-4-
عن ( رونيل السودء ) ...
في التاسعة مساءا جلسنا في قاعة الجلوس نثرثر ، والجريدة أمامي لا افهم عم تتكلم ..
ان ( ماجي ) لم تتغير قط.. قلت هذا مائة مرة وأقوله مرة أخرى .. دعابات تلقيني من على المقعد ضحكا ، ورقة ( تكاد تنبت الزهر في قلب الصخرة الجلمود ) على راي عمنا العبقري ( الشابي ) .. ولربما ( طهارة تبعث التقديس في مهجة الشقي العتيد ) كذلك ..
رحت ارمقها وهي تتكلم .. كالعادة لم اعرف حرفا مما تقول لأن خواطري تزاحمت . اصغيت لها اكثر من اللازم لم اعد افهم شيئا ..
لماذا لانتزوج ؟ لقد اجبنا عن هذا السؤال الف مرة ، والاجابة تبدو واهية لكنها الحقيقة .. كل منا يريد ان يبقى الآخر على مسافة كي يظل رمزا عزيزا أبديا .. حين يتحول الآخر إلى معنى..
لكن ما يثير جنوني بصدد ( ماجي ) هو التفكير في كل الساعات التي تعيشها بعيدا عني .. كل الافكار الذكية والدعابات والرقة التي تشعها من حولها ، بينما انا في شقتي الكئيبة أقاسم الأشباح الطعام .. يمضني ذلك الشعور المزمن بانها ( ستنفد ) .. لن يبقى منها شيء لي لان مصير الشموس كلها الخمود ( الإنتروبي ) .. لو استطعت لاستوليت على ماضيها وحاضرها وغدها بوضع اليد .. كل العوام التي فاتتني وهي طفلة ، وكل الاعوام التي ستفوتني حين اختفي في القبر .. كل هذا يجب احتكاره .. ربما لو كان هناك محام بارع لاستطاع ان ..
ـ " ( رفعت ) ! انت لا ترفع عينيك عنها !"
تبا لكن من ظالمات ! انا ارتدي عوينات القراءة ولا ارى ابعد من متر او اقل .. ثم إنني غارق في التفكير فيك وبرغم هذا ..
ـ " لا اعرف عمن تتكلمي .."
- " تلك المرأة السوداء .. نزيلة امس .. طبعا ..
هنا فقط فهمت عمن تتكلم ، وبدلت العوينات .. عوينات المسافات كي ارى افضل .. كانت تلك الآنسة جالسة الى منضدة مجاورة تشرب الشاي وتطالع الجريدة مثلي .. رفعت عينها فرأتني فهزت رأسها في رقة ، وهتفت :
ـ عمت مساء يا دكتور .. صارت نافذة غرفتي سلسة . .شكرا لك !"
همست ( ماجي ) بصوت كالفحيح :
ـ " نافذة غرفتها ؟ متى وكيف ؟
قلت وانا ابدل العوينات :
ـ " نافذة غرفتها كانت متيبسة .. وقمت بفتحها لها .."
ـ " ومنذ متى تجيد فتح النوافذ ؟ الاحظ ان فتح الجريدة قد اصابك بنوبة قلبية "
في هذه اللحظة دخل المكان شاب على درجة من الوسامة .. كان فارع القامة قويا يبدو أنه خلق ليمثل افلام رعاة البقر مع ( جاري كوبر ) أو ( جون واين ) .. حين كان أبطال الأفلام يوجهون لكمات قوية الى فك أعدائهم ، قبل ان يظهر اختراع الركلات .
وتصايح الجالسون :
ـ " قد عاد ( اونيل ) !"
عاد ؟ أين كان إذن ؟
بدأ الحوار الأيرلندي الذي أقنعني بالفعل ان الإيرلندية لغة لا علاقة لها بالإنجليزية .. حين يتحدث هؤلاء القوم مع بعضهم يأخذون راحتهم ويستحيل عليك فهم حرف واحد ، بينما حين يكلمونك يحرصون على جعل كلامهم مفهوما لك .. نفس الظاهرة تلاحظها مع الاسكتلنديين .. ومع رعاع لندن حين يستعملون لهجة ( الكوكني ) ..
قالت ( ماجي ) :
ـ " هذا الفتى كان في دوبلين ) يجرب حظة في التمثيل مع فرقة مسرحية ما .."
ـ " سينجح لو كان الدور المطلوب هو باب مخزن .."
ثم إن الفتى نظر نظرة عابرة الى الفتاة السوداء الجالسة وحدها .. رايته يترك المحيطين به ويتجه نحوها .. يقف أمامها .. يتكلم معها في لباقة والفتاة تبتسم ثم تضحك .. تشير إليه كي يجلس .. هذه الفتاة أرستقراطية لكنها ذات ميول بروليتارية لا شك فيها . فالفتى لا يبدو من طبقتها على الإطلاق ..
وقف رجل مرح جوار منضدتنا وقال :
ـ " ( ويليام أونيل ) .. إن الفتى يعرف كيف يروق للنساء .."
ثم مد يده لي مصافحا وقال :
ـ " ( باتريك بارنيل ) .. من اعيان البلدة .. بمعنى آخر انا عاطل بالوراثة .."
نظرت له ( ماجي ) في فضول وهتفت كمن دق الاسم جرسا في رأسه :
ـ " أنت.."
ـ " نعم .. من اسرة ( بارنيل ) .. وهي اسرة اشتهرت في سلك القضاء .. إننا علامة على هذه البلدة .. لكنني لم ادرس القانون او بمعنى آخر لم استكمل دراستي .."
دعوته للجلوس فشد مقعدا وجلس ، ومد يده يداعب شعر ( إليانور ) .. لن اندهش لو عادت الطفلة لأمها صلعاء تماما بعد هذه الرحلة .. لسبب ما يفترض الجميع انها كلب ( بلاك جاكيت ) يجب المسح على رأسه ..
بعدما تم التعارف قال لي :
ـ " لا تؤاخذنا .. نحن الأيرلنديين قوم حارو العواطف مرحون ، ولسنا ثقيلي الظل منشين كالإنجليز . يقولون إننا سريعو الغضب ميالون للشجار.. هذا صحيح .. لكن هذا يدلك اكثر على طيبة قلوبنا .."
وأشار الى الجالسين حولنا وبدأ يشرح لي :
ـ " كل واحد من الجالسين هنا لم يترك البلدة قط .. كل واحد يعرف أجداده وأجداد الآخرين .. يمكنك ان ترى الجميع هنا لأن هذا الخان اقرب الى النادي .. هل ترى هذا الرجل المتأنق كث الحاجبين ؟ إنه السير ( جون مليجان ) سليل أسرة ( مليجان ) الأرستقراطية .. كانوا دوما اكثر الناس ثراءا في هذه البلدة .. هل ترى هذا العجوز البدين الذي ينظر في ساعة الصديري ؟ إنه آخر احفاد ( كيليبارون ) الذين حكموا هذه البلاد في عصر الإقطحاع .. انت رأيت قلعتهم .. لكنه لا يعيش هناك .. هذا الذي يحتسي القهوة هو القس ( كيرباتريك ) وهو من أسرة قساوسة لا تدري من اين بدأت .. ربما منذ دخول المسيحية الى ايرلندا .."
قلت مبتسما في يخبث :
ـ " يبدو ان الزمن لا يتغير هنا .. لو كان في هذه القاعة خبير قنابل ذرية ، فلا شك انك ستقول إن جده كان خبير قنابل نووية في القرن الخامس .."
ـ " هو ما تقول .. هو ما تقول .."
هنا مالت ( ماجي ) عليه وسألته السؤال الذي كنت سأسأله بنفسي :
ـ " اليوم وجدنا قبرا ليس على شاهده كتابة .. لقد أثار هذا فضولنا .. هل تعرف هذه القصة ؟"
قطب للحظة كأنما يتذكر ثم هتف في مرح :
ـ " آه ! يا للغرابة ! ( رونيل السوداء )!! كنت قد نسيت هذه القصة تماما !! "
هنا دوى صوت تهشم الزجاج !!
***
قالت ( لورين ) بصوتها الخشن نوعا:
ـ " آسفة .. سأدفع ثمن ما هشمت .."
قالت مسز ( بانكروفت ) وهي تجمع بقايا براد الشاي الخزفي بالمكنسة :
ـ " لا عليك . .هذه أشياء تحدث لأي واحد .."
وقال الشاب في شهامة وهو يجفف مفرش المائدة :
ـ " إن مسز ( بانكروفت تعرفني .. سوف أسوي الامر فلا تقلقي .."
راح مرافقنا السيد ( بارنيل ) ينظر الى الفتاة في فضول ، ولاحظت نظراته بدورها فنظرت له في حدة لا شك فيها .. ثم التفت لي وتساءل :
ـ " ما زلت لا افهم سبب وجودها هن ا.."
ـ " كاتبة قصصية هي .. انت تعرف هؤلاء الكتاب .."
ـ " قلت إن اسمها ( لورين ) ؟ غريب .. ليكن .. والآن اكمل قصتي .. اين كنا ؟ آه .. هل تعرف ان ( رونيل السوداء ) هذه اتهمت بالسحر ، وكان القاضي الذي حكم عليها بالحرق هو جدي القاضي ( ستيوارت بارنيل ) المحترم ؟ كان صارما يختلف كثيرا عن أحفاده ، وقد اعدم ساحرات كثيرات برغم ان هذه القصص نادرة في إنجلترا .. لسنا في أسبانيا او فرنسا .." دخل الكمان رجل يوحي بعدم الكفاءة .. لو كان سباكا فهو خائب ، ولو كان طبيبا فهو غبي ، ولو كان ...
ـ " هذا رئيس الشركة ( آرثر بيرك ) .. إنه لا يعمل شيئا على الإطلاق وراتبه يناسب ما يعمله بالفعل .."
هذا رئيس شرطة ! في بلدة هادئة مسالمة كهذة يكون هذا الرجل كحارس المرمى الذي لم يختبر .. لكنني اعرف نتائج عمله جيدا من شاربه الكث المتهدل ونظرة عينيه الرخوة ، وثيابه الزرية ..
ثم إن الرجل ـ ( بارنيل ) ـ راح يحكي لنا ما أعتقد انك قرأت ملخصه في بداية الكتيب .. هناك تفاصيل معينة اخرى ابقيها لنفسي وتفاصيل نسيتها ، وتفاصيل يحسن ان ننساها ...
ظللنا نتحدث طويلا جدا حتى إن الطفلة احمرت عيناها ، ثم وضعت رأسها الأشقر الصغير على كتف (ماجي ) وراحت تغط .. اعترف انني إن كنت اكره الاطفال فأنا احبهم نائمين .. إنهم يبدون ملائكة بالفعل يختلفون تماما عن الشياطين التي يكونونها وهم متيقظون .. وقالت ( ماجي) في رفق :
ـ سأضعها في الفراش ثم أعود .."
واسندت الطفلة حتى تصل بها الى الغرفة ..
نهض القس أولا وحيانا جميعا في رصانة ، ثم اتجه الى الباب ..
في هذه الاثناء بدا ان صداقة حقيقية انعقدت بين الفتى ( اونيل ) وتلك الأرستقراطية..
رايتهما ينهضان وهما يواصلان حديثا ضاحكا هامسا ، ثم اتجها الى الباب بدورهما .. ونظر ( إليوت ) من وراء كتفه الى الرجال نظرة من طراز ( إياكم ـ أن ـ تتناولوا ـ سيرتنا ـ بالسوء ـ وإلا ـ الويل ـ لكم ) ..
فخفض الجميع عيونهم الى أكوابهم ..
لكمن ما إن خرج حتى هتف ( باتريك بارنيل ) :
ـ " بارع هذا الفتى بحق !"
وغمغم احدهم في ضيق :
ـ " إنهن منطلقان في ( شيفيلد ) ولسن مثل نسائنا اللواتي يحلقن ذقونهم يوميا .."
ثم ساد الصمت لأن ( ماجي ) قد عادت ، وهي تفهم الإنجليزية لو كنت تدرك هذا !
ثم بدأ اكثر الموجودين في الإنصراف .. هنا دوى صوت الغراب ..
تبادلنا النظرات ..لم يكن التأثير العام مريحا ، لولا ان قطع ( بارنيل ) الصمت بترديد مقطع من قصيدة ( بو ) الشهيرة ( الغراب ) ..
ـ " غربان هنا ؟ لم اسمع احدها هنا قط .."
ـ " هذه الأشياء تحدث .."
وحياتي الرجل ونهض .. بينما جلست مع ( ماجي ) لمدة ساعة اخرى ..
هناك دائما تلك اللحظة المؤسفة التي تدرك فيها حقيقة انك لن تظل هنا للأبد . لا بد من كلمة ( مساء الخير ) .. ثم تصعد الى حجرتك ثملا بالالام .. تترنح في صعودك الدرج ، وتنزلق قدمك .. تدخل غرفتك ورأسك ينبض بأشياء كثيرة الى حد انك لا تعرف فيم كنت تفكر على الإطلاق ..
أعرف هذه الأعراض جيدا ..
وفي الصباح عرفنا نبأ موت الضحية الأولى ..
5- وتهاوى السد ...
لم يكن هناك الكثير مما يقال ..
لم يعرف أحد بنبأ الوفاة إلا في السابعة صباحا حين جاء بائع الجرائد الى الخان ، وكان معتادا على ان يجتاز الزقاق المجاور .. هذا ممر لا يهواه الكثيرون لانه قذر ، لكن الفتى كان يحبه لأنه يختصر الكثير من الوقت ..
وكانت جثة القص ممددة على الأرض ، ويبدو أنه لم يتعذب كثيرا لان الضربة التي هشمت رأسه من الخلف فعلت كل شيء في الوقت ذاته ..
طبعا اصيب الفتى بالهستيريا ، وركض الى الخان وهو يولول ويصرخ .. يصرخ ويولول .. وكانت هذه الضوضاء هي ما أيقظنا من سباتنا ..
تحول المكان الى خلية نحل .. فهذه البلدة لم تر حدثا غير تقليدي ربما منذ حرق ( رونيل السوداء ) .. وجاء رجل الشرطة غير الكفء ( آرثر بيرك ) وقد بدا عليه ارتباك شديد .. هو لا يعرف كيف يبدأ ..
راح يسال هذا ويسأل ذاك ويسجل أشياء في دفتره ، لكنه كان عاجزا عن تجميع أفكاره ..
المشكلة هي أنه كان جالسا فعلا عندما غادر القس الخان .. أي انه يعتبر واحد من آخر من رأوه .. والسؤال هنا هو : من يكره القس الى حد ضربه بمطرقة على مؤخرة رأسه ؟
ـ " كيس رمل ! ليس مطرقة بل كيس رمل ! لا تنس اننا في إنجلترا بلد ( أجاثا كريستي ) حيث يحبون القتل بكيس رمل مليء .. أو قطعة ثلج سرعان ما تذوب جوار الضحية ليختفي سلاح الجريمة !"
قالتها ( ماجي ) في شيء من السخرية المريرة ونحن جالسون الى مائدة الإفطار .. ثم اضافت :
ـ " انت هنا ! الواقع أنني بدأت اتساءل عن الكارثة ولماذا لم تحدث !"
ـ " هذا غير عادل .."
جاء ( بيرك ) وطلب قدحا من الشاي ، ثم اتجه الى حيث جلسنا الى المنضدة ، فقال :
ـ " معذرة ايها السيدان .. الحقيقة أ،ني يجب ان اثقل عليكم بالأسئلة لأنكما غريبان في هذه البلدة .."
قلت له باسما :
ـ " هذا من حقك يا سيدي .. لكن لاحظ أننا كنا جالسين امامك .. ثم صعد كل منا الى حجرته امامك ايضا .. هل غادر أحدنا الخان ليلا ؟ "
ـ " لا .. مسز ( بانكروفت) تقول لا .. لقد تأكدت من هذا .."
وداعب شاربه في حنكة بوليسية ثم أضاف :
ـ " هناك تلك الفتاة من ( شيفيلد ) .. لكن ( اونيل ) لم يتركه لحظة .. وقد عادا الى الخان بعد ساعة .. أنا اثق بـ ( اونيل ) طبعا .."
قلت له وانا ارشف القهوة :
ـ " آعتقد انك بحاجةالى آخرين . ( سكوتلانديارد ) او شيء من هذا القبيل ..
ـ " هناك فريق جنائي قادم اليوم .. لكن من واجبي أن آخذ بعض البيانات .."
وبالفعل جاء بعض السادة شديدي الاهمية عند الظهيرة .. كانوا يرتدون المعاطف الخاكية ويرمقوننا في شك ، ومعهم عربة إسعاف وضعوا فيها الجثة ، ثم راحوا يستجوبون الجميع ويعرفون كل شيء ..
في النهاية ـ عندما اقترب المساء ـ نظروا لنا في كراهية ثم انطلقت سياراتهم عائدة الى حيث جاءت .. إلى أين ؟ إلى المكان الذي يأتي منه الرجال شديدو الأهمية الذين يرتدون المعاطف الخاكية ..
لا ادري لماذا شعرت بحاجة الى ان امشي قليلا في البلدة في هذه الإضاءة الغريبة . .إضاءة المساء المقبل ..
قدماي حملتاني الى المقبرة إياها .. ووقفت فوق مرتفع صخري ارمق المشهد الرهيب ..
من المؤسف أنني لن اكون هنا الشهر القادم حين يكتمل القمر .. لربما لو رأيت مشهد الساحرات هذا لخطرت لي بعض الأفكار ، لكن القمر كان مكتملا قبل قدومي بثلاثة أو أربعة أيام .. سأكون وقتها في مصر .
هنا لمحت ذلك الشبح يتحرك في شواهد القبور .. ما كل هذا الثبات ؟ كأنها تمثل فيلما سينمائيا والمخرج قد طلب منها ان تبدو رهيبة ثابتة الجنان .. كما انها تعرف التأثير المسيطر الغريب للشخص الذي يضع يديه في جيبي معطفه الاسود الطويل ، وينقل كعبي حذائيه طويلي الرقبة في ثقة .. كل من رأى نمط الجنرالات النازيين في السينما يعرف ما اقصد ..
كانت هذه هي كاتبتنا الشابة الواعدة ( لورين ) ..
تمنيت ألا تراني .. لسبب ما لا اطيق وجودها ..
لكنها رأتني .. وهكذا مشيت بنفس الثقة الى حيث كنت واقفا ارتجف من البرد .. وقالت :
ـ " هالو .. انت تجد ذلك السحر الشاعري في المقبرة مثلي ؟ "
ـ " ليس موضوع شاعرية .. فقط أحب زيارة البيت الذي سأعيش فيه للأبد بعد قليل .."
أخرجت علبة تبغ ،وجذبت منها لفافة غريبة طويلة تشبه القلم الذهبي ،وأشعلتها في أناقة وقالت :
ـ" احيانا تشعر بأنك أقوى من الموت ذاته .. انك كنت هنا يوما ثم تحررت وعدت .. وان الحياة تبدأ من جديد ولا تنتهي .. احيانا تشعر بأنك في زمن آخر في مكان آخر كن واحدا آخر .. لكن هل كنت تعرف ذاتك وقتها ؟ هل كنت تعرف أنك هو انت ؟ لو لم يكن الأمر كذا فلا قيمة له .. هل تفهمني ؟
ـ " لا .."
ـ " تبدو لي ذكيا لا يحتاج الى كلمات كثيرة .."
قلت وانا انظر الى المقبرة التي لم يعد فيها اإلا درجات اللون الأزرق :
ـ " لو كنت تتحدثين عن تناسخ الأرواح فأنا لا أؤمن به .."
ـ " لا اتحدث عن تناسخ الأرواح .. بل اتحدث عن عودتها الى عالم المادة .."
هززت راسي غير راض .. ساد الصمت برهة ثم سألتني وهي تنفث ذلك الدخان العطر :
ـ تحبها ؟ "
ـ " من ؟ "
ـ " تل كالفتاة الاسكتلندية .. مس ( ماكيلوب ) .. لا اعتقد انها تميل لك كثيرا .. انتم الرجال تخلطون بين المجاملة والمعاملة اللطيفة والحب .."
ـ " يمكني ان اكون فظا واقول إن هذا ليس من شأنك .. لكن لا .. أريحك .. احبها جدا .. ولا يهمني رأيها في الأمر .. لن أتغير .. سأظل منتميا لها .."
كانت وحة لكن لسبب غير واضح لم استطع ان اخرسها كما يجب .. ربما ارتج على .. وقالت لي في مكر :
ـ " كما تحب .."
كانوا يقولون عن ممثلة الرعب العظيمة ( باربرا ستيل ) ،إنها ترمز الى المرأة ( كآخر ) .. المرأة كعدو خارجي مخيف غامض . .هذه الفتاة جعلتني بالفعل أتذكر هذه الكلمات ..
وفي صمت مشينا معا عائدين الى الخان .. لكن هذه المحادثة ظلت في ذهني طويلا ..
***
في المساء وجدوا جثة ( كيلييارون ) .. العجوز البدين ..
هذا الرجل تعذب كثيرا لأن كل أطرافه كانت مهشمة ، وقد التوى عنقه للخلف بتلك الطريقة الشهيرة في القرون الوسطى للذين قتلتهم الشياطين .
إن الجنرال يعيش وحيدا في داره بعد ما رحل أولاده وماتت زوجته .. هناك كالعادة مدبرة عجوز هي مسز ( سميث ) ـ ككل مدبرات البيوت ـ كانت قد أخذت إجازة لهذا اليوم على ان تعود في المساء ..
ـ " فكرت في زيارة أختي .."
فلما عدت ، كان ما لفت نظرها ان المنزل مغلق من الداخل جيدا .. فتحت الباب بالمفتاح ودخلت ، ولما لم تر اثرا للحياة ، افترضت ان الرج لذهب ليقضي سهرته في الخان ..
ـ " ثم سمعت صوت المذياع مفتوحا .."
وبالطبع ذهبت لتعرف سبب ترك المذياع مفتوحا .. فوجدته في قاعة الجلوس .
كان راقدا على السجادة ، وخطر لها انها نوبة قلبية .. لكنها ادركت ان اتجاه وجهه لأعلى لا يعني ان بطنه في نفس الإتجاه ! هنا اصيبت هي نفسها بنوبة قلبية .. واحتاجت الى بضع دقائق وقرص من موسع الشرايين تحت لسانها حتى استطاعت استخدام الهاتف وطلب الشرطة ..
وعندما جلست مع ( ماجي ) والطفلة في قاعة الجلوس ، كان الخبر قد انتشر كالنار في الهشيم ..
ـ " ( كيليبارون ) مات ! "
ـ " ( كيليبارون ) مات ! "
وصاحت مسز ( بانكروفت ) في رعب :
ـ " ماذا حدث في هذه البلدة ؟ فقدنا شخصين من خيرة أهلنا في يوم واحد !!"
اخفيت وجهي في مفرش المنضدة كي لا تقول شيئا على غرار ( الخير على قدوم الواردين ) .. والحقيقة أنني اعرف نفسي جيدا بحيث صرت لا اغضب لتهمة من هذا النوع بل وأؤكده ا.. فعلا الخير على قدوم الواردين في حالتي على الأقل .. ما إن اظهر في مكان حتى يتحول الى جحيم .. وهي كما ترون موهبتي الوحيدة التي تؤهلني لسرد هذه القصص ..
وجاء ( بارنيل ) ليجلس إلى مائدتنا ، وقال :
ـ " رجل آخر يعض التراب .. كنا كل يوم نتوقع ان يحدث هذا .. مع كل الكولستيرول الذي يفعم شرايينه ، وكل ما يجثم على روحه من شحم ، لكننا توقعنا ان يمنحنا وقتا . . عناية مركزة .. شلل .. فترة ما تجعل الرحيل تدريجيا ، لكن من المؤلم ان يرحل بهذه الطريقة .. تهشيم أطراف ولوي عنق ؟ هذا رهيب !"
قلت له همسا :
ـ " قل لي . . هل هناك من نتهمه بهذا ؟ "
نظر لي كأنما يراني لأول مرة ، وهتف :
ـ " سيكون هذا غريبا .. من يستطيع عمل هذا ؟؟ لا بد انه كتلة من العضلات .."
ـ " لنتكلم بصراحة أكثر .. ألا يوحي الامر بشيء خارق للطبيعة ؟"
بدا الإرهاق على وجهه وقال :
ـ " بلى . ربما. لكن هذه الأشياء لا تحدث على قارعة الطريق . .انا بعد كل هذا العمر لم أر ظاهرة خارقة في حياتي .."
ـ " انت إنسان سعيد الحظ .."
ومن جديد بدأت الأسئلة المملة والتحقيقات .. لن أتحمل البقاء في هذه البلدة بعد القتيل الثالث ما لم يكن انا بالذات .. وقد تساءل كثيرون :
ـ " ما الذي يربط بين القص وهذا الرجل ( كيليبارون ) ؟ "
لم تكن هناك إجابة واضحة ..
- كشف الأوراق ....
أما عن وفاة السيد ( مليجان ) فالأمر يحتاج الى وقفة ما ..
كنت قد انتهيت من التحقيقات الطويلة التي لا تقضي الى شيء والتي يسكبها رجل الشرطة ( بيرك ) على راسي ورأس ( ماجي ) .. كلها اسئلة غبية كان يرى رجال الشرطة يسألونها في الأفلام لو كان يرى بعضها .. اين كنت عندما قتل ( كيليبارون )؟ ومتى قتل ( كيليبارون ) يا سيد ؟ ماذا ؟ لا اعرف .. ظننتك انت تعرف ..
وهكذا .. الكثير من الهراء ، حتى إنني شعرت بحاجة ماسة الى استنشاق الهواء النقي ..
غادرت و ( ماجي ) الخان والطفلة تمسك بيدي . الحقيقة المخجلة هنا هي اننا صرنا صديقين .. الحقيقة الأكثر إثارة للخجل أنني صرت مرتبطا بها بشدة .. إنها طفل مسالم لطيف أقرب الى دمية جميلة ..
مشيت و (ماجي ) في الممر الذي يقود الى الشارع الرئيسي ، وكنا صامتين .. لكنني كنت املك الف تعليق على ما يحدث .. لكن السؤال الاهم هو ( لماذا الآن بالذات )؟
قالت ( ماجي ) وهي تعقد ذراعيها على صدرها في أثناء المشي :
ـ " لا أعرف .. انا لا اثق كثيرا بموضوع النحس هذا .. لقد بدأ الشيء مع قدوم الغرباء .. انا اعرفك واعرف نفسي وأعرف اننا لسنا من الطراز الذي يلوي عنق الشيوخ للخف .. هنا يبرز بقوة اسم ( لورين بالك ) هذه . هذه الفتاة لا تريحني على الإطلاق .. ربما لا ترى الرأي ذاته ، لكنه حاسة الأنثى لا تخطئ .."
قتل في ضيق :
ـ " انا ارى الشيء ذاته .. هناك إشاعة مغرضة تملأ البلدة أنها فاتنة ..حسن .. انا لا ارى هذا .."
ـ " لكنك لا تنكر انها ساحرة ؟"
ـ " ساحرة .. نعم .. بالمفهوم المجازي .. و.. "
ثم تلاقت عينانا .. لماذا ن فكر في الشيء ذاته في نفس اللحظة؟
كانت هناك سيارة واقفة الى جانب الطريق في هذا الموضع المهجور نسبيا .. سيارة صغيرة بريطانية جدا .. ولسبب ما لم تبد لنا وقفتها مريحة هنالك في الظلام الذي ملأ المكان ..
قالت لي وهي مستمرة في المشي :
ـ " لو فرضنا جدلا انها هي .. هل تتوقع انها تجيد لوي اعناق الناس ؟ "
قلت في شرود:
ـ " القصة غير واضحة .. لا استطيع ان اراها قاتلة .. ولاي غرض ؟ "
هنا كنا قد وصلنا قرب السيارة ..
ألقيت نظرة عابرة الى داخلها ، وفي اللحظة التالية وجدت أنني على الأرض والم حاد يمزق خصري ..
وامامنا وقف السير ( ميليجان )..
كان هو ولم يكن هو ..
إنه ينزف من عشرة مواضع على الأقل ، وقد جعلته لحظة اقتراب الموت متوحشا .. لا اعرف كيف استطاع فتح السيارة لكنه فعل وبقوة كاسحة .. ربما عالج المقض بقدمه . لا ادري بالضبط ..
وهنا فهمت.. و قف الشعر أعلى جانبي رأسي حين فهمت ..
لقد كان مكمم الفم ، مقيد اليدين الى ظهره ، ومن كل أوردته العملاقة كانت هناك خراطيم تتدلى .. خراطيم تتصل بإبر كأنما كان يتلقى الحقن الوريدية من خلالها ، لكن هذه الخراطيم كانت تنزف .. ومن الجلي أنه نزف كثيرا جدا .. انا اعرف ان من يقطعون شرايين معصمهم يصابون بحالة جنون هياجي قرب النهاية ، وكان السير ( مليجان ) قد دنا من النهاية ..
مشى جوارنا .. وهوي صدر خوارا كالثيران ..
ثم رأى ( ماجي ) فاتسعت عيناه وراح يترنح وهو يركض نحوها .. الطفلة لا تكف عن العواء ..
صرخت ( ماجي ) وبدأت تجري .. لكني صرخت فيها بدوري :
ـ " لا تهي منه ! ساعديه !!"
وهرعت لألحق بالبائس .. فلقط ليوجه لي ركلة في اسفل بطني جعلت الهواء يخرج من أذني .. لم يرفسني حصان من قبل لكن لا بد ان الامر أفضل من هذا ..
اسندت الى الجدار بينما صرخات الطفلة تجعل الأمر أقرب الى الجحيم .. اخرسي قليلا بالله عليك !! إن الدم .. يعود .. إلى .. راسي .. من ..جديد .. أنا .. قوي . .التحمل . .بغرم .. ضعف .. صحتي . لن .. أموت .. بقدم رجل قتيل أصلا ..
في هذه اللحظة سقط الرجل على الأرض بينما الطفلة لا تكف عن إطلاق سرينتها ..
وأدركت من ثبات وضعه ان الأمر قد انتهى ..
سألتني ( ماجي ) باكية وهي تعتصر الطفلة :
ـ " هل انت بخير ؟"
ـ " سأعيش .. والآن هلا عدنا الى الخان ؟ لا بد .. من .. غوث .."
***
جاء الدكتور ( ك . أوجليفي ) بعد ربع ساعة .. وكان الامر قد انتهى .. كانوا قد أحضروا الجثة مغطاة بالملاءات ، وساد صمت رهيب .. الموت بحضوره المقبض .. من المجاملة أكثر من اللازم ان نقول إنه ضيف ثقيل لا تجد راحتك في حضوره . بل لا تستطيع الكلام بحرية ..
كان الطبيب أصلع الرأس قصير القامة متأنقا جدا ، وقد راح يجفف العرق المتراكم على جبينه برغم الطقس البارد ، وقال لنا :
ـ " أفهم من هذا ان دماء هذا الرجل استنزفت حتى الموت ؟"
قلت له في نفاد صبر :
ـ " تشخيصك دقيق ايها الزميل .."
ـ " ومن الذي يفعل شيئا كهذا ؟"
مططت شفتي السفلي في غباء .. إنه الشيطان ذاته لو كان يجيد تركيب الإبر الوريدية ..
هذه المرة بدا ان البدلة كلها احتشدت في الخان ، وهو ما كان ليسعد فؤاد مس ( بانكرروفت ) لو لم تكن فعلا سيدة طيبة القلب لا تحب موت زبائنها ..
شعرت بالحضور إياه فنظرت وراء كتفي .. كانت الكاتبة السوداء عائدة من الخارج مع الأخ ( اونيل ) الذي للم يعد يفارقها في الآونة الأخيرة ، ومعهما سيدة أخرى في الخمسين لم ارها من قبل .. لو كنا في مصر لقلت إنه امه تتعرف عروسته المقبلة .. كانت ( لورين ) تضع نظارة سوداء فلما شعرت بان هناك تجمعا مريبا نزعت نظارتها ، وهزت رأسها ثم ودعت الفتى واتجهت الى غرفتها ..
كانت ( ماجي ) تنظر الى المشهد وكذا انا .. فتحت شفتيها ومطت عنقها نحوي في إيماءة اعرفها جيدا ، فملت عليها بأذني لأسمع ،وقبل ان تتكلم قلت أنا :
ـ " نعم .. نعم . .المرأة التي مع ( اونيل ) .."
ـ " تعرفها .. اليس كذلك ؟"
ـ " بلى .. لكني عاجز عن تذكر متى وأين .."
مع ( ماجي ) تخطر الفكرة في ذهني فترد هي عليها من دنو كلام .. بل إن بوسعي ان ألومها على فكرة سخيفة لم تصرح بها .. وارد خواطر قاتل نعرفه من ايام بعثتي القديمة هنا ..
قالت في خبث :
ـ " الصور ! هذه إحدى النساء اللاتي كن يرقصن في المقبرة !"
ـ " هل .. تعتقدين هذا؟!
ونظرت للمرأة .. لست متأكدا لأنني لم ار الصور بما يكفي .. لكن وجهها بالتأكيد مألوف ، وفي الغالب انطبع في ذهن يمن وقتها .. ما معنى هذا ؟
سرى الإشعاع السايكوفيزيائي بين الجالسين ، وتقدم رجل متأنق بدين معتد بنفسه إلى وسط الدائرة ، وقال في تؤدة :
ـ " يجب ان نتحدث بصراحة يا رفاق .. هذا الذي يحدث في بلدتنا الهادئة لا يصدق .. ويوحي بلعنة ما تتجاوز فهمنا .. هل هناك من يربط ملي بين هذه الاحداث وقدوم غرباء إلى البلدة ؟"
تعالت الهمهمة فصاح آمرا :
ـ " من ير هذا فليرفع يده .."
ارتفعت عشرات الأيدي .. ما كنت احسبه ان كل واحد من هؤلاء القوم له ست اذرع إلا بعدما رايت هذا بنفسي ..
قالت ( ماجي ) في تحد :
ـ " حسن .. ومن ير اننا قتلنا هؤلاء الثلاثة فليقل هذا صراحة .."
لم يتكلم احد .. فقالت في هدوء :
ـ " انا ومرافقي سنرحل غدا صباحا .. لو كنا نجلب الشيطان معنا فنحن سنريحكم .."
هنا هتف رجل الشرطة ( بيرك ) في رعب :
ـ " هذا لن يكون .. لن يفارق احد البلدة قبل قدوم رجال التحريات الجنائية .. سأطلق الرصاص على اول من يفكر في الخروج .."
على الاقل هو يتصرف بشكل صحيح من حين لآخر ، لكن ها نحن أولاء قد صرنا محاصرين ..
هنا هتف رجل من الجالسين :
ـ " لحظة .. من يشعر بارتياب في تلك الفتاة من ( شيفيلد ) فيرفع ذراعه .."
هذه ا لمرة ارتفعت مائة ذراع .. هؤلاء ليسوا بشرا .. إنهم عشيرة من الأخطبوط ..
ـ " هي لا تكتب شيئا وتكاد لا تمضي وقتا في حجرتها .. إنها تجوب البلدة طيلة اليوم .. كلنا رآها في المقابر .. ماذا تفعل هناك ؟ من هي حقا ؟"
هنا قرر الفتى ( اونيل ) ان يقوم بواجبه ،فهب يمسك بقائل هذا من ياقة سترته ، وكور قبضته العملاقة وشده االى الوراء في وضع مألوف . إنه بالفعل يتصرف كأنه زميل ( جاري كوبر ):
ـ " من يقل حرفا واحدا يسيء لها سأهضم وجهه !"
قال الرجل الأول المعتد بنفسه :
ـ " الحقيقة يا بني انك صرت في قبضتها .. إنك مفتون بها .."
ـ " بل انتم مرضى النفوس .. الحقيقة إنها بهرتكم جميعا .. وحين لا ينال الرجل فرصته فإنه يختلق الأكاذيب ويتحول إعجابه إلى حقد .. ( لورين ) اختارت رجلا واحدا في هذه البلدة التعسة وانتم لا تطيقون هذه الفكرة .."
كلامه صحيح حتى إن كان لا ينطبق على هذه الحالة .. إن من قرأ او شاهد رواية ( زوربا اليوناني ) للعظيم ( كازندزاكيس ) يذكر جيدا مشهد قتل الأرملة الجميلة على يد رجال القرية بدعوى الحفاظ على الأخلاق . والحقيقة أنهم قتلوها لأنها لم تختر واحدا منهم ..
المهم ان الموقف تحول الى نار متأججة وكادت اللكمات تتطاير ، لولا ان الرجل المعتد بنفسه وقف وصاح :
ـ " يا رجال .. انا اقترح ان نحبس الغرباء في غرفهم الى ان يأتي رجال التحريات .. لا نريد مشاكل جديدة .. انا اعتذر لهم بشدة على هذا لكنهم يفهمون دوافعنا .."
صاحت ( ماجي) في عصبية :
ـ " يحبسوننا ؟ بأي حق !!"
لكني ضغطت على معصمها وهمست :
ـ " لا مشكلة في إجراء كهذا .. إنها ليلة واحدة بعدها نترك هذه البلدة بمشاكلها .. لا داعي لتصل الرأي .."
وهكذا بدأ الحشد يتفرق من حولنا ليفسح لنا الطريق ..
هن توقفت وقلت بصوت عال :
ـ " بالمناسبة .. اين مستر ( بارنيل ؟ ( باتريك بارنيل )؟"
لم يكن هنا .. ونظر لي القوم في دهشة ، فقلت بنفس الصوت العالي :
ـ " أقترح ان تحرسوه جيدا .. لو حدث له شيء فنحن ابرياء من دمه !"
سالني رجل الشرطة في دهشة :
ـ " ماذا تقول بالضبط ؟ "
ـ " اعتقد ان كثيرين منكم خمنوا ما اعنيه .. كل هؤلاء الذين ماتوا كانت لهم علاقة ما بموت ( رونيل السوداء ) .. انتم تعرفون القصة وتذكرون التفاصيل .. لا اعرف كل من تورط في هذه القصة ، لكن المرشح رقم واحد للموت الآن هو ( باتريك بارنيل ) .. حفيد قاضي الساحرات الرهيب !"
-7-
أسطورة المقبرة ...
لم يكن البقاء في غرفتي سيئا .. انتم تعرفون انني حريص على كل نشاط بشري يحرمني مخالطة البشر ! لكن ( ماجي ) .. الشعور من جديد بأنها ستنفد .. لو عرفت تلك الطفلة ( إليانور ) كم هي مجدودة الحظ ..
قضيت الوقت اصغي للمذياع ، واكتب بعض الملاحظات عن المؤتمر الاخير الذي حضرته ..
فتحت الستائر لأرمق الظلام في الخارج . هل هذا غراب الذي يقف على تلك الشجرة البعيدة ؟ هو كذلك ، ولا انفي لحظة انه يبدو لي كم يراقب نافذتي .. انا عصبي وقد اعتدت هذه الامور .. انا هستيري مجنون ولن اترك ملحوظة كهذه تدمر اعصابي ..
ثم تسرب النوم الى جفوني لا ادري كيف ، فدخلت الفراش المريح الدافئ .. الذي يحتضنك احتضانا .. وكان للدفئ الكلمة الأخيرة قبل الإرهاق ..إنني ..
***
في الثالثة صباحا سمعت القرعات على بابي ، فنهضت .. تعثرت في الغطاء السميك طبعا واطلقت الكثير من السباب الى ان وجدت الباب .. وفي اللحظة ذاتها كان المفتاح يدور فيه من الخارج ، فلا تنس انني حبيس هنا ..
هناك كان رجل الشرطة الأحمق ( بيرك ) ومعه مسز ( بانكروفت ) التي بالفعل صارت عيناها خارج جمجمتها .. وعرفت على الفور أن كارثة حدثت ..
ـ " كارثة حدثت يا سيدي .."
ـ " إنني ارتجف قلقا .."
ثم سمحت لهما بالدخول وبحثت عن الروب .. ثم جلست على طرف الفراش وتثاءبت كفرس النهر .. بينما قال الشرطي عديم الكفاءة :
ـ " لقد توفي السيد ( باتريك بارنيل ) .. لقد كنت محقا يا سيدي .."
ادرت الخبر في فمي لأتذوقه جيدا .. هذا الرجل لطيف المعشر الذي راح يكلمنا كأننا صديقان قديمان له ، والذي عرفت منه كل تفاصيل هذه القصة قد مات ..
ـ " كيف ؟"
صمت الرجل وشهقت المرأة .. مما جعلني اعرف انه مات بطريقة لا يمكن سردها .. اشياء كهذه لا تقال للاطفال مثلي ..
ثم ان الشرطي قال وهو ينهض :
ـ " اتقد انه لم يعد من داع لهذا السجن .. يمكنك الخروج إذا اردت يا سيدي .."
في هذه اللحظة ظهر رتل من الرجال الذين لا اعرفهم على الا .. لكنهم كانوا غاضبين كالجحيم .. كانوا يريدون تدمير أي شيء او قتل أي أحد .. يبدو ان المنظر أثار حفيظتهم بحق .. وهنا رأيت من جديد الدليل القاطع على ما يروونه عن حدة طباع الأيرلنديين .. أنا جربتها وكدت القى حتفي لو كنتم تذكرون قصة اللهب الازرق والاخ ( شاكال ) ..
في بعد عرفت تفاصيل موت الرجل ـ ( بارنيل ) لا ( شاكال ) طبعا .. ولن احكيها بالتأكيد .. لكنها كانت جديرة بصاحب اعظم جرم بالنسبة لـ ( رونيل السوداء ) إن حفيده تلقى العقاب كملا غير منقوص .. ويكفي القول إن الطبيب فقد وعيه حين رأى المشهد ..وان الرجل ذا الكلمة المسموعة إياه في حالة هستيرية الآن ..
قلت وانا اقف امام الباب :
ـ " مس ( بلاك ) ؟"
- " ليست هنا .. إنها لم تعد في الخان قط منذ اتفقنا على تحديد إقامتكم .. نعتقد انها غادر غرفتها من النافذة .."
وقالت مسز ( بانكروفت ) :
ـ " لا اكتمك سرا أننا فتشنا اوراقها .. لم نجد قصصا على الإطلاق .. كانت هناك صفحات ملأى برموز غريبة كالتي تستعمل في السحر .. مئات العبارات اللاتينية التي تجمد الدم في العروق .. تلك الفتاة ليست طبيعية .."
فكرت في المعلومة بعض الوقت ، ثم قلت للرجل :
ـ" هل معك قلم ؟"
ناولني قلما من الرصاص في تردد ، فأمسكت به وبخط كبير واضح كتبت على الجدار : LOREANE ...
صاحت مسز ( بانكروفت ) في غضب :
ـ " بحق السماء .. ماذا تحسب انك فاعل ؟"
ثم أرد ، وهتفت في القوم :
ـ " كيف تتهجون اسم تلك الساحرة التي حرقها اجدادكم ؟ RONEAELE؟"
هنا صاح احد الاذكياء :
ـ " حقا . . نفس الاحرف .. ونفس الرنين في الأذن .. وكلاهما سوداء .. ( بلاك ) .."
هنا بللت طرف منديلي بلعابي ، ورحت ازيل الدمار الذي احدثته في جدار الخان كي لا كي لا تقتلني صاحبته ..
نظرت لي مسز ( بانكروفت ) في حدة ، وسألت :
ـ " هل تحاول التلميح الى ان الساحرة عادت اليوم لنا في ثوب تلك الفتاة من ( شيفلد ) وانها تنفذ انتقامها ؟ كيف ؟ هل غادرت قبرها ؟ هل حلت روحها بتلك الفتاة ؟ كلها افتراضات لا تقبل .."
وقال واحد من الوافدين :
ـ " ولماذا اليوم بالذات ؟ لماذا تنتظر ثلاثمائة عام ؟ "
ـ " يمكنك ان تسألها .."
ثم اردفت وانا اشعر بإرهاق شديد من فرط هذا الجهد العصبي :
ـ " الفتاة تكمل بالضبط ما كانت ( رونيل ) تفعل .. الشخص الوحيد الذي وثقت به هو الفتى ( اونيل ) ولا أشك في أنه حفيد ( اونيل ) القديم الذي كاد يلقى بنفسه في النيران من اجلها .. ثم يموت حفيد القس الذي شك فيها .. وحفيد الحاكم .. وحفيد القاضي الذي امر بحرقها .. وحفيد الثري الذي كان يحبها ، والذي ربما كان له دور في إدانتها .. لا اعرف كل من تورط في هذه القصة، لكن ( رونيل ) عادت .. انا متأكد من هذا .. وانتقامها شامل ماحق .. والمشكلة هنا ان من ماتوا حتى الآن هم الورثة الوحيدون لأسرهم ، فماذا عن الأسر التي تفرعت وتشعب احفادها ؟"
ساد الصمت ثم تساءل احد الرجال ؟"
ـ " والحل ؟"
ـ " أرى انه لا بد من نبش قبرها .. اعتقد ان الجواب الصحيح يكمن في المقبرة .."
كان الرجال بحاجة الى أي شيء يبدد طاقاتهم الثائرة ، لهذا تصايحوا في حماسة كأنما ادعوهم الى السيرك :
ـ " المقبرة .. نعم .. المقبرة"
ـ " في الصباح يمكننا ان .."
لكنهم لم يكونوا على استعداد للانتظار حتى الصباح ..
مشكلة الأيرلنديين الغاضبين هي انهم لا يسمحون لكهل مثلي بالنوم ..
وسط الزحام رأيت ( ماجي ) تشق طريقها بوجه ممتقع ، وقد حملت الطفلة متمسكة بعنقها .. بدا لي المشهد غريبا لانني لم ار طفلة تحمل طفلة قط .. ثم إن ( إليانور ) لم تكن رضيعة بالتأكيد ..
قالت لي همسا :
ـ " انت قلت نفس ما افكر فيه .. لكن ما كان يجب ان تقوله علانية .."
ـ " ولم لا ؟ "
ـ " رد الفعل الجماهيري غير المنضبط .. انت كمن يفتح قمقما فيه جني حبيس .. لو أنهم قابلوا الفتاة الآن ؟ حتى لو كانت بريئة لأطاروا عنقها بلا مناقشة .. السبب الاهم هو أنني متأكدة من ان عددا من هؤلاء القوم يعرف ما نتكلم عنه . ربما كان يرقص حول المقبرة في تلك الليلة . اكره البارانويا لكن الحذر واجب .."
اعترفت في خجل بانها محقة لكن العجلة دارت .. من العسير ابتلاع الكلمات ..
وفي هياج ـ كتنين أسطوري هائل عقله في قدميه ـ تحرك الجمع نحو المقابر .
قلت لها :
ـ " أغلقي بابك بإحكام وكوني حذرة .. ربما كان من الحكمة ان تنزلي لتقضي الوقت مع مسز ( بانكروفت ) .."
***
في ضوء المشاعل يبدو المكان بهيجا ..
عشران الناس والمشاعل التي تشبه ( الكلوبات ) في سوق الخضار عندنا ، وكشافات نيون وكشافات عادية تعمل بالأحجار الجافة .. غبار .. عرق .. زحام ..
لقد خضت هذا الموقف مرارا من قبل ومن بعد ، بحيث يبدو لي الآن انني قضيت عشرة اعوام من عمري وسط اناس ينبشون قبرا ما ..
كنا جميعا نتجه الى المكان الي لن انساه ما حييت ..
القبر الوحيد الباقي والذي لا يحمل شاهده أي اسم ..
ربما كانت هناك قبور اخرى لكن لا احد يذكر مكانها ..
اين حارس المقابر ؟ كان هناك وسط الزحام وقد تحول الى فزاعة من فعل الكحول .. يصعب علي ان اصدق ان هذا الرجل لم يذق الخمر من قبل ..
وقفنا هناك . وكانت الاعشاب تغطي الشاهد ، فيما عدا ما قمت بإزاحته حين كنت مع ( ماجي ) .. وبدأت المعاول والأظفار تعمل ..
بدأ التراب يتراكم .. وعرفت انها مدفونة من دون تابوت ولا كفن على سبيل الانتقام ..
اخيرا بدأت معالم الحفرة تتضح ..
وتكأكأ القوم حول الحفرة كل يحاول ان يجد موطئ عين .. وشعرت بأنني اختنق .. الكل يدفعني الى الحفرة ، وتساءلت في سري : الا يستحم هؤلاء القوم ؟
عظام .. عظام بالية نخرة مفتتة ..
تلوت : " كل نفس ذائقة الموت " ، ثم جثوت على ركبتي اتفحصها ، ورفعت عيني فوجدت الدكتور ( اوجليفي ) جاثيا جواري يتفحص العظام بدوره في ضوء الكاشف ..
ـ " ما رأيك ايها الزميل ؟ أي "
قالها وهوي يتلقى كوعا في كتفه .. فقلت بينما ركبة صلبة تضربني في مؤخرة راسي ..
ـ " مثل رأيك . آي هذه العظام محترقة وتتماشى مع القصة .. لا اعرف عمرها لكن لا استبعد أنها دفنت هنا منذ ثلاثمائة سنة .."
هكذا اعلن على الناس ان الجثة في مكانها .. الساحرة لم تغادر القبر لتلتهم حناجركم يا شباب فاطمئنوا
كنت انا شارد الذهن افكر .. ما معنى تلك الزيارات الليلية الى هذا الموضع إذن ؟ طبعا انا لم اتوقع لحظة أن تنهض الجثة من قبرها لان هذا مستحيل .. فمن هي ( لورين ) إذن ؟ لا أقبل كذلك قصة التناسخ . ما خطر لي هو ان هناك من سرق الرفات من اجل عمل سحري ما .. لكن من الواضح ان هذا لم يحدث ..
هنا توقف الطبيب الأيرلندي الأصلع وقال :
ـ " هذه العظمة .. آي ! ما رأيك فيها ؟"
نظرت الى العظمة وفهمت ما يعنيه ..
سألته :
ـ " في أي سن هلكت ( رونيل السوداء ) ؟"
ـ " كانت قد تجاوزت العشرين .."
وكانت العظمة التي يحملها لا تحتمل الشك .. هذه عظمة طفل .. الخط الكردوسي واضح تماما وحجم العظمة نفسه واضح لكل طفل ..
هذه الرفاة ليست رفات ( رونيل السوداء )