-أسطورة المقبرة ـ
ما وراء الطبيعـــة
د. أحمد خالد توفيق
مقدمة
أنتم تعرفون ( نجيب السمدوني ) فلن أعلق كثيرا ..
يمكننا أن نتجاهل ما يقول كلية ، فلم تعد سني ولا صحتي تسمحان لي بأن احقق في هذا النوع من القصص .. لو كنت اصغر من هذا ثلاثين عاما ، لذهبت إليه وبحثت في كل ركن من داره عن تلك البقع ..
بقع دموية على البساط.. كلما غسلت ظهرت من جديد .. هذه القصة معتادة وقد قابلتها مرارا . . لقد صرت أغلق بابي كي لا اصطدم بهؤلاء الذين يرون بقعا دموية على بساطهم .. افتح النافذة يدخل عشرة منهم .. افتح صنبور المياه ينزل لك خمسة منهم ..
لكن الجديد في قصة هذا الرجل هي الخادمة الطفلة التي تنام في المطبخ ، والتي تدخل زوجته المطبخ ليلا لتشرب لتفاجأ بان طولها صار ثلاثة أمتار ، حتى إن قدميها تتسلقان الجدار .. دعك من ملامح وجهها التي تذكرها وقتها بأسد عجوز نائم ..
انتم تعرفون ( نجيب السمدوني ).. لهذا يمكننا أن ننسى هذه القصة وإن أتضح أنها صحيحة فلن نخسر الكثير .. إن الخادمات اللاتي يستطيع جسدهن ليلا موجودات في كل مكان .. لقد صرت أغلق بابي كي لا أصطدم بهن .. افتح النافذة تدخل عشرة منهن .. افتح صنبور المياه تنزل لك خمس منهن ..
ثم القط .. القط الذي يضحك ضحكة بشرية واضحة .. انتم تعرفون ( نجيب السمدوني ) .. لهذا دعونا نتجاهل هذا أيضا .. لا أجد شيئا مسليا في هذا كله .. لقد صرت أغلق بابي كي لا اصطدم بالقطط التي تضحك ضحكة بشرية .. افتح النافذة يدخل لك عشر منها .. افتح صنبور المياه ينزل كل خمس منها ..
ولكن دعونا من هذا الهراء ولنبدأ قصتنا ..
سأحدثكم عن أسطورة المقبرة ..
اعرف أن المقابر المفزعة ليست موضوعا جديدا .. ماذا تقولون ؟ تقولون إن هذه القصة معتادة وقد قابلتموها مرارا ؟ تقولون إنكم صرتم تغلقون الأبواب كي لا تصطدموا بمقبرة مفزعة ؟ تقولون إنكم تفتحون النافذة فتدخل عشر منها .. تفتحون صنبور المياه فتنزل لكم خمس منها ؟
انتم تتلفظون بكلمات غريبة على مسمعي ، وإنني لعاجز حقا عن فهم شباب اليوم ..
من أين تأتون بهذه السخرية المقيتة ؟
من علمكم تسفيه الآخرين إلى هذا الحد ؟
على كل حال ، سأحكي لكم القصة .. واعرف إنكم ستحبونها .. إنها مرعبة .. وأنتم تعرفون أن الرعب يحتاج إلى قدر كبير من الخيال .. إلى سعة صدر وصفاء بال .. يحتاج الى هدوء.. يحتاج الى ليل ..
هذا هو ما قاله ( لافكرافت ) الذي اعتبر كاتب قصص الرعب مسكينا ن يحتاج إلى ماهو أكثر من الحظ كي يعترف القارئ بأنه خاف ..
تعالوا الآن وأصغوا إلي ..
إن ( رفعت إسماعيل ) العجوز سيحكي لكم قصة أخرى ....
العام 1675 .....
المكان : ( ليفورد ) .. البلدة الهادئة في مقاطعة ( تيركونل ) كما كانت تعرف في ذلك العصر أو ( دونيجال ) كما نعرفها الآن .. إن الخبراء منكم في أمور ايرلندا يعرفون أن ( دونيجال ) مقاطعة في أقصى شمال ( ايرلندا ) تطل على المحيط الأطلسي من جهتين . إنها مقاطعة رعوية وعرة مليئة بالجبال ، وتشكل حاليا جزءا من جمهورية ايرلندا ، وجزءا مما يعرف بـ ( اولستر ) التي تتكون من تسع مقاطعات .. و .. إن الموضوع معقد جدا لهذا لن ادخل في التفاصيل التي تجدونها في أي كتاب جغرافيا او تاريخ ..
الآن يحتشد أهالي البلدة الهادئة التي لا يحدث فيها شيء على الإطلاق .. اليوم من الأيام النادرة التي تحدث فيها أشياء ، ولهذا لم يبق واحد في داره ..
الحدث : أي حدث غير حرق الساحرة طبعا ؟
في هذه البلدة لا يحدث شيء مثير سوى تعذيب أحد المهرطقين من حين لآخر ، أو حرق ساحرة .. وتهمة الساحرة هذه مطاطة تتسع لأية امرأة تعالج المرضى بطريقة غريبة ، أو تشاهد عند المستنقعات ليلا ، او توجد في جسدها علامة ما يفترض أن الشيطان يتركها في زوجاته .. كما قلت سابقا كل هذه التفاصيل الدقيقة مشروحة في كتاب ( مطرقة الساحرات ) الرهيب ..
عندها يكون الاستجواب .. ثم التعذيب .. والتعذيب أسلوب عبقري في استخلاص الحقائق ، يستطيع أن يقنع فار بان يعترف بقتل أسد ، أو يقنعك بالاعتراف بتزعم عصابات المافيا في الثلاثينات ..
كثيرات بريئات هلكن بهذه الطريقة .. أما المرأة التي تصمد فكانوا يقيدونها ويلقون بها في الماء .. فإن غرقت اتضح أنها بريئة للأسف ، وان طفت عرف الجميع انها ساحرة وعندها تعدم !
يجب ان نقول هنا إن ( هيلين ) أو ( رونيل السوداء ) ـ كما يدعونها في البلدة ـ كانت غيبة الأطوار جدا ..
أولا كانت جميلة جدا .. كان جمالها من الطراز الذي يخطف الأبصار ويذهل العقول . هناك أمثلة نادرة جدا من هذا الطراز من ( الجمال المؤلم ) وكما نعرف يقولون عن المرأة بارعة الجمال إنها ( ساحرة ) .. يسهل إذن تصديق ما يقال عنها في هذا الصدد ..
ثانيا : لماذا لم تتزوج ( رونيل السوداء ) ؟ لقد هام بها السير ( باتريك مليجان ) حبا وفعل كل ما هو ممكن كي تقبل أن تكون له .. إن السير ( مليجان ) ليس سيئا .. ويمكن بسهولة أن تدرك انه ثري .. فما الذي ترفضه هذه الراعية الفقيرة في رجل كهذا ؟
الشباب ؟ هذا وارد .. إذن لنر ما سيحدث حين يتقدم إليها أقوى شاب في البلدة وأكثرهم وسامة .. إنه ( جون اونيل ) الذي لم يقل أحد قط إنه ليس حلم كل فتاة في البلدة .. لقد كلمها ثم قابل أمها العجوز مائة مرة .. لكن الإجابة دوما هي : لا .. ( لا ) غير مسببة هي نوع من النقد الانطباعي الذي لا نفع له ..
هذه النقطة هي الأخرى لا بد أن تثير التساؤل ..
ثالثا : لماذا تلتزم بثياب الحداد السوداء طيلة الوقت ؟
رابعا: ماذا يدفع فتاة حسناء ترتدي الأسود إلى الذهاب إلى المقابر ليلا وحدها ؟ هناك من شاهدوها وهم يقسمون على أنها كانت تمشي بخفة بالغة .. برغم أن طريق المقابر وعر مليء بالمستنقعات .. لم تكن تمشي بل كانت ( تسري ) .. ( تنساب ) .. هكذا يؤكدون .. ومما يزيد الأمور سوءا انها تختار الليالي القمرية لهذه الرحلات وإلا ما رأوها أصلا ..
وهكذا اخبر ( جيمس ) العجوز زوجته .. وزوجته أخبرت ( اليوت ) .. و ( إليوت ) اخبر ( جاك ) و ( جاك ) اخبر القس . والقس ـ الذي تذكر انه لم ير الفتاة في كنيسته منذ زمن ـ اخبر السيد ( كيلبارون ) الحاكم ..
وهكذا دارت العجلة الشهيرة ..
وقد تمت محاكمة سريعة وإن كان من العسير ان نزعم انها ظالمة .. إن للفتاة كهفا قرب المقابر .. وكان هذا الكهف يحوي أشياء تقشعر لها الأبدان ، حتى إن القس لم يتحمل نفسه وأفرغ معدته لدى رؤيتها .. كانت الحقيقة التي أدركها الجميع هي ان ( رونيل السواء ) كانت تفعل بالأطفال ما تفعله أية ساحرة شريرة أخرى .. كانت تلتهمهم .. لكن غرض الالتهام لم يكن الجوع طبعا ، بل استكمالا لطقوس أهم ..
هذه إذن من المرات القليلة التي كانت فيها تهمة السحر مؤكدة وعادلة ..
والآن جاء اليوم الكبير ..
خرج أهل البلدة جميعا والحماسة تغلبهم كي يروا المشهد الذي لا يجود الزمان بمثله إلا كل عام ..
ثم إن رجال الشرطة في البلدة ظهروا وبينهم كانت الفتاة التي بدت شاحبة جدا ، لكن من الظلم أن نقول إنها كانت خائفة .. كانت ترتدي ثوبا من الخيش البسيط وقد وضعت يديها في قطعة من الخشب تحيط بعنقها في أسلوب ( الفلقة ) الشهير ، الذي كان يعتقد أنه ضروري لتوبة الساحرات ..
كان القاضي ( ستيوارت بارنيل ) المحترم موجودا ، وعلى المنصة وقف الجلاد جوار العمود الخشبي يضع الحطب والقش ..
صعدوا بها الدرجات الخشبية .. وأعلى الدرج كان القس ينتظرها ..
سألها في اقتضاب :
ـ " هل تعلنين توبتك الآن ؟"
فالحقيقة أنه لم يكن خبيرا في هذه الطقوس ، بينما كان الأسبان والألمان والفرنسيون علماء فيها . . إن التاريخ يحكي لنا قصصا نادرة جدا عن حرق الساحرات في جزيرة .. بينما يعج بتلك القصص في أسبانيا ، كما تشتهر ( سيلم ) الأمريكية عبر المحيط الأطلسي بسمعة سيئة مماثلة ..
كانت الإجراءات مقتضبة وكذا كان رد فعل الفتاة ..
نظرت للقس بعيني متسعتين تنبعث منهما النيران تقريبا .. لا يعرف السبب لكن هذه النظرة الحاقدة هزته من الأعماق وجعلته يصمت تماما ..
ولنفس السبب لم ينظر لها الجلاد كثيرا وهو يقيدها إلى العمود ..
هنا دوت صرخة الم من بين الجميع :
ـ " الرحمة !"
ونظر الناس ليروا الشاب ( جون أونيل ) الذي انفجر فجأة في بكاء هستيري جدي بالمراهقات ، من العسير نوعا أن ترى حبيبتك في هذا الموقف حتى لو قيل لك إنها ساحرة شريرة ..
ويحاول الفتى القوي أن يشق طريقة إلى المنصة ، لكن القوم تكأكأوا من حوله ، وقيده أشداء الرجال من ذراعيه كي لا يتهور ..
على حين نظر الجلاد إلى ( بارنيل ) ينتظر إشارته ..
وكان هذا الأخير لا يتميز برقة القلب .. كان من جلادي الساحرات المعروفين الذين يعطون المحرقة مزية الشك .. من الخير حرق خمس بريئات بدلا من ترك ساحرة واحدة تعيش ..
هز الرجل رأسه في وقار فقذف الجلاد بالشعلة على الخشب ..
بدأت الزهرة البرتقالية المخيفة تهمس بأسرارها .. تتوهج .. تضطرم ..
وتصاعدت شهقات رعب ممزوج بالنشوة من الواقفين ..
هنا فقط تكلمت ( رونيل السوداء ) ..
كان الدخان يتصاعد فلم يتبين القوم ملامحها وإن أكد البعض أنه لم يعد وجهها ..
فقط كان الصوت أغلظ مما يمكن تصوره .. صوتا ذا صدى كأنما ألف شيطان يتكلمون بصوت واحد :
ـ " أيها البلهاء ! لقد حكمتم بالويل على أحفادكم ! وليكون انتقامي شنيعا !! سأعود بع ـ .. ا .. م .. ا .. ئة .. عام .. كي ...... "
لقد تلاشى صوتها مع النيران التي راحت تتعالى ..
ليس في هذا شيء جديد ..
كل الساحرات يهددن أو يقلن نبوءة كريهة ما وهن على المحرقة .. إن الساحرة التي لا تفعل ذلك إنما تجازف بسمعتها .. وقد اعتاد أهل البلدة على هذا ..
لكن كانت هذه هي المرة الأولى التي تلقي الكلمات كل هذا الرعب فيهم ..ولم ينتظر الكثيرون حتى تتلاشى سحب الدخان كما هي العادة ليرو الجسد المتفحم ..
لسبب ما عاد أكثرهم إلى داره ، ليغلق الباب عليه وعلى أطفاله ، ثم يندس تحت الأغطية راجفا مرددا الصلوات ..
لسبب ما لم يبد الفخر على الجلاد بعد ما أتم عمله الرهيب ..
لسبب ما لم يحاول أحد الكلام عن هذا اليوم قط ..
وفي قبر بلا شاهد في مقبرة المدينة وضعوا بقايا ( رونيل السوداء ) .. ومن يومها نسي الجميع أو تناسوا هذه القصة المؤسفة ..
وبعد هذا بثلاثمائة عام زارت المكان امرأة اسكتلندية شقراء ..
كان اسمها ( ماجي ماكيلوب ) ..
العام 1975 :
المكان : ( ليفورد ) في ( دونيجال ) كما نعرفها الآن و ( تيركونل ) أو ( اودونيل ) كما كانت تعرف في الماضي ..
في الفترة الأخيرة ، يبدو ان حارس المقابر ( جيمس إدوود ) قد لاحظ عدة أشياء لا تبعث الراحة في النفس .. كل حراس المقابر يلاحظون أشياء غريبة أهمها غالبا الجثث التي تحاول الخروج من القبور ليلا .. وليس الرجل استثناء ..
لكن ما لاحظه هو كالتالي :
ـ " في الليالي المقمرة بالذات .. بعضها لا كلها .. أرى عددها من النساء يمر عبر شواهد القبور .. لا أستطيع أن أصفهن بدقة ، لكني اعرف جيدا أنهن مسربلات في عباءات طويلة وأن شعورهن منكوشة ثائرة .. لا داعي لأن أقول إنني تجاسرت أكثر مرة ولحقت بهن .. لكننني كنت اصل إلى هناك فلا أرى أحدا على الإطلاق ..
وقد قررت أن اقنع نفسي بان هذا كله نوع من الهلاوس الليلية .. إن منظر المقابر في ضوء القمر ليثير شتى أنواع الخيالات في النفس حتى بالنسبة لمن كانت تلك مهنته ..
" لكني من جديد أرى هذا المشهد من حين لآخر .. ومن جديد ألاحظ أنهن يحمن حول قبر بعينه .. يصنعن حوله دوائر وربما يرقصن رقصا مجنونا مخيفا .. "
***
ولم تكن ( ماجي ماكيلوب ) تعرف شيا من هذا ..
إن لها أسبوعين في أيرلندا وهي ليست زيارتها الأولى .. لكنها في هذه المرة كانت على موعد ( رفعت إسماعيل ) قادم لأحد المؤتمرات العلمية في جامعة ( دوبلين ) .. أي انه سيكون قريبا جدا منها ، وكانت هي تنوي من البداية ان تقضي بعض أيام في ( ايرلندا ) لان هواية التصوير القديمة عادت تغلبها هذه الأيام .. وقد اختارت ( دونيجال ) كي تزورها ، وتقضي الوقت في تصوير القلاع القديمة المهيبة على السواحل هناك .. قلعة ( كيلبارون ) قرب ( باليشانون ) وقلاع ملوك ( ايرلندا ) الأوائل في ( لوسويلي ) .
كانت ( ماجي ) قد نشأت في قصر .. الحقيقة أنها كانت قلعة مخيفة إلى حد ما .. ومن الطبيعي أن حياتها فيها وحيدة بعد وفاة أبيها كانت خبرة مرعبة ..
لكنها تعلمت فن ( تذوق القلاع ) من نشأتها .. وأدمنت ذلك الشعور الغامض الذي هو مزيج من الرعب والرهبة والافتتان وسحر التاريخ والجمال الذي نشعر به حين نرى القلاع ..
أشباح ؟ إن قلاع اسكتلندا تعج بها ، وهي لم تتصور قط أن هناك بعض الأشباح قد بقيت لأيرلندا . من المستحيل أن يبقى شبح واحد لشعوب الارض المسكينة بعدما احتكرتها اسكتلندا جميعا .. إن كثيرا من المفكرين الساخرين اعتبروا أشباح اسكتلندا موظفين في السياحة هناك .. ولن يكون غريبا أن تقبض هذه الأشباح راتبها آخر الشهر من الحكومة ..
لكن قلاع ايرلندا الرهيبة لها مذاق خاص لم تعتده ( ماجي ) ، وهي لم تعرف نفسها طيلة حياته إلا هوايتين محببتين حقا : دراسة الفيزياء ـ لو كانت هذه هواية ـ والتصوير الفوتوغرافي الذي لم تكن موفقة فيه في البداية ، ثم أجادته بشدة وصار يسيري في عروقها كالدماء ..
الجديد هنا أنها كانت ترى البلاد بعينين بريئتين فيهما بكارة .. هاتان العينان اللتان يملكهما أي طفل وتجعلانك ترى كل شيء بمنظور مختلف كأنك تراه للمرة الأولى ..
الحقيقة أن الصغيرة ( إليانور ماكدوجلاس ) ذات السبعة أعوام طفلة رائعة الجمال .. أضف الشعر الأشقر الطويل حتى الخصر إلى العينين الزرقاوين الواسعتين ، تجد أنها دمية حقيقية ، وكانت تحب ( ماجي ) بجنون .. السبب الظاهر طبعا هو أنها قريبتها .. لكن لو أحب كل إنسان أقاربه بهذا الجنون لتحول العالم إلى جنة .. إن ( ماجي ) برغم ذكائها الخارق وأعوامها التي تجاوزت الأربعين طفلة رائعة الجمال هي الأخرى .. ولا تحتاج إلى مجهود كبير كي تفكر وتضحك وتحلم كالأطفال ، وكانت غريزة الأطفال الجهنمية لا تخطئ في هذا الصدد .. دعها تدخل أية قاعة مزدحمة .. تجد الأطفال يتجهون نحوها لا شعوريا .. دعها تداعب رضيعا تجده يقرقر ضحكا ، بينما لو داعبته أنا لانفجر في بكاء مجنون حتى يزرق لونه ويموت ..
( إليانور ) إذن في ضيافة ( ماجي) .. وهي ضيافة كانت ( ماجي ) تتوق لها من زمن .. وهكذا تأخذ ضيفتها الصغيرة في رحلتها تلك إلى ايرلندا ، وإن رسمت لها خططا أكثر طموحا .. ماذا عن فرنسا ؟ماذا عن إيطاليا ؟ بل ماذا عن الشرق الأقصى وربما مصر ؟
فقط لو أن أهلها سمحوا لها ، وهذا مستحيل على كل حال .. ولو أنها تركت لنفسها العنان لاختطفت الطفلة إلى مكان قصي ، ويومها لن تراها أمها إلا بعد ما تدفع ثمن التذكرة في كل مرة ..
الن ، قدمنا لك الأسباب التي دفعت ( ماجي ) إلى القدوم إلى هذا المكان بالذات ..
أما عن سبب ذهابها إلى المقبرة ليلا فبسيط جدا .. إنه القمر .. إنه مكتمل الليلة ، ولك ان تتصور المشهد المهيب للكنيسة العتيقة الواقفة تغلفها الظلال والأشعة الفضية الباردة .. صحيح ان المقابر تقع على مرمى حجر من الكنيسة .. لكن من قال إن المقابر لا تصلح لوحة رائعة ذات طابع قوطي محبب ؟
كانت الاستعدادات بسيطة .. ( بول أوفر ) سميك لها والسويتر ذو الكبود للطفلة .. ثم القفازات .. لا غنى عن القفازات .. فيلم حساس يناسب التصوير الليلي .. مع حامل لا غنى عنه لهذه الصور طويلة التعريض ..
وغادرت الفتاتان الخان في التاسعة مساء ..
سألتها المسز ( بانكروفت ) عن سب بخروجها ليلا ، فقالت ( ماجي ) ضاحكة :
ـ " بعض صور للكنيسة في ضوء القمر .."
قالت صاحبة الخان ذات الشعر الأبيض المعقوص :
ـ " ولكن .. ليكن .. أنت ذات حساسية للصور الجيدة .."
ـ " لقد كففت عن اعتبار نفسي هاوية منذ زمن .. سيأتي يوم تتقاتل فيه الصحف على تعييني .."
ـ " خذي الحذر إذن من الحفر .. إن بلدتنا وعبرة .. ولكن لا .. لا بد أن القمر قد جعل الرؤية كأنما هي في النهار .. أنت فاتنة يا عزيزتي .."
وهكذا خرجت ( ماجي ) مع الطفلة مميتين وجهيهما شطر المقبرة ..
كانت البلدة خالية تماما .. البرد والظلام جعلا الجميع يكمنون في ديارهم جوار المدفأة .. وكانت ( ماجي ) تفضل هذا على كل حال .. إن سكان هذه البلدان الصغيرة يتعاملون مع الكاميرا باعتبارها جسما شاذا هبط من المريخ ..
أخيرا ترى ( ماجي ) المشهد المهيب الذي وصفناه . تشهق انبهارا ثم تنصب الحامل وتعالج سرعة التعريض .. إنها تفضل فتحات الحاجب الضيقة مع سرعة تعريض أطول لأن هذا يجعل الصور حادة نوعا ..
قالت ( إليانور ) وهي تلتصق بها :
ـ " فلنسرع .. إن المكان مخيف بحق .."
ابتسمت ( ماجي) في رفق .. هي تحب هذه اللحظات حين يشعرون بالخوف ويلتصقون بها كقطط صغيرة عندها تشعر بأنها ( هرقل ) ذاته ..
كليك .. كليك .. كليك .. ثم..
ـ " فلنغير الزاوية .."
وحملت الحامل على كتفها وباليد الأخرى أمسكن بيد الصغيرة الدافئة في قفازها الصوفي ، وراحت تشق طريقها في حذر نحو الغرب محاولة ألا تتعثر في الحفر ..
آه ! من هذه الزاوية ترى المقابر بوضوح تام ..
الشواهد الباردة بما عليها من كلمات صار من العسير قراءتها .. وما بقي عليها من زهور جفت او ذرتها الريح .. تستحم في الضوء الفضي المصفر قليلا ..
قشعريرة زحفت على سلسلة ظهر ( ماجي ) لكنها تجاهلتها .. وبدأت تضبط مجال الرؤية ..
ـ " أنا خائفة .."
ـ " ليس هنا سوى أحجار .. لا تتوقعي أن تنفتح القبور ويمد لنا الموتى أيديهم الباردة كي .."
وهوت على ساعد الصغيرة بأناملها تعتصره ، ورسمت على وجهها نظرة مخيفة ضاحكة ، فأطلقت الفتاة صرخة هلع :
ـ " ( ماجيىىىى ) !! أنا لم أر إنسانا أخبث منك ولا أشر !"
ـ " ستقابلينه يا عزيزتي .. ستقابلينه .. إنه نائم في مكان ما من إنجلترا الآن .. ولسوف يكون زوجك بعد عشرة أعوام !"
ولسبب ما فكرت في ( رفعت ) .. هل لأن الكلام كان عن الزواج ؟ ام هو مشهد المقابر الرهيب ؟ أم هي سيرة الخبث والشر ؟ لا اعرف طبعا ..
إنه قادم خلال أيام ، ولسوف يبهرها بالمزيد من الضمور الجسدي والأمراض المزمنة .. مع هذا الرجل يمر العام الواحد كأنه خمسة .. ولن تدهش هذه المرة لو وجدت أنه فقد عينا أو ساقا أو أصيب بالشلل الرعاش .. فقد ستدهش لو مات ، لان برهن على قدرة خارقة في أن يظل حيا برغم هذا كله ..
كليك .. كليك . كليك .. ثم .. كليك ..
ولا بد من كليك هنا أيضا ..
لو ان الصور خرجت كما تراها الآن فهذه أروع مجموعة التقطتها منذ عام ..
هنا هتفت الطفلة وهي تلتصق بها اكثر :
ـ " هناك أشخاص !"
بالفعل كان هناك أشخاص ..
لا تستطيع ( ماجي ) تحديد العدد بالضبط ، لكنه يقترب من الخمسة أو الستة .. لمزيد من الدقة اللغوية خمس أو ست .. لان كل شيء يوحي بان هذه أشباح نساء ..
ثمة شيء ما لا يريح في هاته النسوة ..
إنهن مسربلات في عباءات فضفاضة وشعورهن ثائرة.. يمكنها أن ترى أن شعورهن ثائرة برغم أنهن على بعد خمسين مترا على الأقل ..
إنهن يمشين وسط المقابر .. ما الذي يدفع مجموعة من النسوة كي يمشين وسط المقابر ليلا ؟
وبشكل غريزي مدت يدها الهشة تضعها على فم الطفلة ، وغاصت في موضعها أكثر .. لحسن الحظ أنها تقف خلف شاهد حجري يسمح لها ببعض الاختباء لا كله ..
النسوة يتجهن إلى مكان معين في المقبرة .. يقفن فيما يشبه الدائرة .. إنهن يرسمن شيئا على الأرض .. ثم يلتففن ويشبكن أيديهن صانعات دائرة بأجسادهن ..
إنهن يدرن كأنهن يلعبن لعبة أطفال .. تزداد السرعة وطيلة الوقت يرددن شيئا ما لا يمكن أن تتبينه . لكنك تشعر به ..
هنا فقط خرجت ( ماجي ) من شبه الغيبوبة التي شلت حركتها ، وخطر لها أن ما تراه مهم جدا .. وعلى الفور خرجت عدسة ( الزوم ) وقامت بتثبيتها إلى الكاميرا ، وبدأت تلتقط بعض الصور لهذا الجمع ..
شهيق الطفلة يتعالى من فرط إثارة وتوتر .. ولا شك أنها تشوك على الفرار في أية لحظة ..
النسوة يقمن الآن بإخراج أقفاص صغيرة .. يخرجن ما بها ... الآن فقط تفهم ( ماجي) طقوس سحرية .. يمكنها أن ترى بعين الخيال أن ما رسم على الأرض لن يكون إلا نجمة خماسية .. يمكنها أن ترى بعين الخيال أن ما يخرجنه من تلك الأقفاص حيوانات صغيرة يقمن بذبحها ..
ثم بدأت الجنون .. فعلا الجنون ..
رقصات مجنونة لا يمكن وصفها لا بد أن قبائل ( البوشمان ) لم تقم بمثلها حول النار ليلا . تلك الضحكات الرفيقة الماجنة التي تضحك بها الساحرات في السينما ..
صوت غراب يدوي من بعيد ، فتزداد حماسة الراقصات ..
ترى هل تفهم الصغيرة معنى هذا الذي تراه ؟ على الأرجح لا .. ولعل هذا من حسن الطالع .. هي فقط خائفة وهذا من حقها ..
ولكن ما هذا ؟ هل ثمة قبر يفتح ببطء ؟
هل هذا الذي يخرج منه دخان فعلا ؟
لماذا تصلبت النسوة وكففن عن الاحتفال الصاخب ؟
وقدرت ( ماجي ) أن الوقت قد حان كي تجمع حاجياتها وتفر .. لقد رأت الكثير .. هاذ المكان يحتاج إلى زيارة صباحية لرؤية ما كانت هاته النسوة يفعلنه ..
لكن الآن لا بد من الــ ..
ضربة في مؤخرة رأسها فأطلقت صرخة عالين واستدارت . فقط لترى ذلك الغراب الكريه يفر مبتعدا .. لا شيء يخيف .. إن الغربان تهاجم الأجسام اللامعة ، وقد كانت الكاميرا تلمع في ضوء القمر ..
لكن المشكلة هي أن النسوة سمعن الصرخة ..
إنهن قد تصلبن ..
إنه يتحركن نحو مصدر الصوت ..
وهنا فقط صرخت ( ماجي ) في الطفلة :
ـ فلنفر يا ( إلانور ) !!"
ولم تكن الطفلة بحاجة إلى شرح ، لأنها كانت قد انفجرت في البكاء الهستيري ..
جذبتها ( ماجي ) من يدها وانطلقتا تركضان وسط الأراضي الوعرة .. حامل الكاميرا في يد والطفلة في يد .. حفر .. حفر .. وهذه .. حفرة .. حفرة .. صخرة ..
ولم تجسر قط على النظر إلى الوراء .. لسوف ينتابها الهلع . .لسوف تتعثر ..
لا بد من فرارا سريع بلا تردد ..
وعندما تصل إلى الخان ، سيكون هذا الكابوس قد انتهى ..
لكن هذه كانت ـ كما نعرف جميعا ـ هي البداية ..
1-
لقاء تأخر
..
أنهيت أعمال المؤتمر وصرت حرا ..
لا ازعم هنا أنني امقت المؤتمرات .. بشكل ما أنا اعتبر نفسي خبير مؤتمرات متمرسا .. ولا اخفي سرا إذا قلت إن ملاحقة المؤتمرات عبر العالم هي المتعة الوحيدة لي في الحياة .. أنت تسمع أفكارا جديدة وتعرف أشياء جديدة وترى أناسا جديدين طيلة الوقت .. تصور شيئا كهذا بالنسبة لشخص ملول مثلي .. الأمر نوع من المهرجانات العلمية ، والاهم انك لا تتكلف شيئا تقريبا .. لأنني ادعى إلى أكثر هذه المؤتمرات ، كأنهم يحتاجون دوما إلى تعكير مزاجهم بوجود ( رفعت إسماعيل ) الكئيب . .
طبعا كانت لمؤتمر ( دوبلين ) هذا مزية مهمة ، هي أنني على ارض ( ماجي ) .. ومعنى هذا أنني سأقابلها بالتأكيد .. وقد عرفت أنها ستكون ي ( ايرلندا ) في هذا الوقت بالذات .. وحددت لي بلدة ( ليفورد ) في ( دونيجال ) لقاء .. لم أكن اعرف هذا المكان طبعا لأنني لست ملكة بريطانيا ، لكني عرفت أنها تقع في تقصى شمال البلاد ، وتطل على المحيط الأطلسي ..
كانت مع ( ماجي ) طفلة هي قريبتها وقد ضايقني هذا نوعا ، لأنني لا أطيق الأطفال ولا الزهور ولا الربيع كما تعرفون عني ، لكن ( ماجي ) تستحق تضحية صغيرة كهذه ..
وجاء اليوم الموعود ..
كانت بانتظاري حين بلغت البلدة .. ( ماجي ) الرقيقة التي تمشي على العشب دون ان تثني منه عودا واحدا ..
( رفعت ) الملول العصبي غريب الأطوار كان يملك عالما لم يخط فيه بشرى من قبل .. ارض ( اللا بشر ) لو صح التعبير .. فقط واحدة استطاعت أن تخطو فوق هذه الأرض .. تغزوها .. تغرس فوقها علمها الخاص .. ومنذ ذلك اليوم صرت رجل امرأة واحدة ..
أتشاجر .. افرح .. أفكر .. أخاف .. اطمئن .. لكنها هناك ..
أسافر .. أعود .. أنام .. أصحو .. لكنها هناك ..
وكما يقول ( صالح جودت ) : فأنت المنتهى وهنا المصب ..
هل كان هذا في صالحي ؟ الحقيقة أنني لا ادري بالضبط .. هذا الحب العتيد الذي أحسبه ولد قبل أن أولد ربما بينما المصريون القدماء ينحتون مسلاتهم .. ربما بينما ( التي ركس ) العملاق يتحرش بـ ( برونتوساوروس ) وديع قرب المستنقع .. ربما بينما القمر يولد من المحيط الهادي .
هذا الحب قد جعلني عمليا عاجزا تماما عن ممارسة حياة طبيعية .. جعلني ذئبا متوحدا يحيا هنا في مصر ، بينما قلبه ينبض هناك في ( إنفرنسشاير ) ولعمري ما أطول تلك الدورة الدموية !
لم تتغير .. حقا لم تتغير .. إن الأيام تعاملها معاملة غير عادلة .. فبينما تترك كل دقيقة ندبة لا تمحى على وجهي ، تلتف الأعوام حولها تزيل الغبار المتراكم .. قرر الزمن ان يضع قناعا ويدخل غرفة الجراحة ليصير جراح تجميل خصوصيا لها ..
هذه هي ( ماجي ) خمسة وخمسون كيلو جراما من السحر والرقة والرقي والمرح .. حساسة كزناد تفجير لغم نازي مدفون تحت رمال العلمين .. كتلة من الاعصاب المرهفة مغطاة بالجلد ..
وأنا ..
أهيم بها ..
***
قالت لي حين رأتني :
ـ " للأبد ؟ "
ـ " ماذا ؟ "
ـ " ستون ملكي للأبد ؟"
ـ " وحتى تحترق النجوم كلها .. وحتى .."
وتوقعت أن أكمل العبارة الأخيرة ، لكن الروتين هو الروتين .. لقد خنقني التأثر كالعادة ..
قالت ضاحكة وهي تقدم لي الطفلة :
ـ " ( إليانور ماكدوجلاس ) .. المفترض أنها قريبتي لكنها في الحقيقة شريكتي .."
انحنيت وصافحت الطفلة بشكل رسمي مبالغ فيه ، وتأملت ملامحها .. بارعة الجمال كما لا بد أن يكون كا ما يمت لـ ( ماجي ) .. هذا باستثنائي طبعا ما دمت اعتبر إنني أمت لها ..
ـ " تشرفنا أيتها الآنسة .. هل سبق لي أن حظيت بشرف معرفتك ؟ "
نظرت لي في فضول بعينيها الزرقاوين الصافيتين وقالت :
ـ " بالواقع .. لا .."
كأنه من الممكن أن ينسى المرء ( رفعت إسماعيل ) بسهولة !
كان الخان الذي اختارته لنا مريحا له ذات الطابع البريطاني ـ بل الأيرلندي طبعا ـ الودود الذي يذكرك بقصص ( أجاثا كريستي ) .. كانت قد اتخذت هي الطفلة غرفة .. واختارت لي غرفة جميلة لا تطل على شء على الإطلاق لأنها تعرف ذوقي ..
قالت للمسز ( بانكروفت ) صاحبة الخان وهي تقدمني :
ـ " هذا هو البروفسور ( إسماعيل ) الذي حجزت له الغرفة رقم ( 12 ) .. مسز ( بانكروفت ) .."
هززت رأسي متظاهرا بالرقي ،وقلت :
ـ " تشرفنا .."
كانت امرأة في المائتين من عمرها ، لها شعر ابيض ناعم عقصته بعنف بتلك الطريقة التي توحي لك بان فمها صار في موضع أعلى وأنها لن تستطيع إغلاق جفنيها للأبد .. وكان لها وجه لطيف مليئ بالتجاعيد لكن فيه شيئا من الخبث بالتأكيد ..
قالت لي ( ماجي )
ـ " يمكنك ان تذهب لغرفتك وتتأهب للعشاء ، أو نجلس هنا نتحدث .."
وكان اللوبي لهذا الخان شيئا اقرب إلى قاعة الجلوس في البنسيونات الصغيرة .. جو حميم دافئ .. ثمة نار مشتعلة في مدفأة ، ومجموعة من الرجال لا يبدو عليهم أنهم من طبقات المجتمع الراقية ، لكنهم ليسوا كذلك من طبقة العمال .. كانوا يشربون ويدخنون ويرمقوننا في فضول ..
قلت لـ ( ماجي ) إنني أفضل الجلوس قليلا .. فهزت رأسها راضية .. الغريب ان ( ماجي ) هي الشخص الوحيد في الكون الذي اعرف جيدا انه يحب وجودي ويستمتع به . . فأنا أبصر روحها كما أبصر روحي أنا .. إن ا ختي تحبني بالتأكيد لكنني اشكل هلا ظاهرة تعجز عن فهمها ، ولا شك ان وجودي يسبب لها توترا غريبا .. ( عزت ) ؟ من المجنون الذي يزعم ان ( عزت ) يحب وجودي ؟ إنني اجلب له المصائب في كل لحظة .. لكني لن ابالغ .. بالتأكيد هنا اشخاص كثيرون يحبون وجودي ، لكني لا استطيع ان ازعم هذا بالثقة التي اتكلم بها عن ( ماجي ) ..
قالت لي باسمة وقد اسندت ذقنها على قبضتها ، وراح كشافاها الازرقان يتفحصانني :
ـ " هممم ؟ ماذا فعل الزمان بك ؟ هل فقدت أشياء او اكتسبت اشياء ؟ "
ـ " اضفت امراض البروستاتا وتصلب عدسة العين وحصوة كلية صغيرة الى قائمة امراضي .. بينما فقدت إصبعين من قدمي .."
تقلص وجهها ذعرا وهتفت :
ـ " ماذا ؟ إصبعين ؟ متى ؟ "
قلت في لا مبالاة وانا احتسي الشيكولاتة الساخنة التي طلبتها لنا :
ـ " ليلة في ثلاجة الموتى مع وباء يشبه التيفوس .. قضمة صقيع .. انت تفهمين هذه الامور !"
نظرت لي في هلع ثم ارتجفت اهدابها بضحكة تحاول ان تكتمها .. كانت ترغب في التأثر لكن لا مبالاتي جعلت الامر اقرب الى دعابة :
ـ " أنت لن تتغير !"
ـ " وانت ؟ هل تغيرت ؟"
قالت وهي تداعب شعر الصغيرة :
ـ " بمناسبة حضورك .. عندي لك قصة مثيرة حدثت منذ ثلاثة أيام ، واعتقد انها تنتمي الى عالمك.."
ـ " هاتها .."
وهكذا بدأت ( ماجي ) تحكي لي القصة التي يعرفها الجميع الآن باستثنائي طبعا ..
ـ " كنت راغبة في تصوير الكنيــ.."
***
ـ .. حتى وصلنا الى الخان وعرفنا اننا في امان .. "
انتهت القصة ، بينما انا اصغي باهتمام .. وكانت الطفلة بدورها تصغي وقد بدا عليها نوع من الفخر لأنها شاركت في هذه المغامرة الليلية ..
سألت ( ماجي ) في توتر :
ـ " وطبعا عدت في الصباح الى نفس البقعة .."
ـ " ولم اجد شيئا غريبا ... لقد تم تنظيف البقعة بعناية .."
ـ " ولم تتخيلي ما حدث ؟ "
ـ " أوه .. إن ما معي من جرعات عقار الهلوسة قد انتهى للأسف .."
نظرت في عينها بثبات وقلت :
ـ " وهل فهمت الآن انك رايت اجتماعا للسحرة ؟ يقول الأوربيون إن الغراب لاذي يحضر هذه الاجتماعات هو الشيطان ذاته ! "
قالت في ضيق :
ـ " ( رفعت ) .. كف عن هذا السخف .. نحن في القرن العشرين يا بني .."
ـ " على قدر علمي لم يتوقف الانسان عن ممارسة السحر منذ فجر التاريخ حتى هذه اللحظة .. لاحظي عدد الجماعات السرية Cult التي تمارس طقوسا سحرية في امريكا حتى اليوم .. لاحظي هذا الجمع الغريب بين ذروة التقدم التكنولوجي وممارسة السحر .. لا يوجد ما يمنع وكل خبراتي في ا لحياة تؤكد هذا .. سواء كان هؤلاء يمزحون او يأخذون الامور بجدية ..
ثم رحت اقدم محاضرة قصيرة عن الموضوع :
ـ " كان الاعتقاد السائد في القرون الوسطى هو أن السحرة كائنات اجتماعية جدا .. ولهذا يجتمعون في اطراف السهول او الاحراش الموحشة .. ثمة سمعة سيئة بالذات لجبال ( هرتز ) شمال ألمانيا . وتظهر الرسوم ان هذه الاحتفالات كانت استعراضا لاحدث ما وصلت اليه التكنولوجيا في التنكر وتغيير الشكل .. بعض السحرة كانوا يحضرون على اشكال حيوانات غريبة .. وبالطبع لا بد من عصي المكانس التي هي بمثابة بطاقة الدعوة لتلك الحفلات .. ويقولون إن الشيطان كان يحضر هذه الاجتماعات على شكل قط او ـ على الارجح ـ غراب .. وكان إثبات أن امرأة ما حضرت اجتماعا كهذا كفيلا بحرقها في غالبية الاحوال .. لقد احرق رجل يدعى ( جودفري ) عام 1611 لأنه حضر واحدا من هذه الاجتماعات دون ان يشارك فيه .. واحرقت طفلة تدعى ( كاترين ناجوي ) في فرنسا لانها وصفت شيئا شبيها بهذا .."
هنا نظرت الطفلة وتذكرت اين انا فابتلعت كلامي . الحقيقة انها الآن مؤهلة تماما للعقاب لو كانت في القرون الوسطى ..
واصلت كلامي :
ـ " ما رأيته انت في المقبرة كان اجتماع سحرة .. لا شك في هذا .."
فقالت ( ماجي ) باسمة :
ـ " على كل حال لدي ما يثبت أنني لم اكن واهمة لقد قمت بتحميض الصور وهي عندي .."
جميل وهل أبدى استديو التحميض إعجابه بها ؟"
ـ " لا احد يعلق على هذا .. وعلى كل حال لا يمكن فهم ما تدور حوله الصور إلا لو كنت تعرف ما تبحث عنه .."
ثم نهضت وقالت :
ـ " سأحضرها لك .."
ـ " بشرط ان يتم ذلك خلسة .. لا احب ان يلتف حولنا خمسون متحمسا .."
ـ " طبعا .."
وانطلقت تعدو بخفتها المعهودة نحة حجرتها .. لن اصدق ابدا ان هذه الطفلة المرحة تجاوزت الأربعين .. إلا لو صدقت انني في العشرين من عمري ..
هنا ـ ما إن ابتعدت ( ماجي ) ـ فوجئت بالطفلة الاخرى تهتف بي :
ـ " يا للروعة !!"
ونظرت الى حيث اشارت ..
وكان ما رايته يخطف الانفاس ..
-2-
حسناء سوداء ...
وقفت الفتاة ذات الثياب السوداء امام مسز ( بانكروفت ) مستندة الى ( الكاونتر ) ..
كل شيء فيها كان اسود مثل د. ( لوسيفر ) .. الشعر الاسود المنسدل حتى الكتفين شديد البريق .. مما يذكرني بالسطوح المعدنية.. المعطف الاسود الطويل .. التنورة السوداء .. الجوربان الاسودان .. الحذاء طويل الرقبة الذي تتدلى سلسلة ذهبية على طرفه العلوي .. ثياب غالية الثمن توحي بانها من اصل راق لا شك فيه .. ربما من سلالة احدى الاسر المالكة في اوروبا .. إنهم تحت كل حجر هنا ..
كانت جوارها على الارض حقيبة ، وكان هناك سائق يلبس ثيابا لا استطيع شراءها ولو ادخرت راتبي لعشرة أعوام ..
سألها باحترام وبتلك اللكنة الأوكسفوردية الخاصة بأساتذة الجامعات :
ـ " هل ترغب الآنسة في شيء آخر .."
قالت بصوت خشن قليلا قوي النبرات :
ـ " لا شيء يا ( إدموند ) .. يمكنك الانصراف ولا تنس الموعد .."
ثم استدارت الى مسز ( بانكروفت ) وقالت :
ـ " بخصوص الغرفة التي حجزتها هاتفيا .."
كان الامر الآن اقوى من تحمل العجوز البريطانية الفضولية .. وللحظات بدا ان الأسئلة تزدحم في ذهنها بحيث لا تعرف من اين تبدأ .. الحقيقة ان اسئلة مماثلة كانت تحتشد في ذهني ..
من هذه الحسناء ؟ ما الذي يدفع مثلها الى هذا الخان ؟ هل لأنه الوحيد في ( ليفورد ) ؟ وما اهمية ( ليفورد ) اصلا ؟ ليست مكانا سياحيا مهما وبالتأكيد لا يوجد كثيرون من هواة القلاع هنا .. انت تفهمني .. طراز هذه الحسناء الثرية تجده حيث تذهب الحسناوات الثريات .. أي مكان غير هذا بالتاكيد ..
ثم إن الحسناء أخرجت بعض الأوراق وقالت :
ـ " مس ( بلاك ) .. ( لورين بلاك ) .. من ( شيفيلد ) .."
ثم تهجأت الاسم بصوت عال :
ـ " ..L..O..R..E..A..N..E "
إذن المرأة كتبت الاسم Lorine كما كنت سأفعل انا نفسي .. لماذا لا تنطقه الفتاة ( لوريان ) كما اتوقع ؟
ثم دارت محادثة لم استوعب منها الكثير ، لاني كنت امرق الجالسين في المكان والذين أرهفوا جميعا السمع لالتقاط ما يمكن سماعه .. الحقيقة ان دخول الفتاة احدث توترا ودهشة لا يختلفان عما لو كان وشق الاستبس هو الذي دخل ..
كان هناك عجوز راح يمضغ غليونه .. وشاب التهم المنديل الورقي بدلا من قطعة الحلوى في طبقه ..
وامرأة اتسعت عيناها حتى لا تفوتها شاردة او واردة .. فضول .. فضول .. وهو ما يقول لي إنني لست مخطئا في دهشتي .. هذه البلدة لا ترى الغرباء ، فإن رأتهم كانوا مثل ( ماجي ) التي لا تشعر أبدا بأنها غريبة عنك ، وانا بمظهري الذي يقول بوضوح : لا خطر منه .. إنه على الارجح سيموت خلال دقائق .
وجاء صوت العجوز :
ـ " كم من الوقت تنوين الإقامة هنا ؟"
ـ " ربما بقيت أسبوعين .. لا اعرف بالضبط .. على كل حال سيعود سائقي بعد أسبوعين .."
وهكذا جاء الخادم ( ويليام ) ليحمل حقيبتها .. واصدرت له المديرة الأمر : رقم ( 13 ) .. هذا الخان إذن ليس ممن يحذفون الرقم 13 من ارقام الغرف منعا للتشاؤم .. وفي ثقة مشت الحسناء وراءه بينما صوت كعبي الحذاء يحدثان ذلك الصوت المنتظم : تيك .. توك ..تيك .. توك ..
اخيرا عاد مستوى الأدرينالين في دماء الجالسين الى مستواه الطبيعي ..
سألتني الصغيرة في خبث :
ـ " هي اعجبتك كثيرا .. اليس كذلك ؟"
انحشر شيء ما في حنجرتي ، فعالجت ربطة العنق لأريح رقبتي ، وقلت :
ـ " بلى .. بل نعم .. لم تعجبني ..إن .. ما الذي يدفعك لقول كهذا ؟"
ـ " لم ترفع عينيك عنها ثانية !"
وهو كذب واضح وافتراء لانني قضيت اكثر الوقت اراقب وجوه الجالسين .. لكني قلت لها :
ـ " إنها غريبة على هذا المكان .. هذا كل شيء .."
هنا كانت ( ماجي ) قد عادت حاملة مظروفا .. وجذبت مقعدها لتجلس ثم مدت يدها تحت المنضدة وناولتني الصور ..
رحت أتفحصها من تحت المنضدة .. حقا كانت صورا شديدة الإبهام .. هناك نسوة في أوضاع راقصة .. ومنظرهن عامة ليس مما يبعث الطمأنينة في النفس .. لكن تأثير عدسة الزوم قاتل ، مع فترة التعريض الكبيرة التي جعلت الاهتزازات كثيرة ..
اعدت لها المظروف وقلت هامسا :
ـ " لا يوجد ما يثير الريبة فعلا .. لكن ربما كان من الافضل الا يعرف احد بأمرها .."
تدخلت الطفلة ـ كغراب البين ـ لتعلن انني كنت معجبا بالزائرة الحسناء .. وطبعا كان لا بد ان تعرف .. مني ( ماجي ) كل شيء عن تلك الزائرة الحسناء .. حكيت لها كل شيء فقالت :
ـ " هذا غريب .. لكني مسرورة لان شيئا من الحياة ما زال ينبض فيك .. إن كل ما تعانيه من امراض لا يمنعك من ان تكون وغدا .."
برغم هذا سررت للعصبية التي تكلمت بها .. هاذ يعني ان كل شيء على ما يرام .. وما لا تفهمه هذه الحمقاء أنني ـ فعلاـ اراقب الناس في فضول كمن يراقب نوعا غريبا من البكتيريا تحت المجهر .. لا انفعالات ولا عواطف من أي نوع . إلا لو حسبنا أن عالم البكتيريا إذ يبتسم وهو ينظر في مجهره ، إنما يغازل العصويات التي يراها !
قلت لـ ( ماجي ) وانا انهض :
ـ " الآن اعتقد أنني في امس الحاجة الى قسط من الراحة .. غدا نبدأ استكشاف هذه البلدة .."
هزت راسها موافقة .. وابتسمت لي في رقة وهي تضم الطفلة الى صدرها ..
***
تقع غرفتي رقم ( 12 ) في الطابق الثاني .. ويلاحظ من يجيدون الرياضيات منكم ان الرقم (12) ملاصق للرقم ( 13 ) .. لمزيد من الدقة يواجهه .. إذن جارتي هنا هي الاخت ( لورين بلاك ) .. اما ( ماجي ) فغرفتها رقم ( 9) في الطابق ذاته ..
فتحت الغرفة واتجهت الى النافذة كعادتي ..
كانت موصدة بحيث لا يمكن فتح الزجاج الذي تغطيه ستارة رقيقة .. لكني كنت أستطيع ان ارى من هذا الموضع أجمل مساحة من الفراغ رايتها في حياتي .. لا معالم على الإطلاق ما عدا مرجا واسعا يمتد الى ما شاء الله .. إن ( ماجي ) تعرف ذوقي بالضبط ..
كانت التدفئة تعمل على ما يرام ، فبدأت ارتداء منامتي ووضعت حاجياتي في الخزانة .. الحق انني مرهق فعلا ..
طرقات على الباب .. هذا هو ( ويليام ) طبعا فلا بأس ان يراني بالمنامة ..
فتحت الباب فأصابني الهلع لا، القادم كان المس ( بلاك ) بالذات اولا اصابني الخجل من مظهري ، ثانيا لا اعرف بالضبط كنه الشيء المخيف في هذه الفتاة حين تراها عن قرب .. إنها جميلة .. ربما هي جميلة اكثر من اللازم او المقبول .. وهي في هذا تشبه جرعة زائدة من السكر تصيبك باضطراب الهضم وربما الغثيان .. ملعقة العسل الابيض الكبيرة التي كانت امك ترغمك على شربها برغم انها ( تشحط ) في حلقك .. وقدرت انها في العشرينات من عمرها ، وانها على شيء لا يخفى من القسوة ..
قالت بصوتها الخشن العميق :
ـ " معذرة على التطفل يا سيدي .. لكن الخادم لا يرد على الجرس .. كنت بحاجة الى عون .."
ـ " نعم .. نعم .. أي شيء .."
ـ " نافذة الغرفة غير قابلة للفتح .. كنت بحاجة الى بعض الهواء النقي .."
ـ " في هذا البرد ؟ لكن .. ليكن .. لحظة حتى ارتدي الروب .."
وطبعا خجلت من ان اقول لها إنني عاجز عن فتح نافذة حجرتي ذاتها .. الرجال لا يرفضون طلبات من هذا النوع لأنها من صميم كرامتهم ..
لحقت بها في حجرتها وكانت نسخة طبق الأصل من حجرتي انا .. اتجهت للنافذة وامسكت بعارضتها ورفعت لأعلى ، وهول ! تدفق الهواء البارد ليلسع صدري ..
كانت غير موصدة اصلا .. لا بأس .. لقد أنقذنا كرامتنا الرجولية ولو بنصر مزيف ..
قالت لي في امتنان :
ـ " شكرا جزيلا .. انا اقدر هذا .. بالمناسبة .. لا تبدو لي من القارة اصلا .. لنقل إن ملامحك شرق اوسطية .."
اعتدت دوما ان ابدو اجنبيا في كل مكان .. في إفريقيا انا ابيض جدا ، وفي اوروبا انا اسمر جدا ، وفي آسيا انا احمر جدا .. على كل حال هذه الفتاة تتمتع بالملاحظة الدقيقة ..
ـ " انا مصري .. دكتور ( إسماعيل ) .. ( رفعت إسماعيل ) .."
ـ " ( لورين بالك ) .. مس .. كاتبة قصصية محدودة الشهرة .. من ( شيفلد ).."
هكذا بدأت القصة تبدو على شيء من المنطق .. لا يزور هذه الناحية إلا مجنون مثلي و( ماجي ) او كاتب قصصي يريد ان يعيش بيئة قصته .. لعلها تكتب عن قلاع ( ايرلندا ) .. لقد تعودت اشياء كهذه من الكاتبات البريطانيات ، حتى إنني اتخيل ان ( اجاثا كريستي ) أو ( دافني دومورييه ) لم تجلسا قط إلى مكتب في داريهما . طيلة الوقت هما في فنادق في كل ركن من العالم ..
ـ " أي نوع من القصص تكتبين ؟ "
ـ " أشباح !! لا تنس انك في بريطانيا حيث أحفاد (هنري جيمس ) .. هنا تجد الرعب البريطاني الذي يلمح بالخطر لكنك لا تراه .. يصفونه بأنه ( رعب الأشياء اتي تتحرك خارج مجال بصرك .. فإذا ادرت وجهك نحوها لم ترها .."
كاتبة رعب في غرفة جوار ( رفعت إسماعيل ) لو تعرف هذه الفتاة أي كنز يقف امامها الآن ! رعب الاشياء التي تتحرك خارج مجال بصرك .. يا سلام ! فماذا عن رعب الأشياء التي تقف أمامك ، وتعرف عنوان دارك ، وتمشي في شقتك ليلا وتقف جوار فراشك ..
على كل حال لا انكر ان اسمها له رنين مرعب ويبدو ان هذا شرط مهم لنجاح كتاب الرعب ..
تمنيت لها ليلة طيبة وعدت الى غرفتي ..
ولم يفتني قبل ان اغلق باب غرفتي ان ألاحظ ان موضوع النافذة هذا كان ذريعة .. لو ان طفلا مد يده لفتحها..
هذه الفتاة ارادت ان تفتح اتصالا معي .. فلماذا ؟
أي رجل آخر سيقول إن سحره الرجولي بدأ يعمل .. اما انا فأعرف نفسي جيدا ..
هناك سر غامض وراء هذه الفتاة .. غامض وآمل الا يكون مخيفا كذلك ..
-3-
أحداث ليلية ...
كنت قد غبت تماما في ملكوت النوم ، حين تصير غير ذي حول ولا قوة .. إنه الموت بكل تفاصيله ولا شيء إلا إرادة الله التي تجعلن ا فتح عيني بعد هذا كله واتثاءب ، بدلا من ان ابدا في التصلب الرمي فالتعفن ..
طرفات على الباب . طرقات .. طرقات ..
بشكل ما دخلت هذه الطرقات الى الحلم كعادة احلام ( المنبه ) ، ثم أفقت فهرعت الى الباب . الخان يحترق بالتأكيد ، والدم كله احتشد في قدمي فترنحت وقد اسود العالم للحظة ..
في النهاية وجدت المفتاح ففتحت ، وكان من رأيت هو ( ماجي) والطفلة .. كلاهما ممتقع الوجه منكوش الشعر يرتدي الروب ..
ـ " كم الساعة الآن ؟ "
صاحت ( ماجي ) دون ان تنتظر حتى اعرف الإجابة ..
ـ " (رفعت ) لقد سرقت غرفتي !"
يا فتاح يا عليم .. يا رزاق يا كريم ! لا احد يريد ان يتركني استرد توازني .. وهكذا وجدت نفسي اضع الروب على كتفي ، واثبت العوينات ، والحق بها في غرفتها ..
كانت باردة كثلاجة ـ الغرفة لا ( ماجي ) برغم ان جهاز التدفئة يعمل جيدا .. ولم استطع ان الاحظ شيئا غير عادي او منفرا .. لكنها لم تحك قصتها بعد .. لهذا واصلت الكلام وهي تمرر يدها في شعر الطفلة الاشقر حتى كادت تصيبها بالصلع :
ـ " انت تتساءل لم النافذة مفتوحة .. انا ايضا اتساءل ! لقد نمت مع ( إليانور ) بعد رحيلك بساعة .. وكانت النافذة موصدة .. هل تفهم ؟ موصدة ! ثم صحوت شاعرة بأنني موشكة على التجمد .. وجدت ان النافذة مفتوحة .. ووجدت ان هناك من عبث في حاجياتي .. لم يختف مال ولا حلى .. فقط الصور اللعينة وكل ما كان معي من أفلام تم تحميضها !"
رحت احك راسي محاولا ان ابعث بعض النشاط في كتلة الهلام تلك :
ـ " غريب .. وهل .. الكاميرا .؟"
ـ " موجودة !!"
ـ " هذا غريب .."
وأضفت :
ـ " هلا اطلقت سراح الطفلة ؟ إن شعرها كله قد انتصب بالكهرباء الاستاتيكية .. لسوف تنبعث منها الصواعق حالا .."
واتجهت الى النافذة فعالجتها كما فعلت مع تلك التي في غرفة الفتاة .. واختلست نظرة الى الخارج .. هل هذا الواقف على الشجرة هناك غراب ؟ لا .. هذه اوهام .. هناك إفريز يمر تحت النافذة بالضبط .. فهمت.. إفريز يمر تحت كل نوافذ الطابق .. النوافذ ذات الرقم الفردي مثل 7 و 9 و 11 و 13 و 15 ..
من هذا الطريق جاء المتسلل الذي لا بد انه رشيق كالفراشة .. إن نوم ( ماجي ) ليس عميقا على الإطلاق ، ولا يستطيع التسلل جوار فراشها إلا فراشة ..
أغلقت النافذة وكانت لينة فعلا سهلة الإغلاق ..
ثم جلست على طرف الفراش ورحت افكر قليلا ..
قلت له اوانا أتسلى بهز خفي المتدلي من قدمي التي وضعتها على ركبتي :
ـ " الامر واضح ولن نضيع الكثير من الوقت في فهمه .. الصور كانت تمثل خطرا بالنسبة للبعض في هذه البلدة إنها الدليل على انهم كانوا في المقبرة في تلك الليلة .. هذا سلوك من يريد الصور باي ثمن .."
تربعت على الأرض المغطات بالموكيت ، وحركت خصلات شعرها الأشقر مفكرة ثم قالت :
ـ " لكن الصور لم تكن بهذا الوضوح .."
ـ " بالنسبة لنا .. لكن لو ان احد اهالي البلدة رآها لهتف : ويلي ! هذه ( جين ) !! يا للغرابة !هذه ( ماري ) ! إن من يعرف تلك الوجوه من قبل سيتعرفها على الفور في الصور .."
ـ " ومن قال لهم إن هذا الفيلم معي ؟"
ـ " اولا هن رأين فتاة ومعها طفلة تركضان .. والفتاة تحمل حامل كاميرا .. ما كل هذا الذكاء ؟ لا حظيان حامل الكاميرا يستخدم غالبا لحمل كاميرا ، ويندر ان يستعمل لتنظيف الأذن .. ثانيا : اعرف طريقتك الشهيرة في افتراض ان كل شيء آمن وانني مصاب بالبارانويا .. بالطبع هناك ألف واحد رأوا هذه الصور معك .."
ظلت تنظر للموكيت كأنما تريد ان تثقبه .. من الغريب انها في اروع صورها بهذا الشعر المنكوش ، وذلك الوجه شبه المنتفخ من النوم .. قالت لي :
ـ " ومن فعلها ؟"
ـ " احد سكان الغرف فردية الرقم مثل 7 و 9 و 11 و 13 و 15 .. او خادم الغرف لو كانت هناك غرفة خالية .. او أي واحد من اهل البلدة يمكنه تسلق ماسورة المياه الى هذا الطابق .. إن الاحتمالات محدودة جدا كما ترين ! "
ـ " وماذا ترى ؟"
ـ " أعتقد أنه لم يسرق منك شيء ذو أهمية بالغة .. صور القلاع يمكن إعادة التقاطها .. لا داعي لإحداث شوشرة لن تقود الى شيء ، ولربما كان إخبار مسز ( بانكروفت ) هو الحل الاصوب .. هذه النفاذة تحتاج الى تقوية .."
ابتسمت في غموض وقالت :
ـ " هناك شيء مهم قد سرق .."
ـ " وما هو ؟ "
ـ " الإحساس بالامن .. لا اطيق ان اتصور ان متسللا كان في غرفتي ، بينما انا والطفلة نائمتان واهنتان هشتان .."
نهضت واتجهت الى الباب ، وقبل ان اخرج قلت لها :
ـ " ( ماجي ) .. هل تتزوجينني ؟"
قالت في بساطة وهي تمسك بالباب :
ـ " لا "
ـ " إنني سأحمي من المتسللين الليليين .. على الاقل ساموت اولا فأمنحك فرصة الفرار .."
ـ " سافكر في الأمر .."
***
فرغنا من مشاهدة معالم البلدة ، وقد تظاهرت بالحماسة فقط كي ارضيها .. لكني اجز تماما عن الانبهار بمجموعة من القلاع العتيقة تظل على المحيط .. دعك من أنني مصري ، حيث تجد أثرا مهما تحت أي حجر بال ادنى مبالغة .. الم يكن الفلاحون ينتزعون قطعة من معبد ( السيرابيوم ) كلما احتاجوا الى بعض الحجر الابيض ؟ ألم يطه البدو عشاء الإيطالي المغامر ( بلزوني ) على المومياوات المشتعلة باعتبارها افضل من الاخشاب ؟ كيف أتحمس بعد هذا لقلعة البارون ( فلان ) والإيرل ( علان ) ؟
في النهاية قادتنا الجولة الى المقبرة الرهيبة ..
إنها مكان يثير من الافكار اكثرها جموحا وسوداوية بالفعل ..
من هذا المكان ترى الكنيسة من بعد ، وترى مروجا خضراء تبدو كأن بشريا لم يمش فيها من قبل ..
مشت ( ماجي ) وسط الشواهد كأنها تعرف بالضبط ما تبحث عنه .. ثم توقفت في موضوع ما وهتف في انتصار :
ـ " بالضبط هنا .."
كانت تتحدث عن حفل تلك الليلة ..
مشيت الى حيث وقفت ورحت أتأمل الارض .. حقا لا يوجد اثر لشيء .. لو كانت هناك آثار ما فقد أزيلت بعناية .. توجد بعض آثار الطبشور لكنك لا تستطيع ان ترى شيئا .. لن تجد نجمة خماسية لو كنت تفكر في هذا ..
اما ما لفت نظري هو ان هذا المكان قبر. كان هناك شاهد قبر تشابكت عليه الاعشاب والنباتات الشيطانية بحيث صار من المستحيل ان ترى بقعة معقولة من الحجر .. لكن ـ وهذه نقطة مهمة ـ كان العشب ممزقا في اكثر من موضع ، كأنما هناك من كشف هذا الشاهد ، ثم اعاد تغطيته ..
ازحت العشب بلا رفق .. وكان هناك عدد لا بأس به من الاشواك ، لكني كنت البس قفازا ..
أخيرا تمكن من رؤية الشاهد واضحا .. كان جليا انه قديم جدا .. لكن لا خطأ هناك .. لا يوجد حرف واحد على الحجر ، فلم تكن عوامل التعرية هي السبب ..
قلت لها وانا راكع على ركبة واحدة :
ـ " هل تفهمين ؟ لم يكتب حرف واحد على هذا الشاهد .. فماذا تستنتجين ؟
قالت في توتر وهي تنفث الدخان الابيض من فمها :
ـ " اعتقد انها كانت من علامات الحرمان الكنسي في القرون الوسطى ..
او ربما صاحب هذا القبر كان على صلة بأعمال ..."
ـ " كان ساحرا واعدم .. لماذا لا تقولينها ؟"
ـ " لان هذا كلام فارغ .."
ـ " حسن .. لنقل إنني لا اعرف إن كان ساحرا ام لا .. لكن المؤكد ان من حوله حسبوه كذلك .."
وساد صمت طويل .زف قط رحت انظر الى المقبرة الخالية ، والطفلة ( إليانور ) التي وقفت هنالك في الخارج تنتظرنا .. طبعا لم يكن من المستحب ان تزور معنا هذا الجزء ..
قلت لـ ( ماجي ) :
ـ " وهاته النسوة كن يقمن احتفالهن في هذه البقعة بالذات .."
ـ " نعم .."
ـ " إنهن يأتين في الليالي المقمرة !"
جاء هذا الصوت من خلفي فأجفلت واستدرت لارى المتكلم ..
كان من الطراز الذي تراه في مراجع علم السموم وقد كتبت تحته ( اعراض الكحول المزمن ) .. سكير بلغة اقرب الى فهمنا .. كان رث الثياب احمر الانف .. في العقد السادس من عمره .. يترنح بشدة ..
قال وهو يحاول الوقوف منتصبا :
ـ " انا ( جيمس إدوود ) حارس هذه المقابر .. هك ! ولا داعي .. هك ! أن اقول لك إنني اعرف عم تتكلمان ..أعرفه تماما .."
لهجة إيرلندية قوية لا يمكن ان تخطئها .. كانما يقلد شخصا إيرلنديا !
تشممت ( ماجي) الهواء في اشمئزاز وغمغمت بصوت مسموع :
ـ " كحول في هذا الوقت !"
صاح الرجل وقد سمع ما قالت :
ـ " انا لم اقرب الخمر قط ! كلهم يحاول إثبات أنني سكير وان كل هذه هلاوس .. لكني اعرف ما أقول .. هؤلاء النسوة يأتين عندما يكتمل القمر ليمارسن طقوسا لا يعلم إلا الله ما هي .."
قلت له في حذر :
ـ" انت لا تقرب الكحول ؟ لعلك مصاب بخلل في المخيخ إذن "
ـ " الآن اقرها ! اقربها كثيرا ! لقد دمرت هذه المقبرة اللعينة أعصابي والمشكلة ن سني لا تسمح لي بالرحيل والبحث عن عمل جديد !"
سألته ( ماجي ) وهي تدس يديها في جيبي معطفها الطويل :
ـ " هل تعرف صاحب هذا القبر ؟ هذا الشاهد الذي بلا اسم ؟"
ـ " هي ! منذ عهد جد جدي ونحن حراس هذه المقابر .. حكى لي جدي شيئا عن ساحرة دفنت هنا .. ساحر ة حرقوها في ساحة البلدة .. هذه القصص كثيرة على كل حال .. هك !"
ثم ابتعد وهو يترنح ويقول كلاما ايرلنديا كثيرا لم استوعب منه حرفا ..
قالت ( ماجي ) باسمة بعدما رحل :
ـ " ما رأيك ؟ القصة واضحة ومكتملة .. إن الساحرات يزرن أمهن الروحية .."
ـ " يبدو الامر كذلك .. لست من الطراز المتفائل لكني اعتقد ان القصة انتهت عند هذا الحد .."
هذا خطأ آخر ..
أنتم تعرفون ان هذا خطأ آخر ..