الفصل الثالث
إن الحادث الذي وقع في الفوكسهول قد صعق الأم والبنات صعقا إن صح التعبير. فكانت إليزابت بروكوفيفنا، وهي تحت وطأة الاضطراب والانفعال والقلق، تقتاد بناتها هاربة بما يشبه الركض على طول الطريق المؤدي من المحطة إلى الدار. وكان في رأيها أن أموراً كثيرة قد انكشفت أثناء ذلك الحادث؛ حتى لقد أخذت تنبت في ذهنها، رغم الاضطراب والذعر، أفكار معينة حاسمة. وأدرك الجميع على كل حال أن شيئاً شاذاً غير عادي قد وقع، وأن هناك سراً خارقاً لعله أخذ ينكشف. إن أوجين بافلوفتش، رغم التأكيدات والشروح السابقة التي قدمها الأمير «شتش...» قد «سقط القناع عن وجهه» و«ظهر على حقيقته»، و«ثبت ثبوتاً قاطعاً أن له علاقة بتلك المخلوقة». ذلك كان رأي إليزابت بروكوفيفنا، وحتى أن هذا كان رأي ابنتيها الكبريين أيضاً. غير أن هذا الاستنتاج لم يزد على أن ضاعف الألغاز والأحجيات. إن الآنستين، في قرارة نفسيهما، قد ساءهما ذلك الذعر الرهيب وذلك الفرار الفاضح من جهة أمهما. ولكنهما لم تشاءا في غمرة اضطراب اللحظة الأولى، أن تروّعاها مزيدا من الترويع بأسئلتهما. لقد كانتا تحسان أن أختهما الصغرى، آجلايا إيفانوفنا، ربما كانت تعلم من أمر هذه القضية ما لا تعلمان وما لا تعلم أمهما. أما الأمير «شتش...»، فكان مكفهر الهيئة مظلم الوجه، غارقاً في تأملاته هو أيضاً. لم توجِّه إليه إليزابت بروكوفيفنا، طوال الطريق، كلمة واحدة؛ ولكن لم يبدّ عليه أنه انتبه إلى صمتها هذا. وقد ألقت عليه آديلائيد مراراً هذا السؤال: «من هو ذلك العم؟ وما الذي حدث ببطرسبرج؟»، فكان لا يزيد على أن يجمجم بلهجة مريرة، مجيباً إجابة غامضة، قائلاً إن هناك معلومات يجب السؤال عنها، وإن المسألة كلها عجيبة مستحيلة على كل حال. فقالت آديلائيد تجيبه وقد عدلت عن الإلحاح في السؤال: «لا شك في هذا». وأظهرت آجلايا هدوء خارقاً. كل ما هنالك أنها أثناء الطريق نبهت إلى أن سيرهم سريع مسرف في السرعة. وفي لحظة من اللحظات نظرت وراءها فلمحت الأمير محاولاً اللحاق بهم. فابتسمت ابتسامة فيها شيء من السخرية، ثم لم تلتفت بعد ذلك إلى جهته قط.
وعند عتبة الفيلا تقريباً، التقوا بإيفان فيدوروفتش الذي كان قد وصل من بطرسبرج منذ برهة فهب الآن إلى لقائهم. وكانت الكلمة الأولى التي قالها هي أنه سأل عن أوجين بافلوفتش. ولكن زوجته مرت بقربه متوحشة الهيئة ضارية السحنة، دون أن تجيبه بل ودون أن تنظر إليه. وسرعان ما قرأ في أعين بناته وفي عيني الأمير «شتش...» أن عاصفة قد ألمت بالمنزل. وعلى كل حال فقد كان وجهه، حتى قبل أن يدرك ذلك، يعبر هو نفسه عن قلق غير مألوف. لم يلبث أن أمسك ذراع الأمير «شتش...»، فأوقفه أمام الفيلا، وتبادل معه بضع كلمات بصوت خافت. فلما صعدا إلى الشرفة بعد ذلك للحاق بإليزابت بروكوفيفنا كان الناظر إليهما يستطيع أن يعرف مر رؤية وجهيهما أنهما قد اطلعا على نبأ خارق.
والتأم الجمع كله أخيراً في أعلى، بجناح إليزابت بروكوفيفنا؛ ولم يبق إلا الأمير، جلس في ركن كأنه ينتظر شيئاً ما. كان هو نفسه لا يعلم لماذا بقاؤه هنالك، ولم يخطر بباله أن ينصرف وهو يرى هذا الاضطراب الذي شمل المنزل. لكأنه قد نسي الكون بأسره، وكأنه مستعد لأن يبقى مسمّراً سنتين متواصلتين في المكان الذي يمكن أن تضعه فيه. وكانت تصل إلى مسامعه من فوق، بين الفينة والفينة، أصداء مناقشة حامية الوطيس. لا يدري كم قضى من الوقت جالساً في ذلك الركن. ولكن المساء قد جاء، وأخذ الظلام يعم. وفجأة ظهرت آجلايا على الشرفة. كانت تبدو هادئة، ولكنها شاحبة الوجه قليلاً. وابتسمت ابتسامة يخالطها شيء من الدهشة حين رأت الأمير الذي كانت لا تتوقع طبعاً أن تراه هنالك جالساً على كرسي.
سألته وهي تدنو منه:
– ماذا تفعل هنا؟
فتمتم الأمير ببضع كلمات مضطرباً، وأسرع ينهض. ولكن آجلايا لم تلبث أن جلست قربه فعاد يجلس. تفرست فيه بنظرة سريعة لكنها متفحصة، ثم سرحت بصرها من خلال النافذة دون أن تكون لها نية معينة ظاهرة، وعادت تحدق إلى الأمير وتتفرس فيه.
قال الأمير يحدث نفسه: «أتراها تريد أن تأخذ في الضحك؟ لا، لو كانت تريد ذلك لما أمسكت عنه!».
قالت بعد صمت:
– هل تريد قليلاً من الشاي؟ إن شئت أمرت لك بشاي.
– لا... لا أدري...
– كيف لا تدري أتريد أن تشرب شيئاً من الشاي أم لا تريد؟ آ... بالمناسبة: إذا دعاك أحد إلى مبارزة فما عساك تفعل؟ هذا سؤال كنت أريد أن ألقيه عليك.
– ولكن من ذا الذي... لا يمكن أن ينتوي أحد دعوتي إلى مبارزة!
– هب ذلك حديث، فهل تخاف؟
– أعتقد إنني سأخاف... سأرتاع ارتياعاً شديداً!
– حقاً؟ أنت إذن جبان؟
– لـ... لا، قد لا أكون جباناً. فمن خاف ولم يهرب فليس جبانا.
كذلك قال الأمير وهو يبتسم بعد لحظة تفكير. فسألته آجلايا:
– وأنت؟ ألا تهرب؟
فقال وهو يضحك أخيراً لهذه الأسئلة:
– قد لا أهرب.
فقالت بشيء من غضب:
– أما أنا فلا أهرب بحال من الأحوال، رغم إنني امرأة. ثم إنك تسخر مني، وتتلاعب تلاعبك المعهود، لتزيد الاهتمام بك. قل لي: هل جرت العادة بأن يتم إطلاق النار في المبارزات على مسافة اثنتي عشرة خطوة؟ بل وعلى مسافة عشر خطوات أحيانا؟ إذا صدق هذا كان مؤكداً أن يُقتل المتبارز أو أن يجرح!
– يندر أن لا تطيش الطلقة في المبارزات.
– كيف؟ لقد قُتل بوشكين.
– ربما كان ذلك مصادفة.
– لا: كانت المبارزة مبارزة موت، وقتل!
– لا شك أن الرصاصة أصابته في موضع أدنى من النقطة التي صوّب إليها دانتيس، وهي الصدر أو الرأس. ما من أحد يصوّب إلى النقطة التي يصيبها. ولقد كان جرح بوشكين إذن نتيجة مصادفة، وثمرة خطأ في التسديد. إن أناساً متخصصين هم الذين قالوا لي هذا الكلام.
– وأنا كلمت في الأمر جندياً ذكر لي أن النظام يوجب على الجنود أن يصوبوا إلى منتصف الجسم حين يصوبون. ذلك هو التعبير الوارد في النظام: (منتصف الجسم). فالتسديد لا يكون إذن لا إلى الصدر ولا إلى الرأس، وإنما يكون إلى وسط الجسم. وحين سألت أحد الضباط بعد ذلك في هذا الموضوع أكد لي صحة هذا الزعيم.
– هذا يصدق على التصويب من مسافة بعيدة.
– وهل تحسن أنت التصويب؟
– لم أطلق رصاصة في حياتي.
– هل يمكن أن يكون صحيحاً أنك لا تعرف حتى كيف تحشو مسدساً؟
– بل أعرف الطريقة لكنني لم أحاول أن أمارسها بنفسي.
– معنى هذا إنك لا تعرف. فهذه عملية تقتضي ممارسة عملية! أصغ إليّ واحفظ ما أقوله لك: تشتري في أول الأمر بارود مسدّس. يجب أن لا يكون البارود رطباً بل جافاً جداً (يبدو أن هذا ضرورة لا غنى عنها). ويجب أن يكون مسحوقاً دقيقاً ناعماً. اطلب هذا النوع من البارود، وإياك أن تشتري باروداً من بارود المدفع. أما الرصاصات فيظهر أن على المرء أن يتولى صبها بنفسه. هل عندك مسدسات؟
أجاب الأمير وهو يضحك فجأة:
– لا، ولا حاجة بي إليها!
– آه... يا للحماقة! لا تنس أن تشتري مسدسات، مسدسات جيدة! اختر منها نوعاً فرنسياً أو إنجليزياً. يقال إن المسدسات الفرنسية والإنجليزية هي خير المسدسات. وخذ بعد ذلك مقداراً من البارود، مقداراً يكفي لملء كستبان خياطة، أو كستبانين اثنين؛ وأفرغ البارود في ماسورة المسدس؛ ولأن يكون مقدار البارود أكثر من اللازم خير من أن يكون أقل. ثم احش الماسورة لباداً (يظهر أن اللباد لا غنى عنه، لا أدري لماذا). في وسعك أن تحصل على اللباد من أي مكان، في وسعك أن تأخذه من فراش مثلاً، أو من أبازيم الباب. وبعد أن تدس الحشوة تدخل الرصاصة. هل فهمت؟ البارود أولا والرصاصة بعد ذلك. وإلا لن تخرج الطلقة. لماذا تضحك؟ أريد أن تتمرن على إطلاق النار كل يوم عدة مرات، وأن تتعلم كيف تسدّد إلى هدف فتصيبه. هل ستفعل؟
كان الأمير ما يزال يضحك. فقرعت آجلايا الأرض بقدمها غاضبة. تحيّر الأمير من كل هذا الجد في حديث كهذا الحديث. كان يحس إحساساً غامضاً بأن عليه أن يستعلمها بعض النقاط، وأن يلقي عليها بعض الأسئلة عن موضوعات هي أخطر شأناً من طريقة حشو المسدسات على كل حال. ولكنه نسي. لم يبق لديه إلا إحساس واحد هو أنه يراها جالسة أمامه وحيدة وأنه ينظر إليها. أما ما قد تحدثه عنه وتكلمه عليه في تلك اللحظة فأمر لا يكاد يعنيه.
وأخيراً نزل إيفان فيدوروفتش نفسه من الطابق الأعلى وظهر على الشرفة. كان يهم أن يخرج، وكان كالح الهيئة متجهم الوجه مشغول البال ثابت العزم. فلما رأى الأمير هتف يسأله، رغم أن الأمير لم تبد عليه أية حركة تدل على أنه يريد الانصراف.
– آه... ليون نيقولايفتش... هذا أنت... إلى أين أنت ذاهب الآن؟ تعال... هناك كلمة أريد أن أقولها لك...
قالت آجلايا وهي تمد يدها للأمير:
– إلى اللقاء يا أمير!
كانت الشرفة قد خيّم عليها الظلام بحيث إن الأمير لم يستطع في تلك اللحظة أن يميز قسمات الفتاة تمييزاً واضحاً. وبعد دقيقة، بينما كان هو والجنرال قد خرجا من الفيلا، احمرّ احمراراً رهيباً على حين فجأة وقلص يده اليمنى تقليصاً قوياً.
واتفق أن كان على إيفان فيدوروفتش أن يسير في طريق الأمير ذاته. إنه، رغم تأخر الوقت، يريد الذهاب إلى شخص من الأشخاص بسرعة لإبرام صفقة. فأخذ أثناء الطريق يحدث الأمير بلهجة متعجلة وكلام مضطرب مفكك. كان اسم إليزابت بروكوفيفنا يتردد ذكره على لسانه كثيراً. فلو كان الأمير أقدر على الانتباه في تلك اللحظة، فلربما استطاع أن يدرك أن محدّثه كان يحاول أن يستمد منه بعض المعلومات، أو قل أن يلقي عليه سؤالاً معيناً، ولكن دون أن يستطيع مواجهة النقطة الأساسية. يجب أن نذكر أن الأمير كان من الاضطراب والبلبلة والذهول بحيث لم يسمع بداية الكلام الذي قاله له الجنرال، فلما تسمّر الجنرال أمامه ليلقي عليه سؤالاً حاداً، اضطر أن يعترف بأنه لم يفهم شيئاً.
فما كان من الجنرال إلا أن رفع كتفيه. ثم استأنف كلامه فعاد يقول متدفقاً:
– ما أعجبكم كلكم. من جميع النواحي! أقول لك إنني لا أفهم شيئا البتة من خواطر إليزابت بروكوفيفنا وأنواع الجزع والهلع التي وتقول إننا احتُقرنا وازدرينا، وان سمعتنا ساءت وكرامتنا أهينت وشرفنا تلطخ. من فعل بنا هذا؟ كيف تم؟ مع من جرى؟ متى حدث؟ لماذا وقع؟ إنني اعترف بأن لي عيوباً فادحة وأخطاء كبيرة، ولكن طيش تلك المرأة المضطربة (التي تسلك فوق ذلك سلوكاً شائناً) أمر يمكن أن تضع له الشرطة حداً. إنني أنوي منذ اليوم أن أذهب إلى أحد وأن أتخذ إجراءات. وكل شيء يمكن أن يسوّى بهدوء وسكينة ورفق، بل وبمداراة ومراعاة، ودون أية فضيحة أو جرصة، وذلك بالاعتماد على بعض العلاقات. وإني لأعترف أيضاً بأن المستقبل يحمل أحداثاً كبيرة، وأن أموراً كثيرة تحتاج إلى إيضاح. نحن بصدد مؤامرة. ولكن إذا كان لا يوجد هنا أحد يعرف شيئاً، وإذا كان لا يوجد هناك أحد يعرف شيئاً كذلك؛ إذا كنت أنا لم أسمع بشيء، وإذا كنت أنت لم تسمع بشيء، وإذا لم يكن ثالث ولا رابع ولا خامس قد سمع بشيء أيضاً، فإني لأسألك: فمن نرى يكون على علم بالأمر؟ كيف تعلل أنت هذا؟ اللهم إلا أن نسلم أننا إزاء سراب أو شبه سراب، وأننا إزاء ظاهرة لا تمت إلى الواقع بسبب، كضوء القمر أو طيوف الأشباح؟
تمتم الأمير يقول وقد تذكر فجأة، على ألم شديد، كل ما جرى في النهار:
– «هي» مجنونة!
– لتسلّم بهذا، إذا كنت عن تلك المرأة تتكلم! لقد فكرت أنا في الأمر مثل تفكيرك تقريباً، وارتحت إلى هذا الرأي. لكنني ألاحظ أن تفكيرهم هم كان أسلم، وأصبحت لا أعتقد بأنها مجنونة. صحيح أن هذه المرأة يعوزها الحس السليم، ولكنها ليست مجنونة. إن اندفاعها في الكلام اليوم بصدد كابيتون ألكسيفتش يدل على ذلك دلالة قاطعة. إنها تتصرف تصرف وغد حقير، أو تصرف يسوعي ماكر لتبلغ هدفاً معيناً.
– من كابيتون ألكسيفتش؟
– آه... ليون نيقولايفتش! إنك إذن لا تصغي إليّ البتة! لقد كانت بداية كلامي إليك عن كابيتون ألكسيفتش. لقد بلغت من الاضطراب لهذا الأمر أن ذراعي وساقي ما تزال ترتعد. وذلك هو السبب في أنني رجعت اليوم من المدينة متأخراً هذا التأخر كله. كابيتون ألكسيفتش رادومسكي، عم أوجين بافلوفتش...
هتف الأمير:
–– ماذا؟
– أطلق النار في رأسه هذا الصباح، عند الفجر، الساعة السابعة. كان شيخاً محترماً في نحو السبعين من عمره، أبيقورياً. وكما قالت هي تماماً، اختلس من مال الدولة، اختلس مبلغاً ضخما!
– من أين استطاعت أن...
– أن تعرف هذا؟ ها ها... لقد تكونت لها «أركان عامة» بكاملها. هل تعرف أية شخصيات تختلف إليها الآن أو تلتمس «شرف التعرف بها»؟ فلا عجب أن يكون بعض زوارها الذين وصلوا من المدينة قد أطلعوها على شيء ما، لأن بطرسبرج كلها تعرف النبأ الآن، كما يعرفه على كل حال نصف سكان بافلوفسك أو ربما جميعهم. ولكن ما أمكر الملاحظة التي قالتها، على ما رُوي لي، عن وظيفة أوجين بافلوفتش، أي عن حسن اختياره الوقت المناسب للاستقالة! يا لها من غمزة جهنمية! لا، لا، إن هذا لا يدل على جنون! طبعاً أنا أرفض أن أصدق أن أوجين بافلوفتش قد أمكنه أن يتنبأ بالكارثة، أي أن يعلم أنها ستحدث يوم كذا، ساعة كذا من الصباح، الخ. ولكن لعله أوجس هذا قبل حدوثه. هه! حين أتذكر كيف أن الأمير «شتش...»، وأنا، ونحن جميعاً، كنا مقتنعين بأنه سيرث عمه... هه!... شيء فظيع، فظيع! على كل حال، افهم مني ما أقول: إنني لا أتهم أوجين بافلوفتش أي اتهام. ها أنا ذا أسارع إلى إعلان ذلك لك. غير أن في الأمر شيئاً مشبوهاً. هذا لا شك فيه. إن الأمير «شتش...» قد بلغ ذروة التعجب والذهول. لقد جرت الأمور كلها مجرى غريباً لا حدّ لغرابته!...
– ولكن ما هو الشيء المشبوه في سلوك أوجين بافلوفتش؟
لا شيء البتة. لقد تصرف تصرفا سليما لا غبار عليه. ثم إنني لم أغمز أي غمز يقدح فيه. أظن إن ثروته الشخصية لا مراء فيها. إن إليزابت بروكوفيفنا لا تطيق طبعاً حتى أن تسمع ذكر اسمه... ولكن الأمر الأخطر هو الكوارث المنزلية كلها أو قل هذه الهموم العائلية... أوه... أصبحت لا أعرف كيف اسميها!... إنك أنت يا ليون نيقولايفتش صديق للأسرة حقاً. فإليك إذن ما عرفناه منذ قليل (رغم أن الأمر ليس مؤكداً محققاً بعد): لقد عرفنا أن أوجين بافلوفتش قد صارح آجلايا منذ أكثر من شهر، وأنه فيما يظهر قد تلقى منها رفضا قاطعا!
هتف الأمير قائلاً بحرارة:
– غير ممكن!
قال الجنرال وهو يرتعش دهشة ويقف متسمراً في مكانه:
– ولكن هل أنت على علم بشيء؟ لعلني يا صديقي العزيز قد أخطأت وجافيت الكياسة واللباقة حين حدثتك عن هذا... ولكني إنما فعلت لأنك... لأنك شخص... قد يكون مثله على علم بشيء. أتراك تعرف شيئاً ما؟
دمدم الأمير يقول:
– لا أعرف شيئاً... عن أوجين بافلوفتش.
– ولا أنا! أنا... يا صديقي العزيز قد حلفوا ليدفِنُني، ليقبُرنّني. إنهم لا يريدون أن يدركوا أن هذا يشق على نفس رجل، وإنني لن أحتمله. منذ قليل قام مشهد رهيب! إنني أكلمك كما يكلم أب ابنه. أقسى ما في الأمر أن آجلايا تشبه أن تسخر من أمها وتهزأ بها. أما الرفض الذي لعلها قابلت به أوجين بافلوفتش منذ شهر، وأما المصارحة القاطعة التي لعلها تمت بينهما، فهذه تخمينات أختها.. وهي تخمينات قد تكون صحيحة على كل حال. لكن آجلايا إنسانة متسلطة مستبدة غريبة الأطوار ذات نزوات، إلى حد لا يستطيع المرء أن يتصوره. صحيح أنها تملك جميع اندفاعات الروح النبيلة، وجميع مزايا القلب والفكر اللامعة. إني أسلم بهذا. لكنها ذات تصرفات عجيبة، وسخرية مسرفة. إن لها طبعا شيطانيا، وإن لها شطحات شاذة! منذ قليل، تهكمت صراحة على أمها، وعلى أختيها، وعلى الأمير اشتش...»؛ ناهيك عني أنا، أنا الذي قلّما أنجو من سخرياتها... ولكن من أنا؟ أنت تعلم مدى ما أحمله لها من حب حتى في سخرياتها. ويخيل إليّ أن هذا هو السبب في أن هذه الشيطانة الصغيرة تحبني حباً خاصاً، أعني أنها تحبني أكثر من سائر الآخرين. أراهن أنها قد أتيح لها أن تمارس سخريتها عليك أنت أيضاً. لقد رأيتكما منذ قليل منهمكين في الحديث بعد الزوبعة التي قامت فوق. كانت جالسة إلى جانبك كأن شيئاً لم يحدث.
احمرّ الأمير احمراراً رهيباً، وقلص يده، لكنه لم ينطق بكلمة.
قال الجنرال فجأة، بحرارة وتدفق:
– يا عزيزي الطيب ليون نيقولايفتش!... أنا، وحتى إليزابت بروكوفيفنا (التي عادت تحمل عليك وتقول فيك السوء، وتعاملني هذه المعاملة نفسها أنا أيضاً بسببك، لا أدري لماذا!)، نحن نحبك مع ذلك، نحبك حباً صادقاً ونقدّرك رغم كل شيء، أعني رغم المظاهر. ولكن اعترف أنت نفسك يا صديقي العزيز، اعترف أنت نفسك أنه لغز مفاجئ ونباً فظيع أن نسمع هذه الشيطانة الصغيرة (وكانت عندئذ واقفة أمام أمها هناك، متسمرة، تصطنع أعمق الاحتقار لجميع أسئلتنا، ولا سيما الأسئلة التي كنت ألقيها عليها أنا.. ذلك أنني قد ارتكبت حماقة فتكلمت باللهجة القاسية التي ينبغي أن يتكلم بها رب أسرة! تباً لي! لقد كنت أحمق غبياً) أقول أن نسمع هذه الشيطانة الصغيرة تذكر تفسيراً لا يدور بخلد أحد، تذكره بلهجة باردة وهيئة ساخرة، فتقول: «إن تلك المجنونة» (تلك هي الكلمة التي استعملتها، وقد أدهشني أن أسمعك تكرر جملتها نفسها)–... كيف لم تستطيعوا أن تلاحظوا ذلك من قبل؟ – إن تلك «المجنونة» قد وضعت في رأسها أن تجعلني أتزوج الأمير ليون نيقولايفتش مهما كلف الأمر، وذلكم هو السبب في أنها تحاول إجلاء أوجين بافلوفتش عن بيتنا». ذلك هو كل ما قالته. ثم انفجرت ضاحكة ضحكاً مجلجلاً قبل أن تضيف أية شروح أخرى. ففغرت أفواهنا من شدة الذهول، وخرجت هي صافقة باب الغرفة صفقاً قوياً. ثم رُوي لي الحادث الذي وقع اليوم بينها وبينك، و... و... اسمع يا صديقي العزيز، ما أنت بالرجل الذي يتأذى بسرعة، بل أنت رجل عاقل رصين كما لاحظت أنا ذلك، ولكن لا تزعل إذا قلت لك إنها تضحك عليك. يميناً إنها تضحك عليك! تضحك عليك ضحك طفلة، فما ينبغي لك أن تؤاخذها وأن تحمل لها موجدةً وضغناً. ولكن الأمر هو كذلك. لا يذهبن بك الخيال بعيداً. إنها تتسلى بك كما تتسلى بنا نحن أيضاً، تزجيةً للوقت وملئاً للفراغ لا أكثر. هيّا، إلى اللقاء! إنك تعرف عواطفنا نحوك. وتعرف مدى صدقها. وهي ثابتة لن يغيرها شيء... ولكن يجب عليّ أن أدخل هنا. ندر أن كنت في حياتي معتكر المزاج (أهذا هو التعبير المستعمل؟) كما كنت اليوم. يا له من اصطياف!
بقي الأمير وحده في المنعطف، ثم ألقى نظرة حواليه، وأسرع يقطع شارعاً فيقترب من نافذة مضاءة بإحدى الفيلات، فيفضُّ هنالك ورقة صغيرة ظل قابضا عليها قبضا قويا بيده اليمنى طوال مدة الحديث الذي جرى بينه وبين إيفان فيدوروفتش؛ فيقرأ عليها في الضوء الضعيف الخارج من تلك النافذة، ما يلي:
«غداً، في الساعة السابعة من الصباح، سأكون على الدكة الخضراء في الحديقة، وسأنتظرك. لقد قررت أن أحدثك في أمر هام جداً، يتعلق بك مباشرة».
«حاشية: آمل أن لا تطلع على هذه الرسالة أحداً. لقد شعرت بشيء من تأنيب الضمير وأنا أسطر لك هذه التوصية بالكتمان، ولكن إذا فكرنا في الأمر ملياً وجدنا إنك تستحقها. وحين أضفتها تصورت طبعك المضحك، فاحمر وجهي شعوراً بالخجل.
(حاشية ثانية: هي تلك الدكة نفسها التي أريتك إياها منذ قليل. لا بد أن تشعر بالخزي من اضطراري إلى التوضيح والتحديد مرة أخرى».
كانت الرسالة قد كتبت على عجل، وطويت بإهمال، قبل نزول آجلايا إلى الشرفة بلحظة قصيرة في أغلب الظن.
شعر الأمير بانفعال عازم عنيف لا يغالب، انفعال يشبه أن يكون جزعاً؛ ثم قبض على الورقة الصغيرة بيده قبضاً قوياً من جديد، وابتعد عن النافذة المضاءة متعجلاً تعجل لص فاجأه أحد. ولكن هذه الحركة المباغتة ألقته إلى سيد كان وراءه تماماً.
قال هذا السيد:
– إنني أرقبك وأرصدك يا أمير.
فهتف الأمير يقول مدهوشاً:
– أهذا أنت يا كيللر؟
– كنت أبحث عنك يا أمير. انتظرتك عند حواف فيلا أسرة إيبانتشين، التي لا أستطيع دخولها طبعاً. وتابعتك خطوة خطوة أثناء سيرك مع الجنرال. أنا رهن أوامرك يا أمير. لك أن تتصرف بي كما تشاء. إنني مستعد أن أضحي بنفسي، بل وأن أموت إذا لزم الأمر.
– ولكن... لماذا؟
– لأن مبارزة ستحدث حتماً! إن هذا الليوتنان مولوفستوف، وأنا أعرفه... لا معرفة شخصية... لن يبلع الإهانة. وهو ينظر إلى أمثال روجويين وأمثالي نظرته إلى أوغاد طبعاً، ولعله في هذا على حق؛ فستكون أنت المسؤول تجاهه إذن. لا بد من دفع الثمن يا أمير. وقد سمعت أنه استعلم عنك، ولا بد أن يجيئك في الغد أحد من أصدقائه، هذا إذا لم يكن في انتظارك بمنزلك منذ الأن. فإذا شرّفتني باختياري شاهداً، فاني مستعد حتى لتحمل خطر السجن. من أجل أن أقول لك هذا إنما بحثت عنك يا أمير.
صاح الأمير يقول وهو ينفجر مقهقهاً، على دهشة شديدة من كيللر:
– أأنت أيضاً تجئ تحدثني عن مبارزة؟
وبلغ من شدة الضحك أنه أمسك أضلاع صدره. أما كيللر الذي بدا عليه أنه كان كالواقف على رؤوس الأبر ما لم يقم بواجبه فيعرض على الأمير أن يختاره شاهداً، فإنه يكاد يشعر بأنه يهان بهذا الضحك الغزير من الأمير.
– تذكر يا أمير إنك قد قبضت على ذراعيه في أصيل هذا اليوم؟ ما من رجل شريف يمكن أن يحتمل هذا، ولا سيما إذا حدث على مرأى من الناس.
صاح الأمير يقول وهو ما يزال يضحك:
– ولكنه لكماني في صدري لكمة قوية. ولا داعي إلى أن نقتتل، فسأعتذر له فينتهي كل شيء. وإذا كان لا بد من الاقتتال فسوف نقتتل! ألا فيلجأ إلى السلاح. أنا لا أطلب خيراً من هذا. هأ هأ! إنني أعرف الآن كيف أحشو مسدساً. تصور أنني علمت هذا منذ برهة! هل تجيد حشو مسدس يا كيللر؟ يجب أولاً شراء بارود من بارود المسدسات، أي بارود لا يكون رطباً بل جافاً، ولا يكون خشناً كالبارود الذي يستعمل في حشو المدافع. فإذا اشتريت البارود وضعته في ماسورة المسدس قبل كل شيء، ثم انتزعت لباداً من إبزيم أحد الأبواب، ثم وضعت الرصاصة بعد اللباد. حذار أن تضع الرصاصة قبل البارود، لأن الرصاصة لن تنطلق عندئذ. هل فهمت يا كيللر؟ الرصاصة لن تنطلق... هأ هأ!... أليس هذا سبباً رائعاً يا صديقي كيللر؟!... كيللر، هل تعلم أنني سأقبّلك فوراً؟ هأ هأ هأ! كيف تصرفت حتى استطعت أن تصل إليه فتقف أمامه فجأة؟ تعال اشرب عندي شمبانيا متى استطعت. سنسكر بشمبانيا! هل تعلم أن عندي اثنتي عشرة زجاجة في قبو ليبديف؟ لقد عرضها عليّ أمس الأول بسعر قال انه «فرصة»، فاشتريتها منه كلها. حدث هذا غداة وصولي. لسوف أجمع حفلاً بكامله! قل لي: هل ستنام هذه الليلة؟
– كالعادة يا أمير.
– أتمنى لك إذن أحلاماً جميلة! هأ هأ!..
وقطع الأمير الشارع، وغاب في الحديقة، تاركاً كيللر في حيرة وبلبلة وشيء من خيبة الأمل. إن كيللر لم يسبق له أن رأى الأمير في حالة نفسية كهذه الحالة غرابة، لا ولا كان في وسعه أن يتخيله في هذه الصورة!
قال كيللر يحدث نفسه: «لعله مصاب بحمى، فإنه رجل عصبي قد أثرت فيه هذه الأحداث كلها، ولكنه لم يخف حتماً! يا إلهي! إن أمثال هذا الإنسان لا يهابون. هِمْ... شمبانيا! هذا خبر شائق. اثنتا عشرة زجاجة! دستة زجاجات؛ مؤونة محترمة. أراهن أن ليبديف قد أخذها من أحد الذين يقترضون منه مالاً على رهن. هِمْ... الحق أنه لطيف، هذا الأمير. يميناً إنه نوع الرجل الذي يعجبني. على كل حال، ليس هذا أوان التردد... فإذا كان هناك شمبانيا، فيجب انتهاز الفرصة... ».
لقد كان صحيحاً في الواقع أن الأمير كان في حالة قريبة من الحمى.
ظل يطوف مدة طويلة في ظلمات الحديقة، واكتشف أخيراً أنه يذرع ممراً من ممرات الحديقة بين الأشجار. شعر أنه قد قطع هذا الممر ثلاثين أو أربعين مرة بين الدكة وبين شجرة قديمة مرتفعة يسهل تعرّفها تقع على بعد مائة خطوة. أما أن يتذكر فيم كان يفكر أثناء هذا التجوال الذي دام ساعة على الأقل، فلقد كان يستحيل عليه ذلك ولو أراده. ثم إنه قد اهتدى إلى فكرة سرعان ما جعلته ينفجر ضاحكاً على حين فجأة. ولم يكن في الفكرة ما يضحك مع ذلك، غير أن كل شيء كان يثير فيه الضحك الشديد. خطر بباله أن افتراض نشوب مبارزة ربما نبتت في رؤوس أخرى غير رأس كيللر، وأن الدرس الذي ألقي عليه في طريقة حشو المسدس لم يكن إذن ثمرة مصادفة. قال يحدث نفسه فجأة وهو يتوقف كأنما باغتته فكرة أخرى: «عجيب!! منذ قليل، حين نزلت إلى الشرفة ووجدتني في ذلك الركن أذهلها أن تراني هناك. وابتسمت... وكلمتني عن الشاي. ولكن الرسالة كانت مع ذلك في يدها. هذا دليل قاطع على أنها لم تكن تشك في أنني هناك، على الشرفة. فما الذي أدهشها إذن؟ هأ هأ هاً!...
واستل الرسالة من جيبه فقبّلها، ولكنه سرعان ما توقف وشرد فكره ثانية وقال يحدث نفسه بعد دقيقة بلهجة فيها ألم: «أمر غريب جداً، نعم، غريب جداً». إنه في لحظات الفرح الشديد يشعر دائماً بالحزن يجتاح قلبه، لا يدري هو نفسه لماذا!
وألقى حواليه نظرة متحيرة، وأدهشه أن يكون قد جاء إلى هذا المكان. وشعر بتعب شديد وإعياء قوي، فاقترب من الدكة وجلس عليها. كان يرين على الجو حوله صمت عميق. إن الموسيقى قد انقطعت في الفوكسهول. ولعل الحديقة كلها خلت من أي إنسان. الليل ساجٍ هادئ رطب مضيء. هي ليلة من ليالي بطرسبرج في شهر حزيران (يونيه). غير أن الحديقة الكثيفة الظليلة في ممر الأشجار الذي كان هو فيه، كانت تامة الظلمة تقريباً.
لو قال له أحد في تلك اللحظة إنه عاشق، وإنه مولّه، لرفض هذه الفكرة مذهولاً مشدوهاً، وربما مستنكراً مستاء. ولو أضاف أحد إلى ذلك أن الرسالة الصغيرة التي كتبتها له آجلايا هي رسالة غرام ودعوة إلى لقاء غرامي، لاحمر خجلاً عن صاحب مثل هذا الافتراض، وربما دعاه إلى مبارزة. كان صادقاً في هذا كل الصدق، وانه لم يراوده فيه شك واحد يوماً من الأيام، ولا ساوره أي لبس في أن تحبه هذه الفتاة بل وفي أن يحبها هو نفسه. فلو خطرت بباله فكرة كهذه الفكرة لملأته شعوراً بالخزي: لقد كان يرى أن احتمال أن تحب فتاة رجلاً مثله) شيء شاذ غريب. وكل ما يمكن أن تشتمل عليه هذه القضية من واقع لا يعدو أن يكون شيطنة، من الفتاة، وهي «شيطنة» كان الأمير يقبلها غير مكترث ولا عابئ، لأنه كان يراها من طبيعة الأمور فما ينبغي أن يهتز لها أو أن تثير فيه أي انفعال. وكانت مشاغله وهمومه منصبة على موضوع آخر مختلف كل الاختلاف. لقد صدّق الجنرال تصديقاً كاملاً حين كشف له الجنرال أقواله عرضاً أثناء الانفعال أنها تضحك على الجميع، وتضحك عليه هو خاصة، الأمير. لم يجرح شعوره هذا الكلام ولم يؤلمه أي إيلام. كان في رأيه أن الأمر لا يمكن أن يكون غير هذا. الشيء الأساسي في نظره الآن هو أنه في الصباح الباكر من الغد سوف يراها إلى جانبه على هذه الدكة الخضراء، وسوف يتأملها مصغياً إلى ما ستقوله عن طريقة تعبئة المسدسات. ولم يكن في حاجة إلى أكثر من هذا. مرة أو مرتين تساءل عن الموضوع الذي تريد أن تكلمه فيه، وعن تلك المسألة الهامة التي تعنيه مباشرة ما عساها تكون؟ على أنه لم يراوده في لحظة من اللحظات أي شك في حقيقة هذه القضية «الهامة» التي ضربت له موعداً من أجلها. ولكنه لا يكاد يفكر الآن في هذا الأمر، ولا كان يغريه أن يتلبث عليه بذهنه.
وهذا وقع خطو بطيء على الرمل في الممر بين الأشجار يجعله يرفع رأسه. وهذا رجل يصعب تمييز قسمات وجهه في الظلام يقترب منه ويجلس إلى جانبه.
مال الأمير على الرجل، حتى يكاد يلمسه، فإذا هو يرى وجه روجويين أصفر شاحباً.
جمجم روجويين يقول من بين أسنانه:
– قدّرت إنك تحوم ههنا في مكان ما.
هذه أول مرة يلتقيان فيها منذ لقائهما الأخير في دهليز الفندق. وقد بلغ الأمير من الدهشة لظهور روجويين المباغت الذي لم يكن في البال أنه لبث مدة من الوقت شارد اللب لا يستطيع أن يثوب إلى رشده. إن إحساساً كاوياً قد شب في قلبه. وأدرك روجويين الأثر الذي أحدثه في الأمير. ورغم أنه بدا في أول الأمر مضطرباً، فقد تكلم بيسر كأنه مصطنع، لكن الأمير لم يلبث أن لاحظ أن الأمر ليس اضطرابا ولا اصطناعا. ولئن كان في حركاته وفي حديثه خراقة، فإن ذلك ليس إلا مظهراً، أما في قرارة نفسه فإن هذا الرجل لا يمكن أن يكون قد تغير.
سأله الأمير ليقول شيئاً ما:
– كيف أمكنك أن تكتشفني... هنا؟
– أعلمني كيللر قائلاً: «ذهب إلى الحديقة» (مررت ببيتك)، فقلت لنفسي: هذا حسن. نلت المطلوب.
– ماذا تعنى بقولك: «نلت المطلوب»؟
كذلك سأله الأمير في قلق.
فابتسم روجويين ابتسامة ماكرة، وتهرّب من الشرح، قائلاً:
– تلقيت رسالتك يا ليون نيقولايفتش. لا فائدة من تكليف نفسك هذا العذاب كله... في غير طائل. أنا الآن آتٍ إليك رسولا منها. إنها تطلب منك أن تذهب إليها حتماً. هناك شيء مستعجل تريد أن تقوله لك. حتى إنها تنتظرك في هذا اليوم نفسه.
– سأذهب إليها غداً. أنا الآن عائد إلى البيت فوراً. هل تجيء... معي؟
– علام أجيء معك؟ لقد قلت لك كل شيء. استودعك الله.
سأله الأمير في رفق:
– ألن تجئ إذن؟
– إنك لرجل عجيب يا ليون نيقولايفتش. لا يملك المرء إلا أن يجدك باعثاً على الدهشة والاستغراب.
قال روجويين ذلك وابتسم ابتسامة ماكرة.
سأله الأمير بحرارة، ولكن بشيء من الحزن أيضاً:
– لماذا هذا الكلام؟ من أين جاءتك هذه العداوة لي الآن؟ لماذا تبغضني هذا البغض كله؟ هأنت ذا ترى أن جميع تخميناتك كانت لا تقوم على أساس. على إنني كنت أقدّر أن كرهك لي لم ينقض، وهل تدري لماذا؟ لأنك حاولت قتلي. ذلك هو السبب في أن مقتك باق لا يزول. أما أنا فأقول لك إنني لا أعرف إلا بارفيون روجويين واحداً، هو ذلك الذي تآخيت معه في ذلك اليوم حين تبادلنا صليبينا. لقد كتبت لك هذا في الرسالة التي بعثتها إليك أمس من أجل أن تنسى حتى لحظة الهذيان تلك، فما تكلمني عنها بعد الآن قط. لماذا تبتعد عني؟ لماذا تخبئ يدك؟ أكرر لك أنني أرى أن ما حدث في المرة الماضية لم يكن إلا لحظة جنون وهذيان. إنني أقرأ في نفسك الآن كل ما جرى ذلك اليوم كأنني أقرأ في ذات نفسي. إن ما تخيلته لم يوجد ولا كان يمكن أن يوجد. فلماذا العداوة بيننا إذن؟
قال روجويين ضاحكاً ساخراً من جديد، في الجواب على الكلمات الحارة التي انطلقت من الأمير عفو الخاطر بلا تصنع:
– ولكن أأنت قادر على أن يكون في نفسك عداوة؟
وكان روجويين يقف على بعد خطوتين من الأمير، مخفياً يديه حقاً. وأضاف يقول، ختاماً للحديث، بلهجة بطيئة رصينة:
– أصبح يستحيل عليّ استحالة تامة بعد الآن أن اختلف إليك يا ليون نيقولايفتش.
– أتكرهني إذن إلى هذا الحد؟
– لا أحبك يا ليون نيقولايفتش. فعلام اختلف إليك؟ هيه يا أمير... إن لك من الطفل كل صفاته. إذا أراد لعبة أرادها فوراً، ولكنه لا يفهم من أمرها شيئاً. إن كل ما تقوله لي الآن قد كتبته أمس في رسالتك كما هو، ولكن أنا لا أصدّقك؟ بلى! إنني أصدّق كل كلمة من كلماتك. إنني أعلم أنك لم تخدعني في يوم من الأيام، وأنك لن تخدعني أبداً. ومع ذلك لا أحبك. لقد كتبت لي إنك نسيت كل شيء، وأنك تتذكر روجويين الذي بادلته صليبك، لا روجويين الذي أشهر عليك خنجراً. ولكن من أين تعرف عواطفي؟ (قال ذلك وضحك ضحكة ساخرة من جديد) لعلني منذ ذلك اليوم لم أشعر بالندم على فعلتي مرة واحدة، بينما أنت أرسلت إليّ غفرانك الأخوي. ولعلني في مساء ذلك اليوم نفسه قد انصرف فكري إلى شيء آخر تماماً و...
– نسيت ذلك الأمر...
بهذا أكمل له الأمير جملته وأردف يقول:
– أقدّر هذا! بل إنني لأراهن على أنك ذهبت تواً إلى المحطة فركبت القطار إلى بافلوفسك، وجئت تسمع الموسيقى، وتبعتها وتجسست عليها في الجمهور، كما فعلت اليوم. أتظن إنك أدهشتني؟ ولكن لولا إنك كنت عندئذ في حالة نفسية لا تسمح لك إن تفكر إلا في شيء واحد، لكان من الجائز أن لا تشهر عليّ خنجرك... لقد أوجست ما ستقدم عليه من فعلة منذ الصباح، حين رأيت وجهك؟ أتعرف ما الذي كان يلوح في هيئتك؟ لعل هذه الفكرة قد ومضت في ذهني لحظة تبادلنا فيها صليبينا. لماذا أخذتني في تلك اللحظة إلى أمك العجوز؟ هل كنت تأمل أن توقف بذلك ذراعك؟ لا، لا يمكن أن يكون هذا ما خطر بالك. إنك مثلي قد أحسست إحساساً فحسب... لقد أحسسنا إحساساً واحداً. لولا إنك أشهرت عليّ يدك (والله هو الذي حوّلها) أكان يمكنني أن أحتمل اليوم نظرتك؟ لقد اشتبهت فيك، ومعنى ذلك أننا ارتكبنا كلانا إثم الريبة (لا تقطب حاجبيك! لماذا تضحك؟). تقول إنك لم تندم. ألا إنك ما كنت لتستطيع أن تندم ولو أردت، لأنك لا تحبني، زيادة على ذلك! حتى لو كنت إزاءك بريئاً كملاك، لما أمكنك أن تطيق احتمالي، وستبقى على هذه الحال ما ظللت تظن أنها لا تحبك أنت بل تحبني أنا. هذا غيرة. ولكن إليك الفكرة التي شغلت ذهني في خلال هذا الأسبوع والتي أحرص على أن أطلعك عليها يا بارفيون: هل تعلم أنها تحبك الآن أكثر مما تحب أي إنسان آخر، وأن حبها من نوع يجعلها تحبك مزيداً من الحب كلما عذبتك مزيداً من التعذيب. لن تقول هي هذا في يوم من الأيام، ولكن يجب على المرء أن يعرف كيف يفهمه. لماذا تريد أن تتزوجك رغم كل شيء؟ سوف تكشف لك عن هذا في ذات يوم. إن بين النساء من يردن أن يحبهن الرجل هذا النوع من الحب. وهي واحدة من هاته النساء. لا شك في أن طبعك وحبك قد فتناها. هل تعلم أن في وسع امرأة أن تعذب رجلاً تعذيباً قاسياً، وأن تتخذه أضحوكة وتجعله موضع سخرية وتهكم، دون أن يشعر ضميرها من ذلك بأي عذاب؟ ذلك أنها، كلما رأتك، تقول لنفسها: «سوف أعذبه الآن تعذيباً قاتلاً، ولكنني سأعوضه عن هذا في المستقبل حباً...».
أصغى روجويين إلى كلام الأمير حتى النهاية، ثم إذا هو ينفجر ضاحكاً، ويسأله:
– قل لي يا أمير، أتراك وقعت أنت نفسك على امرأة من هذا النوع؟ هل ما سمعته عنك صحيح؟
فارتعش الأمير باختلاجة مفاجئة. وسأله:
– ماذا؟ ماذا سمعت عني؟
ووقف وقد استبد به اضطراب هائل.
ظل روجويين يضحك. كان قد أصغى إلى كلام الأمير بشيء من حب الاطلاع وربما بشيء من التلذذ: إن ما كان يبدو في الأمير من مزاج مشرق وحماسة حارة قد أثر فيه تأثيراً قوياً وسرّى عنه كثيراً.
قال:
– لم أسمع عنك فقط، وإنما اقتنع الآن وأنا أراك أن ما سمعته هو الحقيقة. هل تكلمت في لحظة من اللحظات كما تكلمت في هذه اللحظة؟ لكأن رجلاً آخر كان يتكلم الآن بلسانك. لولا إنني سمعت عنك شيئاً من هذا القبيل لما جئت إلى هنا ساعياً إليك في الحديقة وقد انتصف الليل.
– لا أفهم البتة يا بارفيون سيميونتش!
– لقد شرحَتْ لي أمرك منذ مدة طويلة، واستطعت أن أتحقق من صدق شروحها حين رأيت، في هذا اليوم، المرأة التي كنت جالساً إلى جانبها أثناء سماع الموسيقى. لقد حلفت لي أمس واليوم إنك مولّه بحب آجلايا إيبانتشين. وهذا أمر لا يعنيني كثيرا يا أمير، ولا علاقة له بشأني. فلئن أصبحت أنت لا تحبها فإنها هي ما تزال تحبك. هل تعلم أنها تريد أن تزوّجك الأخرى مهما كلف الأمر؟ لقد حلفت لتفعلن ذلك! هئ هئ! قالت لي: «لن أتزوجك ما لم يتحقق هذا. ويوم يذهبان هما إلى الكنيسة نذهب نحن أيضاً». هذا شيء لا أفهمه ولا استطعت أن أفهمه يوماً: فإما أنها تحبك حباً لا حدود له وإما... ولكن إذا كانت تحبك فكيف يمكن أن تريد تزويجك امرأة أخرى؟... وهي تقول أيضاً: «أريد أن أراه سعيداً». إذن فهي تحبك.
قال الأمير وقد أصغى إلى روجويين متألماً:
– قلت لك وكتبت إنها لا تملك عقلها كاملاً...
– الله أعلم!! قد تكون مخطئاً في هذا!... على كل حال، حين اصطحبتها اليوم عائدين من سماع الموسيقى، حدّدت لي اليوم قائلة: «سنتزوج حتماً بعد ثلاثة أسابيع، وربما أقل من ذلك». حلفت على ذلك أمام الأيقونة وقبّلتها. هكذا يكون الأمر الآن مرهوناً بك متوقفاً عليك يا أمير. هئ هئ!...
– هذا كله هذيان! إن ما تتنبأ لي به لن يحدث أبداً، لن يحدث أبداً. سوف أجيء إليك غداً...
قال روجويين:
– كيف تستطيع أن تقول إنها مجنونة؟ لماذا تكون سليمة العقل في نظر جميع الناس، وتكون مختلة في نظرك وحدك؟ كيف كان يمكنها أن تكتب رسائل إلى هناك؟ ولو كانت مجنونة للوحظ ذلك من قراءة رسائلها؟
سأله الأمير مرتاعاً:
– أية رسائل؟
– إنها تكتب رسائل إلى هناك، إلى «الأخرى»، وهذه تقرأ رسائلها. ألا تعرف هذا؟ سوف تعرفه إذن. ستريك الرسائل هي نفسها حتمًا.
هاتف الأمير قائلاً:
– مستحيل تصديق هذا!
– هيه! أرى يا ليون نيقولايفتش إنّك ما زلت في بداية الطريق. انتظر قليلاً: لسوف تصل من الأمر إلى حيث يصبح لك شرطة خاصة تكلفها بالتجسس، وإلى حيث تتولى الحراسة بنفسك نهاراً وليلاً، فتعرف كل خطوة تتم، متى...
صاح الأمير يقول:
– كفى! ولا تكلمني في هذا مرة أخرى أبداً. اسمع يا بارفيون: قبل وصولك بلحظة، كنت أطوّف هنا. وفجأة أخذت أضحك، دون أن أعرف لماذا! تذكرت أن غداً عيد ميلادي. والليل يوشك الآن أن ينتصف. فتعال انتظر معي صبح هذا اليوم. عندي خمرة، سوف نشرب. وسوف تتمنى لي ما لا أملك أن أتمناه لنفسي في هذه اللحظة. عنك أنت إنما يجب أن يصدر هذا التمني لي. أما أنا فسوف أتمنى لك السعادة الكاملة. إذا لم تقبل أن تجئ معي فهات صليبيّ ردّه إليّ! إنك لم ترجعه إليّ في اليوم التالي. أأنت تحمله الآن؟
أجاب روجويين:
– نعم أحمله.
– إذن تعال! لا أريد أن أدخل حياة جديدة بدونك، وان حياة جديدة لتبدأ بالنسبة إليّ! ألا تعلم يا بارفيون أن حياتي الجديدة قد بدأت اليوم؟
– الآن أرى وأعرف بنفسي أنها بدأت. وسوف أبلغها «هي» ذلك. لست في حالتك الطبيعية يا ليون نيقولايفتش.