- 1-

7 0 00

- 1-

عرفتُ صوفيا ليونايدز أول مرة في مصر قبل نهاية الحرب العالمية. كانت تشغل منصباً إداريا رفيعاً في إحدى دوائر وزارة الخارجية هناك، و قد عرفتها أثناء وظيفتي بصفة رسمية فأُعجبتفي الحال بكفاءتها التي أوصلتها إلى ذاك المنصب رغم صغر سنها إذ كانت آنذاك في الثانية و العشريت من عمرها.

و إلى جانب حسن مظهرها فقد كانت ذكية و صريحة تسهل محادثتها رغم ميلها للسخرية، فأصبحنا صديقين، و أحببتها و رغبت في الزواج بها. كان ذلك حين تقرر نقلي للعمل في المشرق بعد خمود الحرب في أوروبا.

عزمت على هذا القرار بعدما تناولنا العشاء في فندق شبرد، فأقررت بحقيقةٍ كنت أعرفها منذ زمن طويل، فقد أعجبتني منذ رأيتها قبل الحرب! أعجبني كل شيء رأيته فيها: الشعر الداكن الأجعد الذي كان يتشامخ إلى أعلى من جبهتها، و العينان الزرقاوان المفعمتان بالحيوية، و الذقن البارز الصغير، و الأنف المستقيم، و ثيابها الأنيقة!

كانت تبدو إنكليزية ممتلئة بالحيوية، و قد أعجبني ذلك كثيراًبعد ثلاث سنين قضيتها غائبا عن بلدي. و فكرت في نفسي أنْ لا أحد يبدو إنكليزيا أكثر منها.. ترى هل تستطيع أن تكون إنكليزية حقا كما تبدو؟ هل يصبح الشيء الزائف كالشيء الخالص في الكمال؟

أدركت أن صوفيا – رغم حديثنا الحر الطويل و مناقشة الأفكار فيما نحب و ما نكره و المستقبل و أصدقائنا المقربين – لم تذكر شيئا عن بيتها و أسرتها. لقد عرفت كل شيء عني – و كانت مستمعة جيدة – و لكني لم أعرف عنها شيئا! كنت أقدر أن لها الجذور الاجتماعية المعروفة، لكنها لم تتحدث عنها قطّ، و لم أدرك الحقيقة حتى هذه اللحظو. سألتْني:

- فيم كنت تفكر؟

أجبتها بصدق:

- أنت!

- عرفت ذلك.

- قد لا نلتقي قبل عامين، لا أعرف متى أعود إلى إنكلترا، لكن أول شيء أفعله حين أرجع إلى إنكلترا هو المجيء لكي أراك و أطلب منك أن تتزوجيني.

تقبلت صوفيا الأمر دون أن يطرف لها جفن، و جلستٍ نحنسي القهوة دون أن تنظر إليّ، و شعرت بالعصبية قليلاً، قلت:

- اسمعي، سأفعل كل شيء إلا شيئاً واحدً، لن أطلب منك الزواج الآن، ربما ترفضينني فأرحل بعدها يائساً، و ربما أعشق ارمأة أخرى قبيحة حتى أنتقم لغروري، و حتى لو وافقتِ فما عسانا أن نفعل إزاء هذا الأمر؟ نتزوج في الحال؟ نعلن خطبتنا ثم نبقى على تلك الحال زمناً طويلاً؟

لا أحتمل رؤيتك على هذه الحال، فقد تلتقين رجلا غيري ثن تشعرين بأن عليكِ أن تكوزني مخلصة لي. أحب أن أراك تعودين إلى وطنك حرة مستقلة لكي تنظري حولك و تعرفي عالم ما بعد الحرب الجديد و تقرري ما تريدينه من هذا العالم، فالذي بيني و بينك يا صوفيا سيبقى خالداً لأنني لن أتزوج أي امرأة أخرى.

- و أنا أيضاً..

- هل تعلميبن بم أشعر؟

همست صوفيا:

- لا ينبغي الغزل الآن.

- حبيبتي، ألا تفهمين؟ لقد حاولت ألا أقول بأنني أحبك..

قاطعتْني:

- إنني أفهم يا تشارلز، و أنا أحب أسلوبك الغريب، قد تأتي لتراني حين تعود إن كنت تريد أن..

و قاطعتُها:

- لا شك في ذلك.

- الشك يدخل كل القلوب يا تشارلز، قد يظهر أحياناًأمرٌ غير محسوب و لا مقدّر يغير الأحداث كلها. تذكّر أنك لا تعرف شيئاً عني، أليس كذلك؟

- بلى، حتى أنني لا أعرف أين بيتكم في إنكلترا؟

- إنني أعيش في سْوينلي دين.

أومأتُ برأسي حين ذكرت هذه الضاحية الشهيرة في لندن التي تتباهى بثلاثة ملاعب غولف، و أضافتْ بهدوء و صوت مطمئن:

- في بيت صغير مائل..

و ضحكتْ فجفلتُ قليلاً، ثم أردفت بجملة مقتبسة:

- ((و كانوا جميعا يعيشون في بيت صغير مائل))، هذه حالنا نحن، بيتنا ليس بيتا صغيرا، لكنه حتما منحرف خشبي موشور الشكل، في سطحه زوايا كثيرة!

- هل أنت من عائلة كبيرة؟ إخوتك و أخواتك؟

أخ واحد و أخت واحدة، و أبي و أمي و عمي و زوجته و جدي و زوجته و خالة عجوز.

صحت و أنا مرتبك قليلاً:

- يا إلهي!

ضحكت صوفيا:

- نحن لا نعيش معاً، لكن الحرب و الغرات الجوية هي التي اضطرتنا أن نجتمع، لكنني لا أدري.. – و قطبت حاجبيها تفكر - .. ربما كان أبناء العائلة يعيشون معاً في الروح تحت رقابة جدي و حمائته، إنه رجل له شأنه. لقد تجاوز الثمانين من عمره، و هو قصير القامة، لكن شخصيته قوية بدرجة غير عادية.

- يبدو مثيرا للاهتمام.

- إنه فعلا كذلك، فهو يوناني من سميرْنا، اسمه أريستايد ليونايدز. ثم أضافت و عيناها تطرفان: و هو غني جداً!

- من يرثه بعد وفاته؟

- جدي سيقرر، و لن يئثر فيه أي أسلوب أو يزحزحه، إنه داهية! ترى، هل ستحبه؟

- و هل تحبينه أنت؟

- أكثر من أي شخص في الدنيا.

*****