الفصل الرابع
أبو عبد الله الشيعي
فسكت المعز برهة وعاد إلى الاهتمام وأخذ يلاعب قضيب الملك بين أصابعه وهو يتأمله ثم قال: «ولكنني أخاف عليهم الجنوح إلى الترف فيأخذهم ما أخذ أعداءنا في بغداد من أسباب المدنية حتى صاروا إلى ما صاروا إليه من الذل فغلبهم مواليهم الأتراك والديلم ولم يتركوا لهم من الخلافة إلا اسمها — ولا أخفي عنك أني لم أطمع بهم إلا لما بلغني من ترفهم وانهماكهم واسترسالهم في الملذات فإذا أصاب رجالنا ما أصابهم صرنا إلى مصيرهم».
قال: «ليس هذا ما أخافه يا سيدي فإن قومنا بعيدون عن الترف. وكيف نخاف عليهم ذلك وهم يرون أمير المؤمنين ابن بنت الرسول يتولى الدولة بنفسه. يجلس في برد الشتاء على اللبود وعليه جبة وحوله أبواب مفتحة تفضى إلى خزائن كتب وبين يديه دواة وكتب لا يأكل ولا يشرب ولا يتقلب في الديباج والحرير والفتك والسمور والمسك والخمر كما يفعل أرباب الدنيا١ — كيف يرونه في مثل ذلك لا يفضل أحدًا منهم في أحوالهم بل هو مشغول بكتب ترد عليه من المشرق والمغرب يجيب عنها بخطه لا يشتغل بشيء من ملاذ الدنيا إلا بما يصون أرواحهم ويعمر بلادهم ويذل أعداءهم هل يجسرون على شيء غير ذلك؟». فأعجب المعز بما سمعه منه فقال: «إن هذا لا يكفى يا أبا الحسين إني أخاف على رجالى الاستكثار من النساء. إني لا أرى للواحد منهم أن يفتنى غير المرأة الواحدة لئلا يتنغص عيشهم وتعود المضرة عليهم وتنهك أبدانهم وتذهب قوتهم. وكثيرًا ما أوصيتهم بذلك ليقرب الله منا أمر المشرق كما قرب أمر المغرب».
قال: «إن سهر مولاي على دولته بمثل ما تقدم كفيل بالنجاة من الوقوع في ما تخوفه ولكنني أخاف..» وسكت وهو يتشاغل بإصلاح عمامته وخماره.
فلحظ المعز في وجهه شيئًا يكتمه فقال: «وما الذي تخافه يا جوهر؟ قل».
قال: «أخاف الدسائس السرية».
قال: «وما تعنى؟ أي الدسائس؟».
قال: «أخاف قومًا لا نعرفهم ولا نعرف نياتهم».
قال: «من تعنى.. كيف نخافهم ونحن لا نعرفهم؟».
قال: «لو عرفتهم لبددت شملهم ولكنني أتوسم خطرًا من جماعة يزعمون أنهم موتورون.. لا أعرف من هم ولكنني أتنسم رائحة ذلك من بعض الأحاديث..».
قال: «صرح يا جوهر.. أنك في مأمن».
قال: «ألا تعلم يا سيدي ما أصاب أبا عبد الله الشيعى الذي قام بالدعوة في أول أمرها ومهد الدولة لجدك المهدي رحمه الله؟».
فلما سمع اسم أبي عبد الله تغير لونه ولكنه أظهر الاستخفاف وقال: «أظنك تعنى أن ذلك الرجل قتل مظلومًا».
قال: «لا أعنى ذلك ولكن بين أصحابه الذين أعانوه في نصرة دعوة مولانا الملك من يتوهم أنه ظلم لأنه جمع القبائل لنصرة مولانا ولما استتب له الأمر قتله وقتل أخاه أبا العباس. أما أنا فأعتقد أنه قتل حقًا بعد أن غير نيته وطمع بالأمر لنفسه فلا بد أن يكون لأصحابه مطمع في إفساد أمرنا وإن كنت لا أخاف فوزهم. ولو سألتنى عن واحد منهم لاعترفت أني لا أعرف أحدًا وإنما هو سوء الظن لا بد منه في مثل هذه الحال».
فاعتدل المعز في مجلسه وقال: «صدقت ولكن لا خوف من ذلك غير أني أسمع إن ذلك المقتول كان عنده مال خبأه في مكان لا أعرفه وقد تعجل جدى في قتله قبل معرفة مستودع المال. سمعت أنه مال كثير — ولا يخفى عليك شدة الحاجة إلى المال في هذه الأحوال».
قال: «نعم يا سيدي سمعت بخبر المال المخبأ لكنني لا أعرف مكانه ولو عرفته لاستخرجته ولا يبعد أنه قد تبعثر وسأوالي البحث عنه».
قال: «ومع ذلك لا يهمنا المال وعندنا صناديق منه قد شذ عني ترتيبها لكثرتها قد ادخرتها للقيام بذلك العمل لعلمي أن أعداءنا قد أصابهم الفقر حتى تغيرت قلوب الناس عليهم..».
قال جوهر: «صدق مولاي ولكني أرى مع ذلك أن نحتاط ونسيء الظن حتى برجالنا وأمراء القبائل البربرية ولا سيما الذين كانوا حكامًا وعرفوا الدسائس. أخص منهم حمدون صاحب سجلماسة فإن هذا الرجل حاربناه وهو صاحب دولة فأخضعناه وسلم لكني أحسبه مكرهًا فإذا رأى مولاي أن نقيده برهن كان ذلك أقرب إلى الصواب».
قال: «وما هو الرهن؟».
قال: «لهذا الأمير ابنة اسمها لمياء هو عالق بها وشاهدت منها في أثناء حربنا معه بسالة وأنفة لم أعهدها بفتاة قبلها فقد كانت تحارب كأكبر القواد على جواد من خير الجياد. ولم نستطع القبض عليها إلا بعد الجهد الكثير وقد أراد الفارس الذي قبض عليها أن يتخذها سبية فمنعته وأنقذتها من السبي وأكرمتها. ولا ريب أن والدها يحبها ويضن بها فإذا اتخذناها رهنًا على تصرفه في طاعتنا لا يقدم على الخيانة».
قال: «قد رأيت حسنًا وأين هى الآن؟».
قال: «هى في فسطاط أبيها المضروب في هذا السهل خارج القيروان».
قال: «ولكني أخاف أن ننبهه إلى الحقد إذا طلبناها منه الآن».
قال: «لا خوف من ذلك فإنى أطلبها منه لتكون مكرمة معززة في قصر أمير المؤمنين في خدمة أم الأمراء (زوجة المعز) وهذا الشرف لا يتأتى لأحد سواه وأنا على يقين أن مولاتنا أم الأمراء سترتاح إلى رؤيتها. فإن في وجهها مهابة وجمالا مع تعقل وبسالة وقد تحققت مع ذلك أنها من أشد الناس غيرة على دعوة الحق فإنها تجل مقام الإمام علي وتنصر شيعته مما لم أره في سواها من جماعة البربر كافة ومن الجهة الأخرى أرى أن نصاهره فنكتسب حزبه».
قال: «وكيف ذلك؟».
قال: «سأجعل القصد من نقل ابنته إلى قصر أم الأمراء أني أريد أن أتخذها زوجة لابني الحسين. وهو بلا شك سيكون سعيدًا بهذا الاقتران فنكسب الفتاة ونكسب قلب أبيها».
قال: «حسنًا. افعل بارك الله فيك ولا حرمنا سعيك الحميد» وتزحزح الخليفة فنهض جوهر واستأذن في الانصراف.
١ المقريزي ج ١. الفصل الخامس
حمدون
خرج جوهر من حضرة المعز وقضى بقية ليلته مفكرًا بما سمعه وكان شديد الاهتمام بأمور الدولة كثير الغيرة على الدعوة العبيدية. وإن لمح به للمعز عن الدساسين شيعة أبي عبد الله لم يكن وهمًا بل هو حقيقة. ولكن تلك الأحزاب لم تكن تستطيع الظهور لتغلب القوة فهى تتربص فرصة للوثوب بالدولة — وكان يخاف صاحب سجلماسة على الخصوص لأنه صاحب سطوة وله حزب كبير وهو مجازف لا يقدر العواقب. فرأى من حسن السياسة أن يقيده بالرهن على تلك الصورة ثم يقربه بالزواج فيخطب ابنته لابنه فيكتسب ثقته ومساعدته أو يتخلص من شره على الأقل.
ولم يكن صاحب سجلماسة يشعر بشيء مما في خاطر جوهر عليه بل كان يحسبه في غفلة عن حركاته وخطواته ففى صباح ذلك اليوم جاءه غلام جوهر يدعوه إليه في قصره بالمنصورية فبادر إلى ذلك. وكان حمدون هذا كهلا طويل القامة دقيقها أسود العينين غائرهما لا تستقر حدقاتهما على حال. ولم يكن عنده من الولد غير لمياء. وماتت والدتها فتزوج غيرها وترك تربية الابنة إلى رجل من خاصته كان شديد التشيع لأهل البيت. فشبت على ذلك. وأما حمدون فلم يكن تشيعه إلا ظاهريًا جريًا مع تيار القوة. ولو ترك لنفسه لاختار أن يكون مهديًا يدعو الناس إلى نفسه فكانت مطامعه أعلى ما يخطر للبشر. وكان قد هم أن يدعى المهدوية وهو في سجلماسة ولكنه غلب على أمره وقيد أسيرًا إلى القيروان فأظهر الطاعة على غل وشعر جوهر بشيء من ذلك كما رأيت.
وكان حمدون مع سعة مطامعه ليس من أهل الدهاء لكنه كان إذا خطر له أمر بادر إلى تنفيذه لا يبالى بما قد يكون في سبيله من الخطر. وكان عرش سجلماسة قد اتصل إليه بالإرث من أجداده واتصل بخدمته شيخ اسمه أبو حامد زعم أنه من أهل الكرامة نزل عليه منذ أعوام ومعه شاب جميل الصورة اسمه سالم قال انه ابن أخيه وهو فارس شجاع. نزل كلاهما في دار صاحب سجلماسة وهو في إبان إمارته. وكان سالم يرى لمياء وهى تذهب وتجيء أو تركب الجواد والبربر أقل حجبا لنسائهم من سائر المسلمين فوقعت من خاطره موقعًا جميلا وتعارفا وتحابا فتقدم أبو حامد إلى حمدون في خطبة لمياء إلى ابن أخيه سالم فأجابه. وقبل أن يحين الاقتران أتى جوهر القائد بجيشه وفتح سجلماسة وأسر أميرها وأهله وفى جملتهم لمياء وأبو حامد ولم يقفوا لسالم على خبر فظنوه قتل في المعركة فبكته لمياء وهى في ريب من أمره.
أما حمدون فكان يعتقد أن سالمًا قتل لا محالة وكأنه شاهد شبحًا مثله ملقى على الصعيد في أثناء القتال. ولم يمض على قيامهم من القيروان أيام قليلة حتى خطر لجوهر ما خطر له فبعث إليه في ذلك الصباح فأتاه في قصره وحده فبالغ في إكرامه وتقديمه وهو لا يعلم سبب هذا الإكرام. ثم قال جوهر: «أتعلم لماذا دعوتك أيها الأمير».
قال: «كلا يا سيدي؟».
قال: «أنت تعلم أننا كنا بالأمس أعداء يستحل أحدنا دم الآخر فصرنا الآن إخوانًا نتعاون في نصرة الحق وخدمة أمير المؤمنين وأحببت أن تزيد تلك الروابط متانة فأرجو أن توافقنى على ذلك».
فلم يفهم حمدون قصده لكنه بادر إلى الثناء على هذه الرغبة فقال: «إن ذلك غاية مناي وفيه شرف لي».
قال: «لا شرف ولا تشريف.. أتعرف ولدنا الحسين؟».
قال: «نعم أعرفه حفظه الله..».
قال: «وأنا أعرف ابنتك لمياء — وقد شهدت منها في أثناء حربنا ما حبب إلي أن تكون زوجة لابني الحسين وأنت تعلم مقدار حبي له فبهذا المقدار سيكون حبى لها».
فلما سمع حمدون ذلك الطلب أطرق هنيهة يفكر ثم أبرقت أسرته ليس رغبة في الشرف الذي سيناله من مصاهرة أكبر قواد المعز الفاطمي ولكنه توسم من ذلك عونًا على أمر قام في نفسه فقال: «أن مثلى يا مولاي لا يطمع بمثل ذلك فكيف بأكثر منه».
فأثنى جوهر على قبوله وقال له: «لكنني زيادة في رفعة قدرها أحب أن يكون العقد عليها في منزل أم الأمراء زوج أمير المؤمنين وخصوصًا لأن لمياء يتيمة الأم هل ترى بأسًا من ذلك؟».
فنهض وهو يظهر الامتنان وقال: «أي بأس أرى فيه؟ إنه شرف عظيم».
قال: «إني مرسل الساعة غلامى إليك في الفسطاط فترسل معه لمياء إلى دار أمير المؤمنين».
قال: «سمعًا وطاعة» وخرج وقد أدهشه توفيقه إلى فرصة طالما تمناها وسار توًا إلى صديقه أبي حامد فقص عليه ما دار بينه وبين جوهر وأظهر أنه يستشيره فصاح فيه: «يعرض عليك أن تكون لك يد وعينان في قصر المعز وقائده وتستشيرني؟ اقبل..» قال ذلك وهو يحك ذقنه ليخفى ما خامره من الفرح بتلك البشارة وله في ذلك غرض يشبه غرض حمدون فقال حمدون: «لم أتردد في قبول ذلك الطلب لحظة. ولكنني توقفت أولا لأن ولدنا سالمًا أولى بها و …».
فقطع أبو حامد كلامه قائلا: «دع سالمًا الآن إنه بعيد ولا ندرى متى يعود».
فاطمأن حمدون إذ ظهر له من ذلك القول أن سالمًا لا يزال حيًا وكان يحسبه قتل فقال: «وأين هو سالم الآن؟».
قال: «ليس هو قريبًا.. وسأخبرك بمكانه. أما الآن فلا ترفض ما عرضه عليك القائد الفاتح..» وتنحنح.
فذهب حمدون للحال وقص الخبر على ابنته وحسن لها الذهاب فامتنعت في بادئ الرأي لأنها عالقة القلب بسالم فأكد لها أن سالمًا قتل أو هرب ولا أمل برجوعه. ونظرًا لما يعلمه من تعلقها بأهل البيت ضرب لها على وتر الدين فقال: «إنك تكونين هناك قرب أمير المؤمنين ابن بنت الرسول».
فرضيت وذهبت مع الرسول إلى المنصورية حتى أتت قصر المعز.