الفصل الأول

4 0 00

الفصل الأول

لم تكوني أنتِ امرأةً عادية حتى يكون حبي لكِ عادياً. كنتِ طوفاناً يجرفُ أمامه كل أشجارِ القلق وجلاميدَ الترقُّب والتروي. كنتِ قادمةً كوجه الفجر الذي يُسقِط رهبانية الليل الطويلة. كنتِ نازلةً على جبين الكوكب المهجور وبين يديكِ ماء وحياة ومخلوقات ودورة شمسية جديدة.

كنتِ حبيبتي؛ ذلك الإتيانُ الأنثويُّ العاصف الذي لا يمنحُ الأشياءَ تفسيراتها بينما يكوِّن اتجاهاتٍ جديدةً على خريطة الحياة، يخلقُ أُمماً وحضارات. يغيِّرُ تواريخ الميلاد وعادات الليل والأحلام المعلَّقة على جدار النهار، وقوانين الصمت والكلام، والنظام الأزليّ لنبضات القلب.

نوعُكِ هذا من النساء لا يرفِقُ بي، أنا عاشقُ المرّة الأولى. إنه يسحقني حتى آخر خليّةٍ تزورها الدماء، ثم يجمع فُتاتي ويُلملم ذرَّاتي ويعجبني من جديد، رجلاً آخر، كما يريدني الحب.

رفعتُ المرساة، واتجهتُ إلى عينيكِ مباشرة، وفي داخلي يتشكَّلُ إيمانٌ جديد ومبادئُ أخرى ولغاتٌ وأساطيرُ وأقلامٌ ودفاترُ حكمة. كلّها راحت تخلُقُ نفسها في غمرة المواجهة، وتتفاعلُ مع بعضها البعض بأفضل ما تستطيع، لتصل إليكِ بسرعة، قبل أن تفلتي في السماء كما يُفلِتُ الغيم.

كنتُ أكثرَ رجال الدنيا اشتهاءً لكِ.

وكنتِ أنتِ، ببساطة، حدِّيَ الأخير الذي لا أتمنّى بعده شيئاً، من كل احتياجاتي الذكورية إلى الأنثى.

لذلك، لم يكن الحب قراراً أسعى لأخذه، بقدْرِ ما كان قَدَراً يسعى لأخذي.

في تلك الحالة الابتدائية من المشاعر المتعملقة بجنون، كنتُ أشعرُ أن كل محاولة للتفكير في ما أنا مقبلٌ عليه تُعتبر خربشةً يائسة على خريطةٍ تقودُ إلى مكانٍ واحد في النهاية. كل الاتجاهاتِ تشيرُ إليكِ. كل الكلمات. كل التصرفات. كل التفاصيل الصغيرة، والتشابهاتِ الطفيفة, كل الأشواق، والعادات، والأمنياتِ المتأرجحة على سنواتِ العمر، والأمل، والانتظار، ودوائرِ الترقُّبِ التي تنمو طفولةً، ومراهقةً ونضجاً.

باختصار شديد جداً، لا تبقى بعده حاجةٌ للتبرير، كل الأقدار.

قرأ الحبُّ ماذا ينقصني، جسَّ الروحَ والجسد والإنسان، وأحصى الفراغاتِ التي عجز الدهر عن ملئها في داخلي، والثقوب

التي أحدثها بيديه في ثياب العمر، وعجن كل أحلامي وأدويتي وخيوط وسادتي وأسنَّة أقلامي مع بعضها، واختاركِ انتِ، ليضعكِ في طريق حياتي الأول، دون أن أرى في منامي أحد عشر كوكباً والشمس والقمر.

جئتِ على بساطِ القَدَر، قالت لي أمي ذات مساء: "السماء مليئةٌ بالنجوم يا ولدي. وكلّها أساطير، هناك نجمةٌ واحدةٌ لك فقط، لا تلمع إلا ليلةً واحدةً في العمر". وكنتِ أنتِ نجمتي التي تعلم، قبل ليلة اللمعان، أيَّ رجال الأرض سيتبعها إذا نَزَلت، ويموتُ إذا افَلَتْ.

ولم أكن أعلم أن عشق النجوم صعب، لأنها لا تبقى.

ولكنه قَدَري.

لا يكون الحب قراراً أبداً، إنه الشيءُ الذي يختارُ اثنين بكل دِقِّة، ويُشعِلُ بينهما فتيلَ المواجهة، ويتركهما في فوضى المشاعر، دون دليل.

إنه يريدهما بذلك ان يتعلّما أول دروس الحب.

كيف يحتاج كلٌ منهما إلى الآخر.

****

يدي معلّقةٌ على قلمٍ أبيض صغير.

القلم الذي أخذتُهُ منكِ لأكتب قصيدة أخيرةً تحتفظين بها، وأصررتِ أنتِ على أن أحتفظ به للذكرى، فعلَّقتُه في جيبي، وعدتُ

به إلى البيت، وأنا لا أدري أيَّ دورٍ سيكون له في حياتي.

هاأناذا أسخِّرُ هذا الصغير لكتابتي الكبيرة، بعد سنتين ونيّف من رحيلكِ، بالرغم من أن قصره ونحافته البالغين يؤذيان أصابعي كثيراً، أنا الذي أكتبُ بخطٍ صغير، وأنعطِفُ بالقلم في مساحةٍ ضيّقةٍ جداً، فأفقد كثيراً السيطرة عليه، فينحرف خارج السطر، أو خارج الفكرة.

ولكني اعتدتُه بعد لأي، أو لأنه اعتادني.

الأقلام التي تأخذ رؤوس أحزاني وتكمل البكاء وحدها على الأوراق هي أقلامٌ تعوَّدت شكل يدي، تعوَّدت نوع كلماتي، وطريقتها في إثبتِ حضورها على الورقة، فأنا عشوائيٌ جداً في بذاري، ألقي البذور ولا أهتمّ أين وقعت، وكيف ستنمو، ومن سيرعاها حتى تكبر، ففشلت مني كلمات، وتعصَّمت أخرى فنجت.

لا أحبّ الكتابة الثديّية، تلك التي تلِد وتهتمّ بصغارها، بل أحبِّذُ أن أترك ما أكتبه ليواجه الحياة وحده، ويتعلم الصمود وحده، فلن أكون معه عندما يواجه قارئاً ما.

الوحيد الذي أشعر بانتمائي إليه، أو انتمائه إليّ، أو تلاقحنا المشترك لتفريخ كلمة، هو القلم، دائماً أتساءل من خلال ما أراه من كدحِه، أيُّنا يمنح الآخر مجداً يا تُرى؟ أنا الذي أنحتُ ذاكرتي لأمنحه تعباً، أم هو الذي ينحتُ روحه ليمنحني سطراً؟

أنا وهو محورنا انتِ. لم يكن ليتذمَّر من طول الركض على الأوراق، وهو الذي يعلم أن من كانت تملكه تستحقُّ هذا حتماً،

مريحٌ أن أصوِّر حزني بقلمك، كما شكَّلتُه من قبل بحبّك، تدهشني المرأة التي تتكفل بحزني كله، من البداية حتى النهاية.

كان جبينُ الشمس يلوحُ لي من وراء نافذتي المربّعة، والرياض هذه الأيام هولوكوست حقيقية، تحشُرُ ملايينها القليلة في أتون الموسم الحار، وتنام مثل سفينةٍ فضائيةٍ هائلة جثمت فوق الصحراء منذ مئة عام ولم تتحرك حتى الآن، ولكن حتى هذه القائلة القائظة لم تكن لتُسكِتَ شوارعَها المزدحمة عن الحركة، وأنا تاتيني صرخاتُ السياراتِ المارقة من بعد، رغم أزير جهاز التكييف المُجهَد، وشَغَبِ الأفكار المتحالفة مع ارتجالية ذاكرتي.

جلستُ اكتب، أو أكملُ ما بدأتُ بكتابته في فانكوفر، فقد جاء قَدَرُ عودتي طارئاً وإلا لأتممتُ كتابتي هناك كما كنتُ قد قررت، في العزلة الباردة، ولكن يبدو أن أقدار كتابتي صحراويةٌ مهما حدث، ويبدو أنَّ بعض الأحزان لا تتناسل إلا في مواطنها الأصلية.

رحِم الله جدّتي التي قَضَتْ ولم أرها، وأقرأتني السلام على مَن حولها قبل ان تموت، وكأنها تبثُّني عِتابها الأخير، فعدتُ إلى وحدة أمي قبل أن تلوم هي انعزالي هناك دون بيتنا الذي بدأ يجفٌّ، وحُجراته التي بدأت تخوى.

يُطلُّ عليَّ وجُهها لثوانٍ من فُرجَةِ الباب الصغيرة التي أتعمَّدُ تركها هكذا حتى لا تزعجني الطرقات، تبتسمُ بهدوء وأنا أرفعُ لها رأسي فزعاً ثم تنسحب، يكفي ان تراني أمي أو حتى الخادمة في حالةِ كتابة

حتى يتراجعا، لم أكن أطالبهما بهذا، ولكنّ علاماتِ الإرهاق التي ترتسمُ على وجهيي إذا قاطعتني إحداهما كانت تكفي لجعلهما تشعران أني أحتاجُ إلى العُزلة.

أحتاجُ إلى التركيز حتى لا تهزمني الورقة.

طاولةُ المكتب تشبه ساحة حربٍ ماكرة، تمرّدي في طرفٍ وخنوعي في آخر، هنا الطريق الوعر الذي أشقُّه في جبيني، المِعول الذي أضربُ به بحثاً عن قعر مأساتي، أشياء لا يراها إلا أنا، ولكنها تتخايل لأمي والخادمة، ويبدو لهما أنني في لحظاتِ الكتابة لا أجرُّ قلماً كسولاً فحسب ، بل أُشعِلُ دفتراً مِزاجياً مصاباً بالصرع.

لم أكن أكتبُ هكذا، ولكنّكِ امرأةٌ تُغيِّرُ أشكال الكتابة ، تتحكم في أطوال الأقلام، وعاداتها في الاستقامة، والانحناء، ورش النقاط، وتتصرف في استواء الأوراق، وسلوكها في الانتعاش، والاصفرار، والذبول، والموت.

جامحةُ هي الكتابة التي تستمدُّ مِدادها من الذاكرة، التي تغمسُ يراعها في الوجع، التي تشربُ من ماء الروح الشحيح بنهم، التي تخرجُ إلى الحياة، قبل أن أحجز لها مكاناً فيها.

موقّتاً سيؤويها هذا الدفتر. وعدتها أن أجد لها مقعداً في قطارٍ تنتظرينها أنتِ في محطته الأخرى. ولكن لا أحد يعيش في صالة الانتظار إلى الأبد.

ستبقى فيها مجبرةً ريثما تكتمل إجراءاتُ هجرتها إلى الحياة.

خواء البيت الذي تعوَّدت أمي امتلاءه يضايقها ويضايقني أنا الذي لا أريد من أحدٍ أن يجرح عزلتي.

منذ عدتُ من فانكوفر وعطاؤها ينصبُّ عليَّ وحدي بعد أن كان مقسوماً على سبعة أبناء وجدّةٍ عجوز. تفرَّق الأبناء وماتت الجدّة وبدأ السكّريُّ يزحف في عروق أمي، ووجد الأنسولين طريقه إلى صيدلية المنزل وأوقاتِ الأكل. وبدأت أمي تشعر بالوهن. فراحت تعتصر كل ما تبقى من عطائها لتصبّه عليَّ، وكأنها تخشى أن تلقى الله وعندها بقيةٌ منه فيعاقبها به.

أعرف أن أعمار الأمهات لا تقاس بالسنين بل بما استودعه الله في قلوبهنّ من خير العطاء. فإذا انتهى أخذهنَّ الموت! لهذا لم أكن أقلق عليها كثيراً.

إلا أن جِلستي وراء مكتبي الصغير طوال اليوم والليل، وبين أوراقي المتناثرة هنا وهناك، وعلى ظهرِ كّلٍ منها أشلاءُ قصيدةِ مثقوبةٍ لم تكتمل، أو أنها اكتملت ولم أعترف بها بعد، وشرذمة أفكارٍ متفاوتة النمو، بعضها نُطفة، وبعضها علقة، ومُضغة، ولحم، وعظام، كانت تمنحني مساحة البوح الشاسع، أكثر من أمي.

بوح الكتابة بريئ وجريء. تتلَّون فيه الهموم الرتيبة، يتمطَّى ظهرُ الحون، ويطقطقُ القلقُ أصابعَه. بوحها يشبه حنظلةً مُرَّةً مغموسةً في سُكَّرٍ محروق، أو ربما يشبه موتاً يُبعثُ تحت قشرة الحياة أو مأتماً قاتماً في ليلة عيد أو وجه مهرِّجٍ ضحوك تراوده الحياة عن دمعة.

فرقٌ بين الاعتراف المنهمر وبين سرد الذنوب فقط مثل محاضر التحقيق. من المرهق أن أكون، عبر قلم، قاضياً ومتَّهماً ومحامياً. ولا شاهدَ إلا ذاكرةٌ صعبة. ولا جريمةَ إلا حبٌ شارد.

أتخيَّلُ دائماً ردود الأفعال تجاه ما أكتب أثناء كتابتي. أتخيَّلُ ردَّة الفعل لدى أحدهم دون غيره من الناس أحياناً. ليستُ الكتابة مشروعاً انعزالياً أبداً . أنها لغة تواصل، وهذا قدرُ اللغات. إلا أني عندما أنفعلُ تماماً مثل أعواد الكبريت التي تحملُ موتّها فوق رؤوسها لا أراقبُ أحداً. وأكتبُ كما أريد لا كما يُراد، لأني أعرفُ أن ما سأحبسه بين جنبيَّ لأتوارى من أحدهم، سيمزِّقُ أنحائي يوماً آخر.

ستناديني أمي لقهوة الظهيرة بعد قليل. هذا ما كانت تعنيه إطلالتها الطيبة من فُرجَةِ الباب في مثل هذا الوقت. وربما تؤخَّرُ غداءها قليلاً ريثما أنتهي من كتابتي وأخرج من صومعتي الضلالية، كما تسمّيها، وهي تذكِّرني دائماً بقصة الراهب الذي سكت لصلاته عن جواب أمّه، فأراه الله وجوه المومسات.

تختلسُ مكثي معها من أوقاتِ القهوة ووجباتِ الطعام. وأنا مجبولٌ منذ صغري على البقاء وحيداً، ولم ألبث أن مارستُ تمريناً طويلاً على ذلك لعامين في فانكوفر. إنَّ عظامي تبردُ إذا جلستُ مع الآخرين ولا بد أن أخلو بنفسي لأُشعِلَ حزناً وكتابة.

يا لأقدار الكاتب الضعيف . إنه لا يتخلص من قيود حياته إلا بقيود حياله. ولا يلبثُ أن يضع ثيابه من الليل حتى يلبس ذاكرته من النهار،

وكأنه لا يستطيع أن يبقى عارياً أبداً وإلا تآكَلَ جِلدُه. أتذكَّر أن جدّي كان يقول: "كدتُ أن أكون شاعراً قبل أن يُقسم عليَّ أبي أن لا أفعل". تأمّلتُ رحيل عينيه إلى سرمد الماضي، لماذا ذلك التعهير المبكر للشعر؟ قال لي كهلٌ آخر والثمانون تقرض أسنانه: "حرمني أخي من الشعر، لأ،ه يُضعف القلب، ويورث الحزن، ويجلب الهمّ، ويفضح الستر"، ولم أفهم آنذاك كيف كيلت كل تلك الاتهامات لهذا المخلوق الطيب ولكني أشعر الآن بها حقاً.

الكتابة، نقصُ المناعة المكتسبة للروح، مثلما هو الإيدز، نقص المناعة المكتسبة للجسد.

تخيّلي أن تكون مناعتي ضعيفةً إلى هذا الحدّ، وأمراض بامرأةٍ مثلكِ.

لم يعُدْ في البيتِ الذي كان عامراً بالأبناء والبناتِ من يقاسم أمي وجبةً ما إلا أنا. تزوَّجوا جميعاً وبنوا لهم أسراً صغيرة خارج أسوار البيت وخارج أحلام أمي الاشتراكية. حتى كانت عودتي من فانكوفر مبرِّراً كافياً لينسحب آخرهم، خالد، بزوجته وأبنائه إلى منزلٍ مستقل، ليُخلي لي مكاناً في البيت على حدِّ عذره.

لعلّي أكتبُ قليلاً قبل أن أوافي أمي فلم يحن وقتُ الغداء بعد. بقي ساعتان على آذان العصر. ستجلسُ أمي في الصالة بلا جليس، وستفتحُ مذياعها ليخرج منه صوتُ المقرئ عبدالله خيّاط الذي يؤلمني بتقادمه. ولن تسمعه طويلاً . تنشغلُ عنه بالتسبيح أو تقليبِ

الجريدة الخاوية بين يديها لدقائق، مستنفرةً في سطورها قدراتِ القراءة المنحسرة وبقايا الثقافة المتآكلة، قبل أن تعودَ إلى مُصحفها وأذكارها مرةً أخرى، فتقرأ فيهما رغم ما تحفظه منهما عن ظهر قلب، أو تسعى إلى أمرٍ من أمور البيت التي لا تنتهي طبعاً، لأن أمي لا تريدها أن تنتهي.

كتابتي صعبةٌ هذه الأيام. أنا لا أنفعل بقصيدةٍ أرميها على الدفتر وأمضي. إنها روايةٌ تولد. تقليبٌ حرٌّ في جيوب الذاكرة. أحتاجُ غلى الخمول في بطن الصفحات أكثر مما أحتاج إلى النشاط. لا بدّ من المشي البطيء بعيداً عن ركضِ الأبيات الذي تعوَّدتُه. حتى لو مَثَلت كل الأفكارُ في ذهني معاً، لا بدّ أن تختمر تماماً، لا أحد يقرأ عجيناً.

كم يؤرّقني هاجسُ الرتابة، أنا الذي لم أكتب روايةً في حياتي. لأنَّ حبَّكِ الكبير هذا، حبكِ القاهر هذا، ما مرَّ عليَّ مثله من قبل، ولم تَقِفْ عليه حدودث مخيّلتي العذراء، ولا شَغافُ قلبي البكر، ولم تتورَّد في فمي حلمةُ حبٍ قبله قطّ.

لا بدّ من كلامٍ يليقُ بأول إنسانٍ على سطح القمر، وأول حبٍ ينزلق في شِقِّ حياتي، ولا بدّ أيضاً من تأبين يليقُ بسطح القمر الذي لم يعد إليه احدٌ بعدها، وحياتي التي ظلَّت مهجورةّ بعدكِ، مثل وديان الجنّ.

يا لحبنّا ، كيف أتى ، وكيف رحل.

التقينا كما يلتقون، جمعتنا الحياة في أزقَّتها، لكنّنا لم نتوقَّع أن

تكون الملحوظة التي كتبتها الحياة على هامش التقائنا هناك: "سيقعان في الحب"، وعلَّقت الورقة الصفراء على لوح القدر.

دائماً أعتقدُ أن العلاقة التي نتوقَّع شكلها مسبقاً لن تكون حباً بطبيعة الحال. دائماً يأتي قَدَرُ الحب غريباً على نَسَقِ حياتنا، جديداً على أوراقنا وأحلامنا، دائماً يفرِضُ نفسه كجملةٍ لحنيةٍ مُبِهرة في نوتة العمر.

ولأن وجودكِ في مدايَ كان فوق العادة، وانفعالكِ بي كان خارج حدود الطبيعة، وعلاقتنا بأسْرِها تحليقٌ علويٌ لا تحكمه قوانين الجاذبية، ولا اتجاهاتُ الرياح، كان أن استسلمتُ له تماماً، مثل تائب.

دائماً هو الحب الأول خرافيٌ مجنون، حتى لو تأخر إلى آخر العمر، يجيء مراهقاً.

تذكّري ما قال نزار:

"حبُّكِ مثلُ الموتِ والولادة

صعبٌ بأن يُعاد مرّتينْ"

وآه لو كان يُعاد مرّتين! لو كان يُنسخ ويُعرضُ مرّةً أخرى في حياتي. ولكنها أُحادية القدر الخالدة. تمنيتُ لو كان غروركِ كاذباً عندما كنتُ أسألكِ: "أين أجد مثلكِ؟"، وتقولين لي: "مثلي تماماً ؟ لا يوجد"، كنتُ أعلمُ أنكِ فُرادة الخالق على هذا الكوكب، ولكن يروقنا أحياناً أن ننطِق باليأس بعد أن تقرف منه أرواحنا.

عندما كنتِ هنا، كنتُ أفكر أحياناً وانا ملفوفٌ مثل شرنقةٍ في المساحةِ الدافئة التي يمنحني إياها صدركِ الحاني وذراعاكِ السخيّتان، في أيِّ الأماكنِ التي نلتقي فيها، إنْ كنتُ سأجدُ بعد رحيلكِ امرأةً أخرى تختصرُ مسافة حزني عليكِ؟

هل حقاً سأجدُ بعدكِ من تصلُحُ للحب؟

سؤالٌ هَلْوَسيٌّ، ولكنه يليقُ بذهب عاشقٍ مريض كان يعلم أنَّ حبيبته سترحل بعد حين، ومع رجلٍ آخر.

صحيحٌ أن بعض النساء لسنَ أكثر من منديلٍ نمسحُ به دموعنا على فراق امرأة أخرى، ولكن منهنَّ أيضاً من تمسَحُ شريطَ الذاكرة بأكمله لتتربَّع عليها وحدها.

وأكثرُ النساء حناناً وذكاءً، لأن حنانَ المرأة وذكاءها كثيراً ما يعملان جنباً إلى جنب، هي تلك التي تتركُ وراءها عندما ترحل ذاكرةً غير قابلةٍ للطيّ ولا النسيان ولا إعادة الكتابة.

وأنتِ وجدتِ عندي ذاكرةً لم تُمَسَّ أصلاً من قبل، وقلباً خالياً لا يشغله شيء أبداً، فدخلتِ فيه بسلام، وعزَّزتِ مكانكِ ووطَّدتِ ملككِ وسخَّرتِ الدماء والشغاف والأوردة لكِ.

وإذا عجزنا عن إيجاد الدواء، لماذا نناقش بحرج مدى حاجتنا إليه اصلاً، هل نفعل ذلك لنبرّر عجزنا عنه؟

أعني، ما دمتُ عاجزاً عن إيجاد بديلةٍ لكِ، فهل أنا حقاً أحتاجُ بعدكِ إلى حبٍ يأخذني بعيداً عنكِ؟ يا أنتِ التي رَحَلت مع زوجها

إلى حيثُ لا يراكِ إلا عيناه العاريتان خلف شبابيكِ الغربة الخائنة وأرصفتها الخالية من الوفاء.

هل أنفُضُ يديَّ من حبكِ الذي جاء من حيث لا أدري، وراح من حيث لا أستطيع اللحاق به؟

حتى وإن فعلت، أيُّ امرأةٍ تلك التي ستكفيني بعد أن رفعتِ أنتِ سقف الكفاية إلى حدٍّ تعجزُ عنه النساء؟

هذا السقف الشاهق، معجزتكِ معي، ومأساتي معكِ.

عندما تنجح امرأةٌ في الوصول بسقفِ الأنوثة إلى حدٍ تتساوى تحته النساء، وتستحيل فوقه النساء أيضاً.

لأني أتصنَّمُ أمام قدرتك الأنثوية الهادرة. أتكسَّرُ على أرضية المعبد الحجرية. أترمَّد حُفَناً وأتناثرُ بين أخشابِ التوابيت وخيوط المومياءات التي تصنَّمت وتكسَّرت وترمَّدت وتناثرت قبلي. فالأسئلة التي تتركينها وراءكِ تشبهُ لُغزَ النقوش الغامضة على جدرانِ القبور، لها حُرقةُ الجرح المفتوحِ لقرون دهشةً وعويلاً، لأنها لا تسطيع فهم الأسئلة المُحنَّطة.

لو أجبتني عن سؤال واحدٍ فقط ربما أستطيع فهم مرضي بكِ: اخبري قلبي المتعب كيف تستطيعُ امرأةٌ ما أن تغيِّر ظروفَ رجل ومقاييسه ونظرته إلى الحياة وفلسفته في الكون ثم تتركُ توقيعَها على كل شيء فيه، حتى صار يشكُّ في وجودِ امرأةٍ تكفيه مرارة الوحدة التي يلعَقُ فيها جراحه؟

كيف فعلتِ هذا به، ثم رحلتِ عنه ولقد انقلبت عقائدُه، ومسلَّماتُه، دون أن تفكري في هذا الحرمان الصعب الذي تركتِه فيه؟ حرمان القناعة.

لماذا جئِت شبيهةً بي إلى هذا الحد؟ ملتصقةً بإنسانيتي إلى هذا المستوى؟ متوحِّدةً مع روحي مثل ذراعيْ صليب. وكأن قدرينا كُتبا في السماء على لوحين متعاقبين.

لماذا هو تعويضكُ أكثر إعجازاً من وجودك؟ وأيُّ امرأةٍ ترينها تعيدُ كتابة حياتي مرةً أخرى لأقع بين عينيها بعدكِ فتنتشلني من واقعي المؤلم، ولا تتخلَّى عني هذه المرّة؟

أين أجدها في بلدٍ مثل بلدي، لا ينمو الحبُّ فيه بكثرة، في بيئةٍ صحراويةٍ جافّة تغتالُ هذه البراعم الربيعية في لحظاتها الأولى، تَلَبس بها، وتُلِبسُ عليها.

ليس لدينا حبٌّ يولد حُرّاً، وينمو حراً ، ويعيش حُرّاً، لابد أن ينقلِبَ عليه الجميع، لابد أن يُلقى أمامه بالقاذورات، لابد أن تُزرع دونه الأشواك، ويُنفى إلى الشِّعْبِ الأجرد.

لا يوجد مولودٌ يولد بأغلاله إلا الحب، وهُنا فقط.

كِذبةٌ أنَّ أخصب أوراق الحُبِّ هي الصحراء. كِذبةٌ كل أساطير العشق التي أخرجها التاريخ من عندنا. عُذرة هذه قريةٌ خياليةٌ ضاعت مثل إرم. حصانٌ سافر عكس اتجاه الحقيقة. الصدق الوحيد هو أنَّ قيساً الذي قَبَض الجمرَ بكفّيه أمام ورد، وعُرْوَةَ الذي استفهم الحبَّ

من شيباتِ عفراء، كلهم كانوا نُطَفاً خاطئة، خارج رحِم المنطقة.

خطأ ما وقع، لا ندري أين، لا ندري متى، محا الحُبَّ من قائمةِ المشاعر، وكتبه في قائمةٍ الفضائح. فصار هذا الحب منبوذاً قبل أن يُفهم، مرفوضاً قبل أن يتكلم، ومنفياً خارج حدود الوطن حتى قبل أن يفكِّر في التمرّد.

في مثل هذه الظروف، كيف أصنعُ حُبَاً؟ كيف أبدأ عهداً جديداً على القلب الرازح تحت الكَلْمِ؟ كيفُ أرمي صوتاً في دوّامة الصدى؟ كيف أُجدِّدُ هديراً عائداً للآلة التي أكلها اليأسُ والسكوت الصدأ؟

أنا ميْتٌ حتى تقفي مرةً أخرى على أركان الروح. إما أن تعودي إلى البيت المهجور وإلا فلن أهدمه لأبني غيره. فطللٌ بالٍ خيرٌ من بيتٍ خال.

****

عدتُ من عند أمي إلى الأوراق السوداء الحائرة، والبيضاء الأشدِّ حَيْرة. ما زلتُ أراهِنُ على هذه البداية بجموح ذاكرتي ومساحة حزني لعلّها تكتملُ ذات يوم، فأعيد بها قراءة ذاتي. ربما استطعتُ في آخر المطاف أن أكمِلَ شيئاً من هذا الحب الناقص.

إنني أكتبُ فحسب مقدوحاً بما عشته من الحب والحزن، وكفى بهما. نصف أقدار البشر تدور حول هذين المحورين. ونصف مآسي التاريخ انطلقت من عندهما. وروايتي كذلك.

استويتُ على مقعدي الرمادي المعتاد على نحولي، وعلى حركتي الدائبة فوقه مثل قُنْدُسٍ يبني سدَّه وهو يُراقِبُ السيل.تارةً أجلس عليه باعتدال وتارةً أطوي قدمي تحتي وأنكفئ على أوراقي بميلٍ شديد. وأحياناً أعودُ به إلى الوراء حتى ألتصِقَ معه بالجدار، وأمدُّ رجليَّ فوق المكتب، وأحتضِنُ ما كتبته من أوراق ، وأقرأ فيها حتى يستقرَّ في داخلي أحدُ شعورين، الرضا أو عدمه.

هل أبدأ من مولد الحلم أم من مأتمه؟

هل أجعلها رواية أم رسالة؟

وإذا كانت رواية، من سيمليها عليَّ ، قلبي أم عقلي؟ وإذا كانت رسالة، من سيحملها إليكِ منهما؟

تداخلاتٌ كثيرةٌ في حياتي الماضية تجعلُ الكتابة عندي الآن عمليةً معقدةً جداً. كل يومٍ تزدادُ هذه الأوراق سواداً بين يديّ وهي لا تدري ماذا يُراد بها، وأنا لا أدري ماذا سأفعل بها!

تخيَّلي أن أصرخ بهذا الصوتِ العالي في مجلسٍ يُكْرَه فيه الهمس بالحب. تخيَّلي أن أضيع بين أمانة ما يجب أن أعلنه من حبنا وما يجب أن أخفيه عن عيونهم.

ولماذا أكتب؟ هل هي حاجةٌ في نفس يعقوب قضاها؟ هل هو مرض الكُتَّابِ المعتاد في فضح أنفسهم وعاداتهم الأزلية في كشف عوراتهم؟ أم أنني أحاولُ فقط أن أطرُدَ ما تبقَّى من حبكِ في هذا الدفتر الأخضر، لعلّ حيِّزاً من الذاكرةِ يخلو في رجلٍ تملئينه حضوراً وغياباً؟

أترايَ أحاولُ غسل ذاكرتي معكِ بهذه الرواية؟

أتُرايَ أنقضُ عهد وفائي لكِ إذا حاولتُ إخراجكِ من حياتي؟

لم أكن أتوقع أن معنى الوفاء سيكون نصّاً مغلقاً إلى هذا الحد، ولم أكن أتوقع أن سؤالاً نسينا أن نجيب عنه قبل رحيلكِ سيعود معتمراً قبّعة وجع، ماذا يعني أن نظل أوفياء؟

كيف يفي عاشقٌ اعزب لامرأةٍ متزوجة؟ هل يترهَّب ؟ أم يعلِّق عينيه في السماء، وينتظر أن تعود حبيبته مع المطر؟

وكيف تفي هي له بعد أن تخلّت عنه؟ هل تدعو له في ليلة القدر مثلاً؟ أم لا تستجيب لزوجها؟ أم ماذا؟

ياللسخرية!

كيف يمكن أن أظلَّ وفيّاً لحبّكِ، وتظلّي وفيّةً لزوجكِ؟

أتُرانا تجاهلنا هذا السؤال عن عمد لنختصر من الفوضى التي كانت تُشتّت أفكارَنا آنذاك؟ أم أننا بالفعل كنا أطفالاً في الحب؟

بماذا أقنعنا أنفسنا تلك الأيام؟ وفاؤنا الضعيف كان يعني لنا آنذاك أن نتمسك بالوعود القديمة: سأتذكرك، لن أنساك، سأشعل شمعةً كل أربعاء، إلى آخر هذه الكلماتِ الضالة. ولما رحلتِ، سقطت كل أيامي من تقويمكِ، وليس الأربعاء وحده.

ما كان ليمرَّ في أسوأ كوابيس حياتي أنه سيمضي أربعون يوماً بعد رحيلكِ، قبل أن تأتيني رسالةٌ مسجَّلةٌ قصيرةٌ جداً منكِ، تعلنُ وفاءك الأول.

أنا الذي ظننتُ أن لا شيء في الدنيا أقرب لكِ مني، كما هو لا شيء في الدنيا أقرب لي منكِ، اكتشفتُ أخيراً أنَّ الكلمات التي يقولها عاشقان في لحظة عناق، والوعود التي يقطعانها في غمرة بكاء، يجب ألاّ تؤخذ بجدّية.

أربعون يوماً!

أيُّ حبٍّ هذا الذي يحتاج إلى أربعين يوماً كي تكتمل فيه دورة الحنين، ويُقرع فيه جرس الشوق؟

ماذا كنتِ تفعلين أيتها الفتاة التي بكت بين ذراعيَّ طول الليل وهي تودّعني؟ ما الذي شغلكِ أربعين يوماً عن الرجل الذي قلتِ له ملء فيكِ: "لم أكن أتصوَّر أنني سأعشقك إلى هذا الحد". فهل تجاوز زوجكِ يا ترى هذا الحد، في أربعين يوماً فقط؟

كان كلُّ يومٍ يمرُّ ألتمس لكِ فيه عُذراً بحجم ألمه. حتى إذا تجاوزتِ كل هذه المدة، لم أجد في قواميس الحب عُذراً يغطي خطيئتكِ، ولا صبراً يكفي صدمتي.

كنتُ أجلسُ في معتزلي الحزين الذي اتخذته لنفسي بعد رحيلكِ الجديب. هضبةٌ صغيرة تختبئ غرب المدينة وتنام ليلاً في سُباتٍ غاشٍ حتى لا يُسمعُ فيها إلا صرصرةُ حشراتِ الليل وحفيفُ الأشجار التي تؤويها أطراف الحي الدبلوماسي بالرياض، بعيداً عن ضوضاء المدينة. آوي إليها إذا انتصف الليل وأُصلّي، وأدعو في هذيانٍ أو أهذي في دعاء، ثم أنحني على التراب انحناء المفجوعين، أو

أضطجع لأتأمل السماء في حسد، لأنها تُظِلّكِ الآن كما تُظِلُّني، ويعصرني حبل الحنين، ويأخذني البكاء الهادئ.

كنتُ ساذجاً في حزني، كلاسيكياً في اجترارِ الأوجاع والتعايش معها.

فجأة، نَبَضت في جيبي رسالتكِ القصيرة، انتفض لها هاتفي الصغير وكأنما عاد إلى الحياة، كان رنيناً يُعتبر ضجةً على خمول الوادي. سمعتُ رسالتكِ ، صوتكِ، وارتعدت في جفني دمعةٌ أفزعتا دهشة الأمل المسحوق.

"هلا عيوني، أنا الآن في سيدني، الساعة الآن السابعة والنصف، كل شيء على ما يُرام، طمئنّي عنك، سأنتظر رسالة، مع السلامة".

وانتهت حروفكِ المتقطعة.

شعرتُ أنَّ الليل فوقي انكمش وتجمَّع وتكوَّر ثم دسَّ نفسه في حلقي غصّةً لم يشهدها من قبل حلقُ رجل.

عيوني!

لماذا (عيوني)؟ وليس حبيبي، حياتي، كما تعودّنا؟

ليس هذا ألمي، ولكن ...

أنتِ تستخدمين كلماته!

كلمات زوجكِ سالم، وأنا ما زلتُ أتذكر رسائله المسجلة التي كان يتركها لكِ إبّان الخطبة، كلها كانت تبدأ هكذا، (عيوني)، كيف لم أفكر في هذا؟ كيف لم أنتبه أن رجلاً يلتصق بكِ أكثر من ثيابكِ

طوال أربعين يوماً، في اكثر أوضاع الجسد حميميةُ، سوف يزرع في لسانكِ كلماته؟

لماذا كنتُ حياتَكِ، ثم تقلَّصتُ لأكونَ عيونَكِ فقط؟ هل كنتِ بذلك تُعلنين أن بقية جسدكِ لم تعد لي؟

هل كان انتظاري أربعين ليلةً يستحقُّ منكِ ألماً كهذا؟

كم كانت درجاتكِ في امتحان الوفاء الأول مُزرية، وكم تعاقبت بعدها الانحدارات، وكم تضخَّم العار.

تبقى المرأة متوازنة حتى تتذوّق رجلاً ما، فيخلطُ في داخلها كل الأشياء، بدءاً من لسانها، ومروراً بقلبها وماضيها وحبها ووفائها. تدخل فراشه متماسكة، لتخرج منه وهي امرأة أخرى، لها سلوكٌ مختلف، وعقيدةٌ أخرى، وذاكرةٌ جديدة.

كيف قررتِ أن تتركي لي رسالةً تلك الليلة يا تُرى؟ ولماذا بعد أربعين يوماً تحديداً، وكأنّ فِراقنا كان ولادةً كئيبة خرجتِ من نِفاسها توّاً؟ أتُرايَ زرتكِ في منامكِ تلك الليلة، فتذكرتني؟ ، أَم أن رجلاً مثل سالم أقام متاريسه على وسادتكِ أيضاً، كما أقامها على جسدك؟ من أين تسلّلتُ إلى جفنكِ إذن؟ إنَّ امرأةً لم أمثل أماها بكل مصائبي طوال هذه المدة، هي امرأةٌ عمياء، لا أريد أن أكون (عيونها).

مكثتُ على الليل، أقلِّبُ في نبضة الحزن هذه. لماذا يجمعنا الزمان ولا يجمعنا المكان؟ ها أنتِ تسجّلين رسالتكِ وأنا أسمعها

في غضون ثوانٍ، ولكن أين أنتِ، وأين أنا؟

كم تبعدُ سيدني تلك عن هضبتي هذه؟ يا الله، ما أبعدكِ، وما أشقَّ الوصول إليكِ، وما أصعب إقناعكِ بأني أموت!

شعرتُ بالاختناق، أخذتُ نفساً كبيراً وتمددتُ على سجادتي مُبحلقاً في السماء، وفي جفني مصنعُ دموعٍ نشِط.

لماذا يا مها؟ لماذا؟

أيُّ بلدانٍ تلك التي زرتها في شهر العسل جعلتكِ تنسينني بقسوة؟ أيُّ مدنٍ تلك التي تخدِّرُ القلوب وتصادر المشاعر وتجرِّدكِ من الوفاء قبل أن تتجاوزي صالة التفتيش في المطار؟

هل اكتشفني جهاز كشف المعادن معكِ فرميتِ بي على الفور قبل أن تُفضحي أمام سالم؟ هل انتزعني المفتشون من قلبكِ ثم أعادوني على أول طائرة، لأن جواز سفركِ لا يخوّلك أن تجلبي معكِ حبيباً؟

أيُّ فنادق تلك التي تتجمدين أمام هواتفها عاجزةً عن تذكُّر رقمي؟ ايُّ أقلامٍ تلك التي نَسِيَتْ كيف تُرسَمُ حروف عنواني؟ أيُّ امرأةٍ تلك التي أطفأت رجلاً في عقلها بهذه السهولة؟

هل يبيعون تعاويذ نسيانٍ خارج الوطن؟ اجلبي لي بعضاً منها يا حبيبتي.

شهرُ عسلٍ سعيد إذن أيتها القمر الغائب، شهرُ ألمٍ لم يعرف مثله في حياته الرجلُ الطافي على يمِّ نكْبته. لا تعليق لديَّ. لا تعليق لدى

الحياة. ربما كانت خلف جبينكِ أفكار امرأةٍ متقلِّبة بين رجلين لا تعلم أيهما تحب.

بدأ يشربُ منكِ سالم. بدأ يسلبكِ جمالكِ وروعتكِ وراء جسمكِ. بدأ يمارسُ إقطاعيته الشرقية على الأرض الجديدة التي ضمَّها إلى أملاكه. فهل تتصورين شعوري الآن؟

أربعون يوماً على قصبة الشنق، هكذا يموت المخلصون.

والرياض في شهر يوليو، وخمسون درجةً مئويةً توقِّعُ عليها الشمس كل يوم.

كُليتاي تبتسمان للموت قريباً؛ تماماً مثلما تبتسمين لسالم عندما يستيقظ ذات صباح، ويسألكِ عن تفاصيل الليلة الماضية.

عدتُ إلى البيتِ ونجوم الليل تستحي مني لفرط حُزني. جررتُ الخُطى جرّاً. دسستُ المفتاح في الباب البارد. تجاهلتُ أختي أروى تماماً وهي تناجي هاتفها في الحديقة وتبحلق فيّ بدهشة. صعدتُ إلى غرفتي وليس في جبيني فكرةٌ تشبه أختها لفرط ما كان يكتنفني من ظلماتِ الحَيرة.

كتبتُ لكِ رسالتي عبر البريد الإلكتروني. كان يكفيني ربع ساعةٍ فقط حتى أفي لكِ. ربع ساعةٍ هو زمن استماعي إلى رسالتك وبكائي عليها، بينما يمرُّ أربعون يوماً قبل أن يصل وفاؤكِ الضئيل هذا.

أيُّ عُتْبى تُرضيني، وأيُّ عتابٍ يكفيك؟

عاتبكِ في رسالتي على ترحيبكِ الموجع، وسردتُ أوجاعي، وختمت.

بعد هذا الموسم الخصب من الألمن حاولتُ ألفَ طريقةٍ لأتخلَّص منكِ، ذاكرةً، ووجعاً، وحلماً.

أنا الذي لا تقتلني أحزاني بقدر ما تقتلني أحلامي، آمنتُ أنه يجبُ أن أتخلَّص من الأحلام الزجاجية التي انكسرت وإلا آذتني شظاياها.

حاولتُ أن أنساكِ، لأني لم أكن أعتقد أن بقائي معلَّقاً على عارضةِ الحب يُعتبر وفاءً، بينا تأوين أنتِ إلى فراشِ رجلٍ آخر كل مساء، بمحض رغبتكِ واختيارك.

ولكنَّ نسيانكِ هذا تمنَّع عليّ، وفشلت محاولة ...

حاولتُ أن أ:ره بعض تصرفاتكِ الخادشة جدران الذاكرة، جمعتُ كلَّ ما آذيتني به طوال أشهرنا الأربعة عشر: علاقتَكِ الماكرة بسعد، حُبَّكِ القائم لحسن، خيباتي الكبيرة عندما أطلقتِ عليَّ عيارَكِ الناريَّ الشهير: "لستَ إلا مثلهم"، وارتماءَكِ في أحضان سالم بعد ضجة الحب معي، ثم أخيراً، هذا الوفاء الوضيع الذي لم يستحِ أن يأتي بعد أربعين ليلة.

حاولتُ أن أعبر كراهيتي لتصرفاتكِ هذه جسراً إلى الرضا والتسليم بأن رحيلكِ لم يكن خسارةً كبرى، ولكني اكتشفتُ أخيراً أنني كنتُ أرسم أفكاري على مساحةٍ من الرمل لا تلبث أن تغمرها موجةٌ قاسية

فتساويها ببعضها، فكففتُ يديَّ عن هذه السخافات، وتوقَّفتُ عن محاولةِ العبث بالأوراق القَدَرية، وتعلّمتُ من هلوَسة عاشقٍ محموم أن ما تكتبه الأقدار لا يمكن أن تمحوه الأيدي، وفشلت محاولةٌ أخرى.

لأن رحيلكِ، بالفعل، كان خسارتي الكبرى في بورصة الحياة.

لماذا أُعلِّقُ نفسي بكِ مثلما يتعلَّقُ الجهلة بأولياء الله الصالحين؟ لماذا محوتُ بيدي كل ما كتبتهُ على جدران المستقبل، ثم كتبتُ اسمَكِ بطبشور الوهم على كل زاوية وحائظ وقطعة طوب؟

يا امرأةُ تزرع الأسئلة في عقلي مثل السيوف، لماذا انا مرهونٌ بيديكِ إلى هذا الحد؟

حاولتث أن أسيء أدبي مع الحب نفسه، ما هو هذا الملعون؟ أليس إلا محاولةً لتحسين صورة الأقدار في حياتنا؟ الحُبُّ هذا قَدَرٌ ناقصٌ، لا يمكن أن يكتمل يوماً ما. إنه دائماً يجيء بما يكفي لنحترق، ثم ينسحِبُ سريعاً ويتركنا في مواجهة هذه النار المتأججة.

أريد أن أفهم لماذا لا يُكمِلُ الحبُّ دائماً ما بدأه؟

لماذا يستغلُّ دائماً دهشتنا به ليرحل؟

ولكنّ محاولتي هذه أيضاً جاءت فاشلةً، كان الحب في قصتنا هذه سخياً إلى أبعد الحدود، ولكن يبدو أننا لم نحسن التعامل معه، ففرَّ من أيدينا.

قرَّر لحظتها مذياع سيارتي أن يغني: "يالعيب فيكم، يافحبايبكم"، في اللحظة التي كنتُ أفكر فيها فعلاً، هل العيبُ فيَّ أنا الذي لم أكن

بمستوى تضحيتكِ، أم فيكِ أنتِ التي لم تكوني بمستوى وفائي؟ لأن كل الأشياء، عندما ننهار، تسخر منا.

أن يكون الزمان والمكان مناسبين، هل هي مشكلة الحب، أم أنها قضيّتنا نحن أن نجعلهما كذلك؟

هذا هو السؤال الغارقُ في وحلِ مجتمعنا.

***

مأساتنا أني عندما أحببتكِ، كنتِ مخطوبةً أصلاً لسالم، ومنذ أسابيع قليلة فقط.

كانت الخطبة قد أُعلنت رسمياً على الملأ، بعد أن عاين الرجل بضاعته التي امتدحوها له مرتين، فجاءت على قدر المساحة الخالية التي بقيت من حياته. وافق هو، ووافقتِ أنتِ، وليس في قلبيكما نبضةٌ واحدةٌ تبارك هذا القرار، والدليل على ذلك، حبنا الذي بدأ تماماً بعد هذه الخطبة بأيامٍ فقط.

وانطلقنا في هذه المتاهة الحزينة التي لم أخرج منها حتى هذه اللحظة.

شعرتُ أن الحُبَّ لِصٌّ، اختَلَسَنَا من غُرفاتِ الحياة، وعلَّقنا في السماء، وهرب.

ماذا أفعل بامرأةٍ مرتبطة؟ وماذا تفعَلُ هي برجلٍ لا يملِكُ لنفسه من حبها دفعاً ولا اتقاءً؟ رغم أننا بدأنا ونحن على درايةٍ بكل ما يتراءى

أمامنا، نعلم أننا سنفترق، سنحترق، إلا أنني لم أعد أدري أين كانت تلك الفجوة الزمنية التي عبرناها ساهِمَيْن، فإذا بنا قد عشقنا وغرقنا دون أن نعرف لهذا الحب معنى أو نلتمس له أملاً في وسط ظروفٍ كهذه.

منذ البداية كان حبي لكِ قلِقاً مشوباً باليأس. كنتُ أتعامل معه كما أتعامل مع رجلٍ ميت. تروعني صُفْرةُ وجهه وشحوبُ ملامحه وحفَنَنَاتُ الرماد التي تتساقط من جسده النحيل. أنتِ مسجّلةٌ في دفاتر الحياة باسم رجلٍ آخر. لم يكن اعتباره لكِ وأهمّيتكِ عنده تتعدى كونكِ امرأةً تحمِلُ شهادةَ تزكية من إحداهنَّ، فقط.

ضآلة القلب عندما تبيع امرأةٌ حبها العظيم بهذا الزهد.

وقِلّة البصيرة عندما تظنُّ أن من يحبها يقِلبُ الموازين، ويخترع هذا التمرُّد، ويكتُب، ليحرِّضها فقط، بينما الحب الحقيق لا يحتاجُ إلى تحريض ليجعلنا نغيّر شكل حياتنا بأسرها، من أجل من نحب.

حقيقةً لا ظنّاً، بدا لي سالمِ برميلاً صدِئاً، نُسخةً مكرّرةً من آلاف الرجال الذين يدبُّون في مجتمعنا بلا فائدة، ويعينشون الننمط نفسهن والفكر نفسه، والغباء نفسه. الفلسفة الطَّبَقية تُغلِّفُ إطار حياته، بمقدارٍ لا بأس به من الانتفاخِ الفارغ الذي لا يحوي شيئاً. غرورٌ مهجَّنٌ بالجهل، ولؤمٌ مثير للشفقة، يظنُّه هو ذكاءً وقدرةً على إغراء امرأةٍ مثلك، وهو يحاول أن يبدو وسيماً ولبِقاً.

لستُ أدري أيُّ الأشياء كان يمنحكِ حداً أدنى من الانجذاب إليه أو الرضا به. كان يكبركِ بعشر سنواتٍ تقريباً. وعقلكِ أنتِ يكبره

بعشرين سنة على الأقل. هو رجل السطح دائماً. الطافي على الماء مثل الطحالب الميتة. وأنتِ اللؤلؤة النائمة في محارتها العميقة.

هل يُعقلُ أن تتزوَّج أميرة البحر من ضفدع الضفة.

أتذكّر تماماً ليلة العقد، قبل أن يُفتح عليكِ الباب ليُدخلوا دفتر النكاح في انتظار توقيعكِ. كان صوتكِ يأتيني عبر الهاتف خائفاً مرتعشاً بالدموع. قلتِ لي: "ابقَ معي حتى آخر لحظة". ظللتُ أناجيكِ والهمُّ قائمٌ فوقنا كسماءٍ سوداء كالحة، حتى إذا جاءت اللحظة المؤلمة، وجاء دفتر النكاح، وأغلقتِ سمّاعة الهاتف، شعرتُ أن نصلاً حاداً يخترقُ جسدي بكل عنف، ويجولُ في أرجائه ممزّقاً اللحم والعروق والأعصاب، وناثراً الدماء في كل مكان.

على أوراق ذلك الدفتر، وقَّعتِ بيدكِ المرتعشة قرار إعدامي.

عاد الدفتر إلى الجمع الرجالي. هنّأوه جميعاً بكِ، ولم تُعزّني فيكِ أحد. وتحوّلتِ إلى امرأةٍ متزوجة في اللحظة نفسها التي تحوّلتُ أنا إلى رجلٍ ميت.

الحياة ملأي بهذه الدفاتر المزدوجة التي تصلحُ عقدَ نكاحٍ لرجل، وشهادةَ وفاةٍ لآخر.

هل تُرى علمت الأيدي التي توقِّعُ عليها شيئاً عن هذا الوجه الأسود للورقة التي تبدو بيضاء؟

صرتِ الآن زوجته شرعاً، لن يكتفي منكِ بصوتكِ هذه المرّة، لن يترككِ لي كما كنتِ طوال أشهر، سيطرق بابكِ متى شاء، ويصحبكِ

متى شاء، ويتسلَّى بكِ بطول يديه حتى تأتي ليلة الزفاف بعد شهر آخر.

كنتُ أجلس على الكرسي الرمادي نفسه الذي أكتبُ من فوقه سطوري هذه. رعبُ تلك الليلة لم يبرح ذاكرتي حتى الآن.

أُطرق في صمتٍ والفكرة الرهيبة تقبضُ على دماغي بقسوة. لساني يخشى تماديه، ودبابيس الأسئلة تُدمي أفكاري.

لماذا أحببتكِ دون أن أعي ما أنا فيه من هوانٍ وضياع؟ ودون أن أحاول اتخاذ قرارٍ ما بشأن الهاوية التي تقترب؟ لماذا أجَّلتُ كلَّ الأشياء وبقيتُ أختلس حبكِ اختلاساً طوال سنة، تتخللها لحظاتٍ أفيق فيها من خَدَري، لأجلس معكِ جلسة مبتهل، أتوسَّل إليك بدموعنا معاً، وليس دموعي وحدي، أن تفعلي شيئاً لهذا الحب الذي ينتظر إعدامه؟

لا بد من تضحيةٍ ما، لابد من ضجَّةٍ ما، فالأقدار لن تمنحنا كل ما نريده دون سعي.

رغم كل وعودِ الصمود التي وعدتكِ بها قبل أن ترحلي، فقد توقَّفَت حياتي تماماً . أصبحتُ أحيا خارج الزمن، وخلف المدار، وقبل الشمس بأمتارٍ قليلة. أخذتُ أفلسف هذه الحالة. أحاول أن أُبصِرَ في البلقع الذي تركتني فيه شيئاً أعيش لأجله. ألتفتُ يمنةً ويسرةً، وأركع وأسجد، وأرشوِ مخدّتي كلَّ ليلةٍ بألف دمعةٍ لعلّي أنام، ولا أجد إلا الأمل الخافت الصعلوك، الأمل بأن تكتشفي يوماً أنكِ فرَّطتِ في

الحب الكبير الذي لا يتكرَّرُ في الحياة، وضيَّعتِه إلى الأبد.

يبدو أن البداية البسيطة كانت مضللة فعلاً بالنسبة إلى رجل مثلي، أنا الذي لم انزلق في الحب من قبلُ حتى أدرك أنه يجب أن أنتبه جيداً أين أضع قدميَّ، وأنتِ التي تصرَّفتِ بعفوية أنثى شرقية تدرِكُ أنه ما من قوةٍ في الدنيا توِقفُ نبضاتِ قلبها عندما يقرِّر أن ينبض.

***

إلى لقائنا الأول تهربُ مني ذاكرتي.

صباح الخامس من أبريل. اليوم الذي وجدتكِ فيه غارقةً في قراءةِ قصيدةٍ لي علَّقتُها في جريدة، ووجدتُ نفسي غارقاً في إطراء امرأة رقيقة، ووَجَدَنا الحُبُّ فجأةً في هذه الفرصة السانحة، فألفى علينا شِبَاكَه، وهَرَب.

مرَّت دقائقُ قليلة فقط ونحن نتحدَّث. ذهبتُ بعدها لأنام بينما ذهبتِ أنتِ إلى الجامعة. هذا ما كنتُ أعلمه، أما ما لم أكن أعلمه فهو أنَّ هذه الفتاة التي تركتني في لقائنا العابر ذاك سوف تعود لتعيش معي قصّة حُبٍّ بيضاء، تزيِّن فيها شعرَها كل يوم بثلاثةِ عصافير تخرجُ من قلبي.

بكل هذه البساطة التي تكاد تخرج عقولنا من جماجمها تقلبُ الأقدارُ حياتَنا.

بعد ستة أيام فقط من هذا اللقاء العابر، كنتُ أناديكِ عبر سمّاعتي.

آلو ..

وتصمتين، أكرّر بصوتٍ أعلى:

هل تسمعين؟

ويأتيني صوتُكِ والحياءُ ينقِّطُهُ حرفاً حرفاً:

أسمعك، لكن أرجوك لا تصرخ.

لم أكن أصرخ.

أكادُ أبكي حياءً منك، قلبي ينبض.

وتنتفخُ رجولتي بسذاجة. بعد أعوامٍ من الأمنيات والرغبات، وسنواتٍ من الرجولة المعطَّلةِ الصامتة، ها هي أخيراً فتاةٌ تكلّمني، وتخجَلُ مني.

أحشُدُ ثقتي حشداً، وأغيِّرُ نبرتي، وأرحَلُ معكِ إلى حيثُ تأخذنا الكلمات.

بعد بُرهةٍ من حديثنا الذي كان يُقطِّعه الخجلُ تارةً وازدحامُ الأفكار تارة، يرنُّ بجواركِ هاتفٌ آخر. ألتقطُ رنينه بأذنٍ لهفى. تتركينني لدقائق فيكسوني فضولٌ نَزِق، لم أتسربلُ بالشوق الأول إليكِ. تعودين، وأتخذُ أنا قناعاً مازحاً:

من تكون؟

قُل: من يكون:

أبتسمُ بقلق، أصطنع اللامبالاة محاولاً كسب ثقتك.

اتصالٌ عاطفيٌ إذن؟

حرام عليك، كان خطيبي!

بعفويتكِ إذن وقبل أن نخطو خطوةً واحدة، كنتِ تفصلين تماماً بين سالم وعاطفتك إلى حدِّ التحريم، ولكني لم أنتبه لهذا في خِضَمِّ خيبة أملٍ صغرى أخذتني لوهلة، بينما عمرُ علاقتي بكِ يحبو نحو دقيقتة الخامسة تقريباً.

أنتِ مخطوبةٌ إذن، خيلِّ إليِّ أني سمعتُ قلبي يتثاءب، ويعود إلى النوم.

ولكني سأبقى معكِ على أي حال، ليس هناك ما يمنعنا من الحديث.

وليتني امتنعت.

شوقاً بعد شوق، صرتُ أجِدُ في صوتكِ ملاذاً لمللِ الشاعر الهادئ، وطريقاً آمناً أسلكه في ردهاتِ الليل قبل أن أنام، وصباحاً بارداً ممتلئاً بالغيوم، أستقبِلُ فيه صوتكِ الطريّ، وأنتفضُ في فراشي مثل طيور البحر.

صرتُ قبل أن أنام أدقُّ أرقامكِ بأصابع سكرى وأنتظر. جفافٌ، صمتٌ، جفافٌ، صمتٌ، ثم تمطِرُ السماواتُ دفعةً واحدة، وتولدُ في غرفتي مظاهرةٌ كبرى، تتجمَّعُ فيها النجمات صفوفاً، وتنزل الطيور

ألواناً، وتحتشد الأقمار، وتزحف الأشجار، ويُصغي الجميع إلى خطابِ القائدِ المُلهَم الذي قرَّرَ في غمرةِ انهماره العنيف أن يؤمِّم هذا الليل بقرارٍ جمهوري، ليلاً خالداً سرمدياً من أجلكِ أنتِ، وحدكِ.

بدأتِ تهمسين باسمي، ناصر، فتنصهرُ الأوردة التي احتَقَنَت شوقاً من أول الليل.

لم يعد بابُ غرفتي صامتاً أمام أهلي، منغلقاً على أوراقي وانطوائي. الآن صار عندي صوتُ امرأةٍ حنونٌ. أخبِّئه تحت لحافي، وأنزلُ معه مسحوراً بكل نبراته ودرجاته.

يا الله، كم تَحَلَّبَ ريقي أيام المراهقة على رغبة، على أمنية شاردة، أن تكون عندي أنثى أناجيها، فقط أناجيها، لا أطمع في أكثر من ذلك.

يؤجِّلُ الله أمنياتنا، ولا ينساها.

منذ الطفولة وأنا أستعذبُ اللهوَ مع الفتيات، بعيداً عن عنف الصبيان ومشاكساتهم. أمكثُ طويلاً معهنّ بين العرائس والمرايا، وما أن يتغامز عليَّ الأولاد، أو تتآمر الفتيات على وجودي بينهنّ، حتى يبدا التنابز والإهانات التي لا تتحملها ذكورتي الناشئة، فأنزعُ نفسي من بينهنّ، وأعود إلى مجتمع الأولاد.

لا عجب، في الرياض يعلّموننا أحياناً كيف نكون ذكوراً قبل أن يعلّمونا كيف نكون بشراً تكتمل ذكورتنا قبل إنسانيتنا. ويجتهدُ الجميع في تلقينِ هذا الدرس، حتى النساء أنفسهنّ، يربّينَ أولادهنَّ

على الذكورة الصرفة، ويوحينَ للابن منذ طفولته بأنه رجل، لا يجدر به اللعب مع البنات.

ولم أفهم كيف يمكن لأمٍّ أن تربّي أبنها على انتقاص بناتِ جنسها دون أن تدري. فيكبر الفتى وهو مُستعلٍ على النساء، وتكبرُ الفتاة وهي خائفةٌ من رجلٍ لم تعرفه. لم أفهم قط لماذا يعلّمون الأولاد التفاضل على النساء، ولا يعلمونهم دروس التكامل معهنّ من أجل معادلة صحيحة.

***

يأتيني كوبُ الشاي ساخناً تحمله الخادمة. تطرُقُ الباب بحياء، وتستأذن بأدبها المعهود، وتضعُ الكوبَ بين يدي. تطفو على سطحه وريقاتٌ من النعناع وأبتسمُ لمرأى أوراقه الطافية بوداعة، وأنا أسترجع معكِ ذكرياتِ الكلماتِ ومدلولاتِها، وأرشُفُ رشفةً أجاملُ بها عائشة قبل أن تذهب، وأتابِعُ خروجها على استحياءٍ كأنها رسولة الشيخ إلى موسى، آخذةً معها كوبَ الحليب الصباحي الفارغَ من فوق مكتبي، وساحبةً وراءها الباب إلى حيث كان.

قالت لي مرةً: "أنت تشبه ابني"، كانت أعوامها الخمسون جليةً على ملامح وجهٍ لم يعرف إلا الكدح طوال العمر. ولدٌ وخمس بناتٍ وزوجٌ سكِّير، وعمرٌ يقترب من نهايته قبل أن يومض فيه الفرح. كيف تُراها تملك حتى الآن قدرةً على تدليلي لأني أشبه ابنها؟

عائشة أحياناً تأتيني بكوبِ الشاي دون أن أطلبه، ما أن تنتبه

لوحدتي في الغرفة حتى تحمله إليَّ بسعادة، او ربما بأمومة من تحمل إلى ابنها شرابه المفضل.

منذ أحببتكِ وأنا أستلذُّ الشاي كثيراً. اندهشتُ كثيراً لهذا الوحم العاطفيي الذي انتابني أثناء حبكِ، وبعده.

هل كنتُ أحاول تقليدكِ في ما تحبّين وما تشتهين؟ ولمذا صرتُ أشتهيه مثلكِ خالياً من السكّر تماماً وكأنّ حلماتِ التذّوق أصبحت مربوطةً برغباتِ القلب؟

أتذكَّر عندما قلتِ لي مرّة: "لا تكن رائعاً إلى هذا الحدّ"، وكانت عيناكِ بركتيْ دموع، ولم تعرفي أني كنتُ أكرِّسُ كل قطرةٍ من دمي لإرضائكِ، أحاولُ أن أشتري بها عودتكِ، قبل رحيلك.

ولم يُجدِ ذلك شيئاً للأسف. لم يُجْدِني أني كنت رائعاً إلى هذا الحد. بنيتِ لي غروري وحطّمتِهِ باليد نفسها.

احتسيتُ الشاي بسكينة، وتعلَّقت عيناي على الجدار المقابل، ودارت ساقية الذاكرة ببطء.

لا أدري لماذا تذكَّرتُ تحديداً، دون كل سقطاتِ الذاكرة، اعترافاتنا الأولى الغارقة في جيائها عن دهشاتِ البلوغ. ربما هو النعناع الطافي ذكَّرني بذلك. أنا الذي عرفتُ منكِ التفاصيل، وتفاصيل التفاصيل، وأنتِ التي كنتِ أول كتابٍ أقرأه في علم الأنوثة.

كيف انتابتنا حالات البلوغ؟ وكيف لوَّحت لنا تلك المرحلة السنِّية الحاسمة فجأة، وكيف بُحنا بها لبعضنا للمرة الأولى.

قطَّرتُ لكِ حكايتي بخجل، كيف أخذني بلوغي على حين غرّةٍ بينما كنتُ أشاهدُ فيلماً كرتونياً في الثالثة عشرة من عمري، وأضحكتكِ كثيراً على هذه الهجمة الفسيولوجية على الحالة البريئة التي ينتابني فيها الشبق.

واعترفتِ بدوركِ بعد تردُّد قصير، وحياءٍ كثيف، أنكِ فوجئت، أو فُجِعتِ، في الحمّام بدمائكِ الأولى.

يبلغُ الذكور بلذَّة، وتبلغُ الإناث بألم.

كم من الناس تمنّى لو ظلَّ طفلاً قبل أن يكتملَ لباسُه البشريُّ الكامل؟

لكي نكون بشراً كما خلق الله البشر، لا بد أن تنمو في بطوننا شهوة الجسد، وفي عيوننا حبُّ الدنيا، ونظلُّ نلبسُ فيها ومنها ضَعْفَاً فوق ضَعْف، مقتربين أكثر وأكثر، من حقيقتنا البشرية الأولى.

عندما كنا أطفالاً، كنا أقوى.

أعودُ إلى دفتري، وأحاولُ أن ألتقطَ فيه السطورَ الأخيرة.

تفاضل، تكامل، بلوغ، نعناع.

اضطرابٌ واضحٌ لكاتبٍ لا يستطيع السيطرة على انفعالاتِ ذاكرته.

لن أمحو شيئاً، فقلمكِ الأبيض الصغير بدون ممحاة.

سأعود من حيث انحرفت، وأترك انحرافاتي شواهدَ على كتابةٍ حائرةٍ، مثلما هي آثار الإطارات المنحرفة في صفحة الشارع، شواهدُ

قيادةٍ متهورة.

من السماء حقاً نزلتِ عليَّ عطاءً إلهياً لا يُردَّ. في صِغري، وقف خوفي وانطوائي في وجه وصولي إلى فتاةٍ أخرى تجلس معي على كرسيِّ بوح، لأني كنتُ انطفئ خجلاً فلا أسعى كما يفعلون. كنتُ أسلِّي نفسي وأتعزَّى بالصمتٍ والكتابة وأصنام الخيال. أتمتمُ في خواء الروح: "سأنتظرها، ستجيء وحدها مثل أقدار الله"ن ولكن المراهقة قَضَت مني وطراً ونسيتُ الشأن، حتى طرقتِ أنتِ بابي على غير موعد.

أتذكَّرُ في طفولتي إغفائي الخادع الذي كنتُ أمثَّله بجوار أخي عمر وهو يسحبُ صوته خافتاً ليناجي فتاته ويظنُ أن أعوامي الخمسة لا تعي ماذا يفعل. وأنا أدركُ أنه يمارسُ ممنوعاً وإلا لما اختبأ. ويعشقُ بسعادة وإلا لما ارتجف. ثم ألمحه يُقبِّلُ سمّاعة الهاتفِ عشرين مرة قبل أن يعيدها إلى مكانها وينام.

تعلّمتُ آنذاك أنَّ للحب ثلاثة ملامح: ممنوع، وجميل، وللكبار فقط. وقررتُ أن أرتكب الحب عندما أكبر. كبرتُ ، وكبرتُ، وبعد العشرين بسنوات، جاءني حبك. وأخيراً قلَّدتُ عُمر في ما فعل تماماً تلك الليلة التي نمتها معه في غرفته.

كنتُ أتسلَّقُ صوتكِ حرفاً حرفاً. وأنزلق، لأعيد المحاولة، مثل نملةٍ جائعة تتسلَّقُ جبلاً من السكّر. كنتُ أتشَّبثُ بالكلماتِ التي أخشى ألا تعود، وأدورُ حول المعنى الذي

أحلُمُ به كثيراً، وأهربُ بعيداً بعيداً عن كل ما قد يجعلُ المكالمة الليلية تنتهي.

منذ البداية كنتُ ضئيلاً إزاءك، ومنذ البداية اعترفتُ لكِ بالعلوّ والمِنّة، وتنازلتُ لكِ عن حق القِوامة كأول رجلٍ يفعلها في التاريخ، وقلتُ لكِ بحرفٍ وحيد: "لكِ الفضل في كل ما نفعله، وليس لي منه شيء"، وجاءني صمتكِ المغرور جميلاً، وكنت قد عشقتُ فيكِ الغرور كما يعشقُ الآخرون التواضع.

أعلمُ أنَّ ما أكتبه الآن لو قُدِّر لي أنْ أخطَّهُ على ورقٍ شفّاف لوجدتُ أنَّ في الدنيا ملايين العشاق أستطيعُ أن أضع ورقتي على أوراقهم، فلا أجد فرقاً بارزاً. ليس الحب مفارقةً كبرى. ليس حادثةً كونيةً غريبة. إنه انسياقٌ فطريٌ لنواميس الطبيعة. لذلك يتكرر ملايين المرات ويأتي عادياً، سهلاً، بينما تتجلى أسطورته في ذواتنا، وليس على السطح من حيواتنا.

بدأ الحب يتسرَّب من حيث لا ندري، وبدأتُ أمرضُ بكِ يوماً بعد يوم.

أبقى في مناجاتكِ حتى تسقط السمّاعة من يدكِ وتنامي، ويوقظكِ عند الغد صوتي، حتى أظفر قبل الجميع بلذةِ سماع صوتكِ المغموس في خَدَرِ النوم.

بين حدَّي اليقظة، بين النعاس والفواق، ثمَّ صوتي.

كان استقاظكِ دائماً ما يبعثُ في عروقي اشتهاءً لا أفهمُ كُنهه.

الصوتُ الضعيف الواهي الذي يسالني ساعةً أخرى ينام فيها. والتأوّهاتُ الخفيفة التي تخرجُ من فمكِ لتدخل في دمي. وتمطِّيكِ الفاتن في سمّاعة الهاتف وأنا أكاد أسقطُ في غيبوبة الرغبة عندما تأتيني أول قُبلةٍ بعد الاستيقاظ.

حتى تكوني قريبةً من سلكِ الهاتف البعيد عن سريرك كنتِ تنامين على الأرض ليتسنَّى لكِ النوم على صوتي حتى ولو أورثكِ هذا آلام الظهر عند الاستيقاظ. هذه الآلام الطفيفة التي يبرّرها الشوق كانت تجعل استيقاظكِ أكثر إغراءً ودلالاً، وأبقى أعالجها معكِ بحنانٍ لا أملك غيره. حتى تقومي أخيراً من فراشكِ الأرضي البسيط، وتبدئي يومكِ.

حتى وأنت تغتسلين صباحاً هناك مجالٌ للحديث. تجول الفرشاة في فمكِ فتتبعثر الحروف دون فهمي، وأنا معلَّقٌ على الطرف الآخر من الهاتف، مبتسماً كطفلٍ أبله، وفي عينيَّ دُوار الحشَّاشين في جغرافيا النعاس. وورائي ألف عملٍ ينتظر إنجازه وهو يموتُ في أدراجي وأوراقي. وأنا أهمِلُ كل شيء، وأتناسى كل شيء، وأقضي معكِ اليوم كله على هاتفي. أمزُجُ الظنَّ باليقين، ولا أدري ما الذي ستغيِّره في حياتي هذه الفتاة التي لا يشبهها شيء في الدنيا.

مرَّت أيامٌ فقط على هواتفنا الأولى، قبل أن أراكِ لأول مرة.

خرجتُ من البيتِ مدعواً لغذاءٍ عائلي في منزل عمي، كُنَّا على

أعتاب صيفٍ يشبه هذا الصيف.

وهذا الفصل من السنة يؤرقني كثيراً. فيه عرفتكِ، وفيه تخلّيتِ عني، وفيه بدأتُ كتابة روايتي، مع اختلاف السنين.

وجدتُ نفسي أقود سيارتي تلك الظهيرة إلى حيث لم أتوقع، سلكتُ شارعَ التخصصي شمالاً، اجتزتُ نفقاً، انعطفتُ يميناً بعد إشارتين، ووقفتُ عند ثالثةٍ مزدحمة.

بدأتُ أهاتفكِ من هاتفي المتنقل. كان الانعطاف يميناً يقودني إلى بيت عمي، أما يساراً فيقودني إلى بيتكِ. كنتُ أعرف أين تسكنين لفرط ما كنتِ تثقين بهذا العابر منذ ليالٍ فقط. فكَّرتُ أن أقصد بيتكِ لعلّي أرى بعيون رغبتي الغريبة ذلك الجدار الذي يأتيني صوتكِ من خلفه. تملَّكتني الفكرة. أدرتُها في رأسي سريعاً ريثما تمنحني الإشارة ضوءها الأخضر.

ماذا لو أغضبكِ هذا؟ ماذا لو أدّى بكِ إلى التراجع عن علاقتنا التي تبدو شقيةً من بدايتها؟ ولكن ماذا لو أن المفاجأة تروقكِ، وتغمركِ السعادة عندما أخبركِ أني الآن أقف تحت شباككِ مباشرة؟

كنتُ أتمنى لو تقع عيناي على هذه الفتاة التي تحملني كل ليلةٍ إلى فراشي، وتعتني بي كثيراً، وتغمرني بحنانها وودِّها، قبل أن تتركني أنام، ترى كيف تبدو؟ كيف هي ملامحها، عيناها، شعرها؟

ولكنني قَلِق.

الرياض مدينةٌ كبرى، نصفُ هواتفها عِشقٌ، ونصفُ هذا العشق

مراودة. وأنا أخشى لَبْسَاً كهذا تتبرئين به مني. أعلمُ أن أنوثتكِ مختلفة، وطيورك الواثقة أعلى تحليقاً من كل طيور المدينة، غير أني لم أكن أثق تماماً آنذاك بأن هناك امرأةً ناجيةً من أسطورة الخوف في بلادنا. كلهنّ يخشينَ الألسنة، ويحذرنَ التمادي، وأنتِ فوق هذا مرتبطةٌ برجل، فأيُّ حماقةٍ أرتكبها عندما أستغلُّ معرفتي بكِ ومن تكونين، وأين تقطنين، لأتصرَّف بثقة، وأمنحَ نفسي حقَّ الوقوف أمام أسوار البيتِ، دون إذن منك؟

استرجعتُ كلماتكِ الأولى لعلّي أستشفُّ منها ردة الفعل. من أول الحلم وأنتِ تبدين لي واثقةً من جنباتِ نفسك. لكِ أنوثةٌ راقيةٌ جداً تقطُرُ حضارة. منذ اليومين الأولين كنتُ أعلم من تكونين، ومن أيِّ أسرةٍ أنتِ ، بينما قد يتطلَّبُ الأمر شهوراً مع فتاةٍ أخرى في مجتمع الألسنة هذا.

لا شيء مما عرفته منكِ ينذر بانزعاجكِ إن أنا أتيت.

كنتِ تقرّبينني من أسراركِ رويداً دون تحفُّظ، وأنا لم أكن أسأل كثيراً ، بينما تنهمرين عليّ أنتِ بكل ما يحيط بكِ، حتى ظننتُ أنكِ لا مبالية، والحقيقة أنكِ كنتِ شديدة الذكاء حين اكتشفتِ من صوتي أني رجلٌ أشبه البئر التي تحير فيها الدلاء، وتعجز عنها متحاً وسُقيا.

هل كنتِ تثقين بي، أم تشكّين في قدرتي على الكلام أصلاً؟ هل كنتِ تتكئين على قوّتي، أم ترتاحين لضعفي؟

ربما كنتِ محتاجةٌ إلى الكلام، فتكلمتِ. وتكلمتُ أنا أيضاً عن

كل حدود حياتي. كان الكلام مثل البحر الذي لا يحدّه المجرى كالأنهار. لا يوقفنا عن الحديث إلا الحياء أحياناً، أو النوم. أحرقْنا كل الساعات، واستنفدنا كل البوح، والتصقْنا توأمين على حدِّ الليل حتى لم يعد لدينا الكثير مما نخفيه لفرط ما كانت شهية الكلام عندنا على أشدِّها.

لم أبْدُ بهذا العُري أمام شخصٍ آخرَ في حياتي، حتى وإن لم يكن عندي ما يحتملُ الستر، ولكنّ الصمت رفيقي منذ طفولتي، عيَّا، كما أظن، وليس حكمة.

قدتُ سيارتي إليكِ أخيراً حتى وقفتُ مثل الملاّحِ التائه تحت شبّاككِ الجميل وبي قلقٌ عميق. ألقيتُ نظرةً سريعةً على المرآة الداخلية في السيارة. أصلحتُ من هندامي ثم حملتُ هاتفي وأخبرتكِ أني هنا، على مرمى أمتارٍ من جدار منزلك.

جاءتني صرخة دهشتكِ الممتزجةِ بالجذل السعيد، ولم ألبث بضع ثوانٍ حتى كان أحد شبابيكِ القصر يُفتح، ويطلُّ منه طيفُ امرأةٍ تحمل في يدها سمّاعة هاتف، وتبعث إليَّ نظراتها من بعيد. تنفستُ الصُّعَداء عندما علمتُ أني لم أتجاوز ولم اثر ضيقكِ وأنا أسعى إلى بيتك في وضح النهار، وكأنكِ صرتِ لي. رأيتكِ سعيدةً بهذه المفاجأة وكأنكِ كنتِ مشتاقةً مثلي إلى رؤية هذا الذي يناجيكِ كل ليلة منذ أيام، وهو واقفٌ هذه المرة تحت جدار القصر.

كنتِ تلوِّحين لي من الشباك وأنتِ أجمل من بياضِ الشمس التي

تنعكسُ على الطلاء الأبيض وتحرمني التفاصيل. كنتُ أجاهِدُ لأميَّز ملامحكِ وأملأ ذاكرتي من أعشابِ وجهكِ فقد لا أراكِ ثانية. الأمتار عشرون تقريباً، بين مكاني على رصيف المنزل المقابل وشباككِ المعلَّق في جدار القصر، وأنتِ بين حدوده تطلّين عليَّ بوجهٍ مشرق، وفي تلويحكِ جَذَلٌ طفوليٌ رائق يشوقني إلى المزيد، المزيد منكِ.

كنتُ لا أدرك أن الحب ينسج لنا قصةً ما في خفايا قَدَرٍ قريب. كل ما يدور حولي لم يبدُ كأكثر من شقاوةِ طفلين يتلذذان بكسرِ بضعةِ مبادئ. أن أهاتفكِ ، أن أقصد بيتكِ في وضح النهار،وأن ألمح عن بعد، ومن بين القضبان الحديدية المتقاطعة على شباككِ، كتفيكِ العاريتين اللتين نسيتِ سترهما في غمرة المفاجأة، ثم تداركتِ ذلك بعد قليل.

كتفان رائقتان كنهري لبن.

حتى الآن ن ومن وراء السنوات التي خَلَفَت، وحتى بعدما عرفتكِ، وعشقتكِ، والتقيتُكِ مئاتِ المرات، ما زلتُ لا أدري إذا ما كنتِ عمدتِ إلى كشف كتفيكِ عن قصد ذلك اليوم، أو أن الأمر كان نسياناً حقيقياً.

ربما أردتِ أن تهبي هذا الذي جاء من منزله في هذه الظهيرة العابثة قليلاً من اللذة يتأملُ فيها هذين الجدولين الساحرين، ربما أردتِ أن تكتبي له على الصفحة الأولى من كتابكما: "كل لذّاتنا موقّتة".

ربما أوحيتِ لي أنكِ ستغيبين عني يوماً ما، مثلما غابت كتفاكِ.

دون أن أدري لماذا، شعرتُ لوهلة ان اشتهائي لهما تضاعف فجأة، بعد أن تناولتِ قميصاً. وارتديتِه على عجل.

ألأنني ظننتُ أني قد لا أراهما بعد اليوم؟

أو لأنهما كانتا فاتنتين حقاً؟

أو لأن الأكتاف بالذات تثيرني، أنا الذي لم أجد منذ طفولتي كتفاً أبكي عليها؟

يُغري المرأة بالرجل،آثارُ إغرائها عليه. قلتِ لي بنفسكِ ذات يوم، أنَّ استمتاعي بكِ يُمتِّعُك أيضاً. وذكّرتني بمقولة قديمة "أشهى رغباتنا نراها في مرايا الآخرين".

انتهى اللقاء، وانغلق الشبّاك، وانصرفتُ أنا تخوفاً من جارٍ قد لا يفهم معنى وقوفي هنا، أو ربما يفهمه. ورحتُ أتساءل وأنا أقود سيارتي إلى منزل عمي الذي تأخرتُ عليه إن كان الأمر بعد ذلك سيأخذ شكلاً تصاعدياً، أم أن علاقتنا التصقت بالسقف فعلاً، ووصلت إلى حدِّها الأخير.

قبل أن ألج على ضيوف عمي، أخرجتُ مفكرتي، واخترتُ ورقةً جديدة، كتبتُ عليها: "الثاني عشر من أبريل، إن مها تبدو جميلة".

لم أكن أدرك أنَّه في اليوم نفسه سيصبح ظني هذا يقيناً.

لقاؤنا الثاني كان أقرب مما تصورت.

بعد ساعاتٍ قليلة، هاتفتِني أنتِ لتقولي بكلماتٍ عوَّجها الحياء أنكِ ترغبين في رؤيتي عن قرب، وفي مكان عام.

لستُ أدري ما الذي اشعله حضوري التائه عندكِ؟ أيُّ اشواقٍ تسلَّقتِ السور، وتسرّبت من نافذتكِ، وجعلتكِ تسعين للقائي بهذه السرعة؟

أجبتكِ طائعاً، مدهوشاً، وفي قلبي ينتفض هِرٌ صغيرٌ بلّلَه المطر.

لا أدري كيف تدحرج الزمن ذلك اليوم.

لا أدري كيف خرجتُ من بيتِ عمي مسرعاً دون أن أودّعه، لا أدري كيف حلقتُ ذقني في عشرين ثانيةً فقط، لا أدري كيف أخذتُ حماماً ، وارتديتُ ثياباُ في ثلاث دقائق على وجه التحديد، لا أكثر.

وقفتُ في لحظة قلق، انعقد حاجباي أمام المرآة وكأني أسأل الصورة التي أمامي جواباً ما، أطرقتُ في توتّر، حرَّكتُ أصابعي في الأشياء المبعثرة أمامي، اجتاحتني رهبةٌ غريبة.

لأول مرةٍ في حياتي ألتقي فتاةً ما.

هل سيرانا أحد؟ هل سيشي بنا أحد؟ هل سأبدو أنيقاً وسيماً واثقاً لبقاً ذكياً؟ أتُراكِ أخذتِ معي هذا الموعد لتختبري جاذبيتي فقط؟ أتُراي سأنجح في اختباركِ، أن أنه سيكون اللقاء الأخير، وستتعللين بعده بصعوبة اللقاء، بينما الحقيقة أنني لم أكن جذاباً بما يغري للقاءٍ آخر؟

فرشتُ سجادتي، وصليتُ ركعتين وَجِلَتين.

وخرجتُ من البيت وقدتُ سيارتي بشرودٍ عجيب لا يشي بألفِ رحىً تطحن حباتِ القلق في عقلي.

قلتِ لي في الهاتف أنكِ ستكونين هناك بحثاً عن كتاب طاغور،

ولم أشعر بالضيق طويلاً. بالطبع، كان من الضروري لكِ كأنثى أن تفعلي هذا حتى لا يبدو مجيئكِ من أجلي فقط.

كان عليكِ أن تفسدي غروري حتى تحافظي على غروركِ. بينما تُجيَّر كل أمجاد اللقاء الأول لحساب طاغور.

عندما سألتني قبل موعدنا إن كنتُ قد سمعتُ بهذا الشاعر، أجبتكِ باختصار مجحف: "شاعرٌ هندي". لم أشأ أن أخبركِ المزيد عنه، رغم أني قرأتُ له الكثير، كانت غيرةً لم أملك لها تبريراً آنذاك.

لم يكن لديَّ ما يشفع لي عندكِ إلا قصائدي. كيف سأحشر معي شاعراً آخر، أياً كان، ليزاحمني في هذا الإعجاب الوليد؟

قبل سنةٍ فقط من لقائنا ذاك كنتُ محتاراً بين روايته "جورا"، ورواية تولستوي "آنا كارنينا"، بأيّهما أبدأ. اشتريتهما معاً في اليوم نفسه، وأخذت أقلّبهما بين يديَّ بحيرة. فتحتُ رواية طاغور، قرأتُ في مقدمتها سيرته كاملة، مختومةً بقصة فوزه بنوبل 1913.

الدهشة الكبرى عندما علمتُ أنه انتزع الجائزة من تولستوي نفسه تلك السنة، لم أدر كيف تشكَّلت هذه المفارقة الصغيرة، وكيف عاد الكهلان إلى الحياة ليتصارعا مرةً أخرى على مخدة شاعرٍ مبتدئ؟

قررتُ عندها أن أقرأ جورا. وخلال أسابيعَ قليلة، قرأتُ الكثير من آثاره، وتوثَّقت عُرانا، واتفقت رؤانا، وصار صديقي.

ولكن عندما وقف ذلك اليوم جواري أمامكِ، دفنتُ صداقتي معي في تراب المصلحة. لن يضيره أن يموت في جبين فتاة، من أجل أن

يحيا فيه شاعراٌ آخر. ليترك لي فتاتي، فعنده من الأمجاد ما يكفيه، هو الذي اتخذه الناس في البنغال إلهاً يعبد.

ماذا كان سيبقى لي من مجد الشعر لو قلتُ لكِ ذلك اليوم إنَّ البرلمان الهندي برمّته يجتمع في جلسة استثنائيةن بعد ستين سنةً من وفاة طاغور، للتصويت فيما إذا كانوا يملكون الحق البشري في غناء قصائده المقدسة؟ أكثر من ألفي قصيدة اتخذوها ألواحاً منزَّلة. إن كاتباً نال كل هذا المجد لن يغضب إذا أخفيتُ شموسه عنكِ، حتى يبقى قنديلي الصغير مضيئاً.

رغم هذا، حاولتُ أن أبحث عن أحد كتبه في المكتبة لعلّي أهديه لكِ. فليس من اللباقة أن تفصحي لي عن رغبتكِ في البحث عن الكتاب لم أترككِ تشترينه بنفسكِ.

على مضض، سألتُ المشرف أين أجد كتبه ليجيبني أنها غير موجودة، شعرتُ بالارتياح، ها هو ذا طاغور ينسحب وحده. بقيتُ أُسَرِّحُ أقدامي في المكتبة، وأراقبُ الساعة المنتصبة في وسطها.

كان بي عُثار مغناطيسٍ غرّ، لم يتعلم بعد الفرق بين التجاذب والتنافر. التصق ظفر إبهامي بفمي وأخذتُ أسلخُ لحم توتري حتى جاء هاتفكِ أخيراً، ليخبرني أنكِ صرتِ معي، تحت سقفٍ واحد.

كان يتبعكِ شابٌ يبحث في وجهكِ الجميل الذي لم يختفِ وراء

خِمار عن مستقرٍ لنزوته. ظل يلاحقكِ في أرجاء المكتبة، وأنا أتابعكِ من بعد، وألعنه سرّاً.

هل كنتُ عنيفاً في قتالي عليكِ ذلك اليوم؟ لماذا أبدأ معاركي الأولى مع الذكور الذين يزاحمونني عليكِ بالبراءة من طاغور، والملاعنة لهذا الشاب؟

ولكن ما دام العنف سِمة بدايتي، فلماذا إذن وقفتُ عند هذا الحد مع الرجال الآخرين في حياتك، فلم أفعل إزاء اقترابهم منكِ شيئاً يذكر؟

هل كان وجود هذا الشاب يرسم منذ البداية حدود قدرتي على الاحتفاظ بكِ لنفسي؟ اللعن سرّاً فقط؟

لماذا يجبُ أن أنتظر حتى يفرغ من سخافاته حتى أبدأ بالكلام معكِ؟

لماذا كان مقدوراً عليَّ دائماً أن أنتظر انصراف الرجال عن حياتك قبل أن أتقدَّم خطوةً واحدةً نحوكِ؟

لماذا انتظرتُ حتى رحل حسن قبل أن أبدأ حبي؟

لماذا انتظرتُ حتى يتلاشى سعد من حياتكِ حتى أستعيد كبريائي؟

ولماذا ما أزال حتى الآن أنتظر متى تفرغين من سالم هذا أو يفرغ منكِ، حتى تعودي إليَّ؟

ولماذا لم أنتبه لهذه التخلخلات في رجولتي إلا الآن، بعد

رحيلك؟ لماذا لا تتضحُ لي هشاشتي دائماً إلا وأنا أكتب؟ أجلو ووجه حياتي فلا أجد في تاريخي إلا الضعف والفقر والتخاذل.

لماذا ألقت الأقدار ضعيفاً مثلي في وجه قوّتك؟ لماذا أنا دائماً أمام التحديات الصعبة، أمام الأحلام المستحيلة، أمام الطموحات السرابية؟

رجلُ أنا أم كيسُ رملٍ تتدرَّبُ عليه الحياة؟

هل حقاً ما تقوله الحكمة التي قرأتها قديماً: "لا توجد امراةٌ قوية، هناك فقط رجلٌ ضعيف".

بين لعناتين حاول الشابّ أن يكلّمكِ بنبرةٍ أرستقراطيةٍ سمِجة، وترك ورَيقته الحمقاء التي تحمل رقمه على مرأى منكِ، وأخيراً اعياه صمتكِ، وتجاهلكِ المتقن له، فرحل يجرُّ الخيبة مروراً من جواري، وظلَّت الوريقةُ معلقةً في مكانها.

وقفتِ أنتِ أمام المشرف الذي سألتُه قبل قليل، وسألتِه بدوركِ عن كتاب طاغور، ليتمتم في تعجب: "ما قصة طاغور هذا اليوم؟".

وكان خوفكِ ربما هو الذي جعلكِ تجيبينه بسرعة: "إنها ذكرى وفاته".

ابتسمتُ عندما سمعتُ اعتذاركِ الملفَّق، منذ متى يحتفلون في الرياض بذكرى طاغور؟ كم تُورِثنا اللقاءات العابرة توتّراً كبيراً في مدينة مثل الرياض، هنا الجميع رقباء، حتى هذا المشرف تخيَّلناه رقيباً يجب أن نغافله، بل يجب أن نثتلَ في داخلة بذرة الشكن حتى

هذا الشاب العابث كان رقيباً علينا رغم عبثه، واضطررنا أخيراً أن ننتظر انصرافه.

حتى الخادمة التي تتبعكِ كان علينا أن نغافلها.

فجأةً مررتِ انتِ بالممر نفسه الذي كنتُ أقف فيه. لم ترفعي عينيكِ إليَّ قطّ بينما اخترقتكِ أنا بنظرة عنيفة. ولم أتمالك نفسي لفرط جمالك، كنتُ أشعر أن الكلمات التي كتبتها قبل ساعةٍ في مفكرتي تغيَّرت وحدها في جيبي، دون أن ألمسها.

نسيتُ تماماً وجود الخادمة. وألقيتُ وراءكِ كلماتي بسذاجة العاشق الأول : "كم أنتِ حلوة".

بعد شهرين قلتُ لكِ: كم أنتِ رائعة. بعد ثلاثة قلتُ لكِ: كم أنتِ حنونة. بعد أربعة، عندما جاء سعد، قلتُ لكِ: كم أنتِ قاسية. بعد أربعة عشر شهراً، وأنتِ تحزمين حقائبكِ استعداداً للزواج، قلتُ لك: كم أنتِ ظالمة. بعد ستة عشر شهراً، وأنتِ تقتلينني كمداً ولا تتصلين، قلتُ لكِ: كم أنتِ جاحدة. وبعد أن انتهت الرواية، اختصرتُ علامات التعجب كلها في واحدة: كم أنتِ أنثى!

سمعتِ الخادمة غزلي الأول وتبعتْ حياءكِ الهارب مني بعيداً، وهَمَسَتْ لكِ كما أخبرتِني أنتِ فيما بعد: "أرأيتِ يا سيدتي؟ حتى ذلك الصغير كان يكلّمكِ".

كانت تسخرُ مني هذه البسيطة. تتعجبُ من ملامحي التي تجعلني أبدو أصغر من عمري كثيراً. ولكني لم أشعر بالإهانة لقولها، فلم تكن

تدرك ان هذا الصغير هو من جاءت سيدتها إلى هنا من أجلهِ.

ربّما عليَّ الآن بعد سنوات أن أتوجَّع لإهانتها. ألم يكن صِغر سنّي من ضمن الأسباب الصغيرة التي جعلتكِ ترحلين عني، وإن لم تبوحي لي بذلك؟

أدركتها الخادمة إذن منذ البداية. البسطاء تجري على ألسنتهم النبوءات أحياناً ما دامت عقولهم لا تصنع الحكمة. تعرفُ مستوى سيدتها، وتعرفُ من يليق به أن يتطاول إليها، ومن يجدر به أن لا يفكر في الأمر من الأساس.

أخيراً، تركِتها في الطابق السفلي آمرةً إياها بالمكوث ريثما تعودين، واخترتُ أنا ركناً قصّياً لا يرتاده الكثير في هذا الوقت من العصر، ووقفتُ خلف الرفوف الضخمة وأنتِ على بعد خطواتِ قليلة من مكاني. رحتُ أختلسُ النظر فأراكِ مقبلةً عليَّ، تقتربين، وتقتربين، وقلبي يدقُّ بعنف، حتى وصلتِ عندي أخيراً.

ليتني لم أكن هناك.

أشياءُ كثيرة كانت ستتغير في حياتي لو لم أقف هناك، لو لم انتظركِ وراء الأرفف، لو لم أعشقكِ بصمت خلفها.

لو لم أكتشف مثل أرخميدس كيف تصنع امرأةٌ لها شفةٌ عليا بارزة أروع ابتساماتِ الدنيا.

سألتُ ربّي امرأةً أعشقها، ولكني لم أسأله إياها جميلةً إلى هذا الحد. إن يديَّ ترتعشان، وحلقي يجف.

هل كان ريختر مقياس زلازل حقاً، أم آثار امرأةٍ على رجل؟

لماذا وقفتُ يا ترى؟ لماذا اهرب ُ من قَدرٍ جميلٍ مثل هذا مادام سيلاحقني طوال حياتي، مادام سيورثني بعد ذلك غُبنَ الدنيا وقهرها وظلمها وغيرتها وحسدها ويأسها؟

لماذا كان عليَّ أن أكتشف ملامح كهذه ما دامت ستُرتسم يوماً ما على مرآةِ غيري؟

لماذا أنظر إلى شفةٍ لن تبتسم لي وحدي، وعينين لن تتعلقا بي وحدي، وخُصلات شعرٍ ستطير ذات يوم على مت قاربٍ فينيسيٍّ برفقة سالم؟

لماذا صافحتكِ، لأتخذ بعدها هذه الكفّ التي ارتعشت في كفّي لثوان بيتاًن سيسكنه رجلٌ آخر؟

لماذا تسلَّقتُ أزرارَ القميص الوردي لأصل إلى قمّته المنفرجة عن مثلثٍ يكشف نحراً، وأنا أعلم أن سالماً لن يكتفي بهذا المثلث فقط؟

لماذا لم أتأملكِ بفضولٍ فحسب، كما نتأمل جدران الكنائس الإيطالية ثم نمضي ونتركها؟

لماذا كنتِ جميلةً جداً ذلك اليوم؟ هل لإنكِ أنثىن أم لأني رجل؟

ولماذا كانت عيناكِ تختصران قصة الحب، من أولها إلى آخرها؟

ولماذا كل هذه النظراتِ الحيية التي تزرعين بها قدميّ في الأرض؟

ولماذا العباءة ناقصة؟ ولماذا الخُصلاتُ غافية؟ ولماذا الشفة العليا بارزة؟ ولماذا الحذاء أبيض؟ ولماذا أنا محاصرٌ بكل هذه

التفاصيل المتفجرة؟

ولماذا ديوان الشابي بين يديكِ؟

ما قصة الشعراء الذين لم يجدوا إلا هذا اليوم ليزاحموني فيكِ؟ لماذا انقلب وفاؤهم القديم معي في أول حبٍ أعثر عليه إلى جحودٍ صارخ، وتكالبٍ حقيرٍ على عينيكِ الجميلتين؟

لماذا يسرقونكِ مني هم الذين طبَّقت شهرتهم الآفاق، وافتتنت بهم آلاف النساء من قبل؟

لماذا يدوسونني بقضِّهم وقضيضهم وأنا أتسلّق ببطء جدران إعجابكِ بي؟

ولماذا أنتِ تجمعين حولكِ منافسيَّ منذ اللقاء الأول شباباً عابثين، وشعراء ميتين؟

ثم لماذا اخترتِ الشابي بالذات دون غيره؟

لماذا هذا الشاعر مثلي، اليتيم مثلي، المريض مثلي، الضعيف مثلي، التعيس مثلي، الجريح مثلي، النحيل مثلي، المغلوب مثلي، الفقير مثلي، والمولود في فبراير، مثلي؟

بقي أن أموت في السابعة والعشرين، مثله.

أخذتُ منكِ الديوان، قلَّبته بين يديَّ وأنا أتطيَّرُ من أحزانه.

كنتُ أحاول أن أشتّت ارتباكي في تقليب الصفحات. فكّرتُ أن أكلّمكِ قليلاً عنه. لماذا لا أعبر الشابي جسراً لنظرة إعجابٍ أخرى منكِ؟

وقبل أن أنطق بكلمةٍ واحدة، جاءني صوتكِ الشّفاف ليئد المحاولة والكتاب بين يديَّ: "اكتب لي عليه".

شرعتُ في الكتابة عليه كما أردتِ وأنا أختلس النظر إلى صورة الشابي في مقدمة الكتاب، تُرايَ كنتُ أستأذنه في ذلك؟ أو ربما كنتُ أشعر بالحيرة مما يمكن أن أكتبه فوق كلماته؟

فكرتُ في أن أهرب من هذا الحرج. سأضعُ غيري في مواجهة الشابي. فكرتُ في طاغور. لقد كان حاضراً في ذهني قبل دقائق، من الطبيعي أن يكون هو أول من يطرأ عليَّ إذن.

لشدة ارتباكي كدتُ أكتب مقولةً له على الكتاب، أنا الذي تبرأتُ منه جهلاً قبل نصف ساعةٍ فقط، لتنكشف أمامكِ كذبتي الأولى مبكراً.

أتذكَّر تحديداً أني كنتُ على وشكِ أن أكتب: "إن الله حين أراد أن يخلق حوّاء من آدم لم يخلقها من عظام رجليه، ولا من عظام رأسه، وإنما خلقها من أحد أضلاعه، لتكون مساويةً له، قريبةً إلى قلبه". كنتُ أريد أن أتقرَّب منكِ بهذه الكلمة، أنا الذي عرفتُ جيداً خلال أيام مدى اعتدادكِ بأنوثتك، غير أني كتبتُ بدلاً منها كلماتٍ لستُ أذكرها.

كنتُ أتكئ على الجدار، وأنتِ تتأملينني من الخلف، تتأملينني حتى جاء خطي مرتبكاً كتوقيع مريضٍ على إجراء عمليةٍ مميتةٍ.

كان هذا قبل ثلاث سنوات.

أتساءل إذا ما كنتِ حتى الآن تحتفظين بديوان أبي القاسم الشابي ذاك؟

أين تحتفظين به؟ وكيف تخفينه عن عيني سالم؟ هل ستخلّفينه وراءكِ في بيتِ أهلكِ؟ ماذا لو تصفَّحه أحدهم ليجد إمضائي في صفحته الأولى؟

حتى وإن لم يفعلوا، ماذا يفيدني أن تظلَّ كلماتي ملتحفةً بغبارها وأنتِ في آخر الدنيا؟

دعي عنكِ أمر ذكراي، ليس ثمّة قاتلٌ يفتِّشُ في مذكراتِ قتيله، ولكن فكري لماذا أخذتُ أنا ذكرى قاتلي معي؟ لماذا طرأت لي الفكرة فجأة، فتركتك للحظات، وعدتُ بكتاب سيرانو ديبرجراك، لأسرق منكِ بضع كلماتٍ عليه، أحتفظ بها حتى آخر العمر، وأمشِّطُ بها شعث ذاكرتي يوماً من الأيام؟

تركتُ مكتبي الصغير. وقمت إلى حقيبةٍ يملأ ظهرها الغبار، عالجتُ قُفلها مرتين حتى استجاب، واستخرجتُ من صمتها كتابي الأصفر الصغير. فتحتُ صفحته الأولى لأجدكِ ماثلةً أمامي كما كنتِ ذلك اليوم، الثاني عشر من أبريل، قبل أكثر من ثلاث سنوات.

"عزيزي...

لا أدري ماذا أقول، ولكن كل ما أستطيع قوله هو أنك تصنع بصمةً مميّزةً في حياتي، لا يمكن نسيانك أبداً. – مها – ".

تُرى، هل كنتِ تتنبّئن؟ أم كنتِ ترسمين المِشوار من أوله كما سيكون، بهذه الكلمات الغامضة؟

كيف كتبتِ عليِّ منذ البداية ألا أكون أكثر من بصمة في حياتك؟ ما أكثر الذين يضعون البصماتِ في حياتنا ويرحلون، فأيهم كنتُ أنا؟

هل ظننتِ أنكِ تنقذين نفسكِ من هذا السؤال إذا أضفتِ كلمة "مميزّة" لتَصِفِي بها بصمتي إلى جوار بصماتهم، وتمنحيني غروراً صغيراً؟

تعلَّمنا منذ الطفولة أنَّ البصماتِ لا تتشابه أبداً، كل البصماتِ مميّزة أصلاً.

ألقيتِ بي في اللُّجة إذن. منذ الكلماتِ الأولى كنتِ تكتبين عليَّ أن أكون ضائعاً في زِحام من حولكِ.

ها أنا أتحوَّلُ من رجلٍ إلى بصمة، وها أنتِ تلقين بي بين ملايين البصماتِ في الدنيا.

كان لقاؤنا ذاك تمزُّق أول جرحٍ لم أشعر به في خَدَرِ السعادة، ولم أنتبه إليه إلا بعد أشهرٍ طوال، وقت غرقتُ في نزيفه.

عندما عدتُ إلى البيت، قبّلتُ أمي قبلةً عظيمة من تلك القبلاتِ التي تشي لها بنتيجة اختباري أيام الدراسة قبل أن تسألني عنها. كنتُ أشعر بالفعل أني اجتزتُ اختباراً صعباً، ولكني لم أعرف أني رسبت فيه، رسبت بجدارة.

خرجتُ رجلاً كاملاً ، له يدان تنتهيان بعشر أصابع، لكل منها بصمة، وعدتُ وأنا بصمةٌ واحدة في حياة امرأة.

والأوجعُ أني عدتُ سعيداً.

أويتُ إلى غرفتي، وفي قلبي تنميلٌ يشبه اقتراب العشق. ارتميتُ على السرير، هذا الذي يعرف أسراري أكثر من دفاتري، اضطجعتُ عليه بحبور.

حملتُ ذاكرتي، ورحتُ أهزُّها بعنف لأسِقطَ ما تجمَّع فيها من لقائنا هذا، وآخذ في تأمّله، وتقليبه بين يدي، وتركيبه مرةً أخرى مثل قطع البازل.

كتبتُ في دفتري تلك الليلة:

" ... كجدولِ ورد، كسربِ عنادل، كنقرِة بانيو، كخَجْلَةِ كرز، كنتِ تتسرَّبين إلى داخلي، وتترسَّبين في العمق الأخير مثل رُكام السُّكَّر في آخر الفنجان، أشعرُ أني أعشقكِ منذ زمنٍ بعيدٍ جداً، وأنَّ سنوات كثيرةً من الحب نَسَخَت نفسها بيننا فجأة، وراحت تتجدَّدُ معنا، وتعيشُ حاضرنا، وفاءً، ومتعةً ، وسعادة ....." .

أغمضتُ عيني ذلك اليوم على فكرةِ الحب، واستيقظتُ عليها، وأنا لا أعلم أني ذات يومٍ سأغلق عيني على دمعة الفراق، وأستيقظ عليها أيضاً.

لم يكن هذا عادلاً. أنا الذي ينتابني الحب لأول مرة. كيف لي أن أنظر إلى ما هو أبعد من عتباته الأولى حتى أخاف من الفراق؟ كيف

لي أن أبيع إبهاره الأول وجنونه الأول ولذّته الأولى اتقاءً لألمٍ مستقبليٍّ لن يكون إلا بعد أشهر؟

لم يكن هذا عادلاً

****

خرج وقتُ الفجر قبل أن أصلي. قبل نصف ساعة كانت أمي تُطلُّ عليَّ من فُرجة الباب المعهودة، لا تتراجع هذه المرة بل تُردِّدُ بصوتٍ عالٍ بين دعواتها الفجرية: "الصلاة يا ناصر، الصلاة. إن قرآن الفجر كان مشهوداً. رحم الله المشّائين في الظُّلَم". رفعتُ رأسي قليلاً من بِرْكَةِ الورق. كان وجهها الأبيض يستدير في حجاب الصلاة الأزرق. افتعلتُ حركةً توحي لها أني على وشك النهوض ريثما استدارت وتركتني. فعدتُ لأطارد آخر كلمةٍ شاردة، معتزماً اللحاق بالصلاة بعد قليل. ولكنَّ الكتابة أخذتني في لُجَّتها حتى فاتني الفرض، وضاع صوتُ الأذان.

ضاع في صُراخ الذاكرة.

هل عندي حكمة الأنبياء حتى أمزِّق أوراق روايتي كما أهلك سليمان الحكيم جياده عندما شغلته عن الصلاة؟

تذكرتُ، وأنا أوبِّخُ نفسي بصمت، أنِّي سمعتُ حديثاً يقول من صلىّ الفجر في جماعةٍ فهو في ذِمَّة الله حتى يُمسي. أطرقتُ ورأسي ثقيلٌ من بيداء السهر وصهيل القهوة، كم أحتاج أن أكون في ذمّة الله هذه الأيام.

ولكني ضيَّعتُ الفرصة، وسأظلُّ هذا اليوم حتى المساء خارج ذِمَّته.

روحانية صلاة الفجر ساعدتني كثيراً إبّان الأيام الأولى بعدكِ. كنتُ إذا فرغتُ من ركعتيها الطويلتين، عدتُ إلى البيت ماشياً أدبُّ في الظلام الأخير، وأتأمل السماء التي بدأت تتمزق قليلاً بنصل الضوء. همستُ مرّات: "ربّ أعد إليَّ مها قبل أن يفنيني الهم". تمتم مسنّ حولي: "آمين .."، وحثَّ خطاه ليتجاوز ارتباكي وجفولي وعلى شفتيه نصفُ ابتسامة. لم أنتبه لوجوده في محيط صوتي، أما وقد مضى، فلعلّ الله يستجيب له.

توضّأتُ وركعتُ وسجدتُ على سجادة غرفتي التي ما زالت في مكانها منذ رحلتُ إلى فانكوفر حتى عدتُ إلى الرياض مرةً أخرى. هذه السجادة التي كنتُ أمارس عليها توبتي كلما عدتُ من بين يديكِ، صرتُ أمارس عليها ابتهالي حتى تعودي إليّ. صارت بعدكِ أنسية وحشتي ورفيقة رحلتي السَّحَريَّة البائسة إلى معتزلي الذي اتخذته، أفترشها وأحلامي ، وألعن فوقها كل صباحٍ سيأتي لا تعودين فيه.

سمّيتُ ذلك المكان غيهبَ الوجع.

لم أكن أدري لماذا أُطلق اسماً على مكانٍ لن أُخبر عنه أحداً ولن أضطر إلى تمييزه يوماً ما؟ هل إلى هذا الحد أصبح حزني مدللاً حتى أطلق أسماء على الأشياء التي أناديها في داخلي فقط؟ هل قرر الحزن

أن يقيم فيَّ طويلاً حتى بدأ بإرساء لغةٍ جديدةٍ يتخاطبُ بها مع ذاكرتي؟

لماذا الذهاب إلى هناك؟

منذ طفولتي وأنا أبالغ في انفعالاتي، مس تنغل تسمّى هذا: "Overacting".

لماذا أمارس هذا الاعتزال مثل عاشقٍ قديم، هذه العادة اختفت منذ مئة سنة. إنهم لا يهيمون في الفلوات هذه الأيام، ما هكذا يتصرّف عشّاق هذا الزمن.

ربما يبتلعون حبوب النوم، يدّخنون في جنون الشوارع، أو ينتقمون من حبيباتهم أو أي امرأةٍ أخرى، ويلقون بأنفسهم فوق جنسٍ عابر. كلُّهما عاداتٌ يتخدَّرُ معها الحب.

وأنا لا أريدُ أن أخدِّرُ الحبَّ، اريده أن يبقى مشتعلاً كما هو ولو أطعمته أضلاعي. لم يزل في داخلي أملٌ لم يحتضر بعد.

الأشياءُ في غرفتي ظلت كما هي طوال غيابي. وفاء الأوراق التي تنتظرني في غرفتي الصغيرة الفقيرة. تدخلها أمي كل أسبوع، تنفض الغبار عن أثاثها القليل، تأخذ الأوراق التي كانت على يمين الطاولة، وتضعها يسار الطاولة، وفي الأسبوع القادم ، تأخذها من يسار الطاولة، إلى يمينها. سنتان والأوراق تتأرجحُ بين اليمين واليسار على برود الطاولة نفسها.

تتأمل أمي صورتي المنزوية. تمسحُ شحوبها، وتهمسُ فيها: "الله

يردّك، الله يحفظك، الله يوفّقك". ثلاثية الأم والابن الغائب. ثم تتحسسُّ سطحها الباردن وكأن برودتي في فانكوفر تخترق الأميال والأزمان وتدخل في صورتي، فتتركها أمي قبل أن تتمادى الدمعة في غيِّها.

تذكرتُ يوم أفصحتِ لي ليلةً عن رغبتكِ في رؤية غرفتي كيف تبدو. حملتُ آلة التصوير ودرتُ بها في أنحاء الغرفة. السرير والحيطان ودفتر الشعر، وأهديتُ إليكِ الشريط الصغير لتحتفظي به، ثم ليصلني منكِ بعد ذلك شريطٌ آخر، صوَّرتِ لي فيه غرفتكِ الواسعة بكل ما فيها. حتى خزائن الملابس لا أنسى أنكِ فتحتِها، وصوَّرتِ ما فيها درجاً درجاً.

أنا وأنتِ، وليس لأحدٍ في الرياض أن يَحُدَّ من نزواتنا، والأشكالِ الغريبة التي يتَّخذها شوقنا أحياناً. كنَّا نتبادلُ أشياءنا هذه في أماكن عامة، نختارها حيث العيون أقل، والرقباء أكثر انشغالاً. وما زلتُ أحتفظُ بهذا الشريط، كما يحتفظُ البوذيُّ بتمثال بوذاه، أخفيه مع تذكاراتكِ الأخرى في حقيبة الأسرار.

كم من لعناتِ المدينة ستنهمر عليكِ لو قُدِّر لهذه الحقيبة أن يفتحها أحدٌ غيرين وينشر ما بداخلها؟ صوركِ العديدة، رسائلكِ الحميمة، عطركِ المقدَّس، هداياكِ الثمينة، أشياؤكِ التي لا تتصورين أني ما زلتُ أحتفظُ بها.

سيكون أول ما يجده فاتح الحقيبة من بعدي، وصيّتي أن يحرقها

بما فيها، قبل أن تحترقي بها أنتِ .

أعودُ إلى مكتبي بعد الصلاة. منذ ساعاتٍ وأنا أحاور هذا الصداع الذي يُلهِب رأسي. أمي أنكرت عليَّ مجلسَ الأوراقِ وهِجران مجلِسِها، هجرتُ حتى الآخرين الذين صِرتُ أُغِلقُ هاتفي أمام إلحاحهم على رؤيتي، وعائشة التي صارت تعدُّ لي اكواب الشاي والقهوة بالجُملة، حتى أعفيتُها من ذلك، واتّخذتُ لي إبريقاً صغيراً في غرفتي، يدقُّ باب عقلي طوال الليل.

عكفتُ على الكتابة ليل نهار، أنام على أوراقي، وأصحو على مسوَّداتِ الأمس، أخلو بنفسي في الغرفة مثل راهب، لأني أريد أن أكتب لكِ ما أحتاج أن أكتبه، فقد رحلتِ عني طويلاً على ورقةٍ تشبه الريح، أتركها كما هي، دون تغيير، أما في كندا، فلم تنقش أصابعي حرفاً عربياً واحداً طوال سنتين، فتضخَّمت ذاكرتي بالأوجاع.

ها أنذا أطلقها الآن، على غير موعد.

ويصهل حصان الذاكرة ..