(16)
دخل أبو حمدان إلي حياتنا عن بعد ولكني لم أره قط , ولا استطاع عبد العاطي أن يراه , وكنا نسمعه من خلال الولد حمدان , ونراه من خلال التغير الثابت الذي يطرأ على الفتى يوماً بعد يوم , وكان عبد العاطي يستمع إلي الولد حمدان وهو ينقل تفاصيل مقطعة عن الكلام الذي كان يتبادله مع أبيه , ومن ثم يشركني عبر أساليب مختلفة كنا , دون أن ندري , نطورها نحن الثلاثة معاً من خلال احتكاكنا المتواصل , ومن خلال المواضيع التي كنا نرى أنفسنا نبحثها في كل يوم .
ولم يعد مصطفى يخيفني , وفي الحقيقة أنه لم يخيفني قط قبل ذلك إلا انه كان يثير في خشية بالنسبة للمستقبل , ومع مضي الأيام أخذت أنا , واخذ بعض الموظفين , يدركون بأن الحدود التي يستطيع أن يصلها في نشاطه ليست بعيدة إلي الحد الذي إعتقدناه في البدء , وان مسار يومياته قد مضى على الأسلوب نفسه الذي كان لها منذ أن عرفناه , لعدة سنوات خلت , إلا إن زيادات طفيفة – مثل ملح الطعام أو بهاراته – قد طرأت هنا وهناك على نشاطه اليومي .
وقد كانت حياتنا تسير بشيء يشبه الهدوء , لولا ذلك الطعم الجديد الذي ادخله حمدان إليها , بطريقته المفعمة بالتحير , إلي أن حدث ذات يوم حادث بدا لي صغيراً في لحظتها , ولكنه لم يكن كذلك كما تيقنت فيما بعد فقد كنت في مكتبي في الوكالة حين أحسست بأن شخصاً ما يقف قرب طاولتي , وحين رفعت بصري وجدت زينة واقفة هناك وهي تحمل أحد أطفالها على خاصرتها , وقد بدت لي أقل جمالا مما تصورت ولا شك أن الحزن أنهكها , وكانت تتحدث إلي والدموع تملأ عينيها , إلا أنني لم أكن افهم شيئاً ..
وفجأة اصطدم بصري بمصطفى الذي كان جالساً وراء طاولته , قبالتي يسترق النظر دون يتحرك , فأشرت لها أن تذهب إليه , ولكنها دون أن تنظر أخذت تهز رأسها رافضة وهي تصرخ , وشرع طفلها يبكي ويتمسك بها , ودون توقع مني بدأت دموعها تنهمر وكأن أبوابا موصدة أمام عينيها فتحت فجأة على مرصعيها .
وربما لن أعرف , طول عمري , ما الذي كانت تقوله تلك اللحظة , واشعر في كل لحظة بندم شديد لا ادري لمن يتعين علية أن أوجه وخزاته , إذ لست اعرف من الذي ينبغي أن يلام , ولقد استدارت وخرجت من المكتب وأنا انظر إلي كتفيها يهتزان من تأثير النشيج الذي كانت غارقة فيه , وكان رأس طفلها المعلق على خاصرتها يهتز هو الآخر بتناغم محزن , وفي تلك اللحظة نظرت نحو مصطفى , واعتقد أنني شهدت , للحظة اقل من ثانية , بقايا ابتسامة خبت بسرعة حين شاهدني انظر إليه , وعندها فقط مر في راسي قرار صغير بأن انهض واتجه نحو مصطفى وأستل عمره من عروق رقبته , ولكنني هدأت بسرعة , وتنهدت , وعدت إلي أوراقي .
لم تنتهي .