مقدمة

6 0 00

الأعمى والأطرش رواية لم تكتمل - غسان كنفاني

سيقال فيما بعد أن ما حدث كان مستحيلاً , أما الآن فالأبعدون يقولون إنها مغامرة , وأنا أقول إنها الولادة.

إن الحقائق الصغيرة لم تكن في البدء إلا الأحلام الكبيرة , والمسالة مسالة وقت ليس غير. كذلك تبدأ القصص وكذلك تنتهي . إن المعجزة ليست أكثر من الجنين الغريب الذي ينمو في رحم اليأس ثم يولد على غير توقع من أحد ليضحي جزءاً من الأشياء تبدو ثمة ناقصة دونه. وقد كنت اسمع دائما عن قبر الولي عبد العاطي وعن شجرته, ولكني لم اكترث قط . لقد حجت أمي حين كنت لا اعرف إلي أين تحملني وتمضي , إلي قبور كل الأولياء الصالحين , المزروعة في كل حي وعلى درب كل قرية , سكبوا هناك على عيني من الزيت والدعاء ما يذوب جبلاً من الصمت والعناد , ولكن شيئا لم يحدث , كان العمى وكان شيئا مكتوبا علية منذ البدء , والي النهاية. ومضت الآن سنوات لا حصر لها على تلك الأيام حين كانت تضعني أمي على كتفها وتمضي ماشية وكأنها تغوص في بحر لا قرار له وكنت أحس المسافة على جبهتها حين تنزلق إليها كفى فألمس فوقها طوفاناً من تفصد العرق التعيس , ولكننا كنا نعود دائما من قبور الأولياء الصالحين كما كنا نذهب تضيء أمي طريقنا بعينيها الباكيتين الراجيتين ,وأتعرف أنا مسافة الرحلة من العرق المتفصد على جبهتها ...

ولقد يئست . أقول لك يا حمدان أنني يئست . لو كنت جذع شجرة زيتون لتعبت , عصرت على عيني كل أعشاب الأرض , وتركت أكف الآلاف من الأتقياء والدجالين تمر فوقها فلا تزحزح راقة واحدة من راقات العتم الأبدي الذي كان يوصد بين جفني بوابات ليل ضار , لا نهاية له , وذات يوم اكتشفت العبث كما تكتشف أنت المبصر شروق الشمس .

أنت تعرف تلك اللحظات العجيبة التي تساوي العمر كله. كانت لحظة من ذلك الطراز الذي لا يقهر والتي تجيء وهي عازمة على عدم الارتداد . ومذ ذاك وأنا جالس , كما تراني , أرشو الظلام بالصوت , وأنسى . أنت يا حمدان ما زلت صغيراً , تتصور القدر ضربة صدفة لا تزحزحه إلا ضربة صدفة أخرى , وبعد أن مضى كل هذا العمر تقول لي أن أمضي إلي قبر عبد العاطي , حيث قام الكسحاء يركضون , والخرس ينطقون و العواقر يلدن ؟! أتريد أن اركب تلك الأرجوحة مرة أخرى في عمر واحد يا حمدان؟ أتريدني مرة أخرى أسير ذلك الأمل التافه المروع ؟

قبر الولي وشجرته ! واليوم تقول أنهم رأوا رأسه الوقور يتجه بالدعاء الصامت إلي السماء , معلقاً بين فرعي الشجرة .

تقول أنه يبدو وكأنه نما هناك كما ينمو الثمر, وانه يكاد يخاطب الناس . لقد سمعت هذه القصة في مكان آخر, وذات يوم ذهبت ,إلي هناك . لا , ليس مرة أخرى يا حمدان , ليس مرة أخرى , إن العمر الواحد لا يتسع لإكذوبيتن كبيرتين .

ولابد أن حمدان ابتسم , فأنا أحس ذلك بصورة غريبة اعتدتها منذ زمن لا ترقى له ذاكرتي , أكان يعرف أنني سأذهب ؟ أكان يعرف عمق تلك اللعبة الهائلة التي نسميها الأمل المهيض الجناح ؟ سمعت خطواته تمضي بعيداً عني عند بوابة بيت النار , ليخبز دفعة جديدة من الخبز, ولكن مهما كان يحسب , فأنني اعرف أن الحقائق صغيرة لم تكن في البدء إلا الأحلام الكبيرة وأن القصص تبدأ هكذا وهكذا تنتهي .

لقد قذفتني أقدار تعمل من وراء ظهورنا إلي هذا المكان وأنا أتساءل بين الفنية والأخرى عما يستطع الأعمى أن يفعل غير أن يبيع خبزاً ؟ إن الرغيف وحده هو الشيء الوحيد الذي يمكن تماما أن يرى بالأصابع. مثلما يرى بالعين وحين يصل الأمر إلي الرغيف فإن أحدا لا يستطيع أن يخطئ حتى الرجل الضرير الذي ولد , لسبب ما , دون بصر.

فمنذ عشرين سنة وأنا جالس على هذا الكرسي أبيع خبزاً , ولا أذكر قط أنني أخطأت إن أصابعي تتذوق الرغيف وتزنه وتتعرف إلي عمره وتثمن جودته , وهي تفعل ذلك كله كالعين والميزان معاً , فمما لا ريب فيه أن حياتنا مركبة على صورة فريدة , ولو لم يكن كذلك لما وجدت في هذا الكون كله متسعاً لي , أنزل فيه مثلما تنزل النبتة في الحوض , وأنمو هناك مع الأرغفة الساخنة , وأصوات الناس يوما بعد يوم.

ولكن أما آن لذلك كله أن يمضي إلي غير رجعة ؟ أليس ثمة شيء في هذا الكون كله , كله كله رجل واحد ميت , شيء واحد يعيد لهاتين العينين ضوءا مرمياً على الطريق , وليس من حق واحد دون الآخر ؟ كان الصخب يملؤني وأنا اسمع حمدان يقذف الأرغفة الساخنة إلي بلاط الفرن فتصدر عنها أصوات صفعات مكتومة , وعرفت , كما تعرف الأرض أن عشبة ما ستنمو هنا أنني سأذهب .

وكنت في أعماقي أكره ذلك , ولكنني كنت أحس نفسي مربوطا إليه بلا فكاك , وربما لذلك بالذات اعتزمت أن امضي إلي هناك في الليل , ففي نهاية الأمر ليس ثمة فارق عندي , وكذلك يتعين على الأولياء ألا يناموا .

وانتظرت مضي الساعات وأنا أحس التوقد يملأني لقد اعتدت أن أنام في الفرن ,وتركت الوقت يمضي حتى عم الصمت تماما , فقمت .

يتبع ...

لم يكن هناك ما هو غير عادي , ذلك اليوم . كان يوماً من تلك الأيام التي عشتها سنوات لا حصر لها , ولكن الحقائق الكبيرة كما يبدو , لا يحتاج مجيئها إلي مناسبات . كنت أناول رجلاً ما كيس الإعاشة , وكنت أقول: (( عيشة النكد هذه أود لو ....))

وفجأة جاء ذلك الشيء الغامض , وانقلب العالم رأسا على عقب وقلت لنفسي

(( يا ولد ! أنت منذ عشرين سنة تقول ألف مرة في اليوم )) و للتو شعرت بشيء من الخجل واقتحمني ذلك مثل شيء لا يرتد ...

كنت أرى شفاههم تتحرك , ولكن الصوت يتكسر أمام جدار رهيب يسد أذني ولذلك فان أقوالهم لم تكن لتعنيني . اعتدت ذلك ؟ لا شك فجسور الصوت التي تمتد بين الإنسان والإنسان كانت عندي مقوضة تماماً ولكن الإنسان يتعلم وكما يعتاد الميت الموت فان الأطرش يتعود الصمم .

أحيانا أقول : كما يعتاد الإنسان العيش فان الأصم يعتاد الصمت ولكن المسالة الأكيدة هي أن الأشياء أكثر تعقيدا .

ذات يوم لابد لي من التفكير بهدوء.أقول لنفسي دائما إن فرصة أن أفكر بهدوء لم تتح لي قط في العشرين سنة الماضية , كانت عيشتي عيشة نكد حقاً

إننا حين نفقد واحدة من حواسنا , فإنها لا تضيع .

كيف اشرح ذلك الإحساس الغامض ؟ إن الصمم نوع من نوم الصوت . الحاسة ذاتها تظل في داخل الجسم كهدير طاقة حبيسة , ويكاد صوت استغاثتها أن يسمع , وهذا بالذات هو الشيء الذي اعتزمت , طوال عمري , أن أفكر فيه بهدوء .

أما الآن فليس ثمة إلا الطواف على سطوح الأشياء الساكنة .الدوران الصامت في قاع الساعات الرتيبة لحياة لا يعرف احد كيف تسير ولا إلي أين.

ومنذ عشرين سنة وإنا اجلس هنا أناول الأكياس لصفوف لا تنتهي من اللاجئين . منذ عشرين سنة يمتد أمام بصري هذا الصف الطويل من الرجال والنساء والأطفال , يتحركون أمامي كالأشباح . يتدافعون بلا صوت , وترتطم الصفائح التي يحملونها ببعضها دون أن يصدر عن ذلك الارتطام أي رنين . كأن العالم كله يغطس في حوض ماء زجاجي أمام عيني .

وشيئا فشيئاً أخذت أدرك أن وجودي هنا لم يكن مصادفة , فمما لا ريب فيه أن هذه الأرتال التي لا تنتهي من البشر البائسين كانوا يكيلون لي سباباً لا يحتمل , فأنا - أمامهم - يد وكالة الغوث التي تمدهم بالطحين والسمن والفول .

وقد يكون الطحين قليلاً أو فاسداً , قد تكون حبوب الفول اقل من قشوره ولكني لم أكن لأسمع . كانت يداي تمتدان بالأكياس وكنت أرى شفاههم تتحرك ولكنني لم أكن لأسمع .

وعرفت , يوماً بعد يوم , أنهم وضعوني هنا قصدا , فلم يكن من الممكن لأي رجل أخر أن يحتمل ذلك الطوفان من الغضب الكسيح عشرين سنة متواصلة , يوما وراء يوم , ويدا ً ممدودة وراء يد ممدودة . لقد كنت البوابة الحديدية لقصر المحسنين , على أقدامها يتكسر صوت الغضب . وأمامي كان ملايين اللاجئين يعومون داخل حوض زجاجي كالأسماك الصغيرة العاجزة , دون صوت .

أقول ملايين , لأنني , ربما لكوني لا اسمع الأصوات . قد تعودت أن أرى أرتال اللاجئين أمامي رتلاً واحداً مستمراً مثل نهر متجدد . لقد فقدت القدرة على التأكد من أن ما أراه ليس إلا تكراراً شهرياً لمشهد واحد عمره عشرين سنة .

واكتسبت بالتدريج شعورا بأنني أقف أمام صف لا نهاية له من البشر , يعبر أفراده واحدأ واحدأ من تحت ذراعي وبصري ولكنه لا ينتهي , لا ينتهي .

ولست ادري كيف تسلقت نغمة (( عيشة النكد )) إلي لساني من أعماق سحيقة ربما لأنني كنت بصورة ما مسحوقاً في مكان لا يكاد يرى , بين جدار البوابة الحديدية لقصر المحسنين وبين الأمواج المتكسرة للأصوات الغاضبة القادمة من الخارج , أو ربما لأنني بصورة ما كنت فرداً في ذلك الرتل البائس من البشر , سقط بالصدفة أمامه وصار بالصدفة أيضا يتلقى أمواجه الصامتة ويمتصها دون أن يعي , وظللت هناك شيئا معلقاً في الهواء مثل غيمة .

وهكذا تبدأ القصص , ثم لا يعرف احد كيف تنتهي : قرأت في الصباح أن الولي عبد العاطي , المدفون في الحقول القريبة من المدينة , قد بدأ يجترح المعجزات , وان ثمة كسحاء عادوا من عنده يمشون , والي جانب ذلك الكلام نشروا صورة للقبر الطيني الواطئ , الذي لا يحوطه أي حاجز , والمنخفض أكثر مما اعتادت القبور أن تكون خفيضة , ووراء كومة الطين تلك كانت ترتفع شجرة ذات جذع ثخين , عارية تماماً من أية ورقة , وبين فرعين في أعاليها , نبتت مباشرة من الجذع , كتلة تشبه رأس الإنسان , مرفوعة قليلا إلي الأعلى كأنها تنظر إلي السماء , في وقت لا تكف فيه عن سماع أصوات الناس الذين يركعون إلي جانب القبر الواطئ ...

واعتزمت على التو , أن امضي إلي الشيخ عبد العاطي , ورغم أنني لم أفكر قط طوال عمري بتصديق مثل هذه الأشياء فلست ادري ما الذي حدث في تلك اللحظة بالذات .

الآن استطيع أن أقول أن الأمرين جاءا معاً أن اكتشف نفسي , واكتشف عبد العاطي , ولو جاء احدهما قبل الأخر أو بعده لمرت الأمور فوق سطح أيامي مثلما انزلق آلاف من الأولياء إلي النسيان . ولكنهما جاءا معاً , مثل القفل والمفتاح , كنت أهو بصخب في ذلك الكرسي الذي قعدت عليه عشرين سنة , وهاءنذا أرى نتوءاً في جدار تلك الهوة المروعة وعبر عالمي الذي كان دائما يسبح صامتاً في حوض ماء زجاجي مضيت إلي قبر الولي عبد العاطي

يتبع ...

إنني أمد لك يدي , أيها الشيخ التقي الميت , من قاع هذا الصمت (وقاع تلك العتمة) التي لا يسبر غورها , يا حبيب الله , المعاد إلي هذه الأرض ثمرة متفجرة على الخشب . أخاطبك من وراء ظهر الحواس التي يخاطب بها الإنسان قدره المكتوب له.

مدي لي يدك يا عبد العاطي , يا عاطي , يا عاطي , انتشلني من هذا الصمت (والظلام ) إنني اطلب منك الشفقة , أيها الولي , بعد أن رفضتها سنوات لا اذكر عددها . اركع قرب طينك المبتل , أيها الولي , وأقول : أنني تعبت . أصيح بين الجدران التي لا ترى , في عالمي المعتم ( الأصم ) , وأهز بكفي الأعمدة التي ترفع السماء , حيث تجلس مخبئاً أجوبتك , وأرجوك , أتوسل إليك , ابكي كل الدموع التي منحتها لي , واعتصر إيماني حتى قراره المسكين .

اطلب الفكاك من اسم الصمت ( والظلام ) , أسالك يا ملك الصمت ( والظلام ) أن ترمي صولجانك على وجهي وتمنحني حصتي من هذا العالم . أسألك أن تكف عن منحي للعالم أمثولة على سطو الغيب التي لا تفسر . أو خذني إليك يا عبد العاطي علقني معك على ذلك الجذع العالي لنسخر معاً من ذل هذا العالم المنكفئ على نفسه , العاجز المكبل المبصوق على وجهه . أخاطبك وحدي , وجهاً لوجه من أعماق هذه البرية المتوحشة المهجورة , وأتحداك أن تجترح معجزتك , أن تقول لي بأن كوم الطين القديم يستطيع أن يكون أكثر جدوى من الحياة النابضة داخل صدري , وفي عروق كفي المشرعتين أمام وجهك . أول مرة أجيء وامضي إلي أخر مرة , وإذا كان ثمة في هذه الحياة من لا يستحق رؤيتها ( ولا سماعها ) فلتقل لي ذلك , هنا والآن , أيها الشيء الخرافي الذي يتدلى من السماء كخطاف .

إنني اعلق عليك عمري كما يعلق القميص , واعلق عليك إيماني وكل المعاني التي تعودت أن استبدل بها الضوء ( والصوت ) , وانتظر تحت سقف العتمة مثلما تنتظر أنت تحت بلاطة الموت شموع المخدوعين .

(( هل قلت شيئاً ؟ إنني لا اسمع ))

(( لم أسمعك تأتي , فأنا رجل ضرير , كما ترى , جئت للولي اطلب البصر , وما زلت انتظر ))

(( لا تتعب نفسك . إنني رجل أصم , لا اسمع , ربما استطيع أن افهم حركة من يديك أكثر ))

فسألت : (( لماذا أنت هنا ؟))

وجاء الصمت , الذي صار على أن اعتاده منذ هذه اللحظة , وفجأة يصير همي وعبئي ودائرتي الفولاذية الأحكام , ولكنه الاختيار الذي لا يخطئ , فها نحن غريبان مخلوعان عن العالم مثلما يخلع المارد قضيباً عن شجرة , يطل علينا عبد العاطي من فوق , وسيطنا الوحيد المجهول القدرة .

وقلت له : (( إنني رجل ضرير )) . وأشرت بأصابعي نحو عيني ثم قاطعت كفي مفروشتين أمامهما , مثلما ينغلق مصراعا باب , وسمعته يهمهم , ثم قال (( فهمت )) وخيم الصمت أثقل مما كان , وبدا لي أطول مما توقعت , وجاءت كلماته من ثم مثل شيء يعبرا مسرعاً دون أن يترك سوا صدى الخفيف : (( وأين يمكن لأصم واعمي أن يلتقيا إلا هنا ؟))

ووضع كفه على كتفي وخيل إلي أنها التصقت بي إلي الأبد .

(( أين يمكن لأصم واعمي أن يلتقيا إلا عند ضريح عبد العاطي ؟))

قلت لنفسي : (( ومع ذلك فان العالم صغير )) ورفعت كفي نحو السماء السوداء , وأشرت إلي فوق (( هذا رأس عبد العاطي أنت لا تستطيع أن تراه , هو نفسه الذي رأيته في الصورة , وهو نفسه الذي يجترح المعجزات , وهو الذي سيعيد إليك بصرك , ولكنك لا تراه الآن )).

وضحك , فرن في البرية صوت يشبه إفراغ قربة ماء . (( ليس اجن منك إلا أنا نبحث في كوم طين عن كنز مسروق , ورأس عبد العاطي يضحك علينا , لا أنت تراه ولا أنا اسمعه )) وخبط كفه على كتفي فبدونا صديقين عتيقين نتبادل حواسنا في صورة فريدة . ولا شك في أنني ضحكت عند ذاك , إذ انه يضحك بدوره مرة أخرى بعد أن كان قد توقف , وسأل : (( أتريد أن تراه ؟ )) ودار حولي : (( اعني أن تلمسه )) .

ومضى عني إلي قرب الشجرة ثم عاد إلي : (( لو رفعتك على كتفي فستصل بكفيك إليه , لا احد هنا يرانا )) وصمت ثم مضى (( ... ليرانا ويضحك علينا , هيا ! )) وشدني من كمي إلي الأمام , وجعلني أتحسس جذع الشجرة , ثم اخذ العكاز

(( وضعت عكازك على قبر عبد العاطي , سيحافظ عليه جيداً )) وضحك مرة أخرى مصدر صوت قربة تفرغ من مائها , ويبدو انه ركع على الأرض إذ صرت اسمعه من تحت , وثبت إحدى قدمي على كتفه وامسك بكلتا كفي : (( ارفع قدمك الأخرى ))

تركت نعلي ينزلق وسحبت قدمي ببطء على ملمس من ظهره وشعرت بعضلات كتفيه مشدودة ومفروشة تحت قميصه كأسنان مشط عريض , وبدأ يقف حين وجدت قدماي مكانهما على كتفيه ويرتج قليلاً تحت ثقلي ولكن دون أن يبدو انه سيفقد توازنه ابدأ وعندما انتصب تماماً ترك كفي فتمسكت بجذع الشجرة , وتركتهما ينطلقان لي فوق كأنهما من تلقائهما , يتحسسان الخشب الخشن واسمع حفيفهما .

كنت ارتجف قليلاً , ولست ادري إن كنت خائفاً أو متوجساً أو قلقاً , وربما كنت مستثاراً فقط . (( وجدته ؟)) كانت إحدى كفي قد وصلت إلي منبت الغصن الثخين المنطلق من الجذع , ومضيت معه ببطء (( إلي يسارك قليلاً )) وفجأة اصطدمت يدي بشيء طري . (( هذا هو عبد العاطي , هل له أذنان؟ )) وضحك وهو واقف هناك . لابد أن يكون ذلك الذي لمسته هو الرقبة . كان شيئاً طريا ولكنه أكثر نشافاً من اللحم شيئاً بين اللحم والثمر . هذه الذقن ملتصقة من جهة بالعنق , ومن جهة أخرى بخشب الغصن , وفوقها انبساط صغير , هنا ينبغي أن تكون الشفتان , ولكن لا يوجد أي شيء . ثمة نتوء يكاد يكون مستديرا إلي الأعلى . هذا الأنف , ثم لمست الخدين اللذين كانا خشنين قليلاً , وببطء بحثت فوقهما عن العينين , ولكني لامست سقف المحجر . لا توجد عينان , إلي فوق جاء نتوء الجبهة مندفعاً إلي الخارج أكثر من المعتاد وتأتي الجبهة منبسطة عالية , وبدت لأصابعي وكأنها لن تنتهي , وعدت فوق استدارة الرأس أتحسس الصدغ , لا توجد أذنان . وكانت أصابعي تقول انه رأس غريب وغير ودود . عنق ثخين قصير وذقن عرضة تكاد تكون مربعة , وانف مستديرة وبارز , وخدان قصيران وجبهة علية ناتئة أكثر من المعتاد وعدت أتحسسه من جديد , بجمع راحتي كله , اضغط عليه قليلاً , واعتصر ندواته برفق . أي رأس هذا بلا عينين وبلا فم وبلا أذنين ؟ ومن تحت سمعته يقول : (( هل استغرقتما في الحديث ؟ كدت اتعب ... ماذا قال )) واخذ يضحك , وبدت كتفاه تهتزان ولست ادري كيف قلت له هامساً دون أن أعي : (( انه فطر , مجرد ثمرة فطر . فطر . )) ثم أدركت انه لا يسمع فصحت بصوت عال : (( انه فطر . فطر )) .

وسمعته يسأل : (( هل قلت شيئاً ؟ وصحت بكل قدرتي : (( فطر )) وراق لي صوتي يرتد في البرية وكأنه صراخ آلاف من الناس المخبئين تحت الحجارة ووراء الأشجار : (( فطر . مجرد ثمرة فطر ! إلا تسمع بعد ؟ فطر )) .

واشتبكت الأصوات حتى ملأتني , قادمة من كل مكان تحت سقف العتمة الواطئ , وبدأ هو يغوص إلي تحت شعرت بأنني اهوي إلي القاع ببطء , ولكن بصورة نهائية وكنت مازلت أقول : (( فطر .. فطر . ! )) حين أنزلني عن كتفيه . (( ماذا تقول ؟ )) وأخذت اصرخ نافضاً ذراعي حولي . (( انه فطر , رأس عبد العاطي مجرد ثمرة فطر طلعت هناك بالصدفة )) و شعرت منه يقترب مني , وأدركت انه لمك يسمع أبعدته من أمامي , وتقدمت إلي جذع الشجرة . كنت متيقناً أن الشجرة التي تنبت على فطراً على غصنها تنبته أيضا في كعب جذعها . بحثت بيدي في أسفل الجذع , ومن بين الحشائش النامية حوله عثرت على واحدة تشبه التفاحة الصغيرة , انتزعتها , ودفعتها إليه , مشيراً بيدي إلي فوق حيث كان الرأس ما زال معلقاً .

وخيم الصمت الثقيل مرة أخرى , وكما توقعت , جاءت ضحكته التي لاتنسى : (( هذا هو إذن ! )) وضحك مرة أخرى وأخذ يضرب على كتفي بكفه القوية . (( يسمونه أيضا فقعا )) وسكت . (( سأظل كل عمري اضحك على نفسي كلما أتذكر أنني جئت اطلب من حبة فقع أن تعطني أذنين اسمع بهما ! )) وتابع (( وأنت أيضا ! )) ثم لا شك انه تطلع إلي فوق : (( هكذا تضحك علينا يا عبد العاطي ؟ )) ومشى إلي الأمام قليلاً , ثم عاد وكأنه تذكر شيئاً ناولني العكاز , وامسك بيدي .(( هيا بنا نعود )) وبعد ثلاث خطوات فقط وقف مرة أخرى وقال : (( اسمي أبو قيس , ما أسمعك ؟))

قلت له (( عامر )) ولكنه لم يسمع , ولو سمع لما كان لذلك أية أهمية , ولما كان جديراً بان يعني شيئاً , وقال : (( سأسميك عبد العاطي , مباركة لهذه الذكرى )) وضحك , ولم يسمعني اضحك , فيما أخذنا نخطو معاً في قلب العتمة والصمت

يتبع ...

كان أول ما قاله حمدان حين جاء بفرش الخبز الأول , في الصباح :

(( كنت اعرف جيداً انك ستذهب لضريح الولي , وقد انتظرت في الخارج حتى رأيتك تمضي )) .

وسألته : (( لماذا لم تتعقبني إلي هناك ؟ )).

((لأنني أردت أن تصفو وحدك مع الولي . لعل لدي من الخطايا ما يمنع وقوع المعجزة في دائرة قطرها ميل )) .

قلت , بما يشبه الهمس (( ولم تقع أية معجزة ))

(( ربما لأنك لم تكن صافي النية , ذلك يحتاج إلي إيمان عميق وحقيقي , والي صبر ومثابرة .. أتحسب أن الأمر يحدث بهذه السرعة ؟)).

وعددت خمسة أرغفة لزبون , وأنزلت الأرغفة في الدرج ولم اقل شيئاً أيمكن أن تكون ثمة نية أصفى من نية رجل يريد البصر لعينيه ؟ أيمكن أن يكون هناك إيمان أكثر عمقاً من إيمان رجل يتوق للخروج من العتمة ؟ الصبر والمثابرة ! أيه عملة غير رائجة في حبس الليل الأبدي ! لست استطيع أن اكسب من الضوء والبصر أكثر من حصتي , وكل لحظة تمضي وأنا في الليل الرهيب خسارة لا تعوض , ليست أبدا رصيداً للحظة آنية , ليست صبراً ولكن كيف يمكن لحمدان أن يعرف

(( قرؤوا لي اليوم في الجريدة أن امرأة لم تنجب طوال عشرة أعوام , انفك الرصد عنها ببركة الولي عبد العاطي , وحملت . جاؤوا بها إلي الجريدة وصوروها , وها هي صورتها لها جديلة طويلة , وهي تضحك )).

قلت :

((خانت زوجها )).

(( استغفر الله ! أنت لا تطاق )) .

(( شيخك ليس إلا كتلة من الفطر )) .

(( أعوذ بالله ... لا أريد أن أسمعك )) .

وعاد يدب , بخطواته الحافية , إلي الفرن ليخبر دفعة جديدة فيما كنت أحس بأنني تغيرت بصورة لا استطيع أن أتجاهلها لحظة واحدة . ما الذي حدث ؟ شيء ما انكسر في أعماقي بلا ريب , وقد حدث ذلك بسرعة , وكأنما على الرغم مني . ربما صارت الأمور أمامي أكثر قسوة , ولكنها بلا شك أكثر وضوحاً وصفاء . وكان ذلك يبعث في راحة غريبة ومفاجئة , وأخذت أتساءل إن كان الشيء ذاته قد حدث لأبي قيس , وكنت ما زلت اسمع ضحكته مثل قرقرة قربة ماء , وأحس كفه القوية تخبط على كتفي .

آه أيها الليل , يا ملك المعجزات الحقيقية ! . إن كان هناك ماهو معجز في قبر الطين فهو انه يجتذب الخاسرين , وحوله يكتشفون شراكتهم في هذا العمر المحطم , ثم يمضون تاركينه وراء ظهورهم وكأنه لم يكن أكان من الممكن , أبدا , أن اكتشف الولي على تلك الصورة الفريدة ؟ أن نقتحمه معاً , من خلال العتم والصمت , ونسبر غوره حتى القرار ؟ أكان حتماً عليك يا أبا قيس أن نزحف كأثواب مهترئة يجرها حبل من الغيب , لننشر ذلنا وكساحنا أمام فقاعة فطر ؟

عددت ثلاثة أرغفة ووضعت ثمنها في الدرج فخشت مصدرة صليل قيد , ووراء ظهري اصطففت أرغفة العجين على بلاط الفرن حين قذفها حمدان , وأخذت أنا النار تهرج مثل ريح حبيس .

كنت احسب أن المعجزات تتدلى من السماء مثلما يتدلى خطاف , نعلق عليه أعمارنا كما تعلق القمصان , ولكن أصابعي ما زالت تغوص في ذلك الخشب الطري الذي انبثق في غور العتمة , ثمرة من الطيش وقنديلاً مطفأ في ليالي البائسين المسحوقين المنكفئين على وجوههم واللاعقين جراحهم بالسكاكين .

أما هي فخانت زوجها , وعلقت عارها على مشجب الولي النائم إلي الأبد تحت قبضة طين لم تعد تصلح إلا ليتكئ عليها عكاز رجل أعمى .

عددت رغيفين واسقط ثمنها في الدرج , وخفت صوت النار فيما اخذ حمدان يغسل كفيه .

وجاءت خطوات أبي قيس , وانتابني فرح صغير لأنني تعرفت إلي صوتها , وقال (( كيف أنت اليوم يا عبد العاطي ؟ وورائي كفت يدا حمدان عن الاغتسال هنيهة , فلاشك أن التسمية حيرته , وجاء الصمت مثلما يجيء الاستفهام ليوقف تدفق الأمور لحظة , ويعيد ترتيبها من جديد . (( جئت أسألك إن كنت تريد الذهاب مرة أخرى الليلة )) انه يرفع صوته قليلاً فيبدو وكأنه يخاطب رجل يقف على بعد منه . وهززت رأسي محتاراً متسائلاً وأنا أرد عن وجهي ضحكة كانت تتسلقه من الداخل . وعاد يقول : (( نذهب هذه المرة لنعترف بفضله , لقد اجترح المعجزة )) .

عددت ستة أرغفة وتركت ثمنها يسقط قطعة بطيئة وراء قطعة بطيئة في الدرج , ولا شك أن أبا قيس لم يكن يسمع أصواتها وهي تصطدم بالقطع المعدنية الأخرى وتصورت للحظة كيف ستبدو له وكأنها تسقط في حفرة بلا قرار وتظل تهوي في الفراغ إلي الأبد : (( لقد اجترح المعجزة , وهي معجزة غريبة حقاً )) وأدرت وجهي نحوه فهمس : ((سالت عنك اليوم ))

كان شيء ما يولد في تلك المسافة المتوترة الممتدة بين عالمينا وأنا استشعر ذلك بصورة لا يمكن تفسيرها ومضى : (( قالوا لي انك من طيرة حيفا )) وسكت قليلا (( وأنا أيضا من طيرة حيفا )) . أسقطت قطعة النقد الأخيرة من بين أصابعي إلي الدرج فصدر رنين كأنه صوت الدهشة (( نلتقي بعد عشرين سنة ! )) وضحك , مصدرا الضجيج الصغير , والودود (( اثنان من طيرة حيفا , يلتقيان بالصدفة حول حبة فقع ! أليس ذلك معجزة يا عبد العاطي ؟ )) .

الحياة وإيقاعها الرتيب الذي له صوت التقوض , خطوات العبث تضرب في تيه مجنون ألي ابدي وأبدك وأباد الآخرين . الصمت الذي له مذاق البئر المهجورة . العتم الذي له صوت النواح . هذه الجسور التي لم توجد قط , لم تبن قط , لم تكن قط , بيني وبين العالم . إنني أنمو على الحائط الخارجي لهذا الكون , أنمو مثل طحلب مقرف يشمئز من نفسه ويبحث دائما عن الزاوية , وعن الظل . الصمت والعتم , الصخب والضوء, أي بديل لأي شيء ؟ الخسارة عدوى , وكذلك الفجيعة وحين افتقد الضوء , يضحي الصوت عبثاً حين اغطس في الصمت الأبدي تصبح العينان هماً , ونحن إنما نتمدد تحت مطرقة العالم , بإيقاعها الذي لا صوت له التقوض . إلا يمكن أن يكون التاريخ كله حلم طفل أحمق يعبث بلعاب أكثر تعداداً من أن تستطيع طاقته استيعابها ؟

يا للخاسرين حين يؤلبون على أنفسهم الكون بحثاً عن سلوى ! حين يعقلون أقدارهم على مخالب قدر لا يعرفون عنه شيئاً كي يصير بوسعهم أن يتحملوا أنفسهم ! يا لك يا عبد العاطي , الحي والميت , يا لكما من هذا العالم المجنون الذي لا يصدق ! ترى كيف ركبت أيها الولي عبد العاطي زورق الناس التعساء وعلمتهم أن العالم إنما يصنع من وراء ظهورهم ؟ وان عليهم انتظار أقدارهم مثلما ينتظر صف المصابين بالبرص شفائهم أمام عيادة طبيب لم يوجد قط ؟ وها أنت ذا تعود على جذع شجرة مثلما تنبت الأسطورة في وهم المهزومين , تعطي تحت حبة التقوى للمرأة حظ أن تنتهك زوجها . وللدجال وراء دخان المعجزة حظ أن يتقدم متلصصاً إلي صف الإمام في طابور المسنين ! .. وقد خلعت عنك قداستك , سلبتك اسمك وأعطيته لرجل حي ينبض بالبؤس الذي لا تستطيع أنت شفاءه , وهو لم ينبت على جذع شجرة , ولكنه نبع مثلما يتفجر الصبح , مثلما يسقط الشهب مطفأ من المجهول ليصير شيئاً ,وهاءنذا جعلت عبد العاطي الولي عبد العاطي الرجل , أراه يمشي , وأحس أصابعه على كتفي , واشمه كائناً يقف جواري . أعدتك إنسانا رغماً عنك , هزمتك , جعلتك قبضة من عتم الليل قذفت بها إلي وهج نار ضروس .. كسرتك من تحت قبضتي عصا كنت أتوكأ عليها وصرفت عمري آملا منها أن تعطيني ما لا يعطى , ولست أريدك بعد:لا درعاً ولا زورقاً ولا وعداً .

أخلعك عن شجرتك , عن عمرك , عن معجزاتك كما يسترد العاري قميصه المعلق على خطاف يتدلى من السماء ... وأقول لك لم يعد يوجد في جدار أوهامي مكان لمسمار جديد , اعلق عليه رعدا بالأصوات التي لم اسمعها قط , وقد خلقت لنفسي أذنين اسمع بهما العالم , أما أنت فلست إلا حبة فقع , سقطت بالصدفة في مستنقع الناس المهزومين , ورأوا فيها جزيرة طافية من وعود ليس بالوسع تلمسها باليد , ولا سماعها بالأذن ولا رؤيتها بالعين والأصابع ...

وأنا ؟ لولا أبو قيس لما كان بوسعي أن أراك يا عبد العاطي . وإذا كان العمى فخ الاخاديع فكذلك البصر , لقد تحسستك بالأصابع التي لا تخطئ , في تلك اللحظة الفريدة التي ترتطم فيها أشياء الواقع بأشياء الوهم وإنني لا اصفح عنك , ولا اغفر لك فماذا بوسعي أن افعل أكثر من أن أراك تغيب في الفضاء وتذوب مثلما يذوي حلم ؟ وهماً كنت , ووهماً ولدت , وهماً انتهيت , وها أنا استرد قدري وأحس ملمسه الثقيل على كتفي , مثلما كانت أمي – بلا ريب – تحس جسدي معلقاً على كتفها وهي تمضي بي , وأنا قدرها الصغير والوحيد لتضعني بين أيدي أوهام العالم كله , ولا تحصد إلا الخيبة , ولا احصد إلا العرق يتفصد عن جبهتها العالية ...

ولولا أبو قيس لما عرفت , أنا الأعمى كيف تلتقي أقدار البائسين تحت جبال الانتظار المهيض الجناح , لولاه لما استطعت أن أراك , يا عبد العاطي , ولولاي لما استطاع أن يسمعك أنما أنت ثمرة طيش تنبت في رؤوس الكسحاء الذين يتعلمون بجرعات البؤس المر , أن الحياة ليست سوى الانتظار , لولا أننا تقاسمنا الخيبة سمعاً وبصراً لما ارتدت إلي طيرة حيفا ,ولما التقيت فوق قبرك قدري , ولما عثرت تحت رأسك على شريكي في هذه المرارة التي يكاد طعمها أن يقتلني اختناقاً , ولقد قادني المبصرون خارج طيرة حيفا , و آن للعمى أن يتحركوا , أن الأشياء التي ترونها ليست هي , وذات يوم سأشرح لكم ذلك كله , وإلا لما كان بوسعكم أن تروا في ثمرة فطر نبياً يجترح المعجزات , وأنا الاعمي الذي اعرف أن المعجزة إنما تجترح من القاع فالثمرة هي معجزة الجذور الضاربة في رحم الأرض , الضاربة في غور هذا البدن المقدس للتراب الذي ليس له ملامح , وليس بوسع الفطر إلا أن ينزلق على الجذوع الجوفاء , وان يطل على الناس من فوق وان يخدعهم , ولكنه ليس المعجزة , وأنا الآن ربما لأول مرة أرى في الظلمة المحيطة بعيني حقيقة تتوهج بالضوء لا قبل على احد على احتماله , وأقبلك أيها العمى , وأتحداك , واستطيع أن اسبر غورك , وإذا كان المبصرون يرون الفطر نبياً وولياً يجترح المعجزات فانا الذي رأيت فيه أصابعي , ثمرة الطيش تنزلق على سفح أحلامنا مثلما التفاهة تنمو وتنقرض , ولقد أطرحتك , أيها الولي , وأعطني الرجل الأصم اسمك , ولم يكن بوسعك أن تدافع عن هذا الذي بقى لك , وتركتنا نمضي , ونحن حين مضينا إنما قتلناك مرة أخرى , بلا ضوء وبلا صوت , وبالصمت الذي تستحقه !

يتبع ...

جاء حمدان فوقف أبو قيس واخذ يستعد ليمضي : (( اسمع يا عبد العاطي , نستطيع أن نأخذ فأسا ومنكوشاً ونذهب الليلة إلي هناك )) .

قال حمدان: (( أعوذ بالله )) . إلا أن أبا قيس لم يسمعه , فمضى يقول:(( لو قطعنا الشجرة , ودفنا رأس الولي فلعلنا نسترد أبصارنا و أسماعنا )) .

واخذ يضحك فيهز الطاولة أمامي , ويضرب بجمع كفه على ظهر حمدان الذي اخذ يدمدم حانقاً , وعاد أبو قيس , وعاد أبو قيس يقول متجها ً بصوته إلي : ((أن ظهور الولي لم يجترح المعجزة فلعل غيابه يفعل .. أتأتي معنا يا ولد ؟ ))

وكنت اعلم أن حمدان سيفقد صبره , فاخذ يتنهد بصوت مسموع ثم قال (( أنتما كافران تستحقان العمى والطرش , وإذا ذهبتما الليلة لتخريب قبر الولي وشجرته فسيحكم عليكما بالمحق , ويمسخكما )).

قلت له : (( اذهب أنت واطلب منه عقلاً لعله يستجيب )).

فعاد يقول : (( إذا ذهبتما الليلة لتخريب قبر الولي وشجرته أخذت على عاتقي إبلاغ الشرطة , إنني أنذركما : سأبلغ الشرطة )).

قلت في نفسي : ها قد صار عند الولي جهاز شرطة !

وصاح أبو قيس بصوته الذي يشبه صوت رجل يتحدث من نافذة قطار في محطة صاخبة : (( هذا الولد خائف أليس كذلك ؟ ماذا كنت تقول يا ولد ؟)) ولكنه لم ينتظر الجواب . بل مضى بخطواته الثقيلة إلي خارج المخبر , وعندما وصل الرصيف صاح : (( سأراك فيما بعد يا عبد العاطي , علينا أن نتحدث )) . وخيم صمت تخش فيه رائحة الموقد في الفرن , وهو يغوص صوب الموت . وظل حمدان صامتاً ويفوح في صمته طنين الندم مثلما يفوح كلما يشتط به الغيظ فيتحدث عن العمى الذي أصابني وكأنه عقاب . عددت ثلاثة أرغفة وأسقطت ثمنها في الدرج واتجهت برأسي صوب حمدان أحثه على الكلام فقال

لماذا يسميك عبد العاطي

لأنه لم يسمع اسمي

لا . انه يتمسخر على الولي , هذا كافر .

ربما عندنا في طيرة حيفتت حين يموت عزيز , حين يموت أب أو جد أو أخ , نعطي الوليد الجديد اسمه , وأبو قيس من الطيرة كما سمعته يقول .

وما علاقة هذا بذاك ؟

لا شيء . ظننت ذلك ..

ومتد الصمت مرة أخرى بيننا . هذه المرة مثل جسر , وليس مثل هوة , كان حمدان محتاراً قليلاً ولكنه عازماً على سبر غور ذلك الموقف المعقد الذي أقحم نفسه فيه

فقال : - (( هل تعتزمان حقاً تخريب قبر الولي وشجرته ؟))

وفجأة أخذت كفاي تنضحان عرقاً ولأول مرة في حياتي لاحظت أن العرق يملأ راحتي يدي كلما تحدثت أو تحدث احد أمامي عن الولي . لعله التوتر . لعله انبثاق أمل هش ليس بالوسع إمساكه باليد لعلها الخيبة المحزنة . أخذت افرك راحتي يدي على صدري وقال حمدان :

-(( إن ليس من أجلك ومن اجل الناس فمن اجل فمن اجل المرحومة أمك هذه المرأة الصالحة التي عرفت قبور جميع الأولياء من اجلها انس تلك الفكرة الحمقاء , ما الذي ستفيده من تخريب قبر الولي وشجرته ؟ ثم أن الشرطة ...))

- (( لقد عرفت المرحومة أمي قبور كل الأولياء صحيح , ولكنها لم تعرف فيها إلا الخيبة ..))

- (( ومع ذلك لم تفقد إيمانها , أنت قلت لي . قلت لي أنها كانت تحملك على كتفيها وتمشي . وكانت ...))

وكنت أنا أقيس المسافة بتلمس العرق الذي كان يتفصد من جبهتها المجهدة , وأحيانا كانت تنزلق كفاي الصغيرة تارة فأحس وجهها كله ينضح بالعرق وبالدموع معاً , لو كان البؤس بذرا لنبت في شقوق وجهها شوكة الضاري من فرط ما سقتها بالعرق وبالدموع , ولكنها لم تفقد إيمانها , هذا صحيح , ولم تفقد إيمانها , وماتت فيه , ها هو ذا بالنسبة لي يموت معها .

رفعت راحتي يدي في وجه حمدان , وكانتا ما تزالان تنضحان عرقاً :

-(( اسمع يا حمدان . أتعرف لماذا تمتلئ راحتا يدي بالعرق كلما جاءت سيرة الولي ؟ الآن عرفت , وكنت اجهل ذلك من قبل وسأقول لك : لان العرق هو العرق الذي سقاهما من جبهة أمي , سنة وراء سنة وميلا وراء ميل في طريق لا نهاية لها . كلما كانوا يقولون لها : (( هناك قبر ولي )) كانت تحملني , وكنت أتعلق بالعرق المساح على وجهها ذهاباً و بالدموع البائسة الكسيحة ونحن في طريق الإياب . هاهما كفاي ينضحان عرقاً ذلك العرق كلما سمعت اسم الولي . ذلك هو كل ما أورثته لي أمي المرحومة )).

إلا أن حمدان لم يكن يكترث . كان بهمه هو أن يعرف فيما إذا كنا ننوي حقاً هدم قبر الولي وقطع شجرته . فعاد يسأل :

- هل ستذهب مع ذلك الأطرش الكريه ؟

ولكنني لم أكن اعرف , لقد عرفت فقط أن شيئاً ما في داخلي , مثل جسر يستند إليه بناء قد انكسر . وسوف يتقوض شيء ما في لحظة ما . وكان يتعين على أن أترقب ذلك دون إيقافه _ لأنني أريد _ ودون الإسراع بحدوثه _ لأنني لا استطيع .

يتبع ...

وصلت إلي مكتبي في مركز توزيع الإعاشة في وكالة الغوث , كنت قد تأخرت , ولاحظت ذلك على الوجوه الجامدة لزملائي الذين كانوا بالانتظار . بدأت رائحة غبار الفول ورائحة السمن والحليب المجفف تختلط وسط بحيرة الصمت التي أعيش فيها . جلست , ونظرت إلي طاولتي . ثمة شيء قد تغير في داخلي . كان احد الموظفين يتحدث إلي , وكنت اشعر بذلك , إلا أنني اصطنعت عدم الانتباه . أحيانا الصمت درعاً في وجه التفاهة .

قلت لنفسي : (( الله الله يا عبد العاطي ! سقا الله أيام الطيرة ..)) ثم وجدت انه لا سبب يمنعني من رفع صوتي , فذلك طراز فريد من الحوار , خصوصاً عندما يكون المرء مثلي الآن , غير مكترث بما سيقوله الآخرون .

قلت , غير متجه إلي احد على وجه التعيين : (( ذهبت أمس إلي قبر الولي , وقلت له : يا سيدنا أريد أن ترد لي سمعي , فانا أطرش .. أتعرفون ماذا قال ؟)) وانتظرت قليلاً , لا شك أن واحداً منهم سأل : (( ماذا قال ؟ )) فمضيت ما اسمع ما قال فأنا أطرش ! ها! ها! ها ! ها! ها! )) .

فتحت الدروج وأخرجت هذه القوائم الطويلة من الأسماء لتي علكتها أصابعي دون صوت شهراً وراء شهر , وكانت الأسماء متشابهة تصطف مثلما تقف باصات الحكومة في الكراج . أحياناً نشطب اسماً ونقول : (( مات . ياحرام . في السماء لا يوزعون إعاشة ! )) . وكل يوم نسجل أسماء جديدة لأطفال يولدون , ونقول : (( بزر جديد , اللاجئين الذين أضاعوا التراب يحرثون ويزرعون الفراش ! )) وهذا الصف الطويل من البشر , واقف مثل طريق مسلفت متعرج يمتد من عام 48 إلي 1967 ليس فيه ثغرة واحدة . مثل الطرق الصحراوية في دول النفط , كلما انفتحت فيها حفرة جاءوا بالزفت ورقعوها . كلما سقط واحد من الصف ميتاً من السل أو فقر الدم أو القهر أو الشيخوخة أو الهجرة أو السجن جاءوا بولد ولصقوه محله .

نظرت إلي الموظفين , الذين شرعوا ينصرفون إلي عملهم , وقلت : (( اللاجئون مثل شارع طويل . طوله عشرون سنة .. ولكن هل تعرفون الذي يمشي فوق هذا الطريق ؟ )) نظروا إلي , وقال احدهم شيئاً فضحكوا , وعدت أقول : (( تمشي سيارات وباصات . كادلاك وفولكس فاجن . بسكليتات وكنادر ومداحل , صنادل وحوافر , وجنازير دبابات وكلاب .. خصوصاً يمشي على هذا الشارع الأولياء الصالحون عبد العاطي مثلاً .. ))

وضرب مصطفى على الطاولة وقال شيئاً لا شك انه شتيمة , قلت أهدئ خاطره (( لا تزعل ... ذات يوم سأحضر عبد العاطي إلي هنا .. لا لن يوزع الإعاشة معنا , لا الأولياء لا يوزعون إعاشة , يوزعون وعوداً , ونحن فقط نوزع إعاشة ! ..))

وعاد هو نفسه يرعد غضباً كان يحمل قلماً عريض الرأس يستخدمه للشطب فكتبة على ورقة كبيرة (( اخرس )) .

وضعت كفي مفروشة على رأسي وقلت له : (( حاضر يا سيد مصطفى , سأخرس . أنا اعرف أن الولي عبد العاطي قريبك حماك . أليس هو والد زينة ؟))

مزق الورقة حانقاً واخذ باقي الموظفين يبتسمون وينظرون إلي دفاترهم وكأنهم لم يلحظوا شيئاً هم الذين شرحوا لي ما حدث وأفهموني إياه يوماً بعد يوم وإشارة وراء إشارة . زينة لا شك انه حلف يومها بكل الأولياء الصالحين .

جاءت المسكينة تصرخ و تبكي وتقول إنهم شطبوا اسمين في إعاشتها لان إخبارية نقلها احد جواسيس الوكالة تقول أنها تعمل خادمة وتحصل مئة ليرة كل شهر . أرملة مشحرة مات زوجها تحت حمولة شاحنة حصى حين أفرغها السائق فوقه دون أن ينتبه . عندها أربعة أولاد , جاءت تولول عند مصطفى وتقول أنها وأولادها سيموتون جوعاً . كانت ما تزال شابة سمراء قوية . ووعد مصطفى أن يدبر المسألة .. وبعد أسبوع عادت زينة تبكي وتولول : (( وعدت انك ستعيد الاعاشتين فأعدت إعاشة واحدة فقط . لقد أقسمت يومها ...)) وأخذت تبكي وتضرب رأسها على الحائط وقالت أنها خدعت وأخذت تردد كلمات باكية : (( أولادي . تعبي . عرضي ! عرضي ! عرضي ! عرضي ! )) .

تعلقت الكلمة في سقف المخزن , مثل ضوء اللوكس , وأخذت تمطر علينا هياجاً وعاراً في آن واحد , ولا شك أنها ما تزال معلقة هناك وقد خفت إشعاعها مثلما يخفت ضوء اللوكس مع الوقت ... (( عرضي )) ! .

هكذا يا سيد مصطفى يتحول الخبز إلي فراش . أنت تريد الفراش وهي تريد الخبز . آه يا عكروت لا شك انك أقسمت لها يومها بكل أولياء الأرض , الآن وظفت نفسك عند الولي عبد العاطي . الآن صرت تدافع عن تلك الثمرة الطائشة من الفطر ! ترى هل وعدتها بالزواج ؟ سيد مصطفى . مصطفى أفندي ؟

(( اخرس )) مكتوبة بالحبر الأسود العريض من القلم المخصص لشطب الأسماء , كأنما نستخدم لنطمئن إلي أن الاسم الذي نشطبه إنما أنشطب كلياً وتماماً فلا تقوم له قائمة من بعد . من يدري ؟ لعل مديرية الوكالة تحسب إن اللاجئين يولدون من جديد فلماذا يعثرون على أسمائهم بسهولة ؟ وأننا نكتب الأسماء الجديدة بأقلام حبر رفيعة . خجولة فلماذا نشطبها بذلك القلم الأسود الثخين الذي يستخدمونه لكتابة الأسماء على أكياس الخيش .

حملت القوائم ووقفت . نظرت إلي الموظفين وقلت : (( لنبدأ بتوزيع إعاشة اليوم )) . مضينا في صف إلي المخزن يتقدمنا مصطفى الذي يحتفظ بالمفاتيح ووقف كل واحد في مكانه . أنا قرب الباب المطل إلي الخارج .

فتحت الباب فأخذت الأكف تلوح بدفاتر الإعاشة الحمراء وتتدافع وترتطم الأواني ببعضها فلا تصدر صوتاً . استغرقت في العمل , وكانت يداي تنشطان : من البراميل والأكياس إلي الميزان إلي الدفاتر . فجأة حدث شيء غريب فقد اكتشفت لأول مرة أنني إنما اقرأ شفاه الناس الذين أمامي .

افهم ماذا يقولون : (( عدس . كوكوس . حليب . طحين . فول .. )) آه يا عبد العاطي ّ أتراك اجترحت المعجزة ؟ هراء طق حنك ولكن الحقيقة هي أنني كنت اقرأ شفاه الناس واعرف ماذا يطلبون .. ما الذي حدث ؟ عملتها يا عبد العاطي يا ولي ؟ مستحيل , فأنا ما زلت مصراً على أن احمل الفأس والمنكوش واذهب مع عبد العاطي لأهدم قبر الولي , واقطع شجرته ..

وظلت الأفواه تقول لعيني , طوال ذلك اليوم : عدس , حليب , فول , كوكوس , تمر , طحين ...

يتبع ...

كنا على وشك أن نغلق المخبز , أنا وحمدان حين سمعت خطوات أبي قيس على الرصيف , دخل فسلم وأخذ يتحسس الأرغفة ويقلبها , ثم اختار واحدا وناولني ثمنه واخذ يلفه بورقة . دفعت نحوه كرسياً واطئاً من القش فجلس , وجاء حمدان من الداخل , وقال :

ها قد جاء ذلك الشقي الكافر .. هل تريدان الذهاب إلي هناك ؟

ولم يسمع أبو قيس شيئاً , إلا انه قال لي :

يبدو أن هذا الولد كثير الثرثرة .

ضحكت وهززت رأسي موافقاً , واخذ حمدان يدمدم حانقاً فقال أبو قيس :

لا تضيع وقتك . لماذا لا تذهب وتشتري لنا نص وقية جبنة ؟

قال حمدان :

لا لن أتركك هنا وحدك مع عامر . لن اسمح لكما بالذهاب إلي قبر الولي . وسأظل وسأظل أراقبكما .

وجاء الصمت , الذي صرت معتادا عليه الآن , والذي هو صوت الانتظار , بكل ما فيه من ترقب يحبل بالجديد . صوت الولادة وهي تتدفق بسكون من قلب الفراغ , مثل الارتطام الساكن لغيمتين متفقتين على موعد المطر .. وبهدوء , تماماً مثلما يشرع المطر , قال أبو قيس :

((أتعرف يا عبد العاطي ؟ ظننت اليوم أن الولي قام بالمعجزة قلت لنفسي : أمس قام بالمعجزة فعرف واحداً من الطيرة على واحداً من الطيرة بعد عشرين سنة , اليوم قلت لنفسي : ها هو ذا جعلني اسمع على صورة فريدة , لقد اكتشفت فجأة أنني افهم ما يقوله الناس وذلك بقراءة حركة شفاههم . ولكن أتدري ؟ هراء . طق حنك في أخر النهار عرفت أنني لا استطع أن اقرأ من حركات الشفاه إلا تلك الكلمات المحدودة : فول . عدس . حليب . كوكوس . طحين . تمر وغير ذلك من بضائع الإعاشة .. أما غيرها فلا شيء .. أتعرف لماذا لان هذا هو كل ما تعلمت أن اسمعه من عشرين سنة . كل يوم كل يوم كل يوم . لا معجزة ولا من يجترحونها . ذلك لا يحتاج إلي سمع , لا هو ولا تلك الكلمات المعولة .. يا لعفريت البؤس كم هو ذكي ! مثلما تتعرف أصابعك الرغيف , أنت الأعمى . دونما حاجة إلي بصر , أتعرف أنا على تلك الكلمات التي ليست لغة والتي ترتسم على الوجه مثل الحزن أو النعاس أو الخيبة ...))

وعاد الصمت , صوت الانتظار هذا الذي أحسه الآن أكثر من أي وقت مترعاً حتى حافته بولادة غامضة , على وشك أن تنبثق في أي لحظة . إن هذا العالم يدور بسرعة مجنونة وتختلط أشياؤه في فوضى مروعة ما تلبث أن تنداح في حقائق متسقة . هذه اللغة التي يتحدث عنها أبو قيس , لغة اللاجئين , لغة البؤس التي لا يسمعها , ولكنه يراها , لغة البؤس التي لا أراها ولكنني اسمعها وغالباً أحسها , تارة في رغيف الخبز , وتارة حين تفصد راحتا يدي بالعرق والدموع . اللغة التي لا يستطيع عبد العاطي لا سماعها ولا رؤيتها .

واخذ أبو قيس يضرب رغيف الخبز الذي يحمله على حافة الطاولة برفق , غارقاً في أفكاره ثم مضى يقول

(( اللغة عادة , وقد تعودت أنا لغة الإعاشة , وأنت تعودت لغة بيع الخبز . إنني افهم لغة زينة جيداً , ولغة مصطفى , ولغة شارع الإسفلت الذي تسير عليه الأحذية والمداحل والدبابات والكلاب , ترى لو تعودت لغة أخرى أما كنت افهمها ؟ اعني لو أنني عشت في جو آخر أما كان لدي لغة أخرى ؟ ))

ووقف ثم راح يتمشى في الممر الضيق الذي يفصل الفرن عن دكان البيع , وجاء حمدان ووضع يده على كتفي , وقال هامساً

((لا تترك هذا الشيطان يضللك . اترك الولي بحاله , إن المعجزات التي اجترحها تكاد لا تحصى , سيقطعك الناس اربأ ))

قلت له : (( هل ستذهب إليه الليلة ؟ لماذا لا تذهب يا حمدان ؟ اطلب منه أن يعطيك قميصاً , أن يعطيك حذاء تدخل به إلي العيد . أن يعطيك أباً أنت الذي عشت عمرك بلا أب . فإذا أعطاك سمعنا وصيتك , وإذا لم يعطيك تنضم إلينا ))

أنتما كافران متساويان , هل يعني ذلك انك مصر على الذهاب لتخريب قبر الولي وقطع شجرته ؟))

((لست ادري اسأله ))

(( ولكنه لا يسمع )).

(( اكتب له السؤال ..))

(( لا اعرف )).

(( إذن اسكت ))

(( لا . أريدك أنت تجيب , هل ستذهب ؟))

أحسست بصدري يمتلئ فجأة بالهواء فتنهدت مرة ومرتين كان أبو قيس قد كف عن التجوال الحائر فجلس على الكرسي الواطئ ومضى يزداد غوصاً في صمته الفريد .

(( هل ستفهم ؟ هل ستفهم لو قلت لك ؟ إذن اسمع : لا حاجة بعد لتخريب قبر الولي وقطع شجرته ذلك عمل لا يزيد ولا ينقص شيئاً بالنسبة لي عبد العاطي مات , انتهى خلص , فإذا ذهبت ونكشت قبره وأحرقت شجرته فذلك مجرد احتفال مجرد احتفال , وليس هذا هو المهم هل فهمت ؟))

وفجأة قال أبو قيس كمن يكمل حديثاً بينه وبين نفسه :

(( وماذا سنفعل الآن يا عبد العاطي ؟))

وأحسست بعينيه تفترسان وجهي مثلما أشعر أحيانا إن بأذني مشرعتين أما ادني طنين , مثل فخ جيد الإخفاء تحت الحشائش , إلا إنني لم اقل شيئاً , كانت كل الأبواب في رأسي مغلقة ولم ينتظر أبو قيس طويلا , فدمدم ساخراً :

(( تصبح الأمور عسيرة حين يموت الأولياء )) .

ومضى يضحك فأتذكر تلك الليلة الغريبة في البرية حين كان صوته الضاحك يشبه صوت إفراغ قربة ماء يرتد صداه من خلف الأشجار وتحت الحجارة وأعماق التراب .

تصبح الأمور عسيرة حين يموت الأولياء انه ينظر الآن بلا ريب نحو حمدان . أجل ,تصبح الأمور عسيرة حين يموت الأولياء ؟ ولكن لابد منها . هاهم الرجال يرفعون أعمارهم عن الخطاف المتدلي من السماء ويمضون , يتلمسون بأصابعهم رأس الولي المتفجر ثمرة فقع بلا عود يلتقي المهزومون المكسورون المحزنون فوق البلاطة التي تنام تحتها المعجزة , فلا يرون تحتها إلا جثة الموت الجبان . تصبح الأمور عسيرة حين يموت الأولياء , تنهار جسور الوهم وتتعفن الوعود ويتعين عليك أن تحمل قدرك.

يتبع ...

مضيت طوال الليلة التالية احلم حلماً قصيراً واصحوا من أعماقه مذعوراً , ولكنه ما يلبث أن يعود فيتكرر وكأنه إعادة عرض لشريط مصور : كنت أرى نفسي متجهاً إلي مكتبي في وكالة الغوث , وفجأة أجدني واقفاً فوق أكياس الطحين وباب المخزن مشقوق شقاً رفيعاً يدخل منه شعاع الشمس مثل نصل سكين , وعبر هذا الشق أرى أكوام اللاجئين تغلي على امتداد البصر , واشرع وسط طنين لا مثيل له بإلقاء خطاب , ويختلط الأمر فإذا بي أنظر من شق الباب إلي زينة واقفة هناك تخطب وأنا أحاول أن افهم صوتها الغاضب , إلا أنها تنزل بين ذراعي مصطفى , وأعود فأخطب وقد استبد بي غضب يملؤه الألم , وتتحرك الجموع وتحطم باب المخزن , وفجأة تمتلئ أذناي بأصوات ضجيج لا قبل لي باحتمالها , واري عبد العاطي وسط السيل يتدافع بالأكتاف , وأصحو وكنت اعرف أن الذهاب إلي مكتبي في الوكالة , صباح اليوم التالي سيكون مؤلماً وان شيئا ما قد حدث في حياتي , لا استطيع تبينه على وجه الدقة . لقد حطمت شيئاً وليس لدي ما استعيض به . كنت اعرف أنني لن أطيق , بعد, العمل في المكان الذي وضعوني فيه عشرين سنة , ولكنني لم أكن لأعرف أين يتعين علية أن اتجه ليست الحياة إلا سلسلة تأخذ فيها الحلقة بيد الحلقة , فإذا اكتشفت ولياً أدخلت العالم تحت جبته , وإذا قتلته أخرجت العالم كله من هناك , ولكن إلي أين ؟

وأخذت أتذكر الشيخ حسنين , إمام الجامع في طيرة حيفا , فقد كان جارنا , وظل يشدد علي , وعلى أبي حتى صرت اذهب إلي الجامع , ولكنني كنت اخفق في سماع خطابه كل يوم جمعة , وذات يوم قلت له هو يأخذ بيدي خارج المسجد : (( لو كان الله يريدني أن اسمع خطبتك لو أعطاني أذنين )) ولفرط دهشتي ضحك الشيخ ضحكاً شديداً وصار يتراخى في تشديده على حتى تركت تقريباً عادة الذهاب إلي المسجد , ولكنني صرت أكثر اعتماداً على أبي , وقد لاحظ الجميع ذلك إلي حد كان يبعث في الألم , وقد انضم الشيخ حسنين إلي المجاهدين في الطيرة , وكان منظر عمامته فوق البدلة الكاكية طريفاً , تذكرت الشيخ حسنين لأنه عندما مات شعرت تقريباً بما اشعر به الآن.ذلك الفراغ المروع الذي يضعك على عتبة قرار جبان , وقد فعلت , إذ أنني أخذت منذ ذلك الوقت انتظر المعجزة , وحتى عندما وقعت الواقعة كنت اشعر في أعماقي بان معجزة ما قد أنقذتني . ولقد حدث الأمر كله في لحظة صغيرة لا تكاد ذاكرتي تحصروها .

وقلت لنفسي سنة وراء الأخرى إن المعجزة قد وقعت وأنني أدين بحياتي لعله طالما شكوت منها .

الآن لا فرار . لعل وجود عبد العاطي قد دفع القرار إلي نهايته فتمزق كل شيء دفعة واحدة , وليس ثمة الآن إلا ذلك المفترق بين طريق الحياة وطريق الموت , ذلك المفترق الذي تميزه فجأة والذي تكتشف انك أمضيت عمرك تراوح أمامه دون تتخذ قرارك , ليس لأنك لا تريد , ولكن لأنك غافل عن ضرورة ذلك .

القرار . القرار . القرار. ما استطيع أنا وعبد العاطي أن نفعل في وجه هذا العالم ؟

هل بقي لدينا بعد , متسع من الوقت لنفعل شيئاً ؟ أم تراه بقى متسع من الوقت لكي نعود فنمزق صفحة عبد العاطي الولي من حياتنا وننساها ونعود إلي أمكنتنا وكأن الزلزال لم يقع ؟

ولكن قدمي ساقتاني دون أن أعي , إلي مكتبي في وكالة الغوث . دخلت سلمت وجلست إلي طاولتي . أخرجت القوائم , وراحت الأسماء المتشابهة تمتد إلي بصري مثل طريق لا نهاية له , وبدت لي فجأة سلسلة من القيود التي تكبلني وتحول دوني ودون أن أترحك . خطر لي أن استل القلم الأسود العريض وامضي اشطبها واحداً وراء الآخر , واختار أسماء بعينها فأشطبها , ولكني استبعدت ذلك وأخذت انظر إلي المخزن عبر الباب نصف المفتوح حيث كنت أقف في حلمي واخطب بصوت مجلجل , وخيل إلي أن الباب الكبير للمخزن سيتحطم تحت قبضة الجموع في لحظة واحدة . وان اللاجئين سيتقدمون صف وراء صف مثل سيل لا يكف عن الهدير , وان أصواتهم الغاضبة ستحطم , فيما ستحطمه , بوابات الصمت المغلقة في أذني . سيحدث ذلك . هذه اللحظة هذه اللحظة . وقفت واستندت على الطاولة وأخذت أحدق ببوابة المخزن . هذه اللحظة . الدوى سيتفجر الآن . الآن . الآن . فجأة استبدت بي استثارة لم أعشها في حياتي , وشعرت أنني ارتجف بلا هوادة وكادت عيناي تنفجران وأنا أصوب نظري إلي ذلك الباب المغلق . كأنه باب الصمم . باب الموت . باب القدر الذي لا يهزم والذي يوشك في اللحظة التالية أن يتقوض .

كنت في قرارة نفسي متيقناً من انه سيتحطم أمام الأكتاف المتكدسة وراءه لصف من اللاجئين طوله عشرون سنة مرة. سيتحطم في أيه لحظة فجأة ضاع ذلك الحد الذي يفصل بين الحلم وبين الحقيقة وامتزج كل شيء , ورأيت بعين الحقيقة ما رأيته ليلة أمس مئة مرة بعين الحلم . أنهم يجمعون إرادتهم في أكتفاهم وراء هذا الباب يكورون قبضاتهم فتصبح مثل الصخر المحيطة بصفد , ويستعدون . هذه اللحظة . هذه اللحظة . الآن . الآن . الآن . .

ولكن غور الصمت أصبح اشد عمقاً , وظل , كما كان دائماً يخيم على كل شيء , نظرت حوالي ورأيت في عيون الموظفين نظرات الدهشة المليئة بالخشية تنصب على من كل جانب , وكان مصطفى يبتسم ابتسامة لا تكاد انه ترى . تنهدت , وفككت التوتر من قبضتي يدي اللتين كانتا ما تزالان مكورتين فوق خشب الطاولة , وعدت فجلست .

بذلت جهدي كي لا انظر مرة أخرى إلي ذلك الباب الكبير المغلق , الصامت , الذي يشبه شاهدة ضريح . ثم قلت لنفسي : (( ها أنت مرة أخري يا أبا قيس تتوقع المعجزة . لا . إن الأمور يا حبيبي لا تحدث كذلك .. الله عليك شو خفيف ! ))

يتبع ...

نمت في غرفة الفرن , فوق فرش الخبز , وقبل أن أغفو سمعت خطوات حمدان الخافتة تتجه إلي الباب , حيث مد فراشه ونام . قلت لنفسي : (( انه ينام أمام الباب كي يصحو إذا حاولت الخروج . لقد وجد لنفسه أخيرا عملا مفيدا يرضي ضميره . عين نفسه دركاً لحراسة الولي ! آه كم يحتوي كيس البؤس من الاخاديع ! انه يشبه نبعاً لا تنضب مياهه ..)) .

وبدا حمدان بجسده الضئيل وطيبته وتصميمه , سداً يشبه جداراً من الصخر , يقف أمامي و أمام أبي قيس , وانه على صغره , يحجب عنا أمام أعيننا امتداد الطريق الذي ضيعناه , أخذت اسمع تنفسه الثقيل , تنفس رجل اعتصر عضلاته طوال النهار بالعمل المضني , وهو يغطس في عالم النوم كما يغطس رجل في العمى أو رجل في الصمم , وكان نومه هناك تمثيلاً طريفاً لواقع أحسه إحساسا صميماً : فقد كان فعلاً يغلق الباب بجسده القوي , ويعرقل أمامي طريق الخروج لو شئت , وبدا لي أن اختياره العفوي هذا ليس في الحقيقة إلا تجسيداً عابراً لدوره في حياتي .

لم كن اعرف إلا صوته , وهو صوت فتى عقد عزمه وقر رأيه وملأ نفسه بقناعات صغيرة ولكنها متراكمة في كل جسده . كانت زحزحته مستحيلة , وكان الحوار معه أكثر صعوبة . ففي عالم مرتب في تلك الصورة التي في رأس حمدان يستحيل العبث بالأشياء , منذ الولادة , على رفوف الذاكرة , نائمة تحت الغبار والقبول والاستسلام الكلي . ولست اعرف على وجه التحديد من أين أتى , وما الذي انتهى به إلي هذا الفرن . كان هنا ضنياً في الحديث عن ماضيه , ولكنني علمت , مثلما يجمع الإنسان شظاية صحن زجاجي محطم , انه لم يذهب إلي المدرسة إلا أياما قليلة , وقد تزوجت أمه بعد شهور من ذهاب والده إلي السجن , وأذاقه زوج أمه مر العيش , فقد كان فقيراً وفظاً وشرهاً وحين وجد في طريقه طفلاً مستسلماً مستعداً للقبول , أخذت شراسته تشتد ضراوة .

وقد لجأ إلي أماكن عديدة إلي أن انتهى به الأمر إلي هذا الفرن منذ عشر سنوات تقريباً . ونحن ما زلنا منذ ذاك نعيش معاً , ونشكل ثنائياً غريباً فاقت شهرته حدود الحي الذي يقوم فيه الفرن . كان جسده قد أضحى قوياً بلا حدود , وصار مضرباً للمثل في البؤس والشدة , إلا انه لم يستخدم قط تلك القوة الهائلة النائمة في ساعديه وأكتافه لتحقيق أي نوع من أنواع العنف ضد أي احد أي كان , لقد كان فعلاً على قناعة عميقة بأن أمور هذا العالم لا تحتاج إلي تقويم , وان القوة في جسد الرجل ليست إلا رفاهاً إضافيا يمكن الاستغناء عنه , وانه إذا ما اعترضت حياة الإنسان معضلة ما فلا سبيل لزحزحتها إلا بالمعجزة , وليس بقوة العناد أو بعناد القوة .

ومنذ عشرة سنوات وأنا انظر إلي العالم بعني حمدان , ومع ذلك فأنني لم استطع أن أرى شيئاً حقاً , كان العالم بالنسبة لعينيه منبسطاً كأنه مرسوم على بلاطة وكان يرى الأشياء والناس على صورة فريدة من البساطة والآلية , وفي أحيان كثيرة كانت رؤيته تشكل في ذهني جداراً أو باباً بيني وبين الحقيقة في شكلها الأكثر صفاء , تماماً كما هو نائم الآن أمام الباب .

منذ أيام قليلة وانأ أحس ذلك أكثر من أي وقت مضى , وأكاد أرى في حمدان قيداً يزداد ثقله ومع ذلك لا غني عنه بالنسبة لي , أنا الذي أدرك كيف تحول خلال عشرة سنوات إلي جزء لا يتفكك من حواسي , وتحولت في هذه السنوات العشر إلي جزء ثابت في عالمه والي رف كبير داخل رأسه يضع عليه أشياء الذاكرة , وصور العالم المدفونة تحت غبار لا يريد مسه .

يتبع ...

كنا يوم جمعة , عطلتي من العمل في مكتب توزيع الإعاشة في وكالة الغوث . ومع ذلك صحوت باكراً على غير عادتي في أيام العطل , ولمل شعرت بأنني نهب للحيرة والضجر والأفكار المتناقضة , مضيت ازور عبد العاطي .

وقد وصلت إلي الرصيف المقابل للفرن في ساعة مبكرة جداً , وكان النهار مازال محتفظاً بطعم النوم , وغير قادر بعد على أن يكون حقيقياً تماماً , كأنه لم يسحب نفسه بصورة كاملة من عالم الأحلام الصامت . ولعل ذلك بالذات ما جعلني أرى ما رأيت في تلك الصورة المدهشة : فقد كنت واقفاً قرب الواجهة . كان ما يزال لابساً ثوبه الليلي الأبيض , وكان يزن لزبون لم يكن بوسعي أن أراه من مكاني , وهكذا فقد كان واقفاً بطول قامته وذراعه أمامه ترفع عصا الميزان النحاسي ذي الكفتين المربوطتين إليها بالسلاسل وهو يقوم بوزن الخبز وقد وضع تحت إبط ذراعه الأخرى عدة أرغفة إضافية . فيما مضى يتجه بعينيه الضريرتين إلي الأمام مثلما يفعل العميان حينما ينصرفون إلي تركيز وعي حواسهم الأخرى .

كان الصباح الممتلئ بجو الليل يخيم على الطريق , والفرن بالداخل ما يزال مظلماً تقريباً , وهكذا فقد بدأ عبد العاطي الواقف قرب الباب بثوبه الأبيض الطويل وكأنه يتوهج بنور خاص , يمد ذراعه بخط مستقيم وهو يرفع حلقة الميزان ويصوب رأسه إلي الإمام كأنه ينظر إلي أفاق لا يراها غيره.

ويضع تحت إبطه عدة أرغفة , فأراه تمثال من الرخام المتوقد بالحياة . وقفت أنظر إليه غبر الطريق , ولا ريب أنني كنت مأخوذا تماماً , إذ لاحظت أن احد المارين اخذ يحدق إلي , ثم نظر إلي حيث كنت انظر إلا انه لم يجد على الباب ذلك الفرن ما يستحق الانتباه , فعاد ينظر إلي مدهوشاً , وقال شيئاً ثم مضى .

عبرت الشارع وكأنني مسحوب بخيوط غير مرئية إلي حيث يقف عبد العاطي وحين وصلت قربه شاهدت الزبون الذي كان يزن الخبز له , كان ولداً صغيراً حجبه احد أعمدة الواجهة عن نظري حين كنت على الطرف الآخر من الطريق , أما عبد العاطي فقد كان يوشك أن يضع الميزان جانباً , وظننت انه لم يشعر بمقدمي إذ وقفت بلا حرك اشرب بعيني المزيد من ذلك المشهد الذي ظننت انه غير حقيقي تماماً .

في اللحظة التالية وجه عبد العاطي رأسه نحوي وابتسم فعرفت انه أحس بمقدمي , فقلت له :

(( لا تتحرك . ابق واقفاً لحظة واحدة أخرى ... انك تبدو مثل تمثال قديم .. تمثال العدالة . تلك المرأة التي تحمل ميزانا ً وسيفاً , ويبدو لي رغيف الخبز تحت إبطك أكثر معني من ذلك السيف الذي تحمله امرأة معصوبة العينين ))

ونظر الطفل نحوي , ثم عاد ينظر إلي عبد العاطي الذي ظل واقفاً دون حراك ودون أن يرتسم على وجهه أي تعبير , ولم اسمع ما قاله الطفل لعبد العاطي الذي رد عليه مبتسماً ثم جاء الولد يدب من الداخل ويتصبب العرق على وجهه من حرارة الوقد الذي كان يحشوه في بيت النار . كان عارياً فوق سرواله الأبيض المتسخ , وكانت عضلات صدره وكتفيه تبدو متسقة جميلة وقوية دون حدود . نظر إلي بامتعاض , ولم استطع معرفة ما إذا كان قد حيا أو شتم فظللت صامتاً .

كان يتجه إلي الطاولة يبحث عن شيء ما , فتح الأدراج وعاد فأغلقها , ورفع الصحف والأكياس ونظر وراء الألواح الخشب , وأخيرا مد يده خلف تلك الألواح وتناول من هناك سكيناً كبيرة طويلة النصل من ذلك النوع الذي يستخدمونه لتقطيع العجين , وخطا عائداً إلي الفرن .

إلا انه بعد خطوتين اثنتين عاد أدراجه , واخذ ينظر إلي عبد العاطي واقفاً هناك , ما يزال جامداً . امسكه من ذراعه بقبضته القوية وقاده بحنان لا مثيل له إلي حيث اعتاد أن يجلس , ثم اخذ الميزان من كفه وأعطى الخبز للطفل وقال شيئاً دون ان ينظر إلي احد , وعاد أدراجه إلي الداخل .

وفي لحظة صغيرة تكاد لا تحس , تقاطعت الأشياء والأشخاص على صورة فريدة , فقد تداخل ذلك الجسد الفولاذي العاري , المتصبب بالعرق , وتلك السكين ذات النصل اللامع الطويل بذلك الوهم الذي خيم علي عندما شاهدت عبد العاطي واقفاً والميزان مرفوع أمامه على امتداد ذراعه العالية ..

هززن رأسي بعنف , وقلت لنفسي إنني رجل اخذ منذ أيام افقد صلتي بالواقع الذي عشته حتى الامتلاء كل عمري , وإنني أغوص في عالم الأحلام والأوهام والرؤى العجيبة , وأري الناس ولأشياء والحركات كما لم يحدث لي قط من قبل في حياتي , وأورثني هذا كله شعوراً مفاجئاً بالتعاسة , فقد تذكرت ما حدث أمس الخميس في مكتبي في مركز توزيع الإعاشة عندما كنت طوال لحظات خارجه عن المعقول متأكداً من أن جموع الواقفين على البوابة سيحطمونها وأن جدار الصمت المبني بيني وبين العالم سيتحطم في اللحظة ذاتها , وقد احتاج خروجي من ذلك الوهم جهداً يكاد لا يصدق , مثلما يقتلع الرجل جذر شجرة , وكدت اجعل نفسي نكتة الموظفين في المكتب .

والآن , أول ما يحدث لي هذا الصباح شيء لا مثيل له . فأعيش بين عبد العاطي والولد والطفل , الخبز والميزان والسكين , حلماً جديداً يكاد يشبه كابوساً يصاب به حارس ليلي جديد لمتحف قديم .

لا شك أن شيئاً رهيب يحدث لي , ولا ريب بوجود مخرج ما , لم استطع إلي الآن استكشافه أو تلمسه وكان عبد العاطي جالساً هناك , مغوصاً هو الآخر كما بدا لي , في عالمه لذي لا يعرف احد أين يقع قراره , قلت لنفسي : أتراه يفكر بالشيء ذاته ؟

قلت فجأة , دون أن أدرك بالضبط ما الذي كنت انوي قوله :

(( أتعرف يا عبد العاطي ؟ يتعين على أنا وكذلك أنت أن نفعل شيئاً لا ينبغي أن يستمر كذلك , لم يعد بوسعنا أن نستمر حتى لو أردنا . يجب أن نفعل شيئاً ..))

وكان عبد العاطي يتجه برأسه نحوي ويستمع بكل جسده , بأذنيه فحسب , وقد هز رأسه موافقاً على ما قلت , آلا انه أشار إلي داخل الفرن إشارة لها معنا , فقلت :

(( تقصد الولد ؟ أنا وأنت والولد ؟))

هز رأسه فيما مضيت أقول :

(( وماذا ينفع ذلك الولد ؟ أنني متأكد انه يكرهني ويكرهك , وذات يوم سيقتلنا )) .

ابتسم عبد العاطي , وقال شيئا وهو يهز رأسه منكراً ما قلته , الا أنني لم أكن مقتنعاً بجدوى هذا الثلاثي المتنافر الذي لا يعرف أين يتعين عليه أن يذهب .

قلت :

(( طيب ... حتى لو كنا ثلاثة , أنا وأنت وذلك الولد , فماذا ترانا سنفعل ؟))

ولم اعد أحاول معرفة ما سيقوله عبد العاطي , فقد كنت متأكداً انه يعيش مثلما أعيش , وسط تلك الغابة الكثيفة من علامات الاستفهام , فمضيت أتحدث وكأنما لنفسي :

(( نستطيع مثلاً أن نذهب فنحطم قبر الولي ونخلع شجرته ونفش غلنا . نستطيع أن نذهب فنضرب مصطفى ونرغمه على الزواج من زينة . نستطيع أن نلقي خطاباً في جموع اللاجئين الذين يقفون بالصف لتسلم الإعاشة . نستطيع ان نفعل ذلك وأكثر ... نستطيع أن نعود إلي الطيرة .. ألا نستطيع ؟))

تلك اللحظة دخل الولد مرة أخرى , قادماً من الفرن ويبدو أنه سمع جزءاً مما كنت أقوله , فرماني يتلك النظرة القاسية التي يعطيها جسده الحديدي العاري نبرة اشد من القسوة , واتجه إلي عبد العاطي بالحديث , وقد استرق الاثنان بالجدل فجأة حتى أنهما لم يلتفتا إلي وأنا واقف , ثم غادر الفرن خارجاً إلي الطريق الذي كان يسبح , صامتاً , في وهج الشمس .

يتبع ...

ها أنت تغطس في عتمة الذاكرة كما تنطفئ الشمعة , أيها الولي المقدس النائم في البرية تحت شجرتك المباركة , وحين ذهبت إنما أخذت معك كل الشموع التي أضاءتها أمي في ليلي الذي قالت لي انه سيمتد إلي الأبد , وقد حسبت أن العتمة ستزداد حلكة ولكنها بقيت على حالها , وها أنت ذا توغل في الماضي كأنك لم تكن قط .

وطوال أيام , بعد أن قتلناك تلك الليلة في أعماق البرية , كنت انتصارنا الذي رد ألينا نبض الحياة في صدورنا , وها هي الأيام تمضي , فإذا بموتك يفقد نضارته , إذا بنا نحسه في أيدينا انتصاراً صغيراً يذوب ويفقد توهجه , أنت يا درع البؤساء الوهمي , ما الذي فعلته بنا ؟

كنت درعنا وكنا نحسب انك تحمينا من طعن رماح الزمن الذي نخوض في غماره ونسبح بين أنصالها , حين اطرحناك عرفنا أننا لم نكن , نخوض في غابة الزمن , وكنا واقفين على ضفته واهمين , متمسكين بذلك الدرع الذي هو أنت وكأن القتال في أوجه ... الآن نحن بلا درع , ولكننا نخوض في شوك الزمن وفي ناره وفي أمديته , بصدور مشرعة عارية تطعم لحمها لذلك الارتطام المخيف مع المجهول .

فأعطنا يا عبد العاطي , أيها الولي النائم تحت بلاطة النسيان , في البرية التي تعوي فيها الغربة , القدرة على أن نكرهك , فقد تيقنا أن موتك لا يكفي , وانه انتصار يذوب مع الأيام ولا نستطع أن نعتاش من مذاقه الذي كان له , ذات ليلة , طعم القضاء والقدر .

فأعطنا , أيها الولي الذي صرفت عن أعمارنا عمراً إضافيا لك , القدرة على بكل وشيجة من وشائج قلوبنا , فليس أمامنا , بعد , إلا أن نحييك بالكراهية , كي نقتلك مرة أخرى . فكما صرفت أنت من أعمارنا كي تعيش , لا نستطيع إلا أن نصرف من موتك , كي نمحوك تماماً من حياتنا , ثم نرتقي فوقك .

يتبع ...

كان يوما مترعاً بالضجر حتى قراراته , لكأن الناس كفوا عن شراء الخبز لسبب غامض لا يفهم , وكنت جالساً هناك على باب الفرن , غارقاً في تأملاتي , حينما جاء حمدان يلهث من الداخل , وكانت رائحة العرق تفوح من صدره العاري وتملأ المكان , وقد عرفت انه أراد الكلام , فتلك هي عادته حين يعتزم مفاجئتي بأمر يشغل باله , وكنت أحس انه يريد إنهاء ذلك الخلاف , بيني وبينه , حول منزلة الولي عبد العاطي , إذ أنني لم أكن اعرف أن هناك ما يشغل باله في هذه الأيام أكثر من الموضوع إلا أن ظني خاب تماماً فقد تنهد ثم قذف جملته دفعة واحدة مثلما يرمي المرء صندوقاً ثقيلاً عن ظهره

(( لقد عاد والدي ))

وأخذت بهدوء امتص الصدمة حين لطمتني هذه العبارة القصيرة دون توقع مني , ورغم أنني كنت طوال السنوات الماضية على يقين من أن أبا حمدان , الذي لم اعرفه قط إلا من خلال أحاديث قصيرة متقطعة مع حمدان , لا بد له أن يعود يوماً , إلا إنني أبدا لم أتصوره يحدث على أية صورة , فقد كنت أتوقع حدوثه , ليس غير .

وعاد حمدان يكرر عبارته , بعد أن تصور أنني لم اسمعها :

(( لقد عاد والدي . أطلقوا سراحه أمس ))

ولا ريب أن حمدان لاحظ كيف انتفضت , إذ انه لم يقل لي قط أن والده كان محبوساً , وبدا لي لوهلة أن هذا الفتي الذي عشت معه عشر سنوات كاملة احتفظ لنفسه طوال تلك السنوات بحياته الخاصة , ولم يسمح لي بالتعرف إلا على أجزاء يسيرة منها , إلا إنني حاولت أن ابدوا طبيعياً , وقلت له :

(( هل انتهت مدة حبسه ؟ ))

(( لا . كان محكوماً بالحبس المؤبد . دخل السجن قبل نحو 12 سنة , وكان عمري سبع سنين , أو ربما ثماني . ))

أخذت نفساً عميقاً وتنهدت , ولأول مرة في حياتي شعرت أنني راغب حتى أعماقي في التعرف على وجه حمدان ورؤية تعابيره وهو يروي ذلك كله , إذا أن صوته كان محايداً كأنه يتحدث عن كمية الطحين التي يتوجب علينا ان نعجنها اليوم .

وامتد صمت قصير بيننا إلا أن حمدان قطعه فجأة :

(( كان من الأفضل لو ظللت صامتاً . لا يجوز أن أتحدث لأحد عن ذلك كله , كان عليك أن تطلب مني السكوت )).

ومع ذلك فقد كان منساقاً إلي الحديث كأنما بقوة لا يستطيع إيقافها , وقد تردد لبرهة قصيرة فقط , ثم مضى يقول :

(( لو رأيته في المحاكمة ! كنت مع أمي , وقد حكمه القاضي بالحبس المؤبد فنظر تواً من داخل القفص إلي أمي ومد نحوها ذراعه وصاح : (( روحي طالقة بالثلاثة , طالقة , طالقة )) ثم أدار ظهره دون أن ينظر إلي , وخرج من القفص بين الحراس ))

وصمت ثم تنهد :

(( وها هو يعود .... أطلقوا سراحه أمس . لو كانت أمي تعرف أن ذلك سيحدث لما كانت ...))

وصمت فجأة وبدا لي انه لم يتكلم قط بعد هذه اللحظة ومع ذلك فقد ظللت محتاراً في سبب مفاتحته لي بالأمر كله , أتراه ينوي ترك العمل في الفرن ؟ أم تراه يستكشف التي يتعين عليه أن يعامل بها هذه الحقيقة الجديدة في حياته ؟ لا ريب انه محتار حتى قرارة أحاسيسه , فلم يحدث قط في حياته أن واجه حالة على هذا المستوي من الخطورة , إلا ربما عندما قرر قراره ذات يوم على الفرار إلي الأبد من بيت أمه وزوجها ..

وعندما طال سكوته , سألته :

(( وما الذي ستفعله الآن ؟))

(( أنا ؟ أنا ؟ لا شيء ؟ ماذا تغير ؟ حسبت انك تسأل عما سيفعله هو ..))

(( صحيح . هو . ما الذي سيفعله يا ترى ؟ ))

(( كم عمره الآن ؟))

(( 38 أو 40 واعتقد انه ما زال قوياً , ولكنني لا اعرف شيئاً عنه , بل انني لا اعرف إلي أين ذهب ))

وخيم الصمت أعمق غوراً هذه المرة , ووقف حمدان ثم سمعت خطواته تدب إلي الداخل . وما لبثت أن سمعت أصوات أرغفة العجين وهي تصطفق على ارض بيت النار فتصدر ذلك الصوت الحميم الذي يشبه تصفيقاً خجولاً لطفل يختبئ وراء ظهرك .

كان حمدان , طوال السنوات التي عرفته فيها يميل إلي اعتبار والده ميتاً فقد حذفه من حياته بنجاح أو شبه نجاح , وقد اعتقدت دائماً أن السنتين اللتين أمضاهما مع أمه المتزوجة من ذلك الرجل الفظ هما اللتان شكلتا أساس هذه العادة , ففي بيت من ذلك النوع لابد أن يرغم الطفل على نسيان والده وعلى حذفه من وجوده , ومع ذلك فقد كان من السهل أن يكتشف المرء أن حمدان يحتفظ لوالده بمكانة خاصة في ذاكرته , ولكن كرجل ميت ليس أكثر , مثلما يتحدث حفيد عن كنز دفنه جده في مكان مجهول , ولا أمل له بالعثور عليه , فلم يبق أمامه إلا الاعتزاز بذكراه .

ولست ادري بالطبع كيف بني حمدان لنفسه صورة ذلك الأب الغائب , الذي تبدت لحياته الآن عاصفة مثيرة وأيضا محزنة ومغلوبة على أمرها . ولست اعرف شيئاً عن سعة تلك الهوة بين والد حمدان كما هو وبينه كما هو في رأس حمدان , ومهما يكن الأمر فقد كنت على يقين بأن حمدان أخذ منذ الآن يقف على عتبة حياة جديدة , وأنني قد افقده في أية لحظة .

يتبع ...

مضت أسابيع منذ ذلك اليوم الذي استطاع فيه عبد العاطي , بالإشارات والكتابة وكل أنواع الاتصال التي اخترعها البشر , ما عدا السمع والبصر , أن يشرح لي فيه كيف ظهر والد الولد حمدان إلي الوجود فجأة , قادماً من مكان يشبه عالم الموت . وكان الولد حمدان نفسه قد استغرق في تأمل يكاد لا ينتهي , ولكنه لم يعد يكترث , مثلما كان من قبل , بما يدور حوله , ومع ذلك فلم يقدر لي , ولا لعبد العاطي , أن نرى والد الولد حمدان ولو مرة واحدة , ولم يكن بوسعنا أن نعرف فيما إذا كان الولد حمدان نفسه يرى والده , وأين ومتى . وفي لحظات عابرة كان يخلي إلي أن الولد حمدان اخترع قصة مثيرة من قلب رأسه الصغير ليشغلنا بها أو يشغل نفسه فيها , على أنني لم أكن على يقين من ذلك , فقد كنت اشك أساسا على اختراع شيء من هذا النوع .

ومهما يكن من الأمر فقد استطاع الولد حمدان أن ينسينا ولو إلي حين قصتنا مع الولي , وكان يمكن له أن يجرنا بعيداً عما كنا غارقين فيه , لولا أنني وجدت نفسي أنا الآخر أعيش مشكلة غير متوقعة فاجأتني في المكتب .

فقد لاحظنا كلنا كيف اخذ مصطفى يتغيب عن المكتب بين الفينة والأخرى , ثم امتد غيابه في إحدى المرات أسبوعا كاملاً . وحين عاد في الأسبوع الماضي كلن يلبس بدلة خاكية , وقد جعلنا – كأنما دون قصد – نرى المسدس الكبير الذي كان يدسه تحت حزامه .

وفي أثناء غيابه كانت الشائعات قد اكتسحت المكتب , وأمس جاء مصطفى إلي طاولتي , واخذ يتحدث بصوت غاضب , وكان من الواضح انه يجعله عالياً قد الإمكان متوقعاً مني أن اسمع إلا أنني لم افهم شيئاً وقد هدأت من فورته بحركة متصلة من كفي ثم قلت :

-(( لا اسمع شيئاً .. لا اسمع شيئاً فلا تتعب نفسك ..))

وصمت قليلاً , ثم احتقن وجهه بالغضب من جديد وأخذ مرة أخرى يصرخ بملء صوته , وأخيرا انحنى , ابتسم إلا انه رآني فتقدم نحوي والشرر يتطاير من بين أسنانه , وامسك بياقتي بكلتا يديه واخذ يهزني بضراوة وهو يقول شيئاً هو اغلب الظن شتيمة واحدة مضى يكررها مرة تلو المرة .

منذ زمن طويل لم استخدم عضلاتي التي كانت ذات يوم قوية , وقد انتابني في تلك اللحظة قشعريرة من الغضب لم اشعر بمثلها في حياتي . أمسكت زنديه بقبضتي وأخذت اضغط بكل الغضب الذي كان يستعر في صدري – وقد رأيت في عينيه انحناءة الضعف , وحين فك أصابعه عن ياقتي ظللت ممسكاً بزنديه , وكان يقاوم جاهداً إلي أنني ضغطتهما إلي أدنى ببطء حتى أوصلتهما إلي سطح الطاولة فضربتهما هناك مرتين ثم تركتهما وجلست وظل مصطفى برهة ينظر إلي مشدوهاً دون أن تنفرج شفتاه عن كلمة الله الله يا طيرة حيفا ! هكذا تصبح قبضات الأيدي من فرط ما تعاملت مع الأرض والوعر و الشتل ! الله الله يا طيرة العز ! حتى عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أرى في الحقول المكان الوحيد الذي يصح فيه الكلام . كنت امضي النهار وأنا أدق بالمنكوش ذاك التراب الذي سرعان ما ينشف من جديد , احمل الحجارة , استل النبات الضار من جذوره الضاربة في عمق التراب ... الله الله يا طيرة العز ! كنت معروفاً هناك – وأنا ما أزال فتى – بأن القوة الكامنة في زندي هي من الضخامة بحيث لا يقوى احد على تحديها , ولطالما انتظرت أمام الجامع في الطيرة حتى يفرغ الشبان من اختيار بطلهم حتى اثني له ذراعه على بلاطة درج المسجد , ولم يكن ذلك ليستغرق مني إلا دقيقة أو دقيقتين ... كم مضى من الزمن أن اختبر تلك القوة ؟ أتراها ما تزال مختزنة في جسدي أم أن مصطفى بالذات رجل خرع ؟

عدت , فوقفت ولوحت بأصابعي في وجه مصطفى الذي كان ما يزال واقفاً هناك يحدق إلي مشدوهاً وصحت بوجهه :

(( اسمع يا ضرنط ! سأكسر يدك أن حاولت مرة أخرى أن تمدها نحوي .. تستطيع أن تذهب وتتشاطر على الأرامل والمطلقات ... أم تراك تحسب أن البدلة صيرتك رجلاً يا حرام الشوم ! ))

وأخذت شفتاه تتحركان ببطء إلا أن وجهه ظل جامداً كأن رجلاً آخر كان يتكلم في تلك اللحظة . لم اسمع حتى أن أخمن ما الذي كان يقوله لي , وما لبث أن استدار , بعد أن انتهى , وخرج من المكتب صافقاً الباب خلفه بعنف ..

وقد هدأ الغضب في صدري مثلما تنطفئ نار مهملة , وظللت جالساً إلي مكتبي مضطرباً طيلة ساعات الدوام فقد كنت أحس في أعماقي بأن مصطفى يعد لي فخاً , وانه قد يعود في أي لحظة ويفاجئني بأمر لم احسب حسابه , وتوزعتني مشاعر متناقضة . مع ذلك فقد كنت أدرك وسط كل حيرتي انه يتعين على الذهاب إلي عبد العاطي , فقد احتاج للولد حمدان , أو لعلي احتاج إلي والده المجهول الغامض .. ولكنني لم أكن اعرف على وجه التحديد ما الذي يستطيعون عمله , وقد انتظرت بلهفة انتهاء الدوام ومضيت لتوى إلي عبد العاطي ما حدث , وكان حمدان واقفاً على باب الفرن يستمع بعناية إلي كل كلمة أقولها , ولست ادري لماذا كنت اخشي , أكثر ما أخشاه أن يؤلب مصطفى ضدي كثيراً من الناس , وكذلك الشرطة , بسب حديثي المتواصل عن الولي عبد العاطي , وعن تكرار التصريح بعزمي هدم قبره وقطع شجرته , ولعلي قلت , مرة , أنني سأبول هناك . والواقع إن إصراري على الحديث عن الولي عبد العاطي على تلك الصورة كان سببه الأولي إصرار مصطفى على الدفاع عنه , فقد كنت عازماً على الانتقام منه وإغاظته وقلب حياته في المكتب إلي جحيم ..

ومع ذلك فأنني لم أصرح لعبد العاطي بمخاوفي هذه رغم أنها تمسه مباشرة , ولعلي كنت خائفاً من أن أثير غضب حمدان , الذي كان ينصت إلي حديثي بانتباه فائق كنت أخشى أن يأخذ جانب مصطفى فأفقد تأيده لي .

ولكن ما أن انتهيت من شرح حكايتي مع مصطفى , وعبرت عن مخاوفي من انتقامه وطلبت نصح عبد العاطي , حتى انغمس حمدان مع عبد العاطي في جدال مطول , وقد انتهى الأمر بأن طلبا مني التريث , وان أترقب بحذر خطوة مصطفى التالية .

وقبل أن اذهب لحق حمدان بي , وقد رأيته لأول مرة في حياتي يبتسم , وقد شرح لي بالإشارات انه سيخبر والده بكل ما حدث , مؤكدا لي أن والده له مكانته المهمة , حتى الآن ...

يتبع ...

عاد حمدان من عند أبيه , وشعرت من خطواته وهو يدخل الفرن انه يحمل على أكتافه خيبة أمل , وقد جلس على الكرسي الذي نضعه عادة قرب الباب , واستغرق في الصمت منتظراً مني أن أحرضه على الكلام , مثل عادته كان يحمل خبراً سيئاً ..

وقد تركته صامتاً لفترة طويلة , وأنا أفكر فيما عساه سمع من والده الغامض بشأن القضية التي تقلق أبو قيس , وأخذت أتصور ما يمكن أن تكون اثنتا عشرة سنة من الحبس قد فعلت برجل مثل أبي حمدان , لعله غرق في النسيان ولعله حين قطع أواصره بالعالم , وهم يقتادونه إلي ما حسب انه قبره طوال العمر , فطلق امرأته , ونسي ولده , وغرق في وحدته المضجرة , إنما عود نفسه على أن يحتقر العالم , وليس بوسعك أن تفعل ذلك إلا إذا روضت نفسك على اليأس منه إلي حد القطيعة معه , وهي الحيلة التي يلجأ إليها السجناء كي لا يموتوا من الحزن في وحشتهم وبعدهم عن العالم ..

فكيف تراه ينظر إلي هذا العالم , والي الناس , , والي كل المعاني البسيطة التي تشغلنا وتشغل رجلاً مثل أبي قيس ؟ أتراه يستطيع أن يخرب حمدان أو يزرع في شبابه غيوم اليأس من هذا العالم ؟

قلت أخيرا كي اخفف على حمدان

(( لا ريب أن أباك يسخر من كل شيء , وهو يرى أن قضية أبي قيس لا تستحق كل ذلك ... بشرفك , الم يضحك عليك ؟ ))

وبعد هنيهة جاءت الدهشة التي توقعتها , في صوت حمدان :

(( كيف عرفت ؟ قل لي كيف عرفت ؟ ))

ذلك شيء متوقع ..

((ربما , لكنك لا تعرف ! لقد تغير والدي كثيراً , كثيراً جداً . السجن غيره , وهو ليس كما كنت أتوقع ... ))

(( ماذا تعني ؟ ))

وأخذ حمدان يتأتئ , متردداً , فعرفت انه لا يستطيع التعبير على وجه الدقة عما حدث , فتركته يفكر , وقد اختار جملة أو جملتين , على انه عاد فتوقف في منتصف كل منهما والتجأ إلي الصمت . وأخيرا قذف عبارة مختصرة دفعة واحدة وكأنه كان يخاف أن يغير رأيه

(( لقد تعلم السياسة في الحبس ))

وقام حمدان من مكانه واخذ يتجه إلي الداخل , وعندما مر بجواري أمسكت بزنده القوي فوقف , وسألته :

(( مهما يكن ... ماذا بشأن أبو قيس ؟ ))

وأجاب حمدان :

(( قال انه لا يستطيع أن يفعل شيئاً , وان على أبو قيس أن يقلع شوكه بيده ... ))

وفيما كنت اسمع خطواته تدب نحو الفرن كان رنين الاعتزاز الكامن في صوته ما زال يرن في رأسي , ولم يكن من الصعب على المرء أن يسمع تحت نبرة الحيرة التي كانت تكسو صوته , رنة عميقة من الافتخار بوالده , انه يتحدث عنه , وعما قاله , وكأنه تعاليم ينبغي التعمق في حل رموزها وإشكالاتها , ولكن لا ينبغي لنا الشك بصوابها مهما كان الأمر وقلت لنفسي إن الأقدار تلعب ببراعة , إذا ما حاولنا أن نفهم , فهاءنذا أضيع نبياً حين اخفق الولي عبد العاطي في نجدتي , وها هو حمدان يجد ولياً جديداً , ولكنه ولي محير , ومع ذلك فليست عذاباتنا تختلف كثيراً عن بعضها .. ويبدو أن حمدان لم يستطع البقاء طويلاً أمام بيت النار مع أفكاره , إذ ما لبث أن عاد وقد جاءت رائحة العرق التي تنبعث من جسده , كلما وقف أمام النار , وسألني :

(( أتعتقد أن السجن اثر على والدي ؟ أم انه كان طوال عمره هكذا ؟ لقد قال لي هو نفسه انه تعلم كثيراً من السجن ))

وخيم صمت قصير , وفجأة غير حمدان الموضوع ولكن دون أن يبدو ذلك التغير في نبرة صوته :

(( لقد تحدثنا عدة مرات عن الولي عبد العاطي .. ))

ماذا؟

(( رويت له قصتكما معه , ومعي , وسألته رأيه , وأنت تعرف , أردت ان أتيقن من هذه القضية . فهي تشغلني منذ فترة .. ))

(( طيب , ماذا قال ؟ ))

لقد ضحك كثيراً , ثم قال إن الأولياء مثل الأفاعي التي في قصة الزير , إذا قطعت لها رأساً طلعت مكانه سبعة رؤوس ... ثم شتمني , وقال إنني (( ولية )) . وقال انه ياما هدم الناس قبور الأولياء , وياما كفروا , وياما حلفوا بالطلاق ألا يسمحوا لأحد أن يخدعهم مرة أخرى , ولكنه قال إن هذا ليس هو المهم , المهم انك إذا هدمت قبر الولي فعليك أن تقلعه من شروره , وإلا تسمح لولي آخر بأن يأتي من وراء ظهرك .. انه طول الوقت يحكي هكذا , تقول له : كيت و كيت يقول لك , طيب , ولكن شرط كذا وكذا . كل شيء عنده له أول ووسط وأخير , ودائماً يقول إن الأمور غير هذا , وان المسائل أعمق من هكذا ... وهكذا ... ولكنني لا افهم كل شيء , وأظل أهز رأسي ...

أنا اعتقد إنني افهم بعض الشيء أيضا

أنت مثله . أنتما تتحدثان أكثر من قاضي معزول , وأنا اعتقد انه لم يشعر بالملل بالسجن , فقد أمضى الوقت , طوال 12 سنة يتحدث مع ذلك الرجل الآخر بالسياسة ...

على كل حال فقد رأيت أنه يحتفظ تحت فرشته بمدفع رشاش هل تعرف معنى هذا ؟ معناه أن الحبس لم يغيره , أليس كذلك ؟