(2)

6 0 00

(2)

لا أَدري كيف شاء واضعوا منهج الجغرافيا لمدارس السُّودان لأَنفسهم أَن يحشروا في عقولنا وفي عقول الأَجيال التَّالية، من خلال مواد ذاك المنهج ، أَنَّ مناخ شمال نيجيريا هو مناخ غرب السُّودان بالضَّبط، وأَنَّ مدينة كانو هي مدينة الأُبَيِّض لا شِيَةَ فيها؟ الَّذي وجدته علَى أَرض الواقع هو أَنَّ الأَمطار في شمال نيجيريا لا تتوقَّف إِلَّا لأَشهر قلائِل تستردُّ فيها أَنفاسها، ثُمَّ تعود للهطول المُتَوَاصِل لأَشهر طوال. شمال نيجيريا خضرة لا تنقطع مدى البصر..أَشجار من كلِّ نوع وصنف وجنس .. أَدغال تخرج منها لتدخل في أَدغال .أَشجار النِّيْم و(المانجو) غابات وغابات في فُنْتُوَا وفي غيرها من مدن وقرى شمال نيجيريا، حتَّى أَنَّ ثمار المانجو كانت في كثير من الأَحيان تتسبَّب فى حوادث مرور حين تسقط بكثافة علَى الأَسْفَلْت. في ظلال أَشجارالمانجو والنِّيْم كثيراً ماترى الشُّيوخ وقد جلس حول كلِّ شيخ منهم العشرات من(الحِيْرَان) يحفِّظونهم القرآن، الَّذي نسخوا آياته الكريمة بــ(العَمَار)علَى الأَلواح بنفس طريقة تحفيظ القرآن في خلاوي السُّودان. أَمَّا في اللَّيل فترى(التُّقَّابَة).. ترى نيران القرآن طيلة اللَّيل تلاوة وتحفيظاً. الأَمر لم يبدو لي غريباً؛ فالطُّرق الصُّوفيَّة تنتشر بكثافة في شمال نيجيريا وأَكثرها انتشاراً الطَّريقتان التِّجانيَّة والقادريَّة. تذكَّرت طفولتي الأُولى والأَيَّام الَّتي قضيتها بخلوة شيخنا محمَّدنُوْر. كانت أَيَّاماً قليلة ، فقد تركت الخلوة بعد أَن قرصني شيخنا محمَّدنُوْر قرصة كالجمرة في شَحْمَة أُذُنِي؛ لعدم تمكُّني عدَّة مرَّات من قراءة سورة الكافرون لاختلاط آياتها في ذهني في تلك السِّن الغضَّة. لم أَرَ بلداً يُقْرَّأُ فيه القرآن ويُحَفَّظ مثل نيجيريا، ولم أَرَ كذلك بلداً يرتع فيه البعوض مثل نيجيريا. في وضح النَّهار المبصِر لا يستطيع أَحد أَن ينام مطمئِنّاً من البعوض. كان الصَّبي يعقوب الَّذي يعمل مع الإِخوة العَزَّابة، لا يفتأُ يحمل مذَّبَتَيْن من أَذناب البقر يهشُّ بهما عنَّا البعوض ونحن نتغدَّى. البعوضة في نيجيريا لا تطير بخفَّة وحيويَّة لمسافات بعيدة كبعوضة السُّودان.. تطير بكسل واضح .. جناحاها لا يقدران علَى حمل جسمها الكبير.. إِذا ضربتها يخرج منها دم وكأَنَّك ذبحتَ خروفاً. بعوض نيجيريا يمتصُّ دماء ضحاياه ــ المغتربين خاصَّة ــ ليكتب بها صفحات من سيرته الذَّاتيَّة. في اللَّيل لا بدَّ أَن تُدْخِل نفسك داخل (نَامُوْسِيَّتَيْن) إِحداهما مفرودة علَى الأُخرى، وإِن دخَلَت معك بعوضة فلك الويل وسهر اللَّيل. والأَدهى من كلِّ ذلك أَنَّ هنالك نوعاً من البعوض تسبِّب لسعته حالة من الجنون لا تخرج من عقل الملسوع بسهولة، وكأَنَّ علَى كلِّ مَن يودُّ العمل بنيجيريا أَن يجهِّز قيداً وقفلاً قبل توقيع العقد. ولكن أَتُرَى أَنَّ هناك عقداً أَهمُّ من عقدي بيني وبين نفسي .. عقدي العزم علَى أَلَّا أُمكِّن الجزَّار من وضع سكِّينه علَى عنقي وقطع وَتِيْنِي؟

رغم كلِّ ذلك، وقتلاً للوقت كنت في كثيرٍ من الأَحيان أَصحب صديقي مجذوباً إِلى مدرسة فُنْتُوَا الثانويَّة للبنين الَّتي يعمل بها مع معظم الإِخوة العزَّابة ، الَّذين كانوا جميعاً يدرِّسون نفس التَّخصُّص: التَّربية الإِسلاميَّة واللُّغة العربيَّة وآدابها، مستعينين باللُّغة الإِنجليزيَّة . وفيما بعد أُضِيف إِلى هذا السَّبب سبب آخَر. فبعد الحادث الأَخير رأَيت أَن أَكون بعيداً عن البيت لأَطول وقت ممكن ؛ خوفاً من ظهور عقيد الشُّرطة الَّذي عَرَف ــ أَو قُلْ عرَفتْ ــ مكان وسادتي . وهكذا كنت في طريقي إِلى البيت بعد أَن أَحسست بنعاس غلَّاب إِثر تعرُّضي لفطور شِبْه دسم ، بعد أَن دَرَّسْت حِصَّة في السِّيرة النَّبويَّة لطلبة السَّنة الأُولى، وأُخرى في باب الفاعل والمفعول لطلبة السَّنة الثَّالثة. هذا الباب دُرِّسْنَاه في السَّنة الثَّالثة بالمرحلةالأَوليَّة، وفي نيجيريا يدرِّسُونه لطلبة السَّنة الثَّالثة بالمرحلة الثَّانويَّة! الفرق أَنَّه يُدَرَّس هنا بتوسُّع أَكثر ممَّا دَرَّسُونا.

كان الجوُّ غائِماً والأَنسام مُنْعِشَة والأَرض عبارة عن بساط أَخضر علَى مرمى البصر. دخلت تحت إِحدى أَشجار المانجو، بحيث أَستطيع النَّظر إِلى الخارج. الآن أَتمكَّن بكلِّ سهولة من رؤْية حديقة طيور غنيَّة بأَنواعها الكثيرة الَّتي لا أَعرِف أَسماءها، إِذ لا مثيل لها في وطني ، لكنَّني أَستمتع بأَشكالها وأَلوانها وتغريدها وزقزقتها ومناغاتها ومناجاتها. آه.. ما أَعظمَ فرحَ الإِنسان حين يجد أَحداً يعرِفه في ديار الغربة، حتَّى وإِن كان هذا الأَحد هو (وَد ابْرَق(1))! وَد ابْرَق طائِر ضئِيل الجسم يسكن معنا بيوتنا، وهو يُوْجَد في كلِّ مناطق السُّودان وإِن اختلفت تسميته من منطقة لأُخرى. ويقال إِنَّ هذا الطَّائِر الشَّبِق يُعَمَّر طويلاً ويتوائَم مع كلِّ المناخات. وقد حكى لي صديق زار ـــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هامش صفحة 7.

كلَّ دول أُوروبا، أَنَّه رآه في كلِّ الدُّول الأُوروبيَّة. لكنَّه اكتسب في تلك الدُّول

بعض صفات أَهلها؛ فهو لا يثرثر كثيراً مثل وَد ابْرَق السُّوداني ، ولا يتلفَّت كثيراً بمناسبة وبدون مناسبة مثل أَهل السُّودان ، ولا يبدو عليه الشَّبَق كما يبدو واضحاً على بنى جنسه في وطني الحبيب. أَمَّا(وَد ابْرَق) النَّيجيري هذا فقد أَثبت وأُنثاه أَمامي عمليّاً أَنَّه يتفوَّق كثيراً في شبقه علَى نظيره السُّوداني. وذلك علَى الطَّبيعة وعلَى الشَّاشة الخارجيَّة مباشرة.

فجأَة رأَيت قريباً من شجرة المانجو حصاناً أَشقر يسير الهوينى علَى ظهره سرج وفي فمه لجام. مرَّة أُخرى نظرت إِليه وقد اقترب كثيراً من شجرة المانجو الَّتي أَجلس تحتها. فركت عينيَّ بشدَّة لأَتأَكَّد من حقيقة ما خُيِّل إِليَّ أَنَّني أَراه. هل هذا معقول؟! رأَيتها علَى السَّرج وبيدها اليُمْنَى تمسك بلجام الحصان، وعلَى كلِّ كتف من كتفيها صقر ونجمتان! من أَين جاءَت؟وكيف عرفت مكاني؟وكيف لم أَرها قبل لحظات علَى السَّرج؟ فكرت في الجري كما فعلت في ليل قِسْم الشُّرطة. عدلت عن الأَمر صاغراً ؛ ففي هذه المرَّة هناك حصان، ولن أَكون بأَيِّ حالٍ أَسرع من جري أَكسل حصان علَى وجه البسيطة. رضخت مرغماً وأَنا أَراها تترجَّل علَى مَهْل عن ظهر الحصان، وعلى وجهها ابتسامة صافية أَكبر كثيراً من مساحة خوفي ، وعلَى إِثرها كلب لم أَشكَّ لحظة أَنَّه كلب بوليسي من سلالة(الوُولْف Wolf).

ـــ أُوْه..أَخيراً التقينا في هذا اليوم الجميل، بعيداً عن سجون جدران البيوت وزجاجات الخمر. قُلْ لي باللَّه كيف حالك؟

ـــ حالي! تسأَلين عن حالي ، وأَنا مطوَّق بكلاب وخيول الشُّرطة؟!

ـــ هذا ليس من كلاب الشُّرطة. هذا كلب اشتريته صغيراً من أَلمانيا وقمت بتربيته في بيتي. وهذا الحصان أَهدى أَمير عربي إِلى أَبي جدَّه لأَبيه. والآن تعال ياهكس Hex..هكس..هكس..هكس.

أَقبل الكلب وأَخذ في شمِّي بوصة بوصة.

ـــ منذ هذه اللَّحظة سيكون صديقاً مخلصاً لك؛ ولن يؤْذيك أَبداً. الكلاب في هذا الزَّمن أَكثر وفاءً للإِنسان من أَخيه الإِنسان.

ياإِلهي! كيف لم أَرها بهذا الجمال الصَّاعق في تلك اللَّيلة؟ كيف لم أَتبيَّن لونها؟ أَيُّهما يَسْبِي الأَعين أَكثر: لونها، أَم لون عرجون نخل بلادي عند اكتمال نضج تَمْره؟ ياإِلهي! هل أَنا في حضرة فتاة خِلاسِيَّة، لكنَّها تأْكل(الأَقَاشِي(1)) و(القَدُوْقَدُوْ(1)) وتتسلَّى بـ(القُوْرُوْ(1)) ولا تشرب البِيْرَة؟! ما هذا العالَم المتداخِل؟ آمنتُ بمَن خَلَقَ الإِنسانَ من عَلَق!

رغم جمالها فقد تجرأْت وسأَلتها بصوت أَجش:

اسمع ياجَنَابُوْ..

لم تتركني أُكمل السُّؤَال وباغتتني:

من فضلك لا تَقُلْ جَنَابُوْ.. قُلْ حبيبتي نَايْلَة مُوْسَى هَارُوْنَا.

في سِرِّي:‴لكم نلت منك يانائِلة الخير في أَقلَّ من أُسبوع!‴

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هامش صفحة 7.

ضحكت ببراءَة وهي تمسك بيدي اليُمْنَي ، وتقودني إِلى شجرة مانجو قريبة

أَكبر كثيراً من تلك الَّتي كنت أَجلس تحتها، بعد أَن فكَّت اللِّجام من فم الحصان وأَنزلت السَّرج من ظهره ؛ وتركته يرعى حرّاً طليقاً في هذه المُرُوْج الرَّائِعة.

جلست قريباً منِّي وهى ما تزال تضحك:

ماذا كنت تريد أَن تقول لي؟

ـــ أُريد تفسيراً لكلِّ ماحدث، ابتداءً من مسأَلة المياه الغازيَّة، مروراً بتحوُّلِك فجأَة إِلى عقيد شرطة، وانتهاءً بظهورك فجأَة بزِيِّك الرَّسمي علَى ظهر الحصان من دون أَيِّ مقدِّمات.

نظرت إِليَّ بعمق، وكأَنَّها تحاول تحليلي تحليلاً حسابيّاً أَوليّاً، مثلي مثل أَيِّ عددٍ أَوَّلِيٍّ لا يقبل القسمة إِلَّا علَى واحد وبالضَّرورة علَى نفسه، ولكنَّه بالإِجماع لا يقبل القِسْمة علَى اثنين ، وبصوت واثق خاطبتني:

هَوِّن عليك . أَلم أَقل لك من قبل إِنَّ في الحياة أَفلاماً أَمتع كثيراً من أَفلام الكاراتيه؟ نحن ما زلنا في العَرْض ..الفِلْم لم يبدأْ بعد. والآن استمع إِليَّ . أَنا أَعرِف وضعك جيِّداً. أُريد أَن أُساعدك في إِيجاد عمل. ولكن قُلْ لي هل أَنت مصرٌّ علَى العمل بالتَّدريس؟ ما رأْيك في أَيِّ مجال آخَر، كوزارة الخارجيَّة أَو التَّرجمة أو مصلحة الضَّرائِب، أَو حتَّى الجيش أَو الشُّرطة؟

ــ ماذا تقولين؟ أَنا لم أُخلق إِلَّا مُدَرِّساً، ولا أُحبُّ أَو أُجيد مهنة كالتَّدريس ، ولا أَجد نفسي إِلَّا في التَّدريس.

ـــ لا عليك . الَّذي أُريده منك فقط هـو شهاداتك الدِّراسيَّة وصــورة(فوتوغرافيَّة)

منك، وأَعطني مهلة بقدر الوقت الَّذي مضى منذ مسأَلة المياه الغازيَّة .. أَربعة أَيَّام؟ حسناً. أَعطني مهلة أَربعة أَيَّام وستكون لك فرحتان : فرحة لإِيجـادك عملاً بعـد كلِّ فترة العطالة هــذه، وفـرحة أُخبِّئُها لك إِلـى الأَجـل الَّذي

ضربته لك . هذه موضوع مُنْتَه.

ومن حقيبة يدها أَخرجت ظرفاً منتفخاً بــ(النَّيْرَات) عُملة بلدها .. وضعته داخل كيس من(البلاستيك) وعقدت فم الكيس جيِّداً، وخاطبتني:

والآن هاك هذه الهديَّة البسيطة منِّي تساعدك في هذه الظُّروف الصَّعبة الَّتي تمرُّ بها.

ودسَّت الكيس بسرعة في جيبي ، والنَّيْرة ((Naira تعادل دولاراً أَميريكيّاً إِلَّا خُمُس الدُّولار. حاولت أَن أَتكلَّم رافضاً هذه الصَّدقة ، إِلَّا أَنَّها أَسرعت بوضع يدها علَى فمي وهتفت:(ولا كلمة). في تلك اللَّحظة أَحسستُ إِحساس مَن يرى أَثاث بيته كلَّه يُباع أَمام عينيه في المزاد العلني قطعةً قطعة.. لعنة اللَّه علَى الفقر.

دسَّت الظَّرف في جيبي، وما لبثت أَن أَخرجت من كيسٍ تحمله دجاجتين مشويَّتين .. كلُّ دجاجة ملفوفة في قصدير ومعها خبز وسَلَطَة. ومن الكيس أَيضاً أَخرجت أَربع زجاجات 7up! بينما ناولتني برتقالة سمينة صفراء واحتفظت لنفسها بمثلها. انقضضنا علَى الدَّجاجتين بعزيمة الغربان، وقد انفتحت أَمعائِي جميعها تلقائِيّاً دون أَيِّ تردُّد علَى آخِرها.رمت ببقايا الطَّعام ــ

وما لدجاجتي من بقايا سوى رائِحة عظامها ــ إِلي هكس Hex، الَّذي التهمها وهو لا يرفع عينيه إِليها. في أَثناء شربنا للـ 7up فاجأَتني:

إِلَّا قُلْ لي .. كم يبلغ عُمُرك الآن؟

وقــد شعــرت بالأَمـان بـعــد حديثها الدَّافـىء إِليَّ بمزيـج مــن العـربيَّة الفصـحى

والإِنجليزيَّة الرَّصينة الَّتي يشدُّ بعضها بعضاً؛ خاطبتها بعد أَن أَفرغت جُلَّ شحنات توتُّري في خَلخَلَة وتفكيك الدَّجاحة ومن ثَمَّ تشييعها إِلى مثواها قبل الأَخير:

تسأَلين عن عُمْري؟ لا أَدري .. أَهلي يقولون إِنَّني وُلِدْت في سنة الجراد..شخصيّاً أَصدِّق هذه الرِّواية؛ فأَنا كالجراد لا وطن لي ..أَنتقل من مكان إِلى آخَر.. لا بل كالوَجَع وخاصَّة كأَلم(الرُّوماتيزيم) المزمنة لا يستقرُّ في موضع إِلَّا ريثما ينتقل إِلى آخَر. أَعتقد أَنَّ عُمُري حتَّى هذه اللَّحظة الَّتي أَنظر فيها إِلى عينيك البرمائِيَّتين هاتين قد بلغ خمساً وثلاثين سنة بتوقيت قرينتش إِلَّا نظرتين إِلى عينيك الرَّائِعتين. قد أَكون بلغت السَّابعة والثَّلاثين، لكنَّني أُفَضِّل السَّادسة والثَّلاثين .. فلنقل أَربعاً وثلاثين سنة .. ثلاث وثلاثون تُريحني .. كلمة نهائِيَّة؟ تريدين الكلام الجَد؟.. عُمْري الآن ثلاثون عاماً. ولكن لماذا تجتهدين هكذا لمعرفة عُمُري؟

ـــ لو أَنَّنا حذفنا من عُمْرك الوقت الَّذي قضيته وأَنت سكران ؛ فإِنَّ عُمُرك لن يزيد عن عامين إِلَّا خمسة أَشهر. ما بلواك؟ ما خَطْبُك؟ ولكن دعنا من كلِّ هذا، فهذه حياتك الخاصَّة، ما رأْيك أَن تتغدَّى معي في البيت؟

ـــ غداء بعد الدَّجاجتين هاتين؟!

ـــ لو كنت مكانك لما تردَّدت في قبول الدَّعوة . سنتغدَّى اليوم بطبيخ بَامَبَيْ سَبَكَتْه أُمي؟

ـــ بَامْبَيْ! يَخْصِ علَـى البَامْبَـيْ وعلَى آل البَامْبَـيْ أَجمعيـن .. الأَحياء منهـم والأَموات.

العطلة الأُسبوعيَّة في نيجيريا بالسَّبت والأَحد، وللمسلمين جزء من يوم الجُمُعة أَيضاً كي يتمكَّنوا من أَداء صلاة الجُمُعة. جماعة المُدَرِّسين الَّذين آووني كانوا يذبحون خروفاً في نهاية كلِّ أُسبوع يكفيهم طيلة الأُسبوع القادم. أَكثرهم ما كانوا يشربون الخمر،وكثيراً ما قضينا اللَّيل نلعب الورق(الكُتْشِيْنَة).. ليس بينهم واحد يلعب القمار..كنَّا نلعب heart وwhist.. كانت بيننا منافسات حامية. في إِحدى المرَّات جلست للشُّرب مع بعضهم.. قبل الشُّرب سأَلتهم:(إِنْتُوْ بِتَكِسْرُوا العَرَقِي(1) بالمُوْيَة لِيْه؟ إِنْتُوْ بِتَسِيْئُوا للعَرَقِي وبِتَسِيْئُوا للمُوْيَة. أَشْرَبُوا العَرَقِي صَافِي واشْرَبُوا المُوْيَة صافْيَة). قالوا لي إِنَّ نوع العَرَقِي الَّذي يشربونه له مصانع في نيجيريا وهو من(البَامْبَيْ)، وهو عَرَقِي قوي للغاية لا يمكن شربه إِلَّا إِذاعُوْلِج بالماء. سخرت منهم .. تحدَّيتهم:(إِنْتُو أَكِسْرُوا وانا أَشْرَبْ صَافِي .. إِنْتُو تَسْكَرُوا وانا اقُومْ(1) وَاعِي) . صبُّوا الكأْس الأَولى ..مزجوها بالماء وتجرَّعوها وناولوني كأْساً صرفة من عَرَقِي البَامْبَيْ .. ــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هامش صفحة 7.

رفعتها ودلقتها بسرعة ومهارة في قاع جوفي.. نار جهنم المُوْقَدَة .. شعرت بها ثقيلة في بطنى وكأَنَّها(جِرِسْلِين) .(عَفُوْ!) أَنا البَانْسَلِيْن أَنا الحَنْضَل المُر، أَخاف من(القُوْقْرُو)! وكلمة قُوْقْرُو(1)Gogoro ــ وهي أَوَّل كلمة تعلَّمتها من الهَوْسا ــ تعنى عَرَقِـي . المذاق جديد علَيَّ لكنَّني استوعبته تماماً بعد الكأْس التَّاريخيَّة الأُولى تلك.. مسيرتي طبيعيَّة ولا غبار عليها، ولم تُسْجَّل أَيُّ تغيُّرات في سلوكي ولا في طريقة تناولي للموضوعات الَّتي تُطْرَح عادة خلال مثل جلستنا تلك، اللَّهمَّ إِلَّا زيادة طفيفة لا يُؤْبَه لها في معدَّل شراهة تدخيني، فأَنا ما زلت أَنا سواء في نيجيريا أَم في طشقند. العَزَّابة الَّذين لا يشربون تعشَّوا بعد أَن صلُّوا العِشاء وآووا إِلى أَسرَّتهم، ممنِّين النَّفس بنومٍ هادىءٍ، خاصَّة وغداً أَوَّل أَيَّام العطلة الأُسبوعيَّة. جماعتي الَّذين يكسرون العَرَقِي بالماء بدت عليهم بعض الأَعراض .. أَحدهم نام علَى الكرسي الواسع الَّذي يجلس عليه وترك لعنقه حرِّية أَن تقع برأْسه علَى كتفه، وهو يُصْدُر من فمه وصدره ومنخريه صفيراً وأَصوات كلاب ودجاج رومى وتدفُّق مياه من شلال. آخَر كثرت حركته بين الثَّلَّاجة و(التِّلفزيون) والمطبخ وغرفة النَّوم والشِّباك والمرآة وشمَّاعة الملابس والباب الخارجي للبيت، وفجأَة هوى بجسمه كلِّه على البساط أَمام أَرجلنا ليمارس النَّوم بلا وقار، وقبل ذلك وبلا وقار أَيضاً تقيَّأَ(طَرَش) علَى البساط ، ثمَّ لم تلبث أَرتال من البعوض أَن اتَّخذت من

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هامش صفحة 7.

جسمه مطاراً ، بينما أَرتال أُخرى ما تزال تَلُوْب وتَلُوْب حول رؤُوسنا وآذاننا استعداداً للهبوط. أَحدهم دخل معي في مناقشة حول قضيَّة فلسطين والحركة الثَّقافيَّة في بلاد ما بين النَّهرين . كان كلُّ شيءٍ طبيعيّاً وعاديّاً لمَن ارتضوا لأَنفسهم أَن يجلسوا في ديار غربة مثل جلستنا هذه . صديقي مجذوب رقص علَى إِيقاع موسيقى إِحدى أَغانـي (الـدِّسْكُـو Disco) المبثوثة من جهاز تسجيل . تُرَى ماذا لو رآه مدير جامعة أُمْ دُرْمان الإِسلاميَّة وهو علَى تلك الحال، وقارن بينها وبين صورته وهو يسلِّمه شهادته الجامعيَّة في يوم تخرُّجه في الجامعة؟ ما شعوره وهو يرى خريج الجامعة الإِسلاميَّة يرقص باحتراف؟ ثمَّ إِن كان خريج جامعة إِسلاميَّة يرقص الدِّسْكُو، فماذا ياتُرَى يفعل خريجو الجامعات الأُخرى غير الإِسلاميَّة؟ ما زلتُ حتَّى هذه اللَّحظة بكامل وعي ــ أَو هكذا خُيَّل إِليَّ ــ وأَنا أَشفط عَرَقِي البَامْبَيْ ــ خالياً من أَيِّ (كرسترول) ومن أَيِّ مواد مشبوهة ــ شفطاً، كحمل يرضع شَطْر أُمِّه بجذل ويهزُّ ذيله . عفا اللَّه عن ندمائِي أُولئِك .. لِمَ لَمْ يخبروني أَنَّ عَرَقِي البَامْبَيْ لا يسري كبقيَّة خمور الدُّنيا شيئاً فشيئاً ويدغدغ المشاعر شيئاً فشيئاً، لكنَّه يهجم بكامل قوَّاته وبجميع آلياته دفعة واحدة؛ فيدكَّ أَعتى الحصون ويُفَتِّش أَقوى الرِّجال؟ فجأَة أَحسست أَنَّ مَحْسَنِي(مثانتي) يكاد ينفجر من بول الماء وأَنَّني علَى وشك أَن أَبول علَى ملابسي. جريت صوب المُسْتَرَاح أَو قُل الحمَّام.. الـ(دَبْلِيُوْ سِي W.C). كلُّ شيءٍ عادي.. أَغلقت الباب بالتَّرباس من الدَّاخل بعد أَن أَضأْت النُّور.. جلست علَى كرسي المرحاض الأَفرنجي العالي، وشرعت في أَداء الطُّقوس المعروفة في مثل هذه الحالة . بدون أَيِّ مقدِّمات وبلا أَيِّ إِنذار أَحسست بضربة قويَّة للغاية على مؤخِّرة رأْسي .. أَحسست بعُكَّاز (الكَبَابِيْش) يقسم رأْسي نصفين غير متساويين ؛ وسريعاً غِبْت عن الوجود. تنبَّهت ــ بعد بَيَات لا أَدري كم استمرَّ ــ إِلى أَصواتِ طَرْقٍ ودقٍّ ودفْعٍ وركْلٍ علَى الباب.. فتحت عينيَّ بصعوبة علَى غير اتِّساعهما، ثمَّ عدت وفتحتهما بأَقصى ما يمكن للسَّكران أَن يفتح عينيه ؛ فبانت لي الصُّورة بكلِّ أَبعادها وخلفيَّاتها . نظرت في ساعتي .. السَّاعة التَّاسعة والرُّبع صباحاً. أَين أَنا؟ ما هذه الدِّيار غير العامرة بأَهلها؟ معقول ياناس! معقول أَكون نمت في أَدبخانة حتَّى الصَّباح!!رضخت للأمرالواقع..أَكملت ارتداء ملابسي الدَّاخليَّة،أَو بالأَحرى أَعدتها إِلى نصابها.(ما قُلْتُوا(1) رُجال!) هذه كانت أَوَّل عبارة سمعتها بعد أَن فتحت الباب .. قالها لي الأَخ الَّذى(طَرَشَ) البارحة على البساط عند أَقدامنا! أَخزى اللَّه البَامْبَيْ، فقد أَقحمنى في تجربة قاسية .. انهزمتُ أَمام الجماعة. أَخزى اللَّه البَامْبَيْ .. فلا هو بَابَاي ولا هو بامية ولا بامبو. لقد فضحني البَامْبَيْ في بلاد الغربة، وطيلة مكثى في نيجيريا لن أَشرب إِلَّا الوِسْكِي Whisky والبِيْرَة الـ(Stout). ومنذ اليوم لن أَجلس إِلى مائِدة من ضمن أَصنافها البَامْبَيْ، لا في مطعم ولا في بيت.. لن آكل البَامْبَيْ .. لا مطبـوخاً ولا مشويّاً ولا امسلـوقاً . وحين تقع عيناي على هـــذا الحاقد فـي

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر هامش صفحة 7.

السُّوق ، لا شكَّ أَنَّ كياني كلَّه سيرتعد ويتصبَّب جسمي عرقاً في اليوم البارد.

مرَّ هذا الشَّريط الَّذي وقعت أَحداثه قبل أَحداث قسم الشُّرطة ، في ذهني كالحلم. ورغم محاولاتي العديدة من قبل لغسله من وجداني إِلَّا أَنَّني لم أُفلح . غير أَنَّني أَفلحت في اقتناء ضحكة مُتْرَعة منها ، قبل أَن أُخاطبها:

دعيني أَركب الحصان أَتنزَّه به قليلاً في هذا الجو الشَّاعري، فأَنا منذ صغري مغــرم بتربية الخيول والعناية بها وامتطائِها ، ولـي خبرة في التَّعامل معها فـي

جميع حالاتها.

برقت عيناها وحدَّثتني بحميميَّة:

إِذن الصُّوَر بدأَت تقترب من بعضها، فهذه هي هوايتي أَيضاً . وهي هواية كما ترى قد لا تليق بفتاة في بلد أَفريقي في مثل عُمْري ، لكنَّها هوايتي علَى أَيِّ حال ، مثلها مثل هواية تربية الكلاب، وهواية أُخرى ستعرفها حين يأْتي وقتها.

قالت ذلك ونادت الحصان: (بَفَلُوْــ Buffalo).. بَفَلُوْ .. بَفَلُوْ، تعال ياحبيبي . وقف الحصان أَمامها وكأَنَّه طفل يقف أَمام أُمِّه وهو يتأَهَّب للذِّهاب إِلى مدرسته. وضعت علَى ظهره السَّرج وأَدخلت في فمه اللِّجام، وهكس يقف قريباً منه بعد أَن تمسَّح بساقيها وبساقيَّ .

بقفزة واحدة صرت عَلى ظهر بَفَلُوْ Buffalo. تهادى بي كما يتهادى زورق علَى صفحةِ نهرٍ هادىء . سار مسافة بين الرِّياض وإِلى جواره هكس ، وهي تلوِّح لي بكلتا يديها باسمة . همزته علَى جنبه بكعبي ؛ فانطلق فجأَة وكأَنَّه الَّتي أَهلكت عاداً ، وصوت جريه أَسمعه : أَطَ طْ طْ وَطَ وَطْ طْ أَطَ طْ طْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ ، وصوت هكس : هَوْ هَوْ هَوْ ، وهو يجري محاذياً له حيناً وخلفه يكون أَحياناً . أَين الطِّفل الَّذي كانه بَفَلُوْ قبل لحظات؟ حاولت جذب لجامه ، فإِذا بيديَّ تقبضان الهواء .. حاولت تثبيت نفسي علَى السَّرج أَكثر.. ولكن ما هذا؟! كيف اختفي اللِّجام من فم بَفَلُوْ والسَّرج من تحتي؟ ما هذه المهزلة الجديدة؟ أَنا الآن علَى ظهر حصان لا يمكن التَّحكُّم فيه بأَيِّ صورة من الصُّور.. مصيري مربوط بمزاج حصان لا أَعلم نفسيَّته في هذه اللَّحظة بالذَّات. انبطحت قليلاً علَى ظهره ، وبيدي أَمسكت شعر عرفه الغزير وفي غمضة عين طوَّقت عنقه بذارعيَّ القويَّتين. اقتحم بي سوقاً مزدحمة بالباعة والمشترين ؛ فتجارى النَّاس من أَمامه وهم يصرخون ، والأَشياء تجري علَى الأَرض مسرعة في عكس اتِّجاه جريه. تركنا وراءنا مطاعم وأَشجاراً ومساجد وعُمَّالاً منهمكين في البناء وأَعمدة كهرباء وأَبراج حَمَام وصهاريج مياه ، وصوت جريه علَى الأَرض ما زلت أَسمعه: وَطَ طْ طْ أَطَ طْ طْ وَطَ طْ طْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ ، وصوت نباح هكس: هَوْ هَوْ هَوْ. فكَّرت في القفز من ظهره ، لكنَّني تراجعت حين تذكَّرت أَنَّ ذلك لن يزيد معضلتي إِلَّا تعقيداً. ورغم أَزيز الهواء في أُذنيَّ ، فقدأَحسست بشيء يلهث ورائِي مباشرة ، لكنَّني تجاهلت الأَمر؛ إِذ لا أَستطيع الالتفات وأَنا في هذه(المَرْمَطَة). لكنَّ الأَمر حُسِم أَخيراً ، فقد جاءَني الصَّوت من ورائِي مباشرة.. من ظهر بَفَلُوْ:(هَوْ هَوْ هَوْ). لعنة اللَّه عليك ياهكس من أَين أَتيت في هذا الظَّرف غير المناسب؟ وكيف تجرَّأْت علَى الرُّكوب ورائِي؟ بسرعة التفت فوجدته يركب ورائِي مباشرة ، وقد أَغمض عينيه وأَغلق فمه، بينما ترك أُذنيه للهواء يتلاعب بهما كيف يشاء . مرَّة أُخرى فكَّرت في القفز من ظهر بَفَلُوْ ، لكنَّني خفت أَن أَقع علَى الأَرض علَى مِصْرَاعَيَّ ؛ فأَلقى مَصْرَعَ مَن لا يفكِّر في العواقب. علَى كلٍّ خيرٌ لي أَن يركب ورائِي كلب علَى ظهر حصان من أَن أَموت في ديار غربة ؛ جرَّاء حماقة أَرتكبها في هذا الموقف العصيب. لكنَّ الوضع تغيَّر من غير أَيِّ إِرهاصات ؛ فقد قفز بَفَلُوْBuffalo، وأَنا وهكس علَى ظهره، إِلى غدير أَو قُلْ إِلى نُهَيْر من مياه الأَمطار، وأَخذ يسبح بنشاط وهِمَّة. بسرعة قفزت من ظهره ، وسبحت وأَنا في كامل ملابسي . نظرت فرأَيت هكس Hexيسبح هو الآخَر قريباً منِّي . الحمد للَّه فقد نجوت ، فأَنا الآن علَى اليابسة وإِلى جواري هكس وهو يقطر ماءاً، وصوت جري بَفَلُوْ ما أَزال أَسمعه: وَطَ طْ طْ أَطَ طْ طْ وَطَ طْ طْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ كَرَبَتْ، وهو يطوي الأَرضَ إِلى أَجلٍ غيرِ معلوم.

كان أَوَّل ما فعلته أَن تأَكَّدت من أَنَّ النَّيْرات ما طارت من جيبي أَثناء انطلاق بَفَلُوْ ولا أَصابها البلل أَثناء سباحتي ، فوجدتها كما هي بفضل تدبير نايلة الَّتي وضعت الظَّرف الَّذي يحتويها داخل كيس بلاستيك . أَحصيتها وذهلت لضخامة المبلغ .. أَلف وخمسمائَة نَيْرة حصراً عدّاً نقداً!

فعلت ذلك علَى الرَّغم من أَنَّني كنت في غاية الإِرهاق والإِعياء؛ فأَهويت بجسدي إِلى الأَرض ودخلت بغير احتشام في نوم عميق ، وإِلى جواري يرقد هكس الَّذي رأَيته قبل نومي ينظر إِليَّ بمؤَخِّرة عينه بين الحين والحين. فجأَة صحوت من النَّوم علَى صوت ظننت أَنَّني أَتخيَّله : هَايْ..هكس!هكس.. هكس.. هكس . نظرت فوجدت نفسي مرميّاً كأَيِّ علبة صلصة فارغة وَسْطَ قمامة أَغنياء بُخَلاء، ولدهشتي رأَيتها تربت علَى ظهر هكس بحنو . ضحكت وقالت لي :

أَلم أَقل لك إِنَّ الكلاب في هذا الزَّمن أَكثر وفاءً للإِنسان من أَخيه الإِنسان؟ ولكن أَخبرني ما الَّذي جرى بالضَّبط؟

حكيت لها الحكاية بحذافيرها.

ـــ بَفَلُوْ أَنكرك . هذا الحصان قليل أَدب .. كان علَيَّ أَن أَجعله يشمُّك كما فعل

هكس(Hex)، ليكون صديقاً لك.

ـــ لقد جئْت إِلى نيجيريا ومخلاتي مليئَة بأَصناف عديدة من الفوضى الخلَّاقة، لكنَّني لم أَتوقَّع أَن أَجد ببلادكم فوضى كفوضى بَفَلُوْ.

ـــ أَمَا فوضى بَفَلُوْ أَيضاً نوع من الفوضى الخلَّاقة؟

ـــ لا . هي فوضى من أَجل الفوضى لا غير.

لم أَجد شيئاً آخَر أُضيفه فسأَلتها:

أَين ترين بَفَلُوْ الآن؟

ـــ سيكون قد تعب من الجري ورجع إِلى البيت ، أَو قد يكون رجع إِلى شجرة المانجو الَّتي ركبتَ على ظهره قريباً منها. بَفَلُوْ هذه الأَيَّام يتصرَّف تصرُّفات

لا أَفهمها . والآن هيا بنا. سنـذهب إِلى شجرة المانجو وانتظرك تحتها، حتَّى

تذهب إِلى بيتك وتُحْضِر لي صورتك الفوتوغرافيَّة.

قالت ذلك وفتحت لي باب سيَّارة الشُّرطة الأَمامي وأَجلستني إِلى جوارها ، بينما رقد هكس Hex في المقعد الخلفي. قادت السَّيَّارة بسلاسة إِلى أَن أَوقفتها في أَقرب نقطة من شجرة المانجو يمكن أَن تصل إِليها السَّيَّارة . سرنا علَى أَرجلنا، وحين اقتربنا من شجرة المانجو لم أُصدِّق عينيَّ وأَنا أَرى بَفَلُوْBuffalo يقف عندها، ولجامه في فمه وعلَى ظهـره سرجه ، وكأَنَّه طفل يقـف أَمام أُمِّه وهو يتأَهَّب للذِّهاب إِلـى مدرسته! فكَّت اللِّجام مــن فمـه وجعلته يشمُّنــي كما فعـل هكس من قبل وبنفس الذَّبذبات .‴ياإِلهي! هل كُتِب علَى شخصيَّتي في نيجيريا أَلَّا تُعْرَف إِلَّا بالشَّم؟!‴

أَنزلت السَّرج من ظهر بَفَلُوْ وأَدخلته واللِّجام تحت شجرة المانجو.

وأَنا في طريقي إِلى بيت صديقي مجذوب بعد أَن أَحضرت لنايلة صورتي الفوتوغرافيَّة ، تحدَّثت إِلى نفسي:‴لِمْ لَمْ أَسأَلها كيف عرفت مكاني وهكس بهذه السُّهولة؟ ولماذا وضعت ظرف النَّيْرات داخل كيس من البلاستيك؟غفرانك ربِّ. يبدو أَنَّني سأُحْلَج في نيجيريا، تماماً كما كانت تُحْلَج أَجود أَقطان بلادي لعشرات السَّنوات في محالِج (لانكشير). أَيُّ سٍحْر مكتوب بدم الحيض، هذا الَّذي سُلِّط علَيَّ في نيجيريا أَرض السِّحْر ومرتع السَّحَرَة؟ أَيُّ مصيدة شياطين تلك الَّتي وقعت فيها؛ نتيجة لطيشي وحماقتي واندفاعي؟ بل أَيُّ عين حسود تلك الَّتي أَصابتني؟ أَتُراني دخلت ــ دون أَن أَشعر ــ المجال المغنطيسي لإِحدى الأَرواح الهائِمة في هذا الكون اللُّغْز؟‴ مثل هذه الأَسئِلة وأُخرى غيرها كثيرة في رأْسي، سيجد حتَّى شيوخ (الغُبُش) أَنفسهم صعوبة بالغة في الإِجابة عليها.