أنطوان دي سانت إكسِبيري
أرض البشر
ترجمة محمد ساري
صديقي هنري غيومي، أهدي لك هذا الكتاب.
تعلّمنا الأرض عن أنفسنا أكثر من جميع الكتب. لأنها تقاومنا. يكتشف الإنسان نفسه حينما يباري العقبات. ولكن التغلب عليها يستلزم امتلاك آلة. يجب امتلاك مٍنْجَر أو محراث. إن الفلاح في حرثه يكتشف شيئا فشيئا بعض أسرار الطبيعة، والحقيقة التي يبرزها كونية. وكذلك تفعل الطائرة، آلة الخطوط الجوية، فإنها ترمي بالإنسان إلى معانقة جميع المشاكل القديمة.
تتماثل أمام عينيّ دائما صورة أوّل ليلة حلّقت فيها باتجاه الأرجنتين، ليلة داكنة حيث وحدها كانت تتلألأ بعض الأضواء النادرة المبعثرة في السهل كما النجوم.
في محيط العتمة ذاك، كانت كل واحدة منها تؤشّر على معجزة وعي. في هذا البيت، نقرأ، نفكّر، نواصل بوح اعترافات. في ذاك الآخر، ربّما نبحث عن استقصاء الفضاء، ونغرق في حسابات حول سديمية أوندروماد. هنا نحبّ. من بعيد تبرق هذه النيران في الريف والتي تطالب بغذائها. إلى أقصى البيوت تحفظا، بيت الشاعر والمعلّم والنجّار. ولكن كم من نافذة مغلقة ومن رجال نائمين وسط هذه النجوم الحية...
ينبغي محاولة التحاق بعضنا ببعض. ينبغي محاولة الاتصال مع بعض هذه النيران المشتعلة بعيدا في الريف.