الفصل الثاني
وراء السنتين اللتين غيّبكِ فيهما الفقد..
في أيام الحزن الأولى ..
يُفتحُ ستار الحياة ويُسدل كيفما اتفق، لا شيء يتغَّيرُ في حياة الرجل.
لا أحد يتفرَّجُ أصلاً.
أعيش كيفما يريدُ اليأس على اختراع الأوهام فقط. كل يوم أخترعُ وهماً جديداً أقتاتُ به حتى المساء، وأعجن كآبتي بيدي، لأجعلها خبز صباحي التالي.
لماذا جاء نصيبي من الحزن بهذا الشكل؟
لماذا انحرفتُ عن الاعتياد؟ لماذا تركتُ الطعام؟ لماذا هجرتُ الآخرين؟ لماذا التقطتُ من الأرض حصى حقارتي وجلستُ أمصُّ ترابه كالمجذوبين؟
لماذا تسلَّتُ بتجميعِ الأشكال العاتبة في صدري، تجاهكِ، وتجاه الآخرين؟
لماذا لم اكن أُسِعفُ نوباتِ اكتئابي كما ينبغي؟ لماذا لم أكن ألجأ إلى الصبر بأسرع مما ألجأ إلى أغنيةٍ حزينةٍ أحمِّل عليها حُطامي الواهن، وأبثُّ في آهاتها تباريح صدري، أو أبحث في ذاكرتي عن أقربِ صورةٍ محزنةٍ فارقِتني عليها، لأبكيكِ من خلالها مرةً أخرى؟
لماذا انهرتُ إلى هذا الحد؟
هل هي قوالب جاهزة في حياة العشاق؟ هل هي ثيابٌ مفصَّلة تماما على مقاس رجلٍ فقد حبيبته؟ هل هي سيناريوهات مكتوبةٌ مسبقاً على عباد الله العاشقين؟
ربما كان جَلداً للذَّات ذلك الذي مارسته مع نفسي تلك الأيام التل أعقبت رحيلكِ. ولكني كنتُ مريضاً جداً، وفي قلبي حُرقةٌ حقيقية لو أنها تَرَكَتَني هادئاً ما حملتني على التفكير بمثالية الأمس.
هجرتُ الكتابة منذ فارقِتني. قررتُ أن أتناسى فجأة كوني شاعراً. وتخيّلتُ أني ولدتُ بدون هذه الرئة الثالثة في صدري. واتخذتُ من صدمتكِ حُجّةً أمام احتجاجِ أصابعي على هذه البطالة، فمنذ أن بدأ شعري يتحوَّلُ إلى هلوساتٍ ليليةٍ، وأنا أخافه.
وحدي أنا والليل وهذا اليأس الجامح، وقلمي يتأرجح في يدي، أليس مخيفاً حقاً ما يمكن أن تنتهي به ليلةٌ كهذه؟ كلّما سوَّدتُ صفحةً طارت أمامي مثل خفّاشٍ قبيحٍ، وتعلَّقت بقدميها في سقف الغرفة.
كان لا بد لي أن أتنازل عن الكتابة، فلا يمكن لغرفتي أن تظل كهفاً للخفافيش. برّرتُ خسارتي هذه بإقناع نفسي أن من يخسر امرأةً مثلكِ فلن يعنيه أن يخسر شعره ومجده وطموحه أيضاً، وأن فقدكِ يستحق حداداً كهذا، وفهمتُ أن الصدأ بدأ يعلو عظام يدي، وأن الكتابة بعد الفاجعة، فاجعةٌ أكبر.
تُشبه الكتابةُ العدسةَ المكبّرةَ التي تجمع الأحزان، وتركِّزها في شُعاعٍ واحدٍ حارق يسقط على قلبي. أردتُ آنذاك أن أوفِّر على نفسي الوجع الذي أصنعه لها، فلم أكن بحاجة إلى هذا النزيف الإضافي، وكل مافي روحي ينزف. بكل ضعف، أغلقتُ دفتري على آخر كلمة كتبتها فيه: "لم يعد العائد من الكتابة أكبر من الحزن الذي أبذله أثناءها، ولم يعد لديّ من أكتب لأجله، بعد أن رحلت مها، سيدة دفاتري".
لأول مرة أشعُرُ أن حزني أكبر من أوراقي. كنتُ دائماً أصرُّ على أو الورقة عندما نُحسن استغلالها تكون قادرةً على الاحتواء، أيّاً كان حجم الجرح، وشدة البرد. ولكني عاجزٌ عن مناقشة حزني معها الآن. هي تتكلم لغة الكتابة، وأنا أتكلم لغة المنكوبين، والمفجوعين، والمطعونين بقسوة في صميم أحلامهم ومشاعرهم.
"إنَّ مها ضاعت، إنَّ مها حلمُ حياتي الأكبر منذ لفظتني أمي خارجها، إنَّ مها لن تضيع وحدها، لابدَّ من خسارةٍ ما، لا بدَّ من ثمنٍ لكي شيء".
معكِ أنتِ تعلّمتُ كيف أكتب وأنا في حالة حب، لأن الكتابة دون حب ليست إلا حرفة، وكنتُ أمارسها بعشوائية. أُمسك القلم وأرسم الخطوط، ومع نهاية كل خط أتخذُ قراري بالانعطاف يميناً أو يساراً. ارتجالية تتسع لتكوِّن فوضى منسَّقة بإطار فكرتي الشاردة. الآن اتخذت هذه الفكرة مداراً حول امرأة، بعد أن كانت تائهةً في علم الله.
قبلكِ كنتُ أنظم كلماتي على سطوري بحذر محاولاً أن أخرج بقصيدة، ثم أعطيها عنواناً، وأذيّلها بتاريخ، وأضعها بجوار أخواتها حتى تجف، كما يفعل الخزّاف بأوانيه الفخّارية.
ومنذ أحببتكِ أصبحتُ أكتب على الهواء ولا أحتاج إلى أسطر. أستطيع أن أكتب بلا حدود ما دمتُ سأقرأ عليكِ ما كتبتُ حالما أنتهي من كتابته. أستطيع أن أطارد الأقمار الشاردة حتى تختفي. أستطيع أن أستخرج الكنوز المدفونة تحت حدّي قوس قُزح، أستطيع أن أخبر الجميع أني أحبكِ في أول القصيدة، أو آخرها، أو أترك الأمر لتقديرهم ، وأجعل الخبر ضائعاً بين مبتدأ الشعر ومنتهاه.
أستطيع أن أسجّل اسمكِ في سجلّ النساء التاريخيات اللواتي غيَّرن أقدار الرجال، ولكن لا تتركيني أفكر فيكِ دون أمل.
اتركي لي دائماً فجوةً صغيرةً أمرِّرُ من خلالها قلبي، فأنا لا أكتب وأنا يائس.
الكتابة أثناء اليأس تشبه آلام الروماتيزم. عندما يتملكني هذا
القنوط أكتب بطريقة مختلفة عن كل أساليبي. ألقي بأصول الكتابة عرض الحائط. لا أكتب كلماتٍ ذات معنى، لا أضع النقاط على الحروف، لا أصل الخطوط حتى تكتمل، ولا أحترم بداياتِ الأوراق ولا نهاياتها. أكتب طولاً أو عرضاً، لا يهم.
والكلمة القبيحة أضغطها بقوة على الأوراق حتى تتألم، وأسمع أنينها بساديّة يائس. أحفرها حفراً حتى يصبح لها شكلٌ آخر أو أشرّدها بين سطرين متعاقبين حتى يتمزَّق فيها المعنى. هكذا أركض على أوراقي بجنون، وألعن كل شيء، وأبكي عليه.
لا تجعليني أيأس لأن اليأس دائماً شعورٌ فوضويٌ هدّام. كم مرَّةٍ أنقذتُ قصائدي من فم النار وكم مرّةٍ جمعتُ أجزاءها من سلّة المهملات وكم مرّةٍ أعدتُ كتابتها في ورقةٍ أخرى بعد أن شوّهتها بخربشاتٍ كثيفةٍ تشبه الظلام. الكتابة اليائسة تشبه زِنى التّقيّ إذا استيقظ قلبه. وأنا أكره أن أفعل ذلك، ولكنه القلم، عصاي التي أتوكأ عليها وأهشُّ بها على ألمي.
أفقتُ من النوم وأنا كئيب.
ذلك الصباح تحديداً، قررتُ أن أرحل.
كان صباحاً لم أدرك معناه . تقلَّبتُ فيه على سريرٍ اشتَعَل أرقاً، ثم راح يأكُلُ نفسه في تعب. قُمْتُ إلى نافذةٍ حمقاءَ تُواعدُ الصباحَ في شروقٍ آخر وقد حمل شعاعُ الشمسِ رائحةَ احتراقِ الغلافِ الجوي، وصُداعَ السماءِ الأولى، والغثيانَ اليومي لهذه الأرض الحبلى.
ليلة أمس تزوَّجت أروى ، البنت الأخيرة في بيتنا. قبَّلتُها بشحوبٍ وهي تطوي ذيل فستانها وتستعدُّ للركوب في سيارة زوجها، كانت عيناها تفضحان سعادتها المحتقنة في وجهها بقوة، وعلى جبينها رضا الدنيا بأسرها.
أعلمُ وحدي دون عائلتي التي تشارك في وداعها أنَّ زواجها هذا لم يكن إلا نجاحاً أخيراً في قصة حبٍ جميلةٍ ظلَّت تطويها لأكثر من سنة، وأنا أشتمُّ رائحة الأشواق في بيتنا وأتجاهلها، وتتفتَّحُ شهيّتي للحب معكِ. تكبرني أروى بسنة، ماذا عساني أن ألوم عليها؟
لا أحب أن أترك آثاري على قلبها كما تركتها من قبل على جسدها. يكفيها مني تلك الندبة في ظهرها منذ طفولتنا عندما سحبتُ قميصها ونحن نلعب ليغرز مشبكه في جلدها وينسحبُ دامياً عشر سنتيمترات ويبقى أثره حتى الآن. وأنا لا أدري إن كان زوجها سيغفر لي هذه التشويه عندما يكتشفه غداً في جسد زوجته.
أروى، توأمي الأنثوي الأول، ضحكاتُ طفولتنا متشابهة، نومنا الدافئ في فراشٍ واحد قبل أن تفرِّقنا أمي ما زال صاحياً في الذاكرة، لم تُجْدِ معنا أصوليتّها وتمسُّكها بالتربية الشرعية، "فرقوا بينهم في المضاجع"، عادت أروى إلى النوم معي وهي كبيرة إذا كانت مريضة، وأنام معها إذا كنتُ أنا مريضاًن وبيننا تواطؤٌ في شغب الطفولة لم تفسده حدود الذكورة والأنوثة.
سرُّ عِشقِها الجميل لم يتطلّب منّي كثيراً لأحدس بداياته. كان هذا
واضحاً لأخ مثلي لا يعوزه أن يطرق باب غرفتها إذا أراد منها شيئاً، بل يلج بلا خجل. بدأ بيننا ابتسامٌ غامضٌ ثم تحوَّل بعد ذلك إلى بوحٍ جريء. أخبرتني قصتها معه، وعينايَ تتسعانش مع عذوبة الحكاية التي تخرجُ من فمها التوتيِّ الصغير. لم تكن أروى فتاةً عاديةً حتى يشتعل في قلبها حبٌ مزيَّف، وكان حدسي في محلّه، وهو ما جعل خط الهاتف يخرجُ من نافذتي ليدخل في نافذتها، بعيداً عن عينَي أمي، وتحت ستار حصانتي الذكورية في المنزل.
لم أكن أتخيَّلُ قبل أن أعرف قصة أروى، أن يحتمل بيتنا عاشقين تحت سقفه. كان خالد قد تزوَّج قبل أشهر، ولم يبق سوانا، حبنا كان في أوجه، وكان حبهما في أوجه أيضاً، ولكن ثمّة فرقاً في درجات الأمل ومستويات التضحية.
لم تعلم أروى عن قصتنا شيئاً رغم ثقتي لها، ولكنها كانت تشعر بها حتماً، بل كانت تتكلم عنكِ بصفة الغائب أحياناً محاولةً أن تحترم كتماني ما استطاعت، هي التي تعرف عاداتي أكثر مني. مرَّت أيامٌ على هذا الازدواج العاطفي في بيتنا، أنا وأنتِ، وأروى ومحسن، وأخيراً، ها هي تركب في سيارته، بينما ركبتِ أنتِ سيارة سالم للأسف.
كأنَّ الذي منح هذا البيت تذكرتَي عشق، لم يمنحه إلا رخصة سعادةٍ واحدة فقط.
للأسف يا مها، كنتِ جميلة في كل شيء، ولكن أبجديتكِ كانت
ناقصة خمسة أحرف، كان ينقصها "تضحية"، ولم تكن الأحرف الثلاثة والعشرون الباقية لتبقيكِ معي رغم كل ما كان بيننا.
ربّما ضحّيتِ، ولكن في الاتجاه الخاطئ، ربّما بعتِ واشتريتِ في سوق الحياة، ولكن بخُسرانٍ مُبين. تأمّلي بضاعتكِ التي بين يديكِ الآن سالماً، وتأمّلي طائر الحب الذي فرَّ بعيداً. قارِني بينهما، وسجّلي في دفتر حساباتكِ صفقة فاشلة.
طفرت من بين جفنيّ دمعةٌ وسيارتهما تبتعد، لمحني أخي عُمر وأنا أحاول جرفها على جفاف الوجه الباقي حتى لا تبدو. ربّت كتفي ومضى، وبقيتُ واقفاً عند عتبة المنزل، وفي رأسي شبه دوخة.
أويتُ إلى فراشي مصحوباً بحبَّتيْ أسبرين. تقلَّبتُ فيه حتى الفجر. قمتُ في وهن. دخّنت سيجارة وشربت شاياً. انتابني لوهلة وسنٌ طفيف. استيقظتُ منه على صباح الكآبة الآنف الذكر.
صباح الحزن أيتها الرياض الخاوية. الرياض التي لا تعِد بشيء، ولا تفي بشيء. أروى الآن في بلدٍ وأنتِ في بلدٍ، والجميع مشغولٌ عني هنا. حتى أمي لديها ما يشغلها. إنها تقيسُ انتفاخ بطن زوجة عمر، تُقطِّرُ الدواء في عين جدَّتي الرمداء، تسمعُ النشرة الزوجية لسارة وندى، تَعُدُّ الأيام الباقية ليعود خالد من انتدابه الأخير. حتى يوسف كان يأخذ من وقتها نصيباً رغم أن الموت غيَّبه عن عينيها منذ سنواتٍ ثلاث.
رحمك الله يا يوسف، كم أحتاج إليك هذه الأيام.
كان موته أغنيتنا العتيقة..
خمسُ سنواتٍ وهو يبني شهادته الأولى، وأدركه الأجل قبل اللَّبِنة الأخيرة.
من قال إن الموت يعترفُ بالشهادات، ويفكر في الطموحات، ويحترم الأحلام، ويؤمن بالآمال التي تستهلك العمر؟
هذا هو العزاء الثاني في بيتنا بعد أبي.
كان حادثاً دموياً، شهد على دمويّته بابُ الجامعة الذي كان المكان، وصباحُ السبتِ الذي كان الزمان.
أظلَّت على قلبي غمامةٌ سوداء ثقيلة، ولكنها بلا مطر. تركنا المقبرة ملتاثين بالفجيعة الصباحية. ازدحم الناس في بيتنا ظهراً. تسلّلتُ إلى غرفتي متجنّباً أيَّ طريقٍ يضعني في مواجهة أمي.
ستحرقني رؤية وجهها الباكي ثلاثة أشهرٍ على الأقل.
أغلقتُ باب غرفتي، وانهرتُ على السرير. رفعتُ بصري لأتأمل الصورة التي تجمعنا معاً قبل عشرة أعوام، وهو يستذكر لي دروسي.
حاولتُ أن أكبي، ولكني اصطدمتُ بأعنف عِنادٍ عرفه جفني.
حاولتُ أن أكتب إليه، أن أفي له كتابةً، هو الذي علَّمني كيف أشع حرفاً جنب آخر، لأصنع كلمة، ثم حزناً جنب حزن، لأصنع قصيدة.
أخذتُ قلماً من مكتبي، شرَّعتُ الدفتر، وتشكّلت أبياتٌ فقيرة
تتوسَّل إلى دموعي على قارعة ورقة.
واصطدمتُ بنصيحته لي عندما نشرتُ أول قصيدة: "لا تفاجأ عندما تكتشف ذات يوم أن أوسع قصيدة في دفترك أضيق من أضيق حزن في صدرك".
بالفعل، من المجحف أن أرثي يوسف بقصيدة، وهو الذي علّمني كيف أكتبها، ماذا قدَّمتُ له إذن؟
أغلقتُ الدفتر على الصمت المخجل، كوَّرتُ نفسي تحت الفراش، وبدأت أشعرُ بالملل من هذا الاستدرار اليائس للبكاء.
فقدَ بيتُنا إنساناً آخر.
بقي عُمر، الأخ الذي لبس عِمامة الأب مبكراً، وندى وسارة، ثم مكان يوسف الخالي، ثم خالد، فأروى، فأنا.
سبقني يوسف إلى الكتابة، ثم لما أبصر فيَّ أعراضها المَرَضية أيضاً، تبنَّى كل مطلع قصيدةٍ خجول حتى أوقفني على قلمي.
أيقظني من نومي ذات ليل، كان وجهه يضيء، وعيناه تومضان، أخذ بيدي، وتسللنا معاً خلف الحياة، حتى أوصلني إلى كهفها العميق، جلستُ معه على الأرض، وضع يده على هامتي، لقّنني عشرينِ طِلْسماً، وبعث أمامي دخاناً كثيفاُ، وتمتم بالحروف المقدّسة، قم قلّدني تميمة الشعر، وأوصى بي نجوم السماء، وأعشاب الأرض.
خمس سنواتٍ بيننا، إنها مسافةٌ حائرة، أمارس معه احترامه
ويمارسُ معي شقاوتي، لا أتبسّط معه مثل أروى، ولا أتحفّظ معه مثل خالد، ولكني ألتصق به كثيراً. صديقٌ في جُبّة أستاذ. لم أكن أفارقه إلاّ لِماماً. يصحبني أينما ذهب. حتى قالت سارة ذات مزحة أني أكاد أنتعل حذاءه معه.
كلُّهم بكى عليه بدموعٍ صادقة. فلماذا أنا لا أستطيع أن أبكيه معهم؟ لماذا هذا الإحجام الفظيع في حزني عليه؟ لماذا تخونني حاسّة البكاء عندما أحتاج أن أرى بها مصيري؟ لماذا كان كلّ ما يمكن أن أواري به جثمان يوسف، تُراباً وقصيدة فقط؟
وقفتُ في العزاء لعلّ البكاء يشتهيني. صافحتُ مئتَي رجل وليس إلا الغمامة السوداء الثقيلة نفسها. مضى الناس، وجنَّ اللّيل، ونام عند أمي نساءٌ كثيرات. نظرتُ إليها من شباك غرفتها وهي تصلّي في خشوع رهيب. شعرتُ بالطمأنينة. دخل عُمر عند زوجته. ونام خالد مع زوج ندى على الأريكة في مجلس الرجال. واختفت سارة وندى في زِحام اللون الشاحب الذي اتَّشحت به كل النساء.
عرّجتُ على غرفة يوسف.
كان ضوؤها مُشعلاً، يتسرَّبُ من عقبِ الباب، ويتسرَّبُ معه أيضاً صوتُ بكاءٍ خفيف.
لم أندهش عندما وجدتُ أروى منكفئةً على ملابسه التي كان قد خلعها عنه ذلك الصباح، ولبس أخرى جديدة، وكأنه يستقبل الموت بأناقة، كما عاش طوال حياته أنيقاً. آخر قطراتِ عرقه كانت أروى
تدفن وجهها فيها بقوة، وتشمُّ رائحة جسده بحُرقة أختٍ تعرف أنَّ هذه الرائحة لن توجد في الحياة مرةً أخرى.
أوقفتها على قدميها، واحتضنتها بقوة، لوَّنَ الكحلُ الطفيف في عينيها بياضَ ثوبي عند الكتف بعد أن أذابته دموعها. غزيرةٌ دائماً دموع أروى منذ الطفولة، لها مساربُ دمعية ثرّة، تملأ كفّها دموعاً لو أرادت.
رحتُ أرتّب معها فوضى الغرفة. أخرجنا الملابس من دواليبها وحشرناها في حقائب قليلة استعداداً لإخراجها. جمعنا كل حاجياته وأغراضه ومتعلقاته الشخصية واقتسمناها، أنا وأروى والفقراء الذين سنتصدق عليهم بملابسه. كان نصيب أروى كل صوره، ونصيبي أنا كل دفاتره، والبقية لهم.
كنَّا نسعى لإفراغ الغرفة قبل أن تدخلها أمي. هي التي تعيد شحن نفسها بكاءاً بعد سنواتٍ من رحيل أبي كلما رأت شيئاً من أشيائه، ربما مارست العادة نفسها مع أشياء يوسف. يكفي أمي بطارية بكاءٍ واحدة، ستحترق إذا اشتعلت فيها أخرى.
ساعدنا يوسف كثيراً. لم يخلِّف وراءه إلا حقيبتي ملابس، وحقيبتي كتب، ورزمة دفاتر، ثلاثة ألبوماتِ صور، وأشياء أخرى بسيطة.
قُبيل الفجر، كانت غرفته خاوية. وَعَدَ خالد أن يُحضر من ينزع عنها أثاثها في الصباح، ولكن من ينزعه هو عن ذاكرة بيتٍ بأكمله؟
إننا لا نتجنب الحزن، إننا نتجنب المرور فوقه فحسب، نُقيل أنفسنا من عثرات الأقدام بتسوية الطريق، من يقيلنا من عثرات القلوب؟
شيَّعتُ أروى إلى غرفتها. تركتها وفي ثغرها شبح ابتسامةٍ قانطة. ومضيتُ إلى غرفتي.
تقلَّبتُ ولم تأخذني سِنَةٌ، وما زال خدي جافاً مثل صحراءٍ إفريقية. لم أكن قد عرفتكِ آنذاك، ولم يكن ليدور في ظنّي أنَّ امرأةً في هذه المدينة، اسمُها مها، لن أواجه معها مشكلة انحباس البكاء هذه أبداً.
امرأةٌ ستضعني عند خط الاستواء، حيث لا يتوقف المطر.
****
خلا بي البيتُ تماماً بعد رحيل أروى. كل الأشياء صارت تأخذ طابعاً استهتارياً وأنا أشعُرُ وكأني مريضٌ نفسي يتنصَّل من كل المسؤوليات، ويتقلَّب على يومه وغده مثل الحيتانِ التي تنتحر على الشاطئ.
لأن رحيلها يذكِّرني برحيلك، ولأني رجلٌ يكره المترادفاتِ الموجعة، ويكره أن يُلدغ من حزنٍ مرتين.
تعوَّدتُ قبل أن أنام أن أتحدَّث قليلاً مع أروى، ألهو معها بأي أُلهية، أن أضمّها برفق وأتركها تبكي وهي تستعد لفراقنا، أن أسمع
معها آخر أغنية، وأربِّي معها آخر لوحةٍ تُبدعها أناملها.
ليس من السهل تغيير هذا. آلاف الأيام مرّت من حياتي وكان آخر ما ينغلق عليه جفني قبل أن أنام وجه أروى.
ها هي الليلة الثانية بدونها، صعبةُ الحل، مثل سابقتها.
تنتابني فكرةٌ محبطة، ماذا لو أحصل على حبّةٍ من تلك التي يصفها الأطباء النفسيون لمرضاهم؟ أليست الكآبة مرضاً نفسياً؟ لا ريب أن دواءها يمنعها إذان، فَلِمَ لا أجرِّب؟ كآبتي قاسية هذا الصباح، حتى أني أتنازل أمامها عن عقلي وصُداعه، من أجل قلبي وهمومه.
فنجانُ الشاي يخبِّئُ طعمَه عني، وفمي المرُّ يسجن، حتى الآن، سيجارةَ الفجر الحزينة. تلك التي دخَّنتُها على الدرج الصغير، عند باب منزلنا الواجم أمام وجومي، وورقةُ الثاني من أغسطس تتأرجح على التقويم، ونسماتُ الفجر الأولى تحمل إلى البيوت المجاورة في حيِّنا رائحةَ رجلٍ لا يستطيعُ أن ينام.
هل هؤلاء النائمون سعدا إذ ناموا؟ أنا أؤمن أن بعض الهموم يولَدُ أرَقُها معها، وبعضها يولد يأسُها معها، ربما هذا الهمُّ اليائسُ يجعلهم ينامون.
لماذا يتهلَّمُ في داخلي مفهومُ السعادة هذا الفجر؟ لماذا يتشبَّحُ ويتداخلُ كخيوطٍ سرابيةٍ كثيفة في نسيج الغبار الذي يلفُّ الرياض هذه الأيام؟
هل أمي التي يتناهى إليَّ صوتُ قرآنها الفجريّ سعيدةٌ هذا اليوم؟
أم أن حزنها الأرملَ القديم أصبح عجوزاً مثلها، وراح يأخُذُ شكلاً معقّداً لا نفهمه نحن الذين مازِلنا في أبجديَّةِ الحزنِ الأولى؟
هل جدّتي، التي يكفيها من الليل ساعتان فقط تنام فيهما، تستطيع أن تقضي الاثنين وعشرين ساعةً الباقية دون أن يدهمها الحزن؟ إنَّ في ذاكرتها ثمانين جداراً، فما أكثر الشقوقَ التي يمكِنُ أن تتسرَّب منها السعادة، وتختفي.
هل إخوتي الذين يتوسَّدُ كل منهم زوجته في هذا الوقتِ من الليل قريرون بهذا الكهف الأنثوي الذي يحتمون به كل ليلة؟ وهل أخواتي البنات سعيداتٌ بأزواجهنَّ، بخلاف أروى التي بالتأكيد تتلوَّن سعادةً الآن، أم أنَّ هموماً لا نراها يُخفينها عن أعيننا؟
كم أودُّ لو أنامُ في غرفةِ أمي الآن.
كم أتمنى لو أعرفُ لذاكرتها حداً لا يبقى بعده شيء، أبكي عنده على رجليها حتى تنطفيء عيناي أو يبرد صدري، أيهما يحدث أولاً.
ولكن أمي لن تتركني أبكي طويلاً عند هذا الحد.
هي تخشى عليَّ من كِتمانٍ يقرضني، وأنا أخشى عليها من بوحٍ يؤلمها. ستستجوب دموعي حتماً، وهذا ما يمنعني من اللجوء إليها.
ماذا لو علمتْ بأمر حبي؟ ماذا لو علمت بأمر مرضي وصحتي التي تتدهور؟ ماذا لو قَرَأَت ما يدور في صُداعي من قلقٍ، ويأسٍ وطموحٍ خائب؟
يا ليتني أعقد معها اتفاقاً خفياً أسكب بموجبه العبرات، وأحتفظ بالأسرار، آخذ منها دفئها، وأمنحها بدلاً منه دموعي فقط.
ولكنها أمي، لن تتغير.
أبداً ستظنُّ أنها قادرةٌ على حلِّ جميع المشكلات، ولن تحتمل فكرة أن مشكلات أبنائها الذين أنجبتهم أصبحت أكبر منها. ستظلُّ حتى آخر نبضةٍ من قلبها تدافِعُ عن أمومتها لأحزانهم كما تدافعُ عن أمومتها لهم.
ربما كان ذلك شعوراً منها بالمسؤولية لما يتعرضون له. أليست هي التي أخرجتهم من رحمها إلى حزنٍ ما يتلقفهم في هذه الدنيا؟ وأنا أيضاً، لن أتغير.
سأظلُّ أبداً أتأبط فكرة الصُّمودِ الواهي، الشجرةَ التي تصفِّرُ فيها الريح، وتظلُّ واقفة، ولا تشكو إلى أحد.
أمارسُ هذا التهريج، ولا أنتبه إلى أني قد أموت وحيداً ولا يعلمون.
حتى أنتِ قد لا تعلمين، رغم رسالتكِ المسجَّلةِ الثانية التي تركتِها لي في هاتفي قبل ساعة، خاويةً من أيِّ كلمة حبٍ أرمِّمُ بها قلبي، عدا اعتذارٍ مُلفّقٍ عن حشر تعبير "عيوني" في الرسالة السابقة، حتى يضيع التذكير والتأنيث في العبارة، فلا ينتبه سالم أنكِ تسجلين رسالةً لرجل، ثم اختلطت الحروف ببعضها، فلم أسمع شيئاً.
كأنكِ تتحاشين الكلام. شهرٌ وزيادة ولم تجدي دقيقةً واحدةً تهاتفين فيها قلقي واحتراقي ولهفتي. يبدو أن سالماً هذا لا يدخل الحمّام أبداً، يبدو أنه لا يترككِ في مكان وحدكِ ولو ليشتري أتفه شيء، يبدو أنكِ لم تتزوّجي رجلاً، بل عَلَقَةً طبيةً من تلك التي تلتصق بالجلد.
إذا كان ما أمضاه معكِ حتى الآن يتجاوز الأربعين يوماً، فهذا يعني أنه أخذ منكِ مليوناً وأربع مئة وخمسين ألف ثانية، بكل ما فيها من الحب والحنان والدفء، وأخذتُ أنا عشر ثوانٍ فقط، هي طول مكالمةٍ مسجَّلةٍ، لم تخلُ من آثاره عليكِ أيضاً.
كيف ستعوّضينني عن كل هذا؟ عن ألف جزءٍ احترق في قلبي قهراً ولم يعد صالحاً للحياة؟ عن الكُليتين المريضتين إلى الأبد والذاكرة السوداء التي لن تمّحي؟ وآلاف آلاف الدموع التي ضاعت، وخط حياتي الذي انحرف، وسقف طموحي الذي انهار، وسعادتي التي فقدتها تماماً بعدكِ؟
رميتُ الآلة الحاسبة بعيداً عني وذرفتُ دموعاً عابرة، واستحضرتُ مرةً أخرى فكرةَ أن أموت ولا يشعر أحدٌ بما يدور في صدري.
حتى جبين أمي، وسجادتها المسافرة في أوراق الله ...
حتى قصائدي التي يَبِسَتْ على مكتبي ولم تكتمل...
حتى سيجارتي التي تحترق في انتظار الموت ...
حتى نسمات الفجر التي تفضح أرقي بين بيوت الحي ...
حـــــتــــى هــــــذا الـــــبـــــاب الـــــــــــــواجــم ...
****
شوارعُ الرياض الخاوية صباح يوم الجمعة ستأخذني إلى وهمٍ ما أفطر عليه، أو منديلٍ قديم أمسحُ به دموعي الثقيلة.
لا أحتاج إلا إلى سيارتي وسجائري وموسيقى ياني القديمة الهادئة التي عرفتنا معاً، وذاكرةٌ من وحلٍ وغبار.
ياني يستثمر في أحزان صدري. بساطٌ يونانيٌ منبسطٌ فوق هذه الهضبة النجدية الباردة. سمعتُ موسيقاه أول مرة في غرفتك، ثم رحلتِ، وظلَّ هو معي.
يؤلمني أنَّ كل الأشياء ظلَّت وفيةً، إلا أنتِ.
تعلّمتُ لغةَ روحه بسرعة، بفِطرة الحسّ. تماماً كما تعلَّم هو موسيقاه الأولى في السادسة دون أن يحضر درساً واحداً. لأنه إغريقيٌ موغلٌ في عصاميّته، كان ينقر في جدران الروح، وأنا أمتصُّ فوضى سجائري. يختلط الدخانان في صدري، ويدور محرّك الذكرى بقوة البخار.
أتذكر سلوككِ الغريب في سماع موسيقاه، ما أن يبدأ عزفُ ياني حتى تبدئين بتقبيلي حتى وأنا أتكلم، تختلسين القبلاتِ بين كلمةٍ
وأخرى وكأني طفل، وأشعُرُ بالضيقِ لأنكِ لا تُصغين إليَّ، ثم أنتبه إلى أن العائد أكبر من المضحّى به.
سأصمتُ إلى الأبد ما دامت هذه الفتاة الجميلة تشتهي تقبيلي مع عزف ياني. إن لنا أساليب كثيرة للتفاعل مع الموسيقى، غير الرقص.
الآن، ما أن يبدأ ياني بمقطوعته حتى تذرف عيناي دموعها ببطء مثل أشجار الصمغ، حتى ينتهي.
أحرِقني يا ياني. أريد أن أترمَّد. أريد أن تنثرني الريح وأتلاشى. اغزلني وتراً مشدوداً في ظهر البيانو الكبير الذي تعزف عليه. جرِّدني من المسؤولياتِ تجاه نفسي قبل أن أستسلم لهذه الكُلية المريضة في جسدي.
سأرحَلُ في هذا الفجر النجديِّ العتيق إلى آخر مدىً يدفِن فيه المتعَبُ تعبَه. سأجول بين حدِّ الصحراء والعُمران كما يفعلُ ثلاثة أرباع العشاق في هذه المدينة وحدهم. ما دمتُ قد عدتُ إلى ممارسة الوحدة مثلهم، بعد أن قضيتُ شهوراً طويلة كانوا يتسكعون فيها على أرصفة الليل، بينما أسعى أنا إلى غرفة حبيبتي.
يا الله ...
لماذا اكتشف نيوتن أن لكلّ فعلٍ ردّة فعل؟
فجرٌ كهذا الفجر، كان يحملني إلى غرفتكِ، ويطوِّق بيديكِ عنقي، ويأخُذُ كل همومي ومشاكلي وسُهدي ويرميها من الشباك، ويبقيكِ لي، ويبقيني لكِ، دون غيركِ من نساء الأرض ونجوم السماء.
ستبقى همومي في الفِنَاء، أسفل هذا الشّباك، حتى أنزل وأحملها معي.
ها أنا الآن في ردة الفعل، بعد أن مارستُ فعل الحب أشهراً طويلة، وهي كما قال فعلاً، مساوية له في المقدار، معاكسة له في الاتجاه.
بقدر ما استمتعتُ بكِ، ها أنذا أتعذَّبُ بكِ الآن.
وبقدر ما كان فعلُ حنانكِ جارفاً، جاء فعل جحودكِ مؤلماً.
أتساءلُ وأنا أهيم على وجوه الوحشة، إن كان من حقِّي على هذه الحياة كإنسان أن أجد فيها ما يؤويني؟
حتى الحشرات التي تدبُّ فوق الأرض ستؤويها جحورها الصغيرة.
حتى هذا الشارع الصامت، لن يموت وحيداً، فقبل أن ينتهي سيدركه شارعٌ آخر حتماً.
حتى الموتى لهم قبور.
ربما لم يعد هناك ما يمكن أن يؤوي رجلاً مثلي، يرفُضُ كل الأشياء، وكل الأوضاع، وكل النساء، ويتمادى في التذمُّروالمقارنة، هو يبحث عن مأوىً لجبينه ولحبَّاتِ العرق التي ينضح بها.
حاولت أن أصِلَ هذه الطريق المسدودة بأمي وآوي إليها. نمتُ على رجلها قبل أيامٍ خَلَت، وتركتُ رائحة حنَّائها تمشِّطُ غُربةَ رئتي، ووددتُ لو أنام فحسب. كانت خُصلات شعري تلثم أصابَعها بقوة،
وكانت أنفاسُها تنبِّهُ ذاكرتي إلى أني منذ سنوات لم أنم على فخذها، وهي أخبرتني، وكأنها قرأت جبيني وعلمت ما يدور فيه من الأفكار، أنني منذ طفولتي لم أكن أنام على أي عضوٍ من جسدٍ آخر.
كنتُ دائماً، كما تقول، أنكفئ عند النوم وأتقوقعُ على نفسي وأتوسَّدُ ذراعي النحيلة وكأني أبحثُ عن دفء وسادةٍ لها خلايا جسدي نفسها، لأني أخاف الغربة، وأكره التغيير، وأرفضه بشدة في أكثر لحظاتِ الطفولة احتياجاً للأمان، النوم.
الآن، صارت أشدّ لحظات الغربة عند النوم، وصرتُ أحتاج كثيراً إلى هذا الجسد الآخر، لأنام عليه.
ولكنه النوم ...
ميثاقٌ قديمٌ لوفاءِ الذاكرة.
وجوهُ الناس، وأصداء الأشياء، والأحلام المرتعشة، كلها تتجمع على الوسادة المرهقة، لتشوِّه وجهها الناعم، وتبَعث بين خيوطِها برودة اليأس.
لذلك نُشعل الوهمَ في أفكارنا قبل أن ننام، نلشعر بالدفء.
لنشعُرَ أنَّ في آخر هذا الظلامِ السرمديِّ الذي ننامُ فيه ثمَّةَ أملاً لقد يجيءُ به الصباح القادم.
صباحُ نافذتي الكسلى التي كانت تواعدُ الشروق، قبل أن يهجرها، ويذرها حُبلى.
راحت تضيقُ شيئاً فشيئاً، أمام حُلم شاردٍ، لا تملكُ أن تُجهِضَه، ولا تملك أن تلده.
بعد أسبوعين، تنغلق هذه النافذة تماماً، ويلتحِمُ الجدار على مكانها كأن لم تكن، وتحملني طائرةٌ هاربة مع حقيبتي، إلى سطحٍ آخرَ للكوكب.
تركتُ خلفي أوراقي اليابسة على المكتب الذي يغصُّ بجراثيمكِ، وتركتُ أقلامي تجوع وتعرى، وودَّعتُ حِنّاء أمّي بقبلة طويلة، وحملتُ شهادتي إلى أرضٍ أخرى، لعلّي أخترع فيها حلماً بنفسي، وأحلم به، ثم أسعى لتحقيقه، لأن الأحلام التي تجيء وحدها تشنقني، ولا تتحقق.
قديمٌ أنت في دفتر اليأس يا ديار، يا صديقي البعيد، أتذكَّر رسائلك:
"عندما لا يمكن للحياة أن تستمر، لا بد أننا نحتاج إلى وقفةٍ طويلةٍ للحزن، الحياة تكره أن نتجاهل ضرباتها لنا، وترفض أن نستمر فيها دون أن نقف مراراً، لنعلن انهزامنا أمام سلاحها القَدَري.
إننا نقدِّمُ لها شيئاً من الحزن كلّما احتجنا إلى مزيد من العمر، وعندما تنتهي أحزاننا، أو تتجمَّد في أضلاعنا، نموت. بين الموت والحزن تواطؤٌ وتناقض. الموت الذي نظنّه بداية حُزننا هو نفسه نهاية حُزنه. لذلك لسنا في حاجةٍ إلى أن نخشى الموت، ولكنا نخشى أن تستمر بنا الحياة ونحن حزانى".
لبثتُ بعدكِ أعمى عدَّة أشهر، مارستُ فيها حماقاتٍ كثيرة وأدواراً عدة، كلّها تنتهي بالفشل، وتضاعِفُ من رصيد آلامي، وتختزل كثيراً من ثقتي بنفسي. شعرتُ أن الرياض التي تعبت معي لن تمنحني أكثر من زِحام الناس الذين لا يشعرون بي، وآلام الكُلى التي تستفحل في خاصرتي، وأنين الذاكرة التي تستنطق حبنا في هذا المكان وذاك، والمزيد من التعجُّبِ الذي تشي به عينا أمي إزاءَ الانطواءِ المريبِ الذي آل إليه أمري.
عدّة زياراتٍ تلد القرار، أولاها للسفارة الكندية، والثانية إلى رصيف بيتكِ الذي صار يضاجع نصف الليل بقرفٍ بعد رحيلكِ.
شبّاكُ غرفتكِ مظلمٌ جداً كأنما من ورائه العدم. تتراءى لي خلف ستارتها الثقيلة أشباحُ الأيام الطويلة التي قضيناها فيها. ضحكاتنا، همساتنا، ارتعاشنا، حكاياتنا الرائقة التي ننام قبلها، ونتوسَّدُ بعضنا خلالها ولا نشعر بحدود الجسدين.
صمتُ الجدران تعيسٌ جداً، والشارع موحشٌ حتى البكاء، وأنا أتهادى بين عموديْ إنارة، مثل قِطٍّ مُشرَّد.
أتذكرين عندما اعتنقنا تحت الغطاء، في الظلام الدامس، ورحتُ أحكي لكِ ما قرأته في رواية نجيب محفوظ "عبث الأقدار"، وأنتِ تقاطعينني فيها، وتستبقين الأحداث، وتتوقعين النهايات، حتى نمتِ أخيراً على عُنقي، وخُصلاتُ شعركِ تداعبُ فمي، وأنفاسكِ تتسلل إلى أذني، ولم أُنهِ الرواية. نمتِ قبل أن أخبركِ كيف تزوَّج ددف بن
رع من الأميرة مرى سي عنخ، وجلسا ملكين على عرش خوفو العظيم.
قرأتُ مرّةً بحثاً علمياً يقول بأن الأصوات التي تخرجُ منا لا تنعدم، إنها تأخذ في الخفوت تدريجاً فحسب حتى لا تعود تدركها أسماعنا، بينما تستمر مسافرةً في الأثير إلى الأبد، وأنهم ربما اخترعوا جهازاً يعيد تضخيم هذه الأصوات التائهة من حولنا.
ماذا لو وضعوا جهازاً مثله في غرفتك؟ أيُّ الكلماتِ ستترجم نفسها أولاً؟ وهل ستكون كلمةً يا ترى، أو رجع آهةٍ، أو نغمة أغنية، أو صوت ضحكة، أو ربما ضجة ارتطامكِ بالسرير، يوم أفلتتكِ يداي فجأة بعد أن تخاذلتا عن حملك؟
ربما سمعوا حديثكِ مع سعد أو سالم؟ ربما كان صوتي هو أكثر الأصواتِ خفوتاً.
****
في معمعة الرحيل، كان طيفُ المرأة التي أحرقتُ أوراقها برعونتي يهرُشُ عقلي بعنف.
امرأةٌ لم تكن أنتِ، ولكنّ سوء حظها جعلني أفكر فيها بديلةً منكِ. هي تقبَعُ في بيتٍ آخر، على رصيفٍ آخر، وأنتِ تقبعين خارج نطاق الليل والنهار في بلدي. إحداكما قتلتني وَجْدَاً، والأخرى قتلتني ذنباً.
كدتُ أن أضمِّدُ جرحكِ بها، ثم توجَّستُ فجأة من ضِمادٍ يُسمِّمُ الجرحَ ولا يشفيه، فتراجعتُ في أنانيته، وأنا أجرُّ ورائي أحلامها وآمالها وأمزِّقُها على قارعة الطريق، وأذَرُها ورائي حزينةً مهمومة، لا تفهم كيف صارت بين ليلةٍ وضحاها مُطلَّقة وهي لم تمسَّ بعد.
بعد العَقْدِ عليها بأسابيع طلَّقتُها، وقبل موعد الزواج بأسابيعَ أخرى. تماماً في منتصف الحلم هذا كانت طعنتي لها محكمةً جداً، وفي صميم كبريائها التي تناثرت دماؤها على وجه ذنوبي، ولم أفهم لماذا فعلتُ هذا، ولكني شعرتُ أن قلباً تملئينه أنتِ إلى هذا الحد، لن تجد فيه امرأةٌ أخرى مساحةً كافية لسعادتها.
كم تُراها تكرهني الآن؟ ربما كان قدري وقدرها أن أكون أنا أسوأ رجلٍ في حياتها، كما هو زوجكِ سالم أسوأ رجلٍ في حياتي. ها أنذا هاربُ من ذنبها الحارق الأليم، بينما ما يزال هو يقطِفُ من شفتيكِ كل يوم تفاحةً أو عنقود عنب كما يشاء.
طلّقتها قبل أن أدنِّسها بحزني. ليس في قلبي شيء يُمنح إلا وقد منحته لكِ أصلاً. كان الذنب يصهرني صهراً، وكنتُ أتخيل حجم الألم الذي أرسلتني به الأقدار إليها، ولكني لم أكن أملك شيئاً. ارتبكت، وأفقت يوماً فوجدتني عاقداً على امرأةٍ لا أدري من هي، ولا على أي غيمةٍ تنام، ولا من أي قمرٍ تقتات.
مشاعرُ كهذه هي التي خبَّأتها في حقيبةِ ملابس، وتواريتُ معها
خلف تذكرةِ سفر، وتركتُ مدينتي إلى ضِمادٍ آخر، لا أدري ماذا في قُطنه ولفائفه.
لو أستطيعُ أن أستنشق رائحة السعادة التي كدتُ أنساها ربما تتغيَّرُ الأشياء. ربما يتحوَّلُ حلمي بكِ إلى وهمٍ لا يبكيني. وربما يبلغني أن مطلّقتي لم تحترق تماماً، وأنها تزوَّجت بعدي رجلاً ما، وأن فصلاً مختلفاً قد يحلُّ، وأن رجلاً قديماً مثلي، قد يتحوّل، ويتجدّد، وينمو، ويعيش.
هاذا ما حملته معي في حقيبتي، بالإضافة إلى بعض الملابس. أما ما حملته في قلبي، فأنتِ.
حملتُ عينيكِ الضاحكتين...
وشفتكِ العليا البارزة ...
ونهديكِ المستديرين كقرصَين شمسيّين ...
ورائحة العطر على جانبي عنقكِ ...
وقصيدتي القديمة التي كتبتها لكِ، انتشلتُها وحدها من بين رفيقاتها، وحملتها معي، لعلّي أتكئ عليها، أو تتكئ عليّ ...
ورحتلتُ إلى فانكوفر ...
إلى شَتَاتٍ دافئ يساعد على الحزن بتركيزٍ أكثر.
****
كانت أمي لا تدري لماذا أرحل. أنا الذي تركتُ ورائي علاماتِ استفهامٍ كبرى، وامرأةً نصف محترقة، ووظيفةً لا بأس بها، وبيتاً كانت أمي تظنُّه يوماً سيحتضن أبناءها وأحفادها معاً، وحزمتُ حقائبي إلى مدينةٍ لم تسمع عنها من قبل، تختبئ خلف مئات الأميال، وبضع سنوات.
بطيبة أمٍّ لا تفهم ماذا يعتمل في داخلي، كانت تخاف عليَّ من ملامحي الكئيبة هذه. ربما ظنَّت بأمومتها أني أشعر بالوحدة بعد أن تزوّجت أروى، وأني أحتاج إلى أنثى ما.
كانت أمي قريبةً من الحقيقة، ولكني لم أكن أحتاج إلى أي أنثى والسلام.
عندي وطنٌ بأكمله احتلّه سالم، وراح يبني فيه كل يومٍ مستوطنةً جديدةً.
كل يومٍ يكتبُ فوقكِ سطراً ويمحو سطراً كتبته أنا من قبل. سينزعني سالمٌ من عينيكِ شيئاً فشيئاً دون أن تشعري. النساء دائماً أوراقٌ قابلةٌ لإعادة الكتابة.
ألم أكتب أنا فوق حسن؟ ألم يكتب حسن فوق عبد الرحمن؟
اقتربت مني أمي كعادتها عند التأنيب والتحذير. همست بنظراتٍ لها لون رجاء وشكل قلق: "يا بني، إياك أن تتزوج" ضحكتُ من قولها قليلاً. اقتربتُ منها وقبّلتُ وجنتيها وهمست بنبرة الصدق التي
تخرج مني أحياناً ولا أستطيع اختلاقها: "صدّقيني يا أمي، آخر ما أفكر فيه الآن، النساء".
أومأت لي أمي برأسها، تركتني وهي بين الفهم والحيرة وخَرَجَت. وعدتُ أنا إلى فوضى السفر.
منذ آلاف السنين، المنفى هو مكان آمن للحزن.
وأنا كنتُ أريد أن أنفي نفسي بعض الوقت، ريثما أعود إلى الحياة.
بياتٌ قلبيٌّ بحجم غصَّة.
عادت أمي لتجلس بجواري وأنا أرتِّب حقائب السفر. كانت تراوِحُ بين الضحك والبكاء وتحاول أن تساعدني. لم تدرك لماذا أعدتُ بلطف دفاتري التي أخَذَتها هي من فوق المكتب وراحت تبحَثُ لها عن حيِّزٍ خالٍ داخل الحقيبة. ظنَّت في البداية أني سأحملها بيدي فراحت تذكِّرني بها عند خروجي.
لم يكن رحيلٌ كهذا يحتمل الكتابة لأن تقاربها اللفظي مع الكآبة يؤرقني كثيراً. أنا الذي أصبحتُ أؤمن بالخُرافات وأتطيَّرُ حتى من شكل كلمة أو غلاف دفتر.
حَمَلَت أمي الدفاتر ولحقت بي عند باب البيت وهي تصيح: "ناصر، نسيت دفاترك"، توقفتُ عن الحركة والتفتُّ إلى وجه أمي الذي يبدو على شفا دمعة. تلك اللحظة شعرتُ حقاً بألم فراق أمي ودفاتري. عانقتهما معاً في الوقت نفسه، وأخَذَت أمي في البكاء. تركتُها ورحلت.
عندما تبكي أمي أحترقُ مثل الأغصان الجافة. لا أفكر في أسبابٍ منطقية، فقط أكتشفُ أننا شخصٌ واحد، يبكي بعيونٍ أربع.
تودّعني بصوتٍ يكاد يختفي: "ودعتك الله، احفظ الله يحفظك". أبتعد عنها خطوتين وأردّد بصوتٍ أحاول أن أجعله يبدو واثقاً: "أشوفك على خير يا يمَّة، انتبهي لنفسك، وصحتك، وتوكلي على الله".
أبتعد أكثر وأسمعها تردد خلفي: "احفظ الله يحفظك، احفظالله يحفظك"، ثم تتحول إلى دعاءٍ خفيض: "الله ييسّر أمرك، ويسمح دربك، استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه".
إن في صوتها حُرقةً وحيرةً سكناها منذ القدم، كلّما ألمَّت بها نائبة نَشِطَتا في قلبها واستنهضتا حزن الماضي لحزن الحاضر. أشعر أنها تبكي أبي على ظهري البتعد، واشعر أنها ظلَّت تبكيه عشرين سنةً في كل ملمَّةٍ أنشَبَتْ ظُفراً جديداً في قلبها المثخن بالألم، هي التي فقدته شابَّةً ثم علَّمتنا كيف نبقيه معلّقاً في قبابِ ذاكرتنا من الداخل مثل ثُريَّات المساجد حتى عدتُ أكتب له الرسالة تلو الرسالة حالما تعلّمتُ الكتابة وواجهت أحزاني الأولى في الحياة.
لم أفتقد أبداً لغة حوارٍ مريحةٍ بيني وبين أبي. كنتُ دائماً أصطدم بوجوده داخلي كلما ركنتُ إلى الواقع وتظاهرتُ بالسلوى. صوتُه الحرُّ ما زال يجولُ في أرجاء نفسي، أنا الذي عرفته طفلاً ولم تلتقط
ذاكرتي منه سوى القليل من حنانه وصورة جسده المسجَّى على فراش الموت.
عاشت أمي زمناً تدندن بذكراه مثل الراهبات. ولا سّيما أنها لم تتزوج بعده. لم تترك لنا فرصةً لنسيانه. كانت تشعلُهُ قنديلاً في كل مجلسٍ نتَّخذه حولها، وتحيي الليل على أضواء سيرته وطباعه، وتعاقِبُ به ضمائرنا كلما حُدْنا عن الطريق المستقيم. علَّمتنا أمي كيف نُدْمِن ذكراه فلا نكون بدونها إلا رماداً بشرياً لا يستحقُّ الذكر. علَّمتنا كيف نتخذه قضية نجاهد من أجل إبقائها قائمةً بين أفكارنا وخطواتنا، وجَعَلَت حزننا عليه ممدوداً إلى الأمام، لا يطويه السير في الوراء، ونحن نسعى إلى حيث لا ندري.
كما صرتِ أنتِ قريبةً مني كأبي، فكأني أشعر أن المسافة بينكِ وبين أمي تتداخل دائماً. لا أكاد أميِّز بينكما فرقاً صغيراً. طوال وصالنا كنتُ أقسم بحواسّي الخمس أنكِ أمي لفرط حنانكِ، وأن امرأةً تحتضنني ليلاً كما تفعلين، هي امرأةُ يتداخل حبها وأمومتها في دائرتي.
وأمام ازدواجية الأمومة تلك كانت أمي تشعر أثناء علاقتنا بأني لم أعد ابنها الذي تعرفه. لم أعد ألجأ إلى سريرها ليلاً كما كنتُ من قبل، ولم أعد أطرقُ بابها وأنا أحملُ فراشي لأضطجع جوار سجادتها وأشمَّ رائحتها الحبيبة التي تعلّمني كم هي دافئة غرفة أمّ.
منذ أن فَقَدَت غرفُتها ساكنَها الآخر، أبي، لم تَعْدَمْ أمي أنفاسَ أحدِ
أبنائها يشاركها الغرفة. مهما كبِرت أمي، مهما انحنى ظهرُها وصارت قصيرة، فإنها تظلُّ الملجأ الآمن الذي تعرفه خُطايَ جيداً، كلما توغّلتُ بعيداً عنها في أدغال الحياة.
ولكني آنذاك، كان عندي ما يُشبعني من الحنان. كان حبكِ يمنحني كل ما أحتاج إليه من عاطفة فلم ألجأ إليها. هكذا الأبناء، لا يصلون أبداً إلى سقف البِرِّ بوالديهم. أتخلّى عنها دون أن أدري، ولمّا تخلَّيتِ أنتِ عنِّي وجدتُ أمي تنتظرني وليس في عينيها ومضة عتب.
كنتُ أشعر بأمومتكِ السرابية لي عندما أشتاق إليكِ ذات نهار، فأدقُّ أرقامكِ، وأنتظر ردَّك، وعندما لا تردِّين، يتحوَّلُ الشوقُ في داخلي إلى خوفٍ خفيٍّ يتدثَّرُ بثيابٍ قلق. أواصل الاتصال بتوتّر، وبعد برهة، إما أن أنهار على صوتكِ، أو على بكاء لست أدري كُنهه ولا سببه. أتألَّمُ لهذه الحاجةِ الملحّةِ إليكِ لأني أعلم أني ذات يومٍ سأبحثُ عنكِ فلا أجِدُكِ، وذات يوم سيرنُّ هذا الهاتف في غرفتكِ الخاوية في نوبةِ يأسٍ مجنونة تدفعني لأن أتصل بكِ وأنا أعلم أنكِ في آخر الدنيا، وأن لا أحد يلتفتُ لرنين هذا الطفل الباكي في غرفتكِ. سيرنُّ كثيراً، سيرفع رأسه، يتأمل الغرفة التي كانت مسرح حياة وقد صارت مقبرةً صغيرة. كل الأشياء صامتة. السرير الوردي والأكواب الفارغة وبقايا الأثواب القديمة والشموع الذاوية والأوراق والكتب. ينتحبُ طويلاً، ثم يخبو، ويموت.
أبرّدُ لهذا العُرْي الفاضح الذي تركني فيه حبُّكِ أمام الدنيا.
صرتُ أعتقد أن فقداني للكتابة والوطن وأمي لم يكن إلا محاولاتٍ مني لفقد أشياء أخرى غيركِ. أردتُ أن يجتمع الحزن على الحزن فيمتزج بعضه ببعض حتى تندثر معالم حزنكِ الأول. ربما صدَّقني بعضهم وأنا أقول له هذا فيما بعد، وربما ظنَّني مجنوناً ذهب الحب بعقله، ولكني أؤمن أن الطعنة الواحدة أشد إيلاماً من الطعنتين، والجرح يكون أكثر وجعاً عندما تكون بقيةُ الجسم سليمة، وأنا أردتُ أن أشتِّت أفكاري بين عدَّة أحزانٍ حتى لا ينفرد بي حزنٌ واحد، فيقتلني.
****
والدي البعيد،
المطر الذي عرفتُهُ مهذباً لم يعد ينتظر إذناً للهطل. أصبح ينهمر بشراسةٍ على المدينة الملقاةِ تحته كالمغتصَبَة. غرقت الطرقات والشوارع في ليلةٍ لم أشهد مثلها منذ وصولي إلى فانكوفر. إنه الشتاء الأول لي في مدينة الشتاءاتِ هذه. منذ أسبوع لم أرَ وجه الشمس الخائفة. السماء ملتحفةٌ بغيومها والمطر يختزلها اختزالاً وهي تَركُمُ بعضها فوق بعض حتى خَلَعَت كآبتها الرمادية على زجاج النوافذ وواجهاتِ المحالّ المغلقة، وسَحَبَت وشاحاً من الحون الشفيف على الأرصفة المطعونة بأعمدة الإنارة، المتلحفةِ بأوراق
الشجر الغارقة في حدِّ الصمتِ الأخير.
منذ أن مات السيَّاب، وفلاسفة المطر حائرون في تركته.
"أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطرْ؟
وكيف تنشُجُ المزاريبُ إذا انهمرْ؟
وكيف يشعُرُ الوحيدُ فيه بالضياعْ؟
بلا انتهاءٍ،
كالدم المُراقِ، كالجياعْ
كالحبِّ، كالأطفال، كالموتى، هو المطر".
رحل السيَّاب، وأبقى وراءه حيرةَ هذا المطر الذي تقطُرُ معه بقيةٌ من روحه الحزينة واستنطاقِه اليائس لأرض العراق المتعبة بالسياسة. تذكرته وأنا أراقبُ ليلةَ المطر هذه وأتمطَّى في حدِّ الذهول الذي تركتني فيه الأمطار محبوساً بين جدران الشقة، مستنفراً كل المفارقاتِ الذِّهنية الماطرة، أنشِّطُ دماغي المتعب قبل أن يعتريه الذبول، وأجمعُ المتناقضاتِ والمترادفاتِ أمام النافذة التي يغيِّرُ المطر ملامحها كل ثانية.
مات السيَّاب حزيناً، وظلَّ المطرُ يهطِلُ بعده دون توقُّف.
كم هذه السياسة ملطخةٌ بدماء شعرائنا. ليتها تَرَكَتهم لنا واكتفت بالشعوب التي تلوكُ شعاراتها الكاذبة منذ عشرات السنين ولم تبصقها بعد. ولكن يبدو أن قَدَرَ الشعراء أن ينعجنوا بعناء شعوبهم حتى الموت، وأن يبكوا عنهم ما داموا مشغولين بالهتاف، وأن
يسيروا في جنازة الوطن ما دام الشعب يسير في مظاهرة ما.
"ومنذ أن كنّا صغاراً،
كانتِ السماءْ
تغيم في الشتاءْ
ويهطِلُ المطرْ
وكلَّ عام حين يُعْشِبُ الثرى نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراقُ ليس فيه جوعْ".
بعد السيَّاب، حاولت كثيراً أن أفلسِفَ المطر. كنتُ أخرج إذا هطل في الرياض إلى حيث أبقى أنا وهو وحيدين. وإذا عجزتُ عن الخروج كان سطحُ بيتنا يشهدُ الإرهاصاتِ الأولى التي أحاول فيها أن أشرح المطر على مسوّدته. الآلاف من النقاط الصغيرة تقذف جبين الأرض. هذا العناقُ السماويُّ الأرضيُّ العنيف، لقاءُ توأمي الأزل اللذين يحملان على عاتقيهما مصير المخلوقات والحياة.
الرياض لا تغيم كثيراً، ومتى غامت انتابت الجميع رغبةٌ عارمةٌ في الفلسفة المطرية. الجميع يهذر حسب فهمه. الشاعر بدفتره، والمسنّ بذاكرته، والأنثى بقيودها، والعاشق بسهومه، والمتشرد بحفائه، والفلكي بأنوائه ونجومه.
في فانكوفر، فتحتُ مسوّدةً جديدة. كانت دورةُ المطر فيها تبدو لي مثل عمليةٍ تناسلية شاقة، بحجم الغيوم الكثيفة المليئة بالشَّبق،
واتساع البحار التي تصعدُ بشهوتها إلى السماء، وارتعاشاتِ اليابسة التي تنتظر الرزق والأطفال.
هذا المطرُ الغريب يُلقِّحُ كل شيء، حتى ذاكرتي العقيمة صارت تضطجع تحت انهماره القاسي اللذيذ لآجدها بعد حينٍ حُبلى من جديد، وفي أحشائها طفلٌ يختلطُ في دمائه ركودُ السماء التي لا تَعِدُ بشيء، وجيناتُ ذلك الماضي التعيس.
الأشياء هنا تَبعثُ في حزنها على الكسل. خلا الشارع إلا من مُشاةٍ قليلين يسحبون ذيولَ معاطفهم على بِرَكِ المياهِ الصغيرةِ المتآمرةِ على استواءِ الطريق، ومعظمهم يرتدون معاطفَ سوداء، وكأن بعض الألوان يتفقُ عليها الجميعُ في هذه المدينة، أو كأن نهاراً شتائياً كهذا كان لا يستحق في وجومهم إلى السواد، يعاقبون السماء باللون الأسود، يطلقون مظاهرةً سلميةً ضدَّها، ويثيرون غضب الغيوم التي تُطِلُّ من فوقهم، وتكره هذه النقاطَ السوداءَ المتناثرة أنحاء غسيلها البشري.
أشعرُ منذ وصلتُ إلى كندا أن المطر هنا لا يبالي بوجودي. إنه يواصِلُ انهماره منذ ساعاتٍ بمستوى الرتابة نفسه، وأنا أتقلَّبُ تحته بألفِ طقسٍ وطقسٍ دون أن يُلقي لي بالاً. أنا لستُ مجنوناً يا أبي، ولكني تعوَّدتُ أن أمطار بلادي إذا جاءت تكلّمني قليلاً. كانت تشاركني في النزول بكاءاً أو البكاء نزولاً، وكأنَّ القطراتِ التي تسقُطُ على كتفي لا تشبه الأخرى التي تسقُطُ على الرصيف.
هنا المطر شيءٌ آخر.
شيءٌ باردٌ سخيف. يهطِلُ ببلادةِ مَن يمارِسُ الهطلَ نفسَهُ منذ آلاف السنوات. ليته يعلم، كلّما لفظته السماء، أنَّ بعض البشر يحتاجون إليه كثيراً، ليس للحياة فحسب، ولكن لطبيعته الانهمارية التي توقظُ في أعماقهم كوامن الرغبة في السقوط الطويل في هوايةٍ آمنة، كما يفعَلُ المطر.
وأنا أحتاجُ أن يُربِّت كتفي أيُّ شيء، ولو كان قطرة مطر. إذا كانت السماء التي تُظِلُّ كل شيء لا تشعر بوجودي فمن سيشعر به؟ هكذا سأبدو وكأني فائضٌ عن الحاجة. زيادةٌ بشرية لا قيمة لها. كأن السماء هنا لا تُمطرني بل تُمطر المكان الذي أقِفُ فيه فحسب. هكذا، بلا ذنبٍ، أراها تتحيَّزُ ضدي، لأني طائرٌ مهاجرٌ في غير موسمه، جاء يرفرفُ بجناحية خارج منطقة الأمل، أو لأني غريبٌ عن هنا، وإن كان نصف من في هذه المدينة غرباء مثلي، أو لأني جئتُ حزيناً أكثر من اللازم، ودخلْتُ البلاد بتأشيرةٍ سوداء، وهرَّبتُ في جيبي حبوب الكآبة، فمن أجل هذا ترفضني السماء بكل جمودها الذي اعتاد وجوه البائسين.
بكل سواد الدنيا أشعر بالوحشة. بكل اصفرار الحياة أشعر بالكآبة. القلق يلتفُّ عليَّ كثيفاً مثل طبقاتِ الظلام، وأشعر بالتوجُّس من كل الأشياء، وأراها تتعامل معي بعدائيةٍ مريبة. ينتِفُ الخوف شعراتِ جبيني وحاجبيَّ. شقتي تقيُئ تعباً هذا المساء وأنا أرتجِفُ في جوفها مثل المحمومين.
لو كنتُ أعرف فقط كيف أحدُّ من توتّري؟
وقفتُ أراقبُ حبّاتِ المطر التي تتوزَّع عشوائياً على زجاج نافذتي ثم تبحلق في وجهي بغباء. فكرت: عندما يسقط المطر على شيء، فإنه يفقد أَلَقَهُ المَطَري الذي استمده من السماء الكبيرة، ويصبِحُ مجرد قطرة ماء غبية. وفي جفني، فقدت الدموع أَلَقَها الذي أخذتُه من كبرياء الحزن. شيء ما يجمع بين القطرتين.
شيءٌ اسمه بكاء ..
أو غباء.
شيء يتسلَّلُ إلى قلوبنا صغيراً، ثم ينتفخ فجأة مثل صدر ضفدع، ويَضيقُ به المكان، فيتسرَّبُ عبر عيوننا حتى لا ننفجر.
ليتني أستطيع أن أسدَّ منافذ قلبي أمام هذه الأشياء. كل يوم يتسلل منها الكثير إلى قلبي اللاهث. عانيتُ لسنواتٍ من هذه الثغرة القلبية المكشوفة أمام جرثومةِ البكاء. تعبتُ جداً من كثرةِ ما أغلقُتها كل ليلة كما يُغلق الرعاةُ أكواخهم ليلة الريح. ولكني أتخاذلُ دائماً أمامها وافتحها بنفسي. آمنتُ أنه من الصعوبة على مثلي أن يتَّخذ قراراً كهذا. قراراً بألا يبكي. كم هي محرجةٌ الوعود التي كنتُ أقطعُها أمام شحوبي في المرآة ألاّ أعاودَ العَبَثَ بالدموع ليلةً أخرى.
هذه الليلة أشعرُ أني واهنٌ جداً أمام هذا الوعد. حرارة الدموع بدأت تدغدغ المنطقة الحسَّاسة خلف جفنيَّ وتثيرُ شهوتي للانهمارِ مثل المطر. ذلك الشيء العاتبُ المظلومُ ينتفخُ في داخلي
بشدة. يتضخَّمُ لا شعورياً ويزدادُ ضغطاً على تماسكي الذي أزعمه خلف زجاج النافذة.
ليلةٌ كئيبة، تدفعُ بعجلةِ الذكرى إلى ليلتي الأولى في فانكوفر قبل شهر. ظلَّت حقائبي فيها محزومةً كما هي، وكل ما في داخلي يؤنّبني ويصرُخُ في وجهي من أجل العودة. كانت ليلةً تشبه هذه الليلة، ولا تقلُّ عنها حقارةً. كل شيء في جسدي كان منقبضاً مثل بزَّاقةٍ خائفة. أضع خطواتي الأولى خارج بوابة المطار، رصيفُ الغربة الأول. أشعُرُ بالقلق والتوتر والرغبة في الانتقام من كل ما يضايقني. أعقِدُ حاجبيَّ قليلاً. أرسمُ الصرامة على وجهي. أحاولُ أن أبدو قاسياً وحازماً وأديرُ حواراً ساخطاً في نفسي مع كل الأشياءِ السخيفة التي تبعث فيَّ الضيق. ليلتها كانت كل الأشياء كذلك. البردُ الذي يتمدَّد بسرعة فوق جلدي، والمطرُ الذي يلعنني بصوتٍ عال، ووجوهُ الناس الذين يعبرون حولي مثل الجمادات، والحقائبُ الثقيلة التي تخلع كتفي، والمعطفُ الذي بلَّلت الأرض أطرافه، وصُداعُ الساعات التسع على مقعد الطائرة الرخيص، والصفُّ الطويل الذي خلَّفته ورائي أخيراً، ويدي المتعرِّقة التي تقبض على جواز السفر بقوة، والسؤالُ العنيف الذي لم يجد إلا هذا الوقت ليطرح نفسه، ماذا أفعل هنا؟
لماذا اخترتُ مدينةً مَطَريةً كهذه، أنا الذي أفتقِدُ الدفء كثيراً؟ ولماذا المدينة التي لا أعرف فيها أحداً، ولا أحفظ فيها شارعاً، ولا
ولماذا المدينة التي لا أعرف فيها أحداً، ولا أحفظ فيها شارعاً، ولا
أدرك حتى إلى أين تأخذني سيارة الأجرة التي شقَّت بي جسراً عملاقاً لا ينتهي؟ لماذا بدتُ وكأني أتحدَّى نفسي المرهقة أصلاً، وأدخُلُ معها معركةً قاسية، لا أنا أقدِرُ على تحمُّلها ولا هي؟
هل هذه هي العزلة التي أقنعتُ نفسي بضرورتها وأنا أتقلَّبُ ذات ليالٍ على فراشي في الرياض؟ كيف تُراي راودْتُ نفسي عنها، وأقنعتها بضرورتها، وبحاجتي الماسّة بعد رحيل حبيبتي إلى الهدوء والراحة والحزن؟ كيف يا ترى يمكن أن يشعر يتيمٌ مثلي منذ طفولته بالحاجة إلى الحزن؟ وكيف استطعتُ أن أنخلع من كل ما تبقى من الأشياء الدافئة في حياتي لألقي بنفسي خلف ألف إعصارٍ وجبل ثلج؟
الآن فقط أنقضُ فكرتي، وأنا قابعٌ في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة. وقد بدأت معالم المدينة الخاوية في ليلةٍ ماطرةٍ كهذه تتضح، وبدأت سخافة أفكاري أيضاً تتضح هي الأخرى، وأيقنتُ أن عهداً كئيباً سوف يبدأ. أنا الذي لا أملك شجاعة النكوص مرة أخرى إلى بلدي، بعد أن حملتُ معي شهاداتي وأقنعتهم، وأقنعتُ أمي، أني مقبلٌ على إكمال دراستي.
كالأطفال، تنقصُهُم الواقعية في تخيُّل الأشياء.
كيف برّرتُ لنفسي أني أحتاج إلى الحزن الآخر، وأنا غارقٌ في أحزاني منذ أن حَمَلت مها حقائبها، أو حملها لها زوجُها، وتوارت في ضباب الغياب؟
ثم ما هذا الحزن الذي صارت تُشَدُّ له الرحال وتُقْطَع إليه الأميال؟
لماذا عرَّيتُ نفسي من كل شيء، حتى الوطن، وجئتُ إلى مدينةٍ باردةٍ مثل هذه؟ وذلك الوطن القابع خلف المحيط يتعجَّب مني، وهو الذي رأى كم شرَّدتني شوارعه ليالي لم يكن لي فيها نديمٌ، إلا بقيَّةٌ من دموعي وذاكرتي وسجائري، ورأى كم أبكاني رصيف بيتها، وكيف كنتُ أراقبُ الباب عن بعد. حتى إذا خرج أحد إخوتها إلى شأنٍ له تبعته بسيارتي في شوارع المدينة، لا لشيء إلا لأن امرأةً مثل مها لا يكفي أن أحبها فقط، بل وأن يفيض حبي لها على أسرتها وأهل بيتها أيضاً.
عجيبةٌ هي أحوال العشاق يا أبي، لا سيما أولئك المقتربين من شفير الجنون مثلي. لم يبق في الرياض منها إلا بيتها وساكنوه، فهل كان شكلي وأنا رابضٌ أمام بيتها ألاحق إخوتها في المدينة كالأبله يبدو عاشقاً؟ هل كان سهومي لساعاتٍ على نافذتها أراقب كل حمامةٍ تبيض، وكل فرخٍ يطير، وأنا أعلم أنها في آخر الدنيا يبدو لهفةً واشتياقاً؟ وهل كان احتفاظي بعلبة المشروب الخاوية التي ألقتها أختها أمام الباب قبل أن تدلف إلى المنزل لشهرين كاملين في خزانتي يعتبر خبلاً أم حباً يا أبتاه؟
***
يا أبي،
في الوطن يوجد حزنٌ حتماً.
حزنٌ هادئٌ بسيط. ينسحِبُ على جدران قلبي كما تنسحبُ الأمواجُ الصغيرةُ على الشاطئ العجوز. ينزلُ بخشوعٍ متقن، يؤدِّي صلواتِه بهمس، لا يتمادى، لا يُبعثِرُ الأشياء، لا يصرخُ، لا يُمزِّق، ولا يُحطِّم.
يعرف أننا قد نحتاج إليه فيجيء تماماً كما نريده. خالصاً، صافياً، لا تشوبه شائبةٌ أخرى. ليس معه قلق، ليس معه خوف. فقط: حزنٌ طاهرٌ مثل شعاع الفجر الأول، يغسل آثار الليل.
كنتُ وما زلتُ أراه متحفاً للفن، هذا الحزن. هذا المخلوقُ الطيِّب الذي يجيء في موعده، ويستأذن بأدب، ثم يضطجعُ في حجرةٍ قلبيةٍ ما، وينكمِشُ على نفسه ببراءة الأطفال وينام في دعة، ولا يبقى منه إلا انتظام أنفاسه التي يدفع بها شقاءنا، وينظِّمُ دقاتِ قلوبنا، وخلجاتِ مشاعرنا، ويبقينا أحياء.
ما الذي جعلني أبحثُ عن الحزن الآخر خارج حدود وطني؟ لماذا خرجتُ إلى فانكوفر لأنقِّب عن حزنٍ غريب بهذه الحماقة؟ لماذا وصفتُ لنفسي الدواء، أنا الذي لم أتعلم بعد كيف أقي نفسي من لفحة حب؟
سبعة آلاف ميل إلى الشمال الغربي، وكان حزنُ فانكوفر صعباً جداً. لا يألف قلبي ولا يألفه. يتعالى عليه كثيراً. يتمادى على انكساره ويجيء عنيفاً، غامضاً، أسود، مثل ثقبٍ فلكي، ويصحبُ معه ثُلَّةً من الأشرار، وزجاجةً من الخمر، ويجتمعون في صدري. يصرخون،
يدمِّرون، يخرِّبون كل شيء، وأنا عجزٌ عنهم، لا أملك لدفعهم حيلة.
حزنٌ ثمِلٌ يا أبي. دائماً في يده كأسٌ مائلةٌ، وتقتلني في فمه رائحةُ اليأس والضياع. ثقيلٌ جداً، كأنه قطارٌ عديدُ العربات، يمرُّ بكل أطنانه على أضلاعي، ويحطِّمها ضلعاً ضلعاً.
الحزن الذي أبحثُ عنه، ليست هذه أخلاقه.
في ليلتي هذه، أشعُرُ بازدحام كل المخاوفِ التي يُمكِنُ أن تتجمَّع في غربةٍ ما في صدري أنا. اللاأمان، واللامعنى، واللاأمل. تجوَّلتُ في الشقة. تكوَّمت في غرفتي مثل قُنفذ. كنتُ أرتجفُ بقوة وأشعُرُ ببوادر حُمَّى تجوسُ في عظامي وأتجاهلها. أراكُمُ الثياب على جسدي. القميص، والمعطف، والحذاء، والكوفية الثقيلة، وأتناولُ مظلّتي، وأخرجُ إلى الشارع، لا ألوي على شيء، ولكني أهربُ من جدران شقتي التي أعرف سوء نيتها جيداً في لحظاتِ الضعف. مشيتُ حيثما يمكن أن تستوي خُطى وتطأ قدم. غصَّةُ البكاءِ تكبُرُ في حلقي وفي داخلي يتفلسفُ مبدأ الضآلة. كم أنا تافه وضئيل. أرخصُ رجلٍ في هذه المدينة. أيُّ هؤلاء المارّة يا تُرى يملك وقتاً ليفهمني؟
شعرتُ أن المسافة بين الموت والحياة تنكمِشُ حتى تُصبح بعرض هذا الطريق، وأن المسافة بين الحلم والواقع تتمدَّدُ حتى تصبح بطوله.
كأنَّ الانهيار كان يوقِّعُ كل تصرفاتي في هذه المتاهة. صباح الأمس بقيتُ ثلاث ساعاتٍ نائماً على كرسيٍّ خشبيٍّ في حديقةٍ عامة أدركني التعب وأنا أمشي فيها ساعاتٍ منذ الفجر. جلستُ أراقبُ
ابتداءَ الصباح، والعصافيرَ التي توقِظُ صغارها، والبراعم التي تولد لتموت، ونِمتُ على الكرسي، ولم أكن قد نمتُ طوال الليل.
هل كان أحدهم يتساءلُ لماذا يلجأ هذا الشاب إلى هذا الشتات؟ هذا الهارب من حزن الوطن إلى حزن المنفى. هذا المستجير من ضياعٍ بضياع. هذا الذي صار يشكُّ كثيراً في قدرته على اتخاذِ قراراتٍ صائبةٍ في حياته.
هل كان أحدٌ غير الضائعين الذين جمعوا أحلامهم في سلّةٍ واحدة، فضاعات جميعاً، وبقي على قيد الحياة دون أحلام، هل كان أحد غيرهم سيمرُّ بي وأنا نائمٌ ذلك الصباح على الكرسيِّ، متوسّداً لساني الأخرس الذي لا يبوح ولا يشكو، حتى إذا رآني في حالي هذه قال صادقاً: "يئستَ، فأمِنتَ، فنِمت".
لا ينام هكذا إلا العادلون أو اليائسون.
ولكنّ وحدةً، كتلك التي تقاسمني نصفَ شقتي، أجبرتني على هذا. كل زاوية فيها موبوءةٌ بجراثيم الوحشة حتى الاختناق. الأريكة الصغيرة ترفض أن تسمترَّ دورة الدماء عندي في الجريان. والمكتتُ البسيط يربّي أفراخ القلق في أدراجه المغلقة على ماضٍ تعيس، والسريرُ الوثير يتحوَّلُ بمجرد استلقائي عليه إلى علبة سردين تعتصر ذاكرتي هاجساً هاجساً.
كم أتمنى العودة. للصمتِ هنا، رغم البرودة، شكلٌ حارٌّ خانق. كنتُ أعلم قبل سفري أني لستُ رجل غربة. ملامحُ وجهي تتآكلُ
بسرعة خارج جدران الوطن. ومزاجي تنمو له زوائدُ حادّة في جميع الاتجاهات حتى يصير جارحاً متمرّداً على كل شيء، وكنتُ أظنُّها نقطة ضعف. وأنا منذ مراهقتي أرفض الاستسلام لنقاط الضعف هذه، لا سيّما تلك التي تأخذ شكل العادة المزمنة. أتحداها عشرين مرة، حتى أجبرها على التخلي عني، فإن هزمتني زادتني رَهَقَاً، وإن هزمتُها كانت خسائري مؤلمة.
***
يا أبي،
أكتبُ لك اليوم من خلفِ ذاكرتي التعيسة. أتلمَّسُ بيدي تلك الشقوق الصغيرة التي أغفَلَتْهَا معاولُ الحرمانِ في جدارِ ذكرياتي معك. ألاحِقُ بصيصَ الضوءِ الذي يشرُدُ من خلالها ضعيفاً واهياً غير فاقدٍ قدرته على الانتشار بخطَّين متباعدين يرسُمان زاويةً صغيرةً على أرض الصمت والوحدة. أجلسُ فيها جِلْسَة اليُتْم التي تعوّدتُها. وأجمع أوراقي وأقلامي وأكتبُ لك.
أكتبُ لك يا أبي كلما بدأتُ بالاحتراق. أسابق ألسنة اللهب قبل أن تبلغ أصابعي وأكتب. أنثر على بضع أوراق ألمي وخوفي وقلقي وصُداعي وغثياني وانهياري. ولا أخشى عليك يا أبي، لا أخشى عليك مما لن تقرأه.
ابنك/ ناصر
****
هكذا كنتُ أكتبُ لهذا الرجل الذي مات منذ عشرين سنة وخلَّفني ذليلاً. لأنَّ بعض البوح لا يليقُ إلا بالأمواتِ وهم غائبون في عالمهم السرمدي. كتابتي كثيراً ما تشبه الاعتراف. لذلك ألجأ إلى أبي لأنه يمنحني منطقةً من الاحتواء تُغري بالبوح. ولأني لا أخشى إنكاره عليّ، ولا سوءَ فهمِهِ لكلماتي، هو الذي لا يستطيعُ أن يعبِّر عنها بأي حال، وليس في ذاكرتي القديمة ما يُمكِّنني من تخمين رَدَّة فعله المحتملة على ما أكتب، لأنني لم أقضِ معه أكثَر من سنواتِ الطفولةِ الأولى، ثم كان لليُتمِ معي بقية العمر.
الطفلُ الذي يستقظ من النوم على بكاء بيتٍ بأكمله كان أنا. وأنا الذي احترتُ طويلاً في تفسير احتضان سارة لي وهي تبكي على ذهولي. وأنا الذي وقفتُ طويلاً أيضاً أمام ثيابِ أمي السوداء لعليّ أفهم لماذا تُراها تتجنَّبُ النظر إلى وجهي بعينيها الباكيتين.
لم أكن في حاجةٍ لأني يخبرني أحدهم أن أبي قد مات، ولكني كنتُ وقتها في أشدِّ الحاجة إلى من يشرَحُ لي بإيجازٍ يناسِبُ عمري الصغير، ودهشتي الكبيرة، ماذا يعني هذا الموت الذي يُبكي الجميع هنا إلى هذا الحد؟
كان عليَّ أن أنتظر ثلاث سنوات أخرى لأفهم أنه لم يعد لي أب، وأنني أصبحتُ شذوذاً على القاعدة العامة، وهي أنَّ لكل أسرةٍ أباً، ولكل يومٍ أسود قامةَ رجلٍ يلوذون بها، ويشعرون بالأمان. كان
ينقصني الكثيرُ من الشجاعة حتى أتوقف عن الكذب على زملاء المدرسة عندما يسألونني عن أبي. ليس لأني أكره نظرات الإشفاق فقط، بل أيضاً، لأني أكره أن أكون مميزاً بينهم باليتم.
عندما يحرمني الموت من أن أكون مثلهم فإنه يمنحني وحدي حرية اختيار أبي كما أريده. وبشكل يناسب حاجتي إليه كلّ مرّة. كم ستكون الصدمة أكبر لو أنه عاش فلم يفهمني، لمن تُراي عندها سأمارس الاعتراف عشرين سنة على الأوراق؟
تمنيتُ لو أني أبقيتُ هذه الاعترافات المكتوبة معي يوم كبرت، ولم أطعمها النيران ذنباً بعد ذنب. من أين تعلمتُ إحراق الأوراق؟ كنتُ أعبُرُ الكتابة جسراً لحوارٍ أبويٍّ أفتقده، فلما فرغتُ من ذلك، رأيتُ أن النيران أولى بالذنوب من الأدراج وغفرانها.
ومنذ أحببتكِ لم أعد أكتب لهذا الرجل.
تماماً كما استبدلتُ الابتهال إلى الله كل سجودٍ ليرحمه، بالابتهال إليه أن يبقيكِ لي، ويبقيكِ معي، ويبقيكِ من أجلي. قالت لي أمي: "ادعُ لأبيك يا ناصر، إن دعاء الصغار مستجاب"، وأومأتُ علامة الفهم، واخترتُ أن أدعو له في سجودي فقط، لأني لا أريدُ أن يعلم من يصلي بجواري أني يتيم. وسألتُ لأبي الرحمة خمسة عشر عاماً، قبل أن يقتحم فقدُكِ خلوةَ سجودي فأتحوّل إليكِ. لأني كنتُ أشعر أن ما يمكنكِ منحي إياه من الاحتواء إذا صرتِ لي، قادرٌ على شطبِ سنواتِ اليتم من عمري تماماً.
بعد أن اعتادت شفتاي اسمكِ في السجود، رأيتُ في منامي ذات ليلة أنكِ تشربين من كوبٍ كبير، ما زلنا نحتفظ به في بيتنا، هو كوب أبي الذي لم نكن نسقيه الماء إبان مرضه إلا فيه.
لم أخبركِ بهذا الحلم كما لم أخبر أحداً، ولكني فهمتُ أن لحظاتِ السجود التي كنتُ أسخِّرها لأبي قد صارت لكِ، وأن توبة الكتابة التي كنتُ أرفعها له قد صارت لكِ أيضاً، وأنا ليس عندي أغلى من هاتين، فليتكما اقتسمتماهما على الأقل، بدلاً من أن يؤنّبني بقسوةٍ هذا المنام الشارد.
ولكنَّ حبكِ كان من القداسة حتى أنه أبطل كل تعلُّقٍ لي بالآخرين.
صار الاعترافُ لكِ بالحب أكثر إغراءً عندي من الاعتراف له بالذنوب الأخرى. ووصرتُ أشعر أنْ ليس بعد الذنبِ ندمٌ فحسب، بل هناك أيضاً لذَّة اعترافٍ ما.
لست أدري كيف صار واقعكِ هذا يتقاطَعُ مع ذكرى والدي. ففي خيالاتي الهاربة أصبحتُ أتصور أحياناً أن شيئاً ما يجمَعُ بينكما، وهو أففي خيالاتي الهاربة أصبحتُ أتصور أحياناً أن شيئاً ما يجمَعُ بينكما، وهو أن حبي لكما ليس مشروطاً كما هو مع الآخرين، إني أحبكما فحسب.
قبل أن أعرفكِ عشقتُ في والدي كل ما أتذكَّره منه، وأسمعه عنه، وأراه في صُوَرِهِ المتناثرة هنا وهناك. وبعد أن عرفتكِ، عشقتُ فيكِ كل ما رأيتُهُ منكِ، دون أن أستثني شيئاً من دائِرة هذا الحب إلا تخلِّيكِ عني.
أبي تخلّى عني مجبراً بإرادة الموت، وأنتِ تخلَّيتِ عني هكذا فقط لأنَّ سالماً كان أجدر بكِ مني، ولأنكِ لم تقدِّمي أمام ظروفنا أيَّ محاولة تُنقذين به هذا الحب الذي عرفناه عظيماً من أن يموتَ حقيراً.
صار حبنا عادياً ونحن الذين كِدْنا أن نجعله علاقة إلياذةً مقدَّسة. ظللنا طوال الحب نراه منزَّها ليس فقط من عيوب العلاقات الأخرى، بل حتى من أن يكون تقليدياً عادياً يولد ويموت مثل البشر. ولكن يبدو أن القدر، حتى الآن، يصرُّ على جعله مجرد علاقة لا أكثر، نشأت بين اثنين، واحترقا بها بضعة أشهر، ثم قرَّرت هي أن ترحل مع غيره، وظلَّ هو كما تركته أول يوم، يعتصره الهمَّ كل ليلة.
بي كَمَدُ الأسير في سجون العدوّ، وهو يؤمن أنه لن يتوانى عن تفجير نفسه من أجل قضيَّته، ولكنه عاجزٌ مقيَّد، لا يملك إلى ذلك سبيلاً. فأيُّ حُطَامٍ نفسيٍّ صار إليه، بعد أن دَكَّ العجزُ أركانَ روحه، وثار بركانهُ الصغيرُ في داخله، فاحترق به وحده.
سأدعو لو تشتعلُ في جنبيكِ هذه القضية. لعلَّ حصانكِ يصهلُ يوماً ما ولعلّكِ تمتطين صهوته لتعبري هذا الحاجز الذي حاولتِ كثيراً أن تقنعيني بارتفاعه، وأنا لا أقتنع بذلك، لسببٍ بسيط، أنكِ حتى لم تحاولي.
مع أبي، كم كنتُ أتصوَّرُ لو أني أحببتكِ وهو على قيدِ الحياة، كنتُ أخبرته كم أنتِ جميلة، وحملتُ إليه صوتكِ الحبيب عبر
الهاتف، ليتكلم معكِ. عندها سأشعر بمساحةٍ واسعةٍ من الأمان والسعادة والجذل. سأكون مندهشاً أمام روعة أن أبصر أمامي كيف يتفاعل أقرب رجلٍ إلى قلبي مع أقرب امرأةٍ إلى قلبي أيضاً.
أتخيّل لو أجلِسُ معه يوماً لأحكي عنكِ كما جلستُ معكِ مرّاتٍ لأحكي عنه. كنت أعترف لكِ بأني قصيرٌ جداً إزاءَ قامته، وتافه جداً جوار سيرته، ولو حكيتُ له عنكِ، لأخبرته كم أنا ضئيلٌ بحبكِ، ضعيفٌ بدونكِ، وتافهٌ أيضاً، ولكن مع زوجكِ.
لأنَّ زوجكِ يا حبيبتي كان اختياركِ أنتِ، ولأنكِ كنتِ اختياري أنا، حَدَثَ أن تزوجتما، وسافرتما، وبقيتُ أنا هنا، أحاول أن أبتلع بصعوبة فكرةَ أن لا يكون لاختياراتي أيّ قيمةٍ في اعتبار الحياة.