4

8 0 00

4

الظن...

إذا أضفنا على الواحد واحدًا مثله لا يمكن أن تكون النتيجة غير اثنين. ومن يضيع الفرصة لا يكون إلا شيئًا واحدًا. أحمق. ومنصور لم يرض أن ينعت بالأحمق. لاحت فرصة عمل ستمنحه إذا ما ضحى وأحسن استثمارها مكانة، وسوف تدر عليه خيرًا وفيرًا. وتمكنه من تحسين وضعه ووضع أسرته. فوالده الذي أثَّر غياب الأيام في طيات الشهور، وغوص الشهور في أعماق السنين، وتلاشي السنين في غياهب الدهر في قدرته. فضاعت حيوية جسده بين سني العمر، وتقلبات الحياة وتضاريس الهم . يعلم أن أمر انتقاله لن يكون بالسهولة التي يظن لمخالفته لرغبة والديه فهما لا مال عندهما يساوي بقاءه بجانبهما. ولكن حنو الوالدين يغلب رغباتهما دائمًا. لقد خبرا تصميم ابنهما، وحرصه على اغتنام الفرصة فقررا – وهما بين ناري مصلحة الولد وحقه في بناء مستقبله، وبعده والحاجة إليه في هذا العمر - ابتلاع الأمر على مضض فعاطفة الأبوة أجبرتهما على اختيار النار الأكثر لهيبًا في النفس: القبول بفراقهما، والرضوخ لإرادتهما.

كل يوم يجلسان بعد الاستيقاظ مبكرًا، ويتبادلان الحديث الذي لا بد أن يمر فيه منصور وهدى، وتتخلله قفزات إلى الماضي البعيد، وأيام الصبا التي يتلهيان بذكرها عن اللهفة على ابنهما الوحيد وزوجه، فقد كانت آخر زيارة لهما قبل سنة، لم ينقطعا فيها عن الدعاء له بالتوفيق. ويمنيان النفس برؤية الحفيد المنتظر. ويمر بهما – في العادة – الحاج عبد الكريم، الذي بلغ بداية العقد السابع، ولا عائل له بعد وفاة ابنيه أحدهما بمرض السرطان، والآخر في حادث سيارة، ووفاة زوجته بارتفاع ضغط الدم. يتبادل الثلاثة سرد الذكريات، والحاجة إلى من يسليهم. في جلسة مسائية في ليالي الصيف الساكنة أقرَّ لهما الحاج خليل على غير عادته فهو كما عُرِف عنه: كتوم غيور، مرتاب غير متساهل. جريء في الرأي. صلب في المعاملة. صاحب تصرفات غير متوقعة. يميزه قصر القامة المعاكس للقبه الذي عرف به منذ الصغر (خليل الطول) يميل يمينًا وشمالاً في مشيته بشكل متساوٍ. لم يكن له حظ في التعليم ولكن كانت له حظوظ في المعرفة. لم تشفع له هذه المعرفة عندما يعمي الغضب بصيرته. كم ضيَّع من أصحاب ومصالح بسبب العصبية. وعندما يبقى طبيعي المزاج فإن صفات مغايرة تغلب على طبعه. حنون ومتفانٍ في المساعدة. رءوف بالضعفاء؛ أقرَّ لهما بإعجابه الشديد بسهام. يعجبه فيها ما تتمتع به من جمال لا مثيل له في الحي. وخلق لا يعرف له قدرًا، وعلم لا يقدِّر له وزنًا. كان دائمًا يتمنى أن تكون زوجًا لمنصور، لكنه كان هو أول من سيرفض إن طلب منه منصور أن يطلب يدها له. الجمال والعلم والأدب شيء، وطينتها شيء آخر تلغي كل ما تقدَّم. إن هذا لا ينفي الشهادة بأنها أحسننا خَلْقًَا وخُلُقًَا. قاطعه الحاج عبد الكريم، الرجل الطيب الوديع:

- ما ذنبها الذي عليها أن تخسر كل الصفات الحميدة التي ذكرت بسببه؟ ليست مسئولة عنه.

ردّ بعنف:

- وما ذنبي حتى تكون أم أحفادي ابنة حرام. هل سينفع الجمال، أو العلم، أو الأدب حين يُعَيَّرُون بها؟

تدخلت أم منصور(رقية) بكأسي شاي تفوح منهما رائحة النعناع البعلي، تدخلت عن عمد لمعرفتها بطباع زوجها التي بدأ بعضها يتغير بفعل عامل الزمن. والذي تبدو قسوته واضحة في معالم الحاج عبد الكريم. تحاول الحاجة رقية المرأة المختلفة عن النساء. المقتصدة في القول وفي حركة الرجل. لا تحب أن تنقل لأحد أو عن أحد. تتعامل مع الآخرين بنيتها الصافية التي لا تحمل حقدًا على مخلوق. تتعاطف بشكل قوي مع سهام. ترى أنها ثمرة شهية تنضج كل يوم ولا أحد يجرؤ على قطفها، وتقول دائمًا: لماذا يلام المرء على ما لا يقترفه؟ كيف للجاني أن يتهم المجني عليه؟ المؤتمن مسئوليته صون الوديعة لا تغييرها. أيحق لنا النفور من مذاق ثمرة غرسنا شجرتها في أرض السبخ؟ بعضٌ هم من يدركون الحقيقة، وبعض البعض يقرونها. تعاطفها مع الحاج عبد الكريم يجعلها تحاول جاهدة مضاعفة الاهتمام به لتعوضه عن النقص الناجم عن فقد الأسرة، فبعد سفر ابنها عرفت معنى خلو الدار من نَفَس الولد، ولأن الحاج عبد الكريم صاحب مواقف طيبة مع أسرتها. كان يرسل الحاجة حليمة (زوجه) لتؤنس وحدتها في الفترات التي كان يغيب فيها زوجها، بل كان يرسل معها اللحم والخضراوات، وكان دائم الحرص على أن يكون أول المهنئين لهم في أفراحهم، فهي تعتبر العناية به من باب رد الجميل، ولكن مع تزايد اهتمامها، بدأت غيرة أبي منصور تطفو على السطح، ولكنه كان يتحكم في نفسه ويكتم غيرته، ومع مرور الأيام، ومع ضعف السيطرة على النفس لعوامل الكبر، والضغط النفسي الناتج عن الشوق إلى عائلة الابن، وهواجس الماضي فهي... انفجر ذات يوم في وجهها قائلاً:

- ألم تلاحظي أنك بالغتِ في ملاطفة الحاج عبد الكريم؟

اندهشت برهة ثمَّ ضحكت بعدها قالت:

- أيها العجوز الغيور؛ إنه رجل مسن وقد صرعته نوائب الدهر، وعلينا أن نعوضه بالعطف عما فقده.

- لكن هذا لا يعطيك الحق في أن تدلليه كحبيب.

استقبلت أذناها العبارة كأنها طعنة خنجر، وحبست غيظها وارتحلت من أمامه. اعتبرت هذه التصرفات نتيجة لطول مدة غياب ابنهما، ولهفته على ضمّه والحديث معه، لذا لم تُعر الأمر اهتمامًا على الأقل في الظاهر، وهذا ما جعلها تُنَفِّذ في اليوم التالي ما كانت قد قررته قبل المناوشة مع رفيقها، منذ الصباح بدأت الإعداد للأمر: وجبة غداء (كسكسو) للحاج عبد الكريم فهو يحبها كثيرًا، وتذكره بالحاجة حليمة الماهرة في إعدادها، لذلك أولتها عناية خاصة. لم يدخل أبو منصور المطبخ ويطَّلع على أمر الغداء إلا قبيل حضور الحاج عبد الكريم؛ فاشتاط غضبًا – وكان الحاج عبد الكريم قد جرَّ قدميه اللتين أخذتا منه عشر دقائق قبل استطاعتهما رفع الجسم البالي بعوامل الأيام والأحزان. صرخ في وجهها.

- أنا أعرف أن هذا الاهتمام له سبب، وسببه الأصل الذي أنت منه.

تحاملت على نفسها وقالت:

- أتق الله يا رجل، لم أخنك في شبابي كيف أخونك في هذا العمر؟! ثمَّ كيف تطعن في وتجرحني بهذه الطريقة؟!

- لأن تصرفاتك مع هذا العجوز لا معنى لها إلا ما أعني، حتى إنك صرتِ تهتمين به أكثر مني. كان الحاج عبد الكريم قد اقترب من الباب مع بداية الحوار الساخن وسمع ما قيل؛ فاستدار بعنف حتى كاد أن يسقط، شعرت بصوت عند الباب أكملت الرد عليه بسرعة وتوجهت إلى الباب. فتحته فوقعت عيناها على آخر خطوة للحاج عبد الكريم ثم توارى في جدار بيته. عرفت أنه سمع الحديث. أقفلت الباب وسقطت مغشيّا عليها. تسمَّر في مكانه حائرًا. تتصارع ردتا الفعل في عقله. إحداهما تدعوه إلى الاستمرار في كبريائه، والأخرى تخاطب إنسانيته وتدعوه لرفعها وسكب قليل من الماء البارد على وجهها. أخيرًا اندفع صوبها وحملها حتى وضعها على سريرها. وقف بجانبها حتى استعادت وعيها، حاول أن ينطق فأدارت وجهها، انسحب بهدوء من الغرفة. جلس على أريكة في وسط الدار يقلب الأمر في رأسه بين مقر لنفسه على ما فعل لأن زوجته بالغت في إكرامها لجارهم ولم ترعَ لشعوره حرمة، وبين معاتب لها على ما اقترفت من إثم في حق أحب الناس إليه، وجاره ورفيقه القديم، إنه حائر مضطرب. بقي على هذه الحالة لا يدري عن نفسه حتى داهمه القلق ثم النوم. لم يستيقظ إلا في منتصف الليل، نسي سنوات عمره وتقوس ظهره. هرول باتجاه الغرفة. أشعل ضوء الغرفة، وجدها مستيقظة تذرف الدمع، حاول أن يمسح دموعها بيديه. أشاحت بوجهها عنه. اعتذر لم ترد. تردد في مغادرة الغرفة وأخيرًا غادرها وهو يحمل لها العذر فيما تفعل ، ويؤنب سوء ظنه.

ما إن طلع الصباح، وعلت الشمس حتى همّ بدخول الغرفة وألقى عليها التحية، فردتها بصوت منخفض، طمأنه ذلك قليلاً وخرج لإعداد الإفطار. سمع صوت أقدامها تغادر الغرفة، حضَّر الإفطار ووضعه في المكان المعتاد وسط الصالة، وحضَّر لها المكان ثمَّ دعاها. أقبلت متثاقلة وتنهدت وجلست. ناولها قطعة الكعك وكوب الشاي بالحليب. تباطأت في أخذها، ثم تناولتها ووضعتها أمامها. انتظرها كي تبدأ الأكل. لم تفعل. طالبها بشيء من اللين، أخذت قطعة صغيرة من الكعكة وأعقبتها رشفة من الحليب، وقالت:

- أتعرف أي فعل فعلت! لقد صدعت جدارًا عمره ثلاثة وأربعون عامًا، لم تؤثر فيه كل صروف الدهر، ولا أدري أي شيطان ركبك حتى ظننت ما ظننت، كيف أوحى لك خيالك بأنني قد أخون من وهبته عمري، وثقتي، وراحتي، كيف.. كيف؟

لم يرد، وبعد لحظات صمت قالت:

- قد أجبر نفسي على نسيان ما حصل، ولكن المسكين الذي جرحته ما ذنبه، عليك أن تذهب وتعتذر له، وتطلب منه أن يسامحك.

- وهل سيقبل اعتذاري.

- إن لم يقبل فله الحق. ولكنه صاحب قلب طيب. اذهب إليه الآن.

وافق على الذهاب إليه والاعتذار منه، اصطنعت ابتسامة. خرج من البيت. أقل من خمس دقائق كان يطرق بابه بطرقات فيها خجل. كرر الطرق. لا جواب. قال في نفسه: من المؤكد أنه يعرف أنه أنا لذلك لا يريد الرد علي. طرق بقوة هذه المرة، لم يسمع صوتًا، دفع الباب ودخل ناداه:

- يا حاج عبد الكريم، يا بوجار؛ فلم يرد، توجه إلى غرفته فرآه نائمًا. كلَّمه وهو يقترب منه، ثم رفع الغطاء عنه. لقد فارق الحياة. تسمّر الرجل في مكانه. مات ولم يمت. انقطع نفسه لكنه لا يزال حيّا. لحظات من الصمت الرهيب، والغصة الخانقة سبقت سقوطه على الأرض. مرت فترة زمنية سخَّرها ذهن أم منصور للعتاب الذي لا بد وأن يسبق التسامح لأن خطأ زوجها لن يُغتفر بسرعة، ثمَّ قالت في نفسها: لا بدَّ وأن أتدخل لألطف الأجواء، وأساهم في الاعتذار. لحقت بزوجها، رفعت صوتها عند الباب لإعلامهما بوصولها، لكن لم تجد مبالاة بذلك، ولم تعلم في أي الغرف يتحدثان، اهتدت أخيرًا إلى الغرفة؛ ففوجئت بزوجها منكبّا على وجهه عند رجلي الحاج عبد الكريم. دون أن تدري سقطت عليه محاولة رفعه حركته فاستجاب لها، عرفت أنه لا يزال على قيد الحياة، رفعت رأسها لترى الحاج عبد الكريم في وضع أوحى لها بوفاته، صدمها الموقف، واحتارت بين بكاء الميت، وإنقاذ الحي. ولكنها تعلم أن الحي أبدى من الميت.

لم ينتبه إلى نفسه إلا وهو في بيته، سألها:

- هل مات الحاج عبد الكريم؟ هل مات؟ قولي: لا.

كظمت غيظها فقد أخرس الحزن لسانها، وتكفلت عيناها برد الجواب، ثمَّ شهقت بزفرة أدمت جَلَدَه، وشلّت صبره. بقيا فترة من الوقت على هذا الحال وتنبها فجأة إلى ما حدث، فقد تركا الرجل المسكين جثة هامدة، هنا صرخت بأعلى صوتها حتى سمعها من في الجوار أسرعوا ليعرفوا الخطب، وجدوا الشيخ ملقًى لا حراك له، لكنه يتنفس، التف حوله بعض الرجال وتبادلوا الآراء حول حمله إلى المستشفى أو إحضار الطبيب، بينما أخذ بعض النسوة يخبرنها بأن الأمر لا يحتاج هذا الصراخ وأن الحاج بخير، وصراخها يعلو ويتواصل. رأى الحاضرون حمله إلى الطبيب وباشروا في ذلك، ولكنها منعتهم وأخبرتهم أن الأمر يتعلق بالحاج عبد الكريم: لقد مات الحاج عبد الكريم. لقد مات، وعلى غير هدى غادر الجميع إلى بيت الحاج عبد الكريم فوجدوه جثة هامدة. احتارت بين اللحاق بهم، والبقاء مع زوجها، وأخيرًا لحقت بهم.

قال الحاج جبريل: اذهب يا محمد، وخذ معك من يساعدك، وأحضروا الخيام وانصبوها.

وقال الحاج فرج: أنا والحاج سعد سنهتم بالتغسيل.

وتوجه بالخطاب إلى الحاج هارون قائلاً:

- أرسل من يحضر الكفن.

- حاضر لكن عجلوا كي نصلي عليه بعد العصر فكرامة الميت دفنه. كان (طاهر) ابن الثلاثة والعشرين عامًا أقرب الموجودين نسبًا بالمتوفى فهو الأخ غير الشقيق لجده من والده، ولكن كان قليل العلاقة به بسبب سوء العلاقة بينه وبين والدته، على الرغم من حاجة طاهر للرعاية والحنان فقد ترملت أمه وهو في العام الرابع .

أسرع في إحضار الكفن، وانشغل الآخرون في إعداد مكان إقامة المعزين، والبعض أسرعوا لذبح (الونايس)(*) في اعتقاد منهم أنها تؤنس وحدته في القبر، ولا بد أن تكون من حرِّ ماله حتى ولو كانت الإرث الوحيد لمن بعده.

قال الحاج هارون: أين أبو منصور؟

ردَّ الحاج فرج: صحيح لم نرَ الحاج خليل. الحاج عبد الكريم– الله يرحمه – جاره وصاحبه.

- لا يتأخر بدون سبب.

- أرسل يا حاج فرج واحدًا يسأل عنه ويبلغه عن موعد الدفن.

أرسل الحاج فرج ابن أخيه طارق، ذهب مسرعًا وصل إلى البيت. طرق الباب فلم يسمع جوابًا. سمع الحاج خليل الطرق على الباب. وعرف أن الأمر يتعلق بجاره، ادمعت عيناه. عاد به فكره إلى أبعد من سبع عشرة سنة، يوم أن اشتدت الحمى على منصور، في مرضه بـ (النمنام)(**) واضطر لأن ينقله إلى المستشفى، نظر في جيبه فلم يجد شيئًا، احتار في أمره. منصور مريض، والجيب خالٍ. ما الحل؟ أشارت عليه أن يذهب إلى الحاج عبد الكريم فهو لن يقصِّر، اقتنع وذهب إليه.

- السلام عليكم.

- عليكم السلام. تفضل يا حاج خليل. كيف حال منصور؟

- حاله هو الذي أتى بي إليك.

- خير إن شاء الله.

- منصور مريض يا حاج عبد الكريم، وأخاف أن يضيع مني.

- الله يقدر ويلطف، وإن شاء الله يشفيه.

- المهم. قررت أن أذهب به إلى المستشفى، ولكن...

- فهمت. انتظر.

دخل البيت وعاد في زمن قليل، ومد يده للحاج خليل وناوله مبلغًا ماليّا.

- هذا مبلغ أدخره للحاجة.. عالج منصور.

- كيف أشكرك يا حاج عبد الكريم؟

- عالج الولد وعندما يشفى اشكرني.

إيه. ماذا أذكر لك من خير يا حاج عبد الكريم؟ أذكر يوم وقفت ضد أقاربك في المشكلة التي وقعت بيني وبينهم؟ أم أذكر مساهمتك في زواج منصور، وإصرارك على تخفيض المهر؟ وماذا أذكر لنفسي المرتابة الجحودة؟ لعنة الله على الشيطان. لعنة الله على الشيطان. لعنة... يكررها وهو ينهض ببطء، ويسير ببطء. فتح الباب وجد الطارق طارق. الشاب الجامعي المهذب. المحب للعلم الطموح. الساعي وراء مواصلة تعليمه. الطامح إلى أعلى درجات العلم:

- تفضَّل يا بني.

- الجميع يسألون عنك وهم ينتظرونك ليدفنوا الحاج عبد الكريم يرحمه الله.

- تمسك بعارضة الباب، اتكأ عليها بجسده المنهك. أغمض عينيه. قال بصوت مخنوق.

- سوف ألحق بك.

- هل أنتظرك لأساعدك في شيء؟

- لا. بارك الله فيك وفي والديك.

تذكر منصور غاب ثوانى عنده. انتبه: مع السلامة يا بني. وقف عند الباب قليلاً بعد ذهاب طارق. جرَّ قدميه بحركة أكثر بطئًا من حركة تروس تعتمد على بطارية شحنها في الرمق الأخير.

نُصِبت البيوت العربية التي لم تتخلَّ النسوة عنها حتى بعد دخولهن المدينة. ذبحت (الونايس). غُسِّل الحاج عبد الكريم. أُحضر التابوت. مستقر كل نَفْسٍ من البشر بعد مغادرة النَّفَسْ. الصندوق الذي لا يشغل المرء باله في زيارته والنظر في تجويفه ولو لمرة واحدة، أو مجرد التفكير فيه كي نعلم أننا لا بد يومًا، وإن طالت سلامتنا، أو تقوَّت سلطتنا، أو كثر مالنا، وأولادنا. ومهما بلغت قدرتنا، مهما علا شأننا. وارتفعت هاماتنا. أن تعتلي أجسادنا فوهة الصندوق وتهوي في قعره بأيدي من نحب. سنقبع بين هذه الألواح المحكمة التثبيت. حتى نودع المستقر الأخير الذي يئول إليه المصير. حتى ساعتها نغفل عمن يكون إليه المرجع والمصير. حُمِل الصندوق على الأكتاف. وصل الحاج خليل، وضع يده على المقبض الخلفي الأيمن للصندوق. تحرك حَمَلَةُ النعش. لم يلتزموا الصمت. ولم يستطع الحاج خليل مجاراتهم فآثر السير خلفهم. وصلوا إلى المسجد. وضعوا الصندوق في مكانه المخصص. بعد أداء الفريضة توجه المصلون حيث يرقد الحاج عبد الكريم. وقفوا في طوابير. تعالت الأصوات " كثِّروا الصفوف. كثِّروا الصفوف " كبَّر الإمام انقطع الصوت. بعد السلام. التف البعض على الصندوق يدعون. وغادر البعض الآخر. رُفع على الأكتاف ثانية حتى وضع في سيارة. انطلقت السيارات في تتابع حتى وصلت المقبرة الإسلامية. وجدوا المبعوثين قد أتموا تجهيز القبر. وضعوا الصندوق على الحافة الغربية للقبر. وصل الحاج خليل قال وهو يجفف دموعه: أريد أن أرى وجهه. أريد أن أقبله. جاء من ناحية القبر. رُفع الكفن عن وجهه. أنزل رأسه في الصندوق ليقبل رفيقه الذي يرى أنه المسئول عن موته. زلت قدمه في القبر فسقط بداخله. تمدد في القبر دون حراك. مدت له الأيدي للمساعدة. لكن يد الموت كانت أقرب. سرى الخبر بين الحاضرين. تعالت الأصوات بالحوقلة. رُفع صندوق الحاج عبدالكريم. تراءى أهل الرأي، كان الرأي الغالب تغسيله والصلاة عليه ودفنه. الوقت ضيق ولا يمكن العودة به. من يغسل؟ من يغسل؟ تطوع شابان اعتادا المهمة. رأى الحاج عمران أن يحفر قبر آخر للحاج عبد الكريم. سندفن الحاج خليل في قبره الذي اختاره بنفسه. لا ينبغي أن نفسد عليه اختياره. حقّا. إن كل تربة تنادي على صاحبها. بسرعة جهزوا قبرًا جديدًا. دقائق وكانت الأيدي تهيل التراب فوق الحاج عبد الكريم القابع تحت مستطيلات الأسمنت الخمسة.

تقدَّم الحاج عمران للصلاة على الحاج خليل. أعقب الصلاة بالدعاء فدعا الجميع. رفعوه على الأعناق. قبيل غروب الشمس انهالت آخر حفنة تراب على قبره. قطع أحدهم أفرعًا خضراء من الرمث ووزعها بين القبرين المتجاورين.

أول سيارة عائدة نقلت خبر وفاة الحاج خليل. تعالت ولولة النساء التي هدأت بعد رحيل الصندوق. سرت ربكة في مجتمعهن. تدافعن ناحية زوجه. أخذن يبكين معها على ذويهن. يعزينها والدموع جامدة في عينيها. وحدها تبتلع الغصة. وحدها المتضرر. وحدها العالمة بالأمر. الملمة بالأحداث. صامتة شاخصة. تبكي قلبها بقلبها. لم تره. لم تودعه. قالت في نفسها: "الله يسامحك يا حاج خليل" وحدها سهام كانت تدري بعمق الحزن الذي طوَّق قلب الأرملة الثكلى، الحزن الذي يعتمل في داخلها مكنها من أن تحس آلامها وتعرف قَدْرَ مصابها؛ لأنها تعلم علم اليقين معنى أن تكون المرأة بلا عائل، أن تجد المرأة نفسها وحيدة تتقاذفها رؤى الآخرين وفق ما يبغون لا كما تبغي هي وتريد. لا يعرف ألم النار إلا من قاسى لهيبها، وسهام كادت تنصهر من كثرة ما اكتوت نفسها بنار واقعها.

وزِّعتْ المهام على الجميع. قال الحاج فرج أرسلوا من يبلغ منصورًا بالنبأ. لا يعلمه بالوفاة. يقول له: إن والده مريض. قبل أن يصل منصور كان ميراثه من الماشية قد استهلك، وما قيمته من محل الحاج عمران. استقبله المعزون وبعد أن فرغ منهم توجه إلى أمه التي احتضنته بعنف ولم تدر بعد عن نفسها شيئًا. حملت إلى الداخل ترعاها جارتها. طال الأمر فنقلت إلى المستشفى. عادت لوعيها لكن ليس كاملاً. لقد كانت الصدمة قوية عليها. أصابتها بخطل في عقلها. اضطر منصور للبقاء فترة أطول. قرر أن يلغي عقده هناك ليبقى مع والدته المريضة الوحيدة. لكن كان للموت قرار آخر. فارقت أمه الحياة دون أن تخبره شيئًا. لحقت بهما وكأن القدر أراد أن يصالح بينهم ولكن في غير مكان. رحلوا بسرهم. هو العمر ولكن لكل شيء سبب. وما أقسى أن يكون سوء الظن سببًا في الموت.