل خروج البلاطة المذكورة من مكانها المناسب إلى مكان غير مناسب فوق أرض المطبخ..
وتعود الدندنة بلحن الرجوع الأخير إلى ما قبل سقوط البلاطة، غير أن هذه الحادثة المفزعة، زادت من ملاحقة اللحن لخواطري ، مع أنني لا أذكر يوماً أنني دندنت بأغنية أو لحن موسيقي، وافنيت أكثر حياتي وأنا مذهول من أولئك الذين لا يحلو لهم أن يغنوا إلا في الحمام !
ألم أقل قبل قليل، ان ثمة علاقة خفية بين دندناتي الحزينة وتلك الحفارة العملاقة؟
9 حزيران 1996