-4-

12 0 00

-4-

عن ( رونيل السودء ) ...

في التاسعة مساءا جلسنا في قاعة الجلوس نثرثر ، والجريدة أمامي لا ‏افهم عم تتكلم ..‏

ان ( ماجي ) لم تتغير قط.. قلت هذا مائة مرة وأقوله مرة أخرى .. ‏دعابات تلقيني من على المقعد ضحكا ، ورقة ( تكاد تنبت الزهر في ‏قلب الصخرة الجلمود ) على راي عمنا العبقري ( الشابي ) .. ولربما ( ‏طهارة تبعث التقديس في مهجة الشقي العتيد ) كذلك ..‏

رحت ارمقها وهي تتكلم .. كالعادة لم اعرف حرفا مما تقول لأن ‏خواطري تزاحمت . اصغيت لها اكثر من اللازم لم اعد افهم شيئا ..‏

لماذا لانتزوج ؟ لقد اجبنا عن هذا السؤال الف مرة ، والاجابة تبدو ‏واهية لكنها الحقيقة .. كل منا يريد ان يبقى الآخر على مسافة كي يظل ‏رمزا عزيزا أبديا .. حين يتحول الآخر إلى معنى..‏

لكن ما يثير جنوني بصدد ( ماجي ) هو التفكير في كل الساعات التي ‏تعيشها بعيدا عني .. كل الافكار الذكية والدعابات والرقة التي تشعها ‏من حولها ، بينما انا في شقتي الكئيبة أقاسم الأشباح الطعام .. يمضني ‏ذلك الشعور المزمن بانها ( ستنفد ) .. لن يبقى منها شيء لي لان ‏مصير الشموس كلها الخمود ( الإنتروبي ) .. لو استطعت لاستوليت ‏على ماضيها وحاضرها وغدها بوضع اليد .. كل العوام التي فاتتني ‏وهي طفلة ، وكل الاعوام التي ستفوتني حين اختفي في القبر .. كل ‏هذا يجب احتكاره .. ربما لو كان هناك محام بارع لاستطاع ان ..‏

ـ " ( رفعت ) ! انت لا ترفع عينيك عنها !"‏

تبا لكن من ظالمات ! انا ارتدي عوينات القراءة ولا ارى ابعد من متر او ‏اقل .. ثم إنني غارق في التفكير فيك وبرغم هذا ..‏

ـ " لا اعرف عمن تتكلمي .."‏

‏- " تلك المرأة السوداء .. نزيلة امس .. طبعا ..‏

هنا فقط فهمت عمن تتكلم ، وبدلت العوينات .. عوينات المسافات كي ارى ‏افضل .. كانت تلك الآنسة جالسة الى منضدة مجاورة تشرب الشاي ‏وتطالع الجريدة مثلي .. رفعت عينها فرأتني فهزت رأسها في رقة ، ‏وهتفت : ‏

ـ عمت مساء يا دكتور .. صارت نافذة غرفتي سلسة . .شكرا لك !"‏

همست ( ماجي ) بصوت كالفحيح : ‏

ـ " نافذة غرفتها ؟ متى وكيف ؟ ‏

قلت وانا ابدل العوينات : ‏

ـ " نافذة غرفتها كانت متيبسة .. وقمت بفتحها لها .."‏

ـ " ومنذ متى تجيد فتح النوافذ ؟ الاحظ ان فتح الجريدة قد اصابك بنوبة ‏قلبية "‏

في هذه اللحظة دخل المكان شاب على درجة من الوسامة .. كان فارع ‏القامة قويا يبدو أنه خلق ليمثل افلام رعاة البقر مع ( جاري كوبر ) أو ( ‏جون واين ) .. حين كان أبطال الأفلام يوجهون لكمات قوية الى فك ‏أعدائهم ، قبل ان يظهر اختراع الركلات .‏

وتصايح الجالسون : ‏

ـ " قد عاد ( اونيل ) !"‏

عاد ؟ أين كان إذن ؟ ‏

بدأ الحوار الأيرلندي الذي أقنعني بالفعل ان الإيرلندية لغة لا علاقة لها ‏بالإنجليزية .. حين يتحدث هؤلاء القوم مع بعضهم يأخذون راحتهم ‏ويستحيل عليك فهم حرف واحد ، بينما حين يكلمونك يحرصون على جعل ‏كلامهم مفهوما لك .. نفس الظاهرة تلاحظها مع الاسكتلنديين .. ومع ‏رعاع لندن حين يستعملون لهجة ( الكوكني ) ..‏

قالت ( ماجي ) :‏

ـ " هذا الفتى كان في دوبلين ) يجرب حظة في التمثيل مع فرقة مسرحية ‏ما .."

ـ " سينجح لو كان الدور المطلوب هو باب مخزن .." ‏

ثم إن الفتى نظر نظرة عابرة الى الفتاة السوداء الجالسة وحدها .. رايته ‏يترك المحيطين به ويتجه نحوها .. يقف أمامها .. يتكلم معها في لباقة ‏والفتاة تبتسم ثم تضحك .. تشير إليه كي يجلس .. هذه الفتاة أرستقراطية ‏لكنها ذات ميول بروليتارية لا شك فيها . فالفتى لا يبدو من طبقتها على ‏الإطلاق ..‏

وقف رجل مرح جوار منضدتنا وقال : ‏

ـ " ( ويليام أونيل ) .. إن الفتى يعرف كيف يروق للنساء .."‏

ثم مد يده لي مصافحا وقال : ‏

ـ " ( باتريك بارنيل ) .. من اعيان البلدة .. بمعنى آخر انا عاطل بالوراثة ‏‏.."‏

نظرت له ( ماجي ) في فضول وهتفت كمن دق الاسم جرسا في رأسه : ‏

ـ " أنت.." ‏

ـ " نعم .. من اسرة ( بارنيل ) .. وهي اسرة اشتهرت في سلك القضاء .. ‏إننا علامة على هذه البلدة .. لكنني لم ادرس القانون او بمعنى آخر لم ‏استكمل دراستي .."‏

دعوته للجلوس فشد مقعدا وجلس ، ومد يده يداعب شعر ( إليانور ) .. ‏لن اندهش لو عادت الطفلة لأمها صلعاء تماما بعد هذه الرحلة .. لسبب ما ‏يفترض الجميع انها كلب ( بلاك جاكيت ) يجب المسح على رأسه ..‏

بعدما تم التعارف قال لي : ‏

ـ " لا تؤاخذنا .. نحن الأيرلنديين قوم حارو العواطف مرحون ، ولسنا ‏ثقيلي الظل منشين كالإنجليز . يقولون إننا سريعو الغضب ميالون ‏للشجار.. هذا صحيح .. لكن هذا يدلك اكثر على طيبة قلوبنا .."‏

وأشار الى الجالسين حولنا وبدأ يشرح لي : ‏

ـ " كل واحد من الجالسين هنا لم يترك البلدة قط .. كل واحد يعرف أجداده ‏وأجداد الآخرين .. يمكنك ان ترى الجميع هنا لأن هذا الخان اقرب الى ‏النادي .. هل ترى هذا الرجل المتأنق كث الحاجبين ؟ إنه السير ( جون ‏مليجان ) سليل أسرة ( مليجان ) الأرستقراطية .. كانوا دوما اكثر الناس ‏ثراءا في هذه البلدة .. هل ترى هذا العجوز البدين الذي ينظر في ساعة ‏الصديري ؟ إنه آخر احفاد ( كيليبارون ) الذين حكموا هذه البلاد في عصر ‏الإقطحاع .. انت رأيت قلعتهم .. لكنه لا يعيش هناك .. هذا الذي يحتسي ‏القهوة هو القس ( كيرباتريك ) وهو من أسرة قساوسة لا تدري من اين ‏بدأت .. ربما منذ دخول المسيحية الى ايرلندا .."‏

قلت مبتسما في يخبث : ‏

ـ " يبدو ان الزمن لا يتغير هنا .. لو كان في هذه القاعة خبير قنابل ذرية ‏، فلا شك انك ستقول إن جده كان خبير قنابل نووية في القرن الخامس ‏‏.." ‏

ـ " هو ما تقول .. هو ما تقول .." ‏

هنا مالت ( ماجي ) عليه وسألته السؤال الذي كنت سأسأله بنفسي : ‏

ـ " اليوم وجدنا قبرا ليس على شاهده كتابة .. لقد أثار هذا فضولنا .. هل ‏تعرف هذه القصة ؟"‏

قطب للحظة كأنما يتذكر ثم هتف في مرح : ‏

ـ " آه ! يا للغرابة ! ( رونيل السوداء )!! كنت قد نسيت هذه القصة تماما ‏‏!! " ‏

هنا دوى صوت تهشم الزجاج !!‏

‏*** ‏

قالت ( لورين ) بصوتها الخشن نوعا: ‏

ـ " آسفة .. سأدفع ثمن ما هشمت .."‏

قالت مسز ( بانكروفت ) وهي تجمع بقايا براد الشاي الخزفي بالمكنسة : ‏

ـ " لا عليك . .هذه أشياء تحدث لأي واحد .."‏

وقال الشاب في شهامة وهو يجفف مفرش المائدة : ‏

ـ " إن مسز ( بانكروفت تعرفني .. سوف أسوي الامر فلا تقلقي .."‏

راح مرافقنا السيد ( بارنيل ) ينظر الى الفتاة في فضول ، ولاحظت نظراته ‏بدورها فنظرت له في حدة لا شك فيها .. ثم التفت لي وتساءل : ‏

ـ " ما زلت لا افهم سبب وجودها هن ا.."‏

ـ " كاتبة قصصية هي .. انت تعرف هؤلاء الكتاب .."‏

ـ " قلت إن اسمها ( لورين ) ؟ غريب .. ليكن .. والآن اكمل قصتي .. اين ‏كنا ؟ آه .. هل تعرف ان ( رونيل السوداء ) هذه اتهمت بالسحر ، وكان ‏القاضي الذي حكم عليها بالحرق هو جدي القاضي ( ستيوارت بارنيل ) ‏المحترم ؟ كان صارما يختلف كثيرا عن أحفاده ، وقد اعدم ساحرات ‏كثيرات برغم ان هذه القصص نادرة في إنجلترا .. لسنا في أسبانيا او ‏فرنسا .." دخل الكمان رجل يوحي بعدم الكفاءة .. لو كان سباكا فهو ‏خائب ، ولو كان طبيبا فهو غبي ، ولو كان ...‏

ـ " هذا رئيس الشركة ( آرثر بيرك ) .. إنه لا يعمل شيئا على الإطلاق ‏وراتبه يناسب ما يعمله بالفعل .."‏

هذا رئيس شرطة ! في بلدة هادئة مسالمة كهذة يكون هذا الرجل كحارس ‏المرمى الذي لم يختبر .. لكنني اعرف نتائج عمله جيدا من شاربه الكث ‏المتهدل ونظرة عينيه الرخوة ، وثيابه الزرية ..‏

ثم إن الرجل ـ ( بارنيل ) ـ راح يحكي لنا ما أعتقد انك قرأت ملخصه في ‏بداية الكتيب .. هناك تفاصيل معينة اخرى ابقيها لنفسي وتفاصيل نسيتها ‏، وتفاصيل يحسن ان ننساها ...‏

ظللنا نتحدث طويلا جدا حتى إن الطفلة احمرت عيناها ، ثم وضعت رأسها ‏الأشقر الصغير على كتف (ماجي ) وراحت تغط .. اعترف انني إن كنت ‏اكره الاطفال فأنا احبهم نائمين .. إنهم يبدون ملائكة بالفعل يختلفون تماما ‏عن الشياطين التي يكونونها وهم متيقظون .. وقالت ( ماجي) في رفق :‏

ـ سأضعها في الفراش ثم أعود .." ‏

واسندت الطفلة حتى تصل بها الى الغرفة ..‏

نهض القس أولا وحيانا جميعا في رصانة ، ثم اتجه الى الباب ..‏

في هذه الاثناء بدا ان صداقة حقيقية انعقدت بين الفتى ( اونيل ) وتلك ‏الأرستقراطية..‏

رايتهما ينهضان وهما يواصلان حديثا ضاحكا هامسا ، ثم اتجها الى الباب ‏بدورهما .. ونظر ( إليوت ) من وراء كتفه الى الرجال نظرة من طراز ( ‏إياكم ـ أن ـ تتناولوا ـ سيرتنا ـ بالسوء ـ وإلا ـ الويل ـ لكم ) ..‏

فخفض الجميع عيونهم الى أكوابهم ..‏

لكمن ما إن خرج حتى هتف ( باتريك بارنيل ) : ‏

ـ " بارع هذا الفتى بحق !"‏

وغمغم احدهم في ضيق : ‏

ـ " إنهن منطلقان في ( شيفيلد ) ولسن مثل نسائنا اللواتي يحلقن ذقونهم ‏يوميا .."‏

ثم ساد الصمت لأن ( ماجي ) قد عادت ، وهي تفهم الإنجليزية لو كنت ‏تدرك هذا !‏

ثم بدأ اكثر الموجودين في الإنصراف .. هنا دوى صوت الغراب ..‏

تبادلنا النظرات ..لم يكن التأثير العام مريحا ، لولا ان قطع ( بارنيل ) ‏الصمت بترديد مقطع من قصيدة ( بو ) الشهيرة ( الغراب ) ..‏

ـ " غربان هنا ؟ لم اسمع احدها هنا قط .."‏

ـ " هذه الأشياء تحدث .."‏

وحياتي الرجل ونهض .. بينما جلست مع ( ماجي ) لمدة ساعة اخرى ..‏

هناك دائما تلك اللحظة المؤسفة التي تدرك فيها حقيقة انك لن تظل هنا ‏للأبد . لا بد من كلمة ( مساء الخير ) .. ثم تصعد الى حجرتك ثملا بالالام ‏‏.. تترنح في صعودك الدرج ، وتنزلق قدمك .. تدخل غرفتك ورأسك ينبض ‏بأشياء كثيرة الى حد انك لا تعرف فيم كنت تفكر على الإطلاق .. ‏

أعرف هذه الأعراض جيدا ..‏

وفي الصباح عرفنا نبأ موت الضحية الأولى ..

‏5- وتهاوى السد ...

لم يكن هناك الكثير مما يقال ..‏

لم يعرف أحد بنبأ الوفاة إلا في السابعة صباحا حين جاء بائع الجرائد الى ‏الخان ، وكان معتادا على ان يجتاز الزقاق المجاور .. هذا ممر لا يهواه ‏الكثيرون لانه قذر ، لكن الفتى كان يحبه لأنه يختصر الكثير من الوقت ..‏

وكانت جثة القص ممددة على الأرض ، ويبدو أنه لم يتعذب كثيرا لان ‏الضربة التي هشمت رأسه من الخلف فعلت كل شيء في الوقت ذاته ..‏

طبعا اصيب الفتى بالهستيريا ، وركض الى الخان وهو يولول ويصرخ .. ‏يصرخ ويولول .. وكانت هذه الضوضاء هي ما أيقظنا من سباتنا ..‏

تحول المكان الى خلية نحل .. فهذه البلدة لم تر حدثا غير تقليدي ربما منذ ‏حرق ( رونيل السوداء ) .. وجاء رجل الشرطة غير الكفء ( آرثر بيرك ) ‏وقد بدا عليه ارتباك شديد .. هو لا يعرف كيف يبدأ ..‏

راح يسال هذا ويسأل ذاك ويسجل أشياء في دفتره ، لكنه كان عاجزا عن ‏تجميع أفكاره ..‏

المشكلة هي أنه كان جالسا فعلا عندما غادر القس الخان .. أي انه يعتبر ‏واحد من آخر من رأوه .. والسؤال هنا هو : من يكره القس الى حد ضربه ‏بمطرقة على مؤخرة رأسه ؟ ‏

ـ " كيس رمل ! ليس مطرقة بل كيس رمل ! لا تنس اننا في إنجلترا بلد ( ‏أجاثا كريستي ) حيث يحبون القتل بكيس رمل مليء .. أو قطعة ثلج ‏سرعان ما تذوب جوار الضحية ليختفي سلاح الجريمة !"

قالتها ( ماجي ) في شيء من السخرية المريرة ونحن جالسون الى مائدة ‏الإفطار .. ثم اضافت : ‏

ـ " انت هنا ! الواقع أنني بدأت اتساءل عن الكارثة ولماذا لم تحدث !"‏

ـ " هذا غير عادل .."‏

جاء ( بيرك ) وطلب قدحا من الشاي ، ثم اتجه الى حيث جلسنا الى ‏المنضدة ، فقال : ‏

ـ " معذرة ايها السيدان .. الحقيقة أ،ني يجب ان اثقل عليكم بالأسئلة ‏لأنكما غريبان في هذه البلدة .."‏

قلت له باسما : ‏

ـ " هذا من حقك يا سيدي .. لكن لاحظ أننا كنا جالسين امامك .. ثم صعد ‏كل منا الى حجرته امامك ايضا .. هل غادر أحدنا الخان ليلا ؟ " ‏

ـ " لا .. مسز ( بانكروفت) تقول لا .. لقد تأكدت من هذا .."‏

وداعب شاربه في حنكة بوليسية ثم أضاف : ‏

ـ " هناك تلك الفتاة من ( شيفيلد ) .. لكن ( اونيل ) لم يتركه لحظة .. وقد ‏عادا الى الخان بعد ساعة .. أنا اثق بـ ( اونيل ) طبعا .."

قلت له وانا ارشف القهوة : ‏

ـ " آعتقد انك بحاجةالى آخرين . ( سكوتلانديارد ) او شيء من هذا ‏القبيل ..‏

ـ " هناك فريق جنائي قادم اليوم .. لكن من واجبي أن آخذ بعض البيانات ‏‏.."‏

وبالفعل جاء بعض السادة شديدي الاهمية عند الظهيرة .. كانوا يرتدون ‏المعاطف الخاكية ويرمقوننا في شك ، ومعهم عربة إسعاف وضعوا فيها ‏الجثة ، ثم راحوا يستجوبون الجميع ويعرفون كل شيء ..‏

في النهاية ـ عندما اقترب المساء ـ نظروا لنا في كراهية ثم انطلقت ‏سياراتهم عائدة الى حيث جاءت .. إلى أين ؟ إلى المكان الذي يأتي منه ‏الرجال شديدو الأهمية الذين يرتدون المعاطف الخاكية ..‏

لا ادري لماذا شعرت بحاجة الى ان امشي قليلا في البلدة في هذه الإضاءة ‏الغريبة . .إضاءة المساء المقبل ..‏

قدماي حملتاني الى المقبرة إياها .. ووقفت فوق مرتفع صخري ارمق ‏المشهد الرهيب .. ‏

من المؤسف أنني لن اكون هنا الشهر القادم حين يكتمل القمر .. لربما لو ‏رأيت مشهد الساحرات هذا لخطرت لي بعض الأفكار ، لكن القمر كان ‏مكتملا قبل قدومي بثلاثة أو أربعة أيام .. سأكون وقتها في مصر .‏

هنا لمحت ذلك الشبح يتحرك في شواهد القبور .. ما كل هذا الثبات ؟ كأنها ‏تمثل فيلما سينمائيا والمخرج قد طلب منها ان تبدو رهيبة ثابتة الجنان .. ‏كما انها تعرف التأثير المسيطر الغريب للشخص الذي يضع يديه في جيبي ‏معطفه الاسود الطويل ، وينقل كعبي حذائيه طويلي الرقبة في ثقة .. كل ‏من رأى نمط الجنرالات النازيين في السينما يعرف ما اقصد ..‏

كانت هذه هي كاتبتنا الشابة الواعدة ( لورين ) ..‏

تمنيت ألا تراني .. لسبب ما لا اطيق وجودها ..‏

لكنها رأتني .. وهكذا مشيت بنفس الثقة الى حيث كنت واقفا ارتجف من ‏البرد .. وقالت : ‏

ـ " هالو .. انت تجد ذلك السحر الشاعري في المقبرة مثلي ؟ "‏

ـ " ليس موضوع شاعرية .. فقط أحب زيارة البيت الذي سأعيش فيه ‏للأبد بعد قليل .."‏

أخرجت علبة تبغ ،وجذبت منها لفافة غريبة طويلة تشبه القلم الذهبي ‏،وأشعلتها في أناقة وقالت : ‏

ـ" احيانا تشعر بأنك أقوى من الموت ذاته .. انك كنت هنا يوما ثم تحررت ‏وعدت .. وان الحياة تبدأ من جديد ولا تنتهي .. احيانا تشعر بأنك في زمن ‏آخر في مكان آخر كن واحدا آخر .. لكن هل كنت تعرف ذاتك وقتها ؟ هل ‏كنت تعرف أنك هو انت ؟ لو لم يكن الأمر كذا فلا قيمة له .. هل تفهمني ؟

ـ " لا .."‏

ـ " تبدو لي ذكيا لا يحتاج الى كلمات كثيرة .."‏

قلت وانا انظر الى المقبرة التي لم يعد فيها اإلا درجات اللون الأزرق : ‏

ـ " لو كنت تتحدثين عن تناسخ الأرواح فأنا لا أؤمن به .."‏

ـ " لا اتحدث عن تناسخ الأرواح .. بل اتحدث عن عودتها الى عالم المادة ‏‏.."‏

هززت راسي غير راض .. ساد الصمت برهة ثم سألتني وهي تنفث ذلك ‏الدخان العطر : ‏

ـ تحبها ؟ "‏

ـ " من ؟ " ‏

ـ " تل كالفتاة الاسكتلندية .. مس ( ماكيلوب ) .. لا اعتقد انها تميل لك ‏كثيرا .. انتم الرجال تخلطون بين المجاملة والمعاملة اللطيفة والحب .."‏

ـ " يمكني ان اكون فظا واقول إن هذا ليس من شأنك .. لكن لا .. أريحك ‏‏.. احبها جدا .. ولا يهمني رأيها في الأمر .. لن أتغير .. سأظل منتميا لها ‏‏.."‏

كانت وحة لكن لسبب غير واضح لم استطع ان اخرسها كما يجب .. ربما ‏ارتج على .. وقالت لي في مكر : ‏

ـ " كما تحب .."‏

كانوا يقولون عن ممثلة الرعب العظيمة ( باربرا ستيل ) ،إنها ترمز الى ‏المرأة ( كآخر ) .. المرأة كعدو خارجي مخيف غامض . .هذه الفتاة ‏جعلتني بالفعل أتذكر هذه الكلمات ..‏

وفي صمت مشينا معا عائدين الى الخان .. لكن هذه المحادثة ظلت في ‏ذهني طويلا ..‏

‏*** ‏

في المساء وجدوا جثة ( كيلييارون ) .. العجوز البدين .. ‏

هذا الرجل تعذب كثيرا لأن كل أطرافه كانت مهشمة ، وقد التوى عنقه ‏للخلف بتلك الطريقة الشهيرة في القرون الوسطى للذين قتلتهم الشياطين ‏‏.‏

إن الجنرال يعيش وحيدا في داره بعد ما رحل أولاده وماتت زوجته .. ‏هناك كالعادة مدبرة عجوز هي مسز ( سميث ) ـ ككل مدبرات البيوت ـ ‏كانت قد أخذت إجازة لهذا اليوم على ان تعود في المساء ..‏

ـ " فكرت في زيارة أختي .."‏

فلما عدت ، كان ما لفت نظرها ان المنزل مغلق من الداخل جيدا .. فتحت ‏الباب بالمفتاح ودخلت ، ولما لم تر اثرا للحياة ، افترضت ان الرج لذهب ‏ليقضي سهرته في الخان ..‏

ـ " ثم سمعت صوت المذياع مفتوحا .."‏

وبالطبع ذهبت لتعرف سبب ترك المذياع مفتوحا .. فوجدته في قاعة ‏الجلوس .‏

كان راقدا على السجادة ، وخطر لها انها نوبة قلبية .. لكنها ادركت ان ‏اتجاه وجهه لأعلى لا يعني ان بطنه في نفس الإتجاه ! هنا اصيبت هي ‏نفسها بنوبة قلبية .. واحتاجت الى بضع دقائق وقرص من موسع ‏الشرايين تحت لسانها حتى استطاعت استخدام الهاتف وطلب الشرطة ..‏

وعندما جلست مع ( ماجي ) والطفلة في قاعة الجلوس ، كان الخبر قد ‏انتشر كالنار في الهشيم ..‏

ـ " ( كيليبارون ) مات ! "‏

ـ " ( كيليبارون ) مات ! "‏

وصاحت مسز ( بانكروفت ) في رعب : ‏

ـ " ماذا حدث في هذه البلدة ؟ فقدنا شخصين من خيرة أهلنا في يوم ‏واحد !!"

اخفيت وجهي في مفرش المنضدة كي لا تقول شيئا على غرار ( الخير ‏على قدوم الواردين ) .. والحقيقة أنني اعرف نفسي جيدا بحيث صرت ‏لا اغضب لتهمة من هذا النوع بل وأؤكده ا.. فعلا الخير على قدوم ‏الواردين في حالتي على الأقل .. ما إن اظهر في مكان حتى يتحول الى ‏جحيم .. وهي كما ترون موهبتي الوحيدة التي تؤهلني لسرد هذه ‏القصص ..‏

وجاء ( بارنيل ) ليجلس إلى مائدتنا ، وقال : ‏

ـ " رجل آخر يعض التراب .. كنا كل يوم نتوقع ان يحدث هذا .. مع كل ‏الكولستيرول الذي يفعم شرايينه ، وكل ما يجثم على روحه من شحم ، ‏لكننا توقعنا ان يمنحنا وقتا . . عناية مركزة .. شلل .. فترة ما تجعل ‏الرحيل تدريجيا ، لكن من المؤلم ان يرحل بهذه الطريقة .. تهشيم ‏أطراف ولوي عنق ؟ هذا رهيب !"‏

قلت له همسا : ‏

ـ " قل لي . . هل هناك من نتهمه بهذا ؟ " ‏

نظر لي كأنما يراني لأول مرة ، وهتف : ‏

ـ " سيكون هذا غريبا .. من يستطيع عمل هذا ؟؟ لا بد انه كتلة من ‏العضلات .." ‏

ـ " لنتكلم بصراحة أكثر .. ألا يوحي الامر بشيء خارق للطبيعة ؟"‏

بدا الإرهاق على وجهه وقال : ‏

ـ " بلى . ربما. لكن هذه الأشياء لا تحدث على قارعة الطريق . .انا بعد ‏كل هذا العمر لم أر ظاهرة خارقة في حياتي .."

ـ " انت إنسان سعيد الحظ .."‏

ومن جديد بدأت الأسئلة المملة والتحقيقات .. لن أتحمل البقاء في هذه ‏البلدة بعد القتيل الثالث ما لم يكن انا بالذات .. وقد تساءل كثيرون : ‏

ـ " ما الذي يربط بين القص وهذا الرجل ( كيليبارون ) ؟ " ‏

لم تكن هناك إجابة واضحة ..

- كشف الأوراق ....

‏ أما عن وفاة السيد ( مليجان ) فالأمر يحتاج الى وقفة ما ..‏

كنت قد انتهيت من التحقيقات الطويلة التي لا تقضي الى شيء والتي ‏يسكبها رجل الشرطة ( بيرك ) على راسي ورأس ( ماجي ) .. كلها ‏اسئلة غبية كان يرى رجال الشرطة يسألونها في الأفلام لو كان يرى ‏بعضها .. اين كنت عندما قتل ( كيليبارون )؟ ومتى قتل ( كيليبارون ) ‏يا سيد ؟ ماذا ؟ لا اعرف .. ظننتك انت تعرف ..‏

وهكذا .. الكثير من الهراء ، حتى إنني شعرت بحاجة ماسة الى ‏استنشاق الهواء النقي ..‏

غادرت و ( ماجي ) الخان والطفلة تمسك بيدي . الحقيقة المخجلة هنا ‏هي اننا صرنا صديقين .. الحقيقة الأكثر إثارة للخجل أنني صرت ‏مرتبطا بها بشدة .. إنها طفل مسالم لطيف أقرب الى دمية جميلة ..‏

مشيت و (ماجي ) في الممر الذي يقود الى الشارع الرئيسي ، وكنا ‏صامتين .. لكنني كنت املك الف تعليق على ما يحدث .. لكن السؤال ‏الاهم هو ( لماذا الآن بالذات )؟

قالت ( ماجي ) وهي تعقد ذراعيها على صدرها في أثناء المشي :‏

ـ " لا أعرف .. انا لا اثق كثيرا بموضوع النحس هذا .. لقد بدأ الشيء ‏مع قدوم الغرباء .. انا اعرفك واعرف نفسي وأعرف اننا لسنا من ‏الطراز الذي يلوي عنق الشيوخ للخف .. هنا يبرز بقوة اسم ( لورين ‏بالك ) هذه . هذه الفتاة لا تريحني على الإطلاق .. ربما لا ترى الرأي ‏ذاته ، لكنه حاسة الأنثى لا تخطئ .."‏

قتل في ضيق : ‏

ـ " انا ارى الشيء ذاته .. هناك إشاعة مغرضة تملأ البلدة أنها فاتنة ‏‏..حسن .. انا لا ارى هذا .."‏

ـ " لكنك لا تنكر انها ساحرة ؟"‏

ـ " ساحرة .. نعم .. بالمفهوم المجازي .. و.. "‏

ثم تلاقت عينانا .. لماذا ن فكر في الشيء ذاته في نفس اللحظة؟

كانت هناك سيارة واقفة الى جانب الطريق في هذا الموضع المهجور ‏نسبيا .. سيارة صغيرة بريطانية جدا .. ولسبب ما لم تبد لنا وقفتها ‏مريحة هنالك في الظلام الذي ملأ المكان ..‏

قالت لي وهي مستمرة في المشي : ‏

ـ " لو فرضنا جدلا انها هي .. هل تتوقع انها تجيد لوي اعناق الناس ؟ "‏

قلت في شرود:‏

ـ " القصة غير واضحة .. لا استطيع ان اراها قاتلة .. ولاي غرض ؟ "‏

هنا كنا قد وصلنا قرب السيارة ..‏

ألقيت نظرة عابرة الى داخلها ، وفي اللحظة التالية وجدت أنني على ‏الأرض والم حاد يمزق خصري ..‏

وامامنا وقف السير ( ميليجان )..‏

كان هو ولم يكن هو ..‏

إنه ينزف من عشرة مواضع على الأقل ، وقد جعلته لحظة اقتراب ‏الموت متوحشا .. لا اعرف كيف استطاع فتح السيارة لكنه فعل وبقوة ‏كاسحة .. ربما عالج المقض بقدمه . لا ادري بالضبط ..‏

وهنا فهمت.. و قف الشعر أعلى جانبي رأسي حين فهمت ..‏

لقد كان مكمم الفم ، مقيد اليدين الى ظهره ، ومن كل أوردته العملاقة ‏كانت هناك خراطيم تتدلى .. خراطيم تتصل بإبر كأنما كان يتلقى الحقن ‏الوريدية من خلالها ، لكن هذه الخراطيم كانت تنزف .. ومن الجلي أنه ‏نزف كثيرا جدا .. انا اعرف ان من يقطعون شرايين معصمهم يصابون ‏بحالة جنون هياجي قرب النهاية ، وكان السير ( مليجان ) قد دنا من ‏النهاية ..‏

مشى جوارنا .. وهوي صدر خوارا كالثيران ..‏

ثم رأى ( ماجي ) فاتسعت عيناه وراح يترنح وهو يركض نحوها .. ‏الطفلة لا تكف عن العواء ..‏

صرخت ( ماجي ) وبدأت تجري .. لكني صرخت فيها بدوري :‏

ـ " لا تهي منه ! ساعديه !!"‏

وهرعت لألحق بالبائس .. فلقط ليوجه لي ركلة في اسفل بطني جعلت ‏الهواء يخرج من أذني .. لم يرفسني حصان من قبل لكن لا بد ان الامر ‏أفضل من هذا ..‏

اسندت الى الجدار بينما صرخات الطفلة تجعل الأمر أقرب الى الجحيم ‏‏.. اخرسي قليلا بالله عليك !! إن الدم .. يعود .. إلى .. راسي .. من ‏‏..جديد .. أنا .. قوي . .التحمل . .بغرم .. ضعف .. صحتي . لن .. أموت ‏‏.. بقدم رجل قتيل أصلا ..‏

في هذه اللحظة سقط الرجل على الأرض بينما الطفلة لا تكف عن ‏إطلاق سرينتها ..‏

وأدركت من ثبات وضعه ان الأمر قد انتهى ..‏

سألتني ( ماجي ) باكية وهي تعتصر الطفلة :‏

ـ " هل انت بخير ؟"‏

ـ " سأعيش .. والآن هلا عدنا الى الخان ؟ لا بد .. من .. غوث .."‏

‏*** ‏

جاء الدكتور ( ك . أوجليفي ) بعد ربع ساعة .. وكان الامر قد انتهى .. ‏كانوا قد أحضروا الجثة مغطاة بالملاءات ، وساد صمت رهيب .. ‏الموت بحضوره المقبض .. من المجاملة أكثر من اللازم ان نقول إنه ‏ضيف ثقيل لا تجد راحتك في حضوره . بل لا تستطيع الكلام بحرية ..‏

كان الطبيب أصلع الرأس قصير القامة متأنقا جدا ، وقد راح يجفف ‏العرق المتراكم على جبينه برغم الطقس البارد ، وقال لنا : ‏

ـ " أفهم من هذا ان دماء هذا الرجل استنزفت حتى الموت ؟"‏

قلت له في نفاد صبر : ‏

ـ " تشخيصك دقيق ايها الزميل .."‏

ـ " ومن الذي يفعل شيئا كهذا ؟"‏

مططت شفتي السفلي في غباء .. إنه الشيطان ذاته لو كان يجيد تركيب ‏الإبر الوريدية ..‏

هذه المرة بدا ان البدلة كلها احتشدت في الخان ، وهو ما كان ليسعد ‏فؤاد مس ( بانكرروفت ) لو لم تكن فعلا سيدة طيبة القلب لا تحب موت ‏زبائنها ..‏

شعرت بالحضور إياه فنظرت وراء كتفي .. كانت الكاتبة السوداء ‏عائدة من الخارج مع الأخ ( اونيل ) الذي للم يعد يفارقها في الآونة ‏الأخيرة ، ومعهما سيدة أخرى في الخمسين لم ارها من قبل .. لو كنا ‏في مصر لقلت إنه امه تتعرف عروسته المقبلة .. كانت ( لورين ) ‏تضع نظارة سوداء فلما شعرت بان هناك تجمعا مريبا نزعت نظارتها ، ‏وهزت رأسها ثم ودعت الفتى واتجهت الى غرفتها ..‏

كانت ( ماجي ) تنظر الى المشهد وكذا انا .. فتحت شفتيها ومطت ‏عنقها نحوي في إيماءة اعرفها جيدا ، فملت عليها بأذني لأسمع ،وقبل ‏ان تتكلم قلت أنا : ‏

ـ " نعم .. نعم . .المرأة التي مع ( اونيل ) .."‏

ـ " تعرفها .. اليس كذلك ؟"‏

ـ " بلى .. لكني عاجز عن تذكر متى وأين .."‏

مع ( ماجي ) تخطر الفكرة في ذهني فترد هي عليها من دنو كلام .. بل ‏إن بوسعي ان ألومها على فكرة سخيفة لم تصرح بها .. وارد خواطر ‏قاتل نعرفه من ايام بعثتي القديمة هنا ..‏

قالت في خبث : ‏

ـ " الصور ! هذه إحدى النساء اللاتي كن يرقصن في المقبرة !"‏

ـ " هل .. تعتقدين هذا؟!‏

ونظرت للمرأة .. لست متأكدا لأنني لم ار الصور بما يكفي .. لكن ‏وجهها بالتأكيد مألوف ، وفي الغالب انطبع في ذهن يمن وقتها .. ما ‏معنى هذا ؟ ‏

سرى الإشعاع السايكوفيزيائي بين الجالسين ، وتقدم رجل متأنق بدين ‏معتد بنفسه إلى وسط الدائرة ، وقال في تؤدة : ‏

ـ " يجب ان نتحدث بصراحة يا رفاق .. هذا الذي يحدث في بلدتنا ‏الهادئة لا يصدق .. ويوحي بلعنة ما تتجاوز فهمنا .. هل هناك من ‏يربط ملي بين هذه الاحداث وقدوم غرباء إلى البلدة ؟"‏

تعالت الهمهمة فصاح آمرا : ‏

ـ " من ير هذا فليرفع يده .."‏

ارتفعت عشرات الأيدي .. ما كنت احسبه ان كل واحد من هؤلاء القوم ‏له ست اذرع إلا بعدما رايت هذا بنفسي ..‏

قالت ( ماجي ) في تحد : ‏

ـ " حسن .. ومن ير اننا قتلنا هؤلاء الثلاثة فليقل هذا صراحة .."‏

لم يتكلم احد .. فقالت في هدوء : ‏

ـ " انا ومرافقي سنرحل غدا صباحا .. لو كنا نجلب الشيطان معنا ‏فنحن سنريحكم .."‏

هنا هتف رجل الشرطة ( بيرك ) في رعب :‏

ـ " هذا لن يكون .. لن يفارق احد البلدة قبل قدوم رجال التحريات ‏الجنائية .. سأطلق الرصاص على اول من يفكر في الخروج .."‏

على الاقل هو يتصرف بشكل صحيح من حين لآخر ، لكن ها نحن ‏أولاء قد صرنا محاصرين ..

هنا هتف رجل من الجالسين : ‏

ـ " لحظة .. من يشعر بارتياب في تلك الفتاة من ( شيفيلد ) فيرفع ‏ذراعه .." ‏

هذه ا لمرة ارتفعت مائة ذراع .. هؤلاء ليسوا بشرا .. إنهم عشيرة من ‏الأخطبوط ..‏

ـ " هي لا تكتب شيئا وتكاد لا تمضي وقتا في حجرتها .. إنها تجوب ‏البلدة طيلة اليوم .. كلنا رآها في المقابر .. ماذا تفعل هناك ؟ من هي ‏حقا ؟" ‏

هنا قرر الفتى ( اونيل ) ان يقوم بواجبه ،فهب يمسك بقائل هذا من ‏ياقة سترته ، وكور قبضته العملاقة وشده االى الوراء في وضع ‏مألوف . إنه بالفعل يتصرف كأنه زميل ( جاري كوبر ):‏

ـ " من يقل حرفا واحدا يسيء لها سأهضم وجهه !"‏

قال الرجل الأول المعتد بنفسه : ‏

ـ " الحقيقة يا بني انك صرت في قبضتها .. إنك مفتون بها .."‏

ـ " بل انتم مرضى النفوس .. الحقيقة إنها بهرتكم جميعا .. وحين لا ‏ينال الرجل فرصته فإنه يختلق الأكاذيب ويتحول إعجابه إلى حقد .. ( ‏لورين ) اختارت رجلا واحدا في هذه البلدة التعسة وانتم لا تطيقون ‏هذه الفكرة .."‏

كلامه صحيح حتى إن كان لا ينطبق على هذه الحالة .. إن من قرأ او ‏شاهد رواية ( زوربا اليوناني ) للعظيم ( كازندزاكيس ) يذكر جيدا ‏مشهد قتل الأرملة الجميلة على يد رجال القرية بدعوى الحفاظ على ‏الأخلاق . والحقيقة أنهم قتلوها لأنها لم تختر واحدا منهم ..‏

المهم ان الموقف تحول الى نار متأججة وكادت اللكمات تتطاير ، لولا ‏ان الرجل المعتد بنفسه وقف وصاح :‏

ـ " يا رجال .. انا اقترح ان نحبس الغرباء في غرفهم الى ان يأتي ‏رجال التحريات .. لا نريد مشاكل جديدة .. انا اعتذر لهم بشدة على هذا ‏لكنهم يفهمون دوافعنا .."‏

صاحت ( ماجي) في عصبية : ‏

ـ " يحبسوننا ؟ بأي حق !!"‏

لكني ضغطت على معصمها وهمست : ‏

ـ " لا مشكلة في إجراء كهذا .. إنها ليلة واحدة بعدها نترك هذه البلدة ‏بمشاكلها .. لا داعي لتصل الرأي .." ‏

وهكذا بدأ الحشد يتفرق من حولنا ليفسح لنا الطريق ..‏

هن توقفت وقلت بصوت عال : ‏

ـ " بالمناسبة .. اين مستر ( بارنيل ؟ ( باتريك بارنيل )؟"‏

لم يكن هنا .. ونظر لي القوم في دهشة ، فقلت بنفس الصوت العالي : ‏

ـ " أقترح ان تحرسوه جيدا .. لو حدث له شيء فنحن ابرياء من دمه ‏‏!"‏

سالني رجل الشرطة في دهشة : ‏

ـ " ماذا تقول بالضبط ؟ " ‏

‏ ـ " اعتقد ان كثيرين منكم خمنوا ما اعنيه .. كل هؤلاء الذين ماتوا ‏كانت لهم علاقة ما بموت ( رونيل السوداء ) .. انتم تعرفون القصة ‏وتذكرون التفاصيل .. لا اعرف كل من تورط في هذه القصة ، لكن ‏المرشح رقم واحد للموت الآن هو ( باتريك بارنيل ) .. حفيد قاضي ‏الساحرات الرهيب !"

-‏7-

أسطورة المقبرة ...‏

لم يكن البقاء في غرفتي سيئا .. انتم تعرفون انني حريص على كل ‏نشاط بشري يحرمني مخالطة البشر ! لكن ( ماجي ) .. الشعور من ‏جديد بأنها ستنفد .. لو عرفت تلك الطفلة ( إليانور ) كم هي مجدودة ‏الحظ ..‏

قضيت الوقت اصغي للمذياع ، واكتب بعض الملاحظات عن المؤتمر ‏الاخير الذي حضرته ..‏

فتحت الستائر لأرمق الظلام في الخارج . هل هذا غراب الذي يقف ‏على تلك الشجرة البعيدة ؟ هو كذلك ، ولا انفي لحظة انه يبدو لي كم ‏يراقب نافذتي .. انا عصبي وقد اعتدت هذه الامور .. انا هستيري ‏مجنون ولن اترك ملحوظة كهذه تدمر اعصابي ..‏

ثم تسرب النوم الى جفوني لا ادري كيف ، فدخلت الفراش المريح ‏الدافئ .. الذي يحتضنك احتضانا .. وكان للدفئ الكلمة الأخيرة قبل ‏الإرهاق ..‏إنني ..‏

‏*** ‏

في الثالثة صباحا سمعت القرعات على بابي ، فنهضت .. تعثرت في ‏الغطاء السميك طبعا واطلقت الكثير من السباب الى ان وجدت الباب .. ‏وفي اللحظة ذاتها كان المفتاح يدور فيه من الخارج ، فلا تنس انني ‏حبيس هنا ..‏

هناك كان رجل الشرطة الأحمق ( بيرك ) ومعه مسز ( بانكروفت ) ‏التي بالفعل صارت عيناها خارج جمجمتها .. وعرفت على الفور أن ‏كارثة حدثت ..‏

ـ " كارثة حدثت يا سيدي .."‏

ـ " إنني ارتجف قلقا .."‏

ثم سمحت لهما بالدخول وبحثت عن الروب .. ثم جلست على طرف ‏الفراش وتثاءبت كفرس النهر .. بينما قال الشرطي عديم الكفاءة :‏

ـ " لقد توفي السيد ( باتريك بارنيل ) .. لقد كنت محقا يا سيدي .." ‏

ادرت الخبر في فمي لأتذوقه جيدا .. هذا الرجل لطيف المعشر الذي ‏راح يكلمنا كأننا صديقان قديمان له ، والذي عرفت منه كل تفاصيل ‏هذه القصة قد مات ..‏

ـ " كيف ؟"‏

صمت الرجل وشهقت المرأة .. مما جعلني اعرف انه مات بطريقة لا ‏يمكن سردها .. اشياء كهذه لا تقال للاطفال مثلي ..‏

ثم ان الشرطي قال وهو ينهض : ‏

ـ " اتقد انه لم يعد من داع لهذا السجن .. يمكنك الخروج إذا اردت يا ‏سيدي .."‏

في هذه اللحظة ظهر رتل من الرجال الذين لا اعرفهم على الا .. لكنهم ‏كانوا غاضبين كالجحيم .. كانوا يريدون تدمير أي شيء او قتل أي أحد ‏‏.. يبدو ان المنظر أثار حفيظتهم بحق .. وهنا رأيت من جديد الدليل ‏القاطع على ما يروونه عن حدة طباع الأيرلنديين .. أنا جربتها وكدت ‏القى حتفي لو كنتم تذكرون قصة اللهب الازرق والاخ ( شاكال ) ..‏

في بعد عرفت تفاصيل موت الرجل ـ ( بارنيل ) لا ( شاكال ) طبعا .. ‏ولن احكيها بالتأكيد .. لكنها كانت جديرة بصاحب اعظم جرم بالنسبة لـ ‏‏( رونيل السوداء ) إن حفيده تلقى العقاب كملا غير منقوص .. ويكفي ‏القول إن الطبيب فقد وعيه حين رأى المشهد ..وان الرجل ذا الكلمة ‏المسموعة إياه في حالة هستيرية الآن ..‏

قلت وانا اقف امام الباب : ‏

ـ " مس ( بلاك ) ؟"

‏- " ليست هنا .. إنها لم تعد في الخان قط منذ اتفقنا على تحديد إقامتكم ‏‏.. نعتقد انها غادر غرفتها من النافذة .."‏

وقالت مسز ( بانكروفت ) :‏

ـ " لا اكتمك سرا أننا فتشنا اوراقها .. لم نجد قصصا على الإطلاق .. ‏كانت هناك صفحات ملأى برموز غريبة كالتي تستعمل في السحر .. ‏مئات العبارات اللاتينية التي تجمد الدم في العروق .. تلك الفتاة ليست ‏طبيعية .."‏

فكرت في المعلومة بعض الوقت ، ثم قلت للرجل : ‏

ـ" هل معك قلم ؟"‏

ناولني قلما من الرصاص في تردد ، فأمسكت به وبخط كبير واضح ‏كتبت على الجدار : ‏LOREANE‏ ...‏

صاحت مسز ( بانكروفت ) في غضب :‏

ـ " بحق السماء .. ماذا تحسب انك فاعل ؟"‏

ثم أرد ، وهتفت في القوم :‏

ـ " كيف تتهجون اسم تلك الساحرة التي حرقها اجدادكم ؟ ‏RONEAELE؟"‏

هنا صاح احد الاذكياء : ‏

ـ " حقا . . نفس الاحرف .. ونفس الرنين في الأذن .. وكلاهما سوداء ‏‏.. ( بلاك ) .."‏

هنا بللت طرف منديلي بلعابي ، ورحت ازيل الدمار الذي احدثته في ‏جدار الخان كي لا كي لا تقتلني صاحبته ..‏

نظرت لي مسز ( بانكروفت ) في حدة ، وسألت : ‏

ـ " هل تحاول التلميح الى ان الساحرة عادت اليوم لنا في ثوب تلك ‏الفتاة من ( شيفلد ) وانها تنفذ انتقامها ؟ كيف ؟ هل غادرت قبرها ؟ ‏هل حلت روحها بتلك الفتاة ؟ كلها افتراضات لا تقبل .."‏

وقال واحد من الوافدين :‏

ـ " ولماذا اليوم بالذات ؟ لماذا تنتظر ثلاثمائة عام ؟ " ‏

ـ " يمكنك ان تسألها .."‏

ثم اردفت وانا اشعر بإرهاق شديد من فرط هذا الجهد العصبي : ‏

ـ " الفتاة تكمل بالضبط ما كانت ( رونيل ) تفعل .. الشخص الوحيد ‏الذي وثقت به هو الفتى ( اونيل ) ولا أشك في أنه حفيد ( اونيل ) ‏القديم الذي كاد يلقى بنفسه في النيران من اجلها .. ثم يموت حفيد ‏القس الذي شك فيها .. وحفيد الحاكم .. وحفيد القاضي الذي امر ‏بحرقها .. وحفيد الثري الذي كان يحبها ، والذي ربما كان له دور في ‏إدانتها .. لا اعرف كل من تورط في هذه القصة، لكن ( رونيل ) عادت ‏‏.. انا متأكد من هذا .. وانتقامها شامل ماحق .. والمشكلة هنا ان من ‏ماتوا حتى الآن هم الورثة الوحيدون لأسرهم ، فماذا عن الأسر التي ‏تفرعت وتشعب احفادها ؟"‏

ساد الصمت ثم تساءل احد الرجال ؟"‏

ـ " والحل ؟"‏

ـ " أرى انه لا بد من نبش قبرها .. اعتقد ان الجواب الصحيح يكمن ‏في المقبرة .."‏

كان الرجال بحاجة الى أي شيء يبدد طاقاتهم الثائرة ، لهذا تصايحوا ‏في حماسة كأنما ادعوهم الى السيرك : ‏

ـ " المقبرة .. نعم .. المقبرة"‏

ـ " في الصباح يمكننا ان .."‏

لكنهم لم يكونوا على استعداد للانتظار حتى الصباح ..‏

مشكلة الأيرلنديين الغاضبين هي انهم لا يسمحون لكهل مثلي بالنوم ..‏

وسط الزحام رأيت ( ماجي ) تشق طريقها بوجه ممتقع ، وقد حملت ‏الطفلة متمسكة بعنقها .. بدا لي المشهد غريبا لانني لم ار طفلة تحمل ‏طفلة قط .. ثم إن ( إليانور ) لم تكن رضيعة بالتأكيد ..‏

قالت لي همسا : ‏

ـ " انت قلت نفس ما افكر فيه .. لكن ما كان يجب ان تقوله علانية ‏‏.."‏

ـ " ولم لا ؟ "‏

ـ " رد الفعل الجماهيري غير المنضبط .. انت كمن يفتح قمقما فيه ‏جني حبيس .. لو أنهم قابلوا الفتاة الآن ؟ حتى لو كانت بريئة لأطاروا ‏عنقها بلا مناقشة .. السبب الاهم هو أنني متأكدة من ان عددا من ‏هؤلاء القوم يعرف ما نتكلم عنه . ربما كان يرقص حول المقبرة في ‏تلك الليلة . اكره البارانويا لكن الحذر واجب .."‏

اعترفت في خجل بانها محقة لكن العجلة دارت .. من العسير ابتلاع ‏الكلمات ..‏

وفي هياج ـ كتنين أسطوري هائل عقله في قدميه ـ تحرك الجمع نحو ‏المقابر .‏

قلت لها : ‏

ـ " أغلقي بابك بإحكام وكوني حذرة .. ربما كان من الحكمة ان تنزلي ‏لتقضي الوقت مع مسز ( بانكروفت ) .."‏

‏*** ‏

في ضوء المشاعل يبدو المكان بهيجا ..‏

عشران الناس والمشاعل التي تشبه ( الكلوبات ) في سوق الخضار ‏عندنا ، وكشافات نيون وكشافات عادية تعمل بالأحجار الجافة .. غبار ‏‏.. عرق .. زحام ..‏

لقد خضت هذا الموقف مرارا من قبل ومن بعد ، بحيث يبدو لي الآن ‏انني قضيت عشرة اعوام من عمري وسط اناس ينبشون قبرا ما ..‏

كنا جميعا نتجه الى المكان الي لن انساه ما حييت ..‏

القبر الوحيد الباقي والذي لا يحمل شاهده أي اسم ..‏

ربما كانت هناك قبور اخرى لكن لا احد يذكر مكانها ..‏

اين حارس المقابر ؟ كان هناك وسط الزحام وقد تحول الى فزاعة من ‏فعل الكحول .. يصعب علي ان اصدق ان هذا الرجل لم يذق الخمر من ‏قبل ..‏

وقفنا هناك . وكانت الاعشاب تغطي الشاهد ، فيما عدا ما قمت بإزاحته ‏حين كنت مع ( ماجي ) .. وبدأت المعاول والأظفار تعمل ..‏

بدأ التراب يتراكم .. وعرفت انها مدفونة من دون تابوت ولا كفن على ‏سبيل الانتقام ..‏

اخيرا بدأت معالم الحفرة تتضح ..‏

وتكأكأ القوم حول الحفرة كل يحاول ان يجد موطئ عين .. وشعرت ‏بأنني اختنق .. الكل يدفعني الى الحفرة ، وتساءلت في سري : الا ‏يستحم هؤلاء القوم ؟

عظام .. عظام بالية نخرة مفتتة ..‏

تلوت : " كل نفس ذائقة الموت " ، ثم جثوت على ركبتي اتفحصها ، ‏ورفعت عيني فوجدت الدكتور ( اوجليفي ) جاثيا جواري يتفحص ‏العظام بدوره في ضوء الكاشف ..‏

ـ " ما رأيك ايها الزميل ؟ أي "‏

قالها وهوي يتلقى كوعا في كتفه .. فقلت بينما ركبة صلبة تضربني ‏في مؤخرة راسي ..‏

ـ " مثل رأيك . آي هذه العظام محترقة وتتماشى مع القصة .. لا ‏اعرف عمرها لكن لا استبعد أنها دفنت هنا منذ ثلاثمائة سنة .."‏

هكذا اعلن على الناس ان الجثة في مكانها .. الساحرة لم تغادر القبر ‏لتلتهم حناجركم يا شباب فاطمئنوا ‏

كنت انا شارد الذهن افكر .. ما معنى تلك الزيارات الليلية الى هذا ‏الموضع إذن ؟ طبعا انا لم اتوقع لحظة أن تنهض الجثة من قبرها لان ‏هذا مستحيل .. فمن هي ( لورين ) إذن ؟ لا أقبل كذلك قصة التناسخ . ‏ما خطر لي هو ان هناك من سرق الرفات من اجل عمل سحري ما .. ‏لكن من الواضح ان هذا لم يحدث ..‏

هنا توقف الطبيب الأيرلندي الأصلع وقال : ‏

ـ " هذه العظمة .. آي ! ما رأيك فيها ؟"‏

نظرت الى العظمة وفهمت ما يعنيه ..‏

سألته :‏

ـ " في أي سن هلكت ( رونيل السوداء ) ؟"‏

ـ " كانت قد تجاوزت العشرين .."‏

وكانت العظمة التي يحملها لا تحتمل الشك .. هذه عظمة طفل .. الخط ‏الكردوسي واضح تماما وحجم العظمة نفسه واضح لكل طفل ..‏

هذه الرفاة ليست رفات ( رونيل السوداء )