4
صفع باب سيارته، الفاخرة، ضغطت رجله دواسة البنزين دفعة واحدة. وبعد دقائق معدودة، صفع باب مكتبه، الخاص. أشعل سيجارة، أطفأها بين أصابعه. أشعل سيجارة أخرى. دخلت عليه هند، سكرتيرته، وجلة، وما كاد فنجان القهوة الذي حملته أن يستقر على المكتب أمامه، حتى انتفض سامي، انتصب. أمسك ذراع هند بوحشية ثور هائج. لفها. حل حزامه. فك أزرار بنطاله. أذهلت المفاجأة هند. أغمضت عينيها. دفع رأسها إلى أسفل. أحنت ظهرها. تفجرت فيها شهوة مذعورة. رفع جلبابها الطويل. حسر اللباس عن مؤخرتها. جذبها. صاحت بأنين لم تخبره من قبل: "ليس هنا".صححت وضعها. أطلقت صرخة أنثوية متمردة. استدارت نحوه. وقبل أن ترفع عينيها إليه، كان يجمع بصاقه، وفيما هي منخرطة في البكاء، قذفها باحتقار، ببصاق غطى وجهها كله.
النار بدأت تشتعل في أنوثة هند المهانة. صفعها. دفعها عنه. أغلق الباب خلفها. وارتمى على كرسيه، يحدق في صورة أمه، داخل برواز مذهب، كان يتكئ أمامه. وبكى مثل رضيع جائع.
كانت هند أنوثة مهملة. لم تستخدم، فيما مضى، مساحيق التجميل. ويحمل وجهها بقايا بثور. وجاوزت الثلاثين، وتعكس طلعتها أسى مدمر، لم تكن تتحدث عنه. وهي، في مجملها، لا تمتلك من المزايا النسائية، ما يثير رجلاً متوازناً. ولم تختبر، حتى اللحظة، أية درجة، من العلاقات المتبادلة بين الذكر والأنثى. ولم يكن الحظ يحالفها، كلما بدأت العمل، في المكاتب، التي تفضل، في العادة، فتيات يمتلكن الجاذبية، ويستجبن لنزوات المدير. وتقلبت كثيراً، بين وجوه أصحاب العمل الذين كانوا يرفضون تشغيلها رغم كفاءتها العملية وأمانتها وطاعتها والتزامها الدقيق بمتطلبات الوظيفة المهنية. وقبول سامي بعمل هند في مكتبه، يعود إلى أن صاحب القرار، بشؤون المكتب هو أبوه، الذي لا يعنيه، توفر شروط الكفاءة الأنثوية في سكرتيرة ابنه. والابن يتغاضى عن هذا الجانب، بسبب ما يتمتع به من حظوظ يكسبها من خلال علاقات عديدة، يقيمها مع نساء كثيرات، داخل المكتب، وبعلم هند، التي أثبتت، أنها تمتلك قدرة فائقة، على التكتم على أسراره. والنقطة الأخيرة، تدعم، لدى سامي، الموافقة على استمرار هند، في العمل إلى جانبه.
كانت هند تخاف من الاقتراب من الرجال. وعندما كان سامي يختلي بإحدى زائراته، في الاستراحة المرفقة بالمكتب، كانت رغبتها المكبوتة، في الذكورة، والغيرة من الأخريات، تفتكان بها، على أرض حلبة، تتمثل فيها، هند، حادثة ذبح شقيقتها الكبرى، قبل سبع وعشرين عاما.
وفي ذعر، تمازجه بداية ولادة إرادة التحدي الأنثوي، استعادت هند، صورة ما وقع بينها وبين سامي. قالت في سريرتها، وهي تحدق في شاشة جهاز الكمبيوتر، الذي تستخدمه في عملها. "لن أكون الذبيحة الثانية في عائلتي".
قامت. جففت دموعها، ودماءها المختلطة بماء ذكري. دخلت استراحة المكتب.
وقفت أمام مرآته. خلعت وشاح رأسها القاتم. أطلقت الحرية لشعرها الطويل الناعم، الذي تسلل في سواده، قليل من البياض. تزينت بمكياج كان سامي يحتفظ به لزائراته.
صاحت في غنج أنثوي. تأوهت. تنهدت. نادت بصوت شبق: "سامي!". نهض. كانت غرفة المكتب التي لا زال يجلس سامي فيها، قد غدت، غيمه قاتمة، خانقة، من دخان السجائر. وقف على باب الاستراحة. هند عارية، تستلقي على بطنها. رفعت رأسها نحوه. توسلت عيناها إلى ذكورته. أرسل قذيفة من بصاقه في الهواء بينهما. أغلق باب الاستراحة بعصبية قرفان، كال أرذل الشتائم، لها وللنساء كافة. غادر مكتبه. صفع الباب الخارجي بعصبية أعنف… مضى...
شردت عيناها في الأفق. سكنتها طمأنينة لم تعرفها منذ فطامها عن الرضاعة. حملتها ملائكة النوم على أجنحة من موسيقى نورانية…
" قفي". قال صوت وقور حنون أيقظها بلطف.
فتحت عينيها. رجل بلحية بيضاء ناعمة طويلة، يقف عاريا عند قدميها. يبحلق في تفاصيل أنوثتها. مد يديه. نهضت. احتضنته بعنفوان شهوة منفلتة. ضمها بقوة الرجولة البكر. استسلمت ببهجة طفلة وجدت أمنها الدافئ. لثم فمها إلى أن ذابا معا، في صلاة لم تقرأ عنها في الكتب. استلقى الجسد المتوحد في الحرية، بجوارها. دفنت رأسها في صدره. رقصت أضلاعها على لحنه. لثمت يديه، وعانقته كما تفعل بنت فجعها موت أبيها قبل أن يسترد الحياة من جديد. دفن الأشيب رأسه في عتبة باب المجيء البكر. شفط، بمنخاره العالي، أريج الرب. ضغطت كفاه على نهديها الذابلين. أطلقت أنيناً قمعته السنون. صار الأنين صراخاً زلزل الفراش. انتفضت. أفلتت من آخر قيود كانت تحوم في الغرفة. هاجت، مثل ثور في حلبة مصارعة. انقضت على الرجل الموغل في الزمن. ضغطت يداها، المتصلبتان على عنقه الطويل. لثمت شفتيه بوحشية الغابة. ارتخت كفاها. دفنت رأسها في صدره. احتضنته بشوق. جذبته فوقها. ضمت فخذيها. ضغطت جذعه بساعديها. ارتخت. أغلقت عينيها. لثمت فمه. وضعته تحتها. غرست أنيابها في ذكره المرتخي. صرخ. استلقى جوارها. دفن رأسه بين ثدييها. تسللت أصابعه في طراوتها. اهتزت. صرخت. هدأت. لثم الرجل حلمتيها معاً. ضمها بقوة وحنان. تلاشى…
تأخرت هند، عن العودة إلى بيت أسرتها، في الموعد المحدد لذلك. قابلها أبوها، على أول الطريق الضيق، الممتد عشرات الأمتار، المؤدي إلى البيت، باستياء ظاهر: "لن أسمح لك، بالخروج إلى العمل، إذا فعلت ذلك مرة أخرى". قال.كان الليل قد بدأ يلف المخيم الذي تقيم فيه أسرة هند، بالظلام الصامت. قالت، بنبرة خجولة: "اضطررت إلى ذلك، لأسباب تتعلق ب…". كانت تنوي أن تضيف:"العمل"، ولكنها تلعثمت، وطأطأت رأسها، واندفعت، بشيء من فقدان الوعي، في الممر المترب، الذي تتراصُّ، على حافتيه أبواب متهالكة، يتسلل من شقوقها، أضواء كسولة.
وعندما عاود أبوها التنبيه عليها، وهما في المنزل، أن تحرص على العودة قبل الغروب، ردت بنبرة واثقة: "ماذا يقلقك. أنا تجاوزت الثلاثين". أضافت في سريرتها: "وتجاوزت حدود الخوف".
وسألت أباها: "هل تستطيع، وأنت الحائز على مؤهل جامعي في التاريخ، أن تفسر لي، خروجنا القديم من الجنة؟".
اعتذر إليها، بالقول: "لا ترهقي نفسك بإلقاء أسئلة فارغة من الجدوى". أكمل في ضميره: "منذ سبعة وعشرين عاماً، فقدت رغبتي في الفهم، وفي الحياة برمتها".
لاذت هند بصمت أزعجه الماضي، تساءلت في سريرتها: "لماذا لم أواصل تعليمي؟".
كان الناس، أيام الانتفاضة، لا يغامرون بالسماح لبناتهم، بالخروج من البيوت.
"يجب أن أستأنف دراستي، وأن أحقق حلمي القديم، بالالتحاق بالجامعة، وتعلم الفلسفة". هكذا قررت هند. لكنها استدركت: "جامعات غزة، لا تعلم الفلسفة". وتذكرت، أن مفكراً، قال في ندوة: "الفلسفة علم الحرية". أضافت، وهى تواصل التحدث في سريرتها: "لم نقرر هنا، بعد، أن نبدأ الحرية".
هند، شغوفة بدراسة الفلسفة، وتقرأ كل ما تصل يدها إليه، في هذا المجال. وأمدها العمل، في مكتب سامي، بفرصة مناسبة، لتغذية توجهها الفلسفي… سامي، هو الآخر، كما أبوه، يهوى مطالعة كتب الفلسفة…
قامت لتنام، في فراش يضم معها، شقيقتها الصغرى، في حجرة، واطية السقف، تنهش الرطوبة جدرانها الخشنة، وتتقافز الفئران، بين محتوياتها الرثة، التي تزاحم، إناث الأسرة، الأم، والشقيقات الأربع، اللواتي ينمن، على أرض شبه عارية، في برد الشتاء الذي لا يسمح للبؤساء، بنوم عميق.
في حجرة ثانية، يضاجع الذكور إحباطهم المزمن. وفي الحجرة الثالثة، يعبث وليد جديد، بأحلام الابن الأكبر وزوجته.
"ما أجملها!"؛ همست هند، في أذن شقيقتها، التي كانت تصارع سهادها. "ما هي؟" سألت الشقيقة الصغرى. "الحرية"، أجابت هند، قبل أن تطبع قبلة شهوانية على شفتي شقيقتها، المتكورة في حضن هند.
لم يدم شعور هند بجمالية الحرية، طويلا.. ودون مقدمات، سقط وجدانها إلى قاع حفرة، ظلت فيها، وإلى نهاية ليلتها، فريسة صراع يطحنها بين الرهبة والرغبة. وطاردتها أشباح، تخيفها، وتبهجها، وهي تقذفها، بأجسام لحمية صلبة، لها شكل مئذنة مسجد، كانت تخترقها، وتدميها، وكانت تقبض عليها، بكلتي يدها، وتجمعها في حجرها، وتلهو بها، وتتهبيها؛ ثم تتمثل لها ساطوراً يهوي على رأس أنثى، حامل؛ وتتمثل نساءً، عاريات، ينطلقن في مرح، ورجالاً يتقاتلون، وطوفاناً يهجم وينحسر عن أرض مزروعة بالورود…
وبين الحد الذي يجمع النوم والصحو معاً، الذي، عنده، تنفتح فيما بينها، مناطق "الأنا والهو والأنا الأعلى" التي ميزها فرويد، تلاطمت في بيداء هند، مشاهد من صخب فوضوي، يرقص على ألحان غجرية، تهتز بها، بنايات غزة الشاهقة، في حلقة جذب صوفي، تشارك فيها، حيتان البحر، وضواري البر والغابة، ورجال تجارة وسياسة، وأطفال وصبايا، ترفرف في سمائهم، طيور تغني، تقفز بين أشجار نبتت قبل البداية الإنسانية والحيوانية أيضا… وسحاب داكن يلف المسرح المتلاطم، ومطر في لون أشعة القمر، ينهمر ويجري أودية… عرائس عاريات يتدافعن في شبق، في طرقات الرجال... النهود ثائرة، والأرداف تغنج، وغلمان يطوفون بأباريق بلِّورية... وأجيج النار يغزو بهجة الحلم…"قومي، تقدمي"؛ شق صوت الرجل ذي اللحية البيضاء، خيال هند…
انفجر، في سكون الليل الضبابي، شخير ذكرى، آت من الحجرة الشرقية في البيت الجاثم في عذاب لا زال يتفاقم، منذ عشرات السنين، بعد أن غادر والد هند، قريته في فلسطين. هبت الشقيقتان مذعورتين. أنفكَّ التصاقهما اللحمي. وأعادتا ترتيب ملابسهما الداخلية. وطبعت هند، قبلة أم، على شفتي شقيقتها الصغرى. وعادت إلى استلقائها السابق، على ظهرها.
بحلقت في السقف القرفان من تاريخه. رأت هالة من نور، ترتدي الرجل ذا اللحية البيضاء. هبط. كشف عنها الغطاء. خلعت ملابسها. دثرها الدفء الذكري. تأوهت. همست بصوت سمعته الشقيقة الصغرى: "ما أجمل البياض". واستسلمت إلى لذة النوم، على نغم يردده مؤذنو صلاة الفجر…
استيقظت على سؤال مقلق: "هل بدأت مشوار الحمل؟".
وبينما كانت تراقب إبريق الشاي، فوق وابور الكاز الكالح، المشتعل، وبنصف انتباه، كان القلق يواصل اضطهادها:
"هل يعترف سامي بأبوته لطفلي؟ هل هو أبوه، أم أبوه هو الرجل الكبير؛ ذي اللحية البيضاء؟ الرجل الكبير!! هل هو إنسان أم جني؟!".
رقصت في مخيلتها مشاهد رعب، وبهجة، رأت الرجل الكبير مرة أخرى. قالت بصوت أثار استغراب أهل البيت:"إنسان أنت أم…؟". توقفت عن إكمال السؤال. برقت عيناها، قفزت في مخيلتها فكرة رأتها رائعة: "أنا حامل من جني!!". صمتت في وجل. انفجرت منها قهقهة هستيرية، قطعها صوت يرتجف: "أنا…؟؟!! أنا…؟؟!!". أصابتها نوبة بكاء عارمة. هرول أفراد أسرتها نحوها. سقطت على الأرض، أخذتها الغيبوبة… اجتاحها طوفان بحر النور. الرجل الكبير، تراه، يجدف من بعيد، يقترب منها، يلامس يدها، يلثم فمها وحلمتيها دفعة واحدة. يحملها بين ذراعيه، يطير بها... تململت. ورددت وهي كما لو كانت تعاني سكرة الموت:" ذبحوه..ذبحوه..".. تشنجت...
صرخت أمها في فزع وابتهال: "يا ساتر، يا رب، يا ساتر". فقدت العجوز تماسكها، وقالت وهي تنتحب: "أية عين حاسدة أصابتك؟. توقعت أن يحدث لنا مكروه، منذ استيقظت هذا الصباح، لصلاة الفجر؛ رفَّت عيني؛ ونعقت الغربان.. لا، صاحبني القلق منذ أمس.. خمَّنت أن تأخر عودتك، تطوي شرا لنا… يا رب، لا تفضحنا…"…
قال الأب الذي يكبت انفعالاته: "اطردي شيطانك أيتها الخرفانة!".
أشعل شقيق هند المتدين، المذياع، بحث عن إذاعة القرآن، وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ سورتي "الفلق" و"الناس".
قال شقيق لها، تربطه بها علاقة حارة، في لهفة: "سأستدعي جارنا، لينقلها بسيارته إلى المستشفى".
"أسرع"، صاحت الشقيقة التي تشارك هند الفراش. أضافت: "طوال الليلة الأخيرة، كانت حرارتها مرتفعة، وكان قلبها يدق بسرعة".
"يا شيخ بلاش هبل"، قالت زوجة الشقيق الأكبر لهند؛ وبنبرة فيها ثقة، أضافت: "الموضوع بسيط يا ناس. راكبها جني. إنشاء الله يكون مسلم، وما يضرها كتير".
قال الشقيق المتدين: "الجني المسلم يتقي الله".
قالت زوجة شقيقها الأكبر: "خلي السيارة تاخذها على الشيخة فاطمة". إيدها فيها البركة. أنا بنت خالتي؛ لَخْبَطُّوني، قصدي بنت خالة جارة ستي، حصل إلها بالزبط، زي هند. خمس دقايق بس، عند الشيخة فاطمة، رجعت البنية عادية. كان راكبها جني مسلم. كان بحبها. وانتو زي إخواتي، كان ينام معها، وحبلت منه. هيك اسمعت".
وفي غضون دقائق قليلة، كان صوت القرآن ، يوحد بيوت مخيم هند، الذي انطلق من أجهزة المذياع. وتناقلت النسوة بينهن: "هجمت الجن علينا". قالت إحداهن بفجور:"بدنا دكوره".
استعادت هند وعيها فجأة. قالت في سريرتها: "حسناً، أبوه جني".
طردت ذيول الخوف. لامست أسفل بطنها. وتأهبت للتحدي. غادرت البيت إلى مقر عملها في مكتب سامي…