الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

عاطفة

في وقت مبكر من الصباح بعد حفلة الرقص أرسلت أَنَّا الى زوجها برقية بأنها ستغادر موسكو في اليوم نفسه .

أخبرت دُلّي موضحة التغيير في خطتها : لا بد أن أسافر وسأعترف بالسبب لك الآن ، لقد أفسدت كل شيء على كيتي مع فِيرونِسْكِي ، إنها تغار مني لقد جعلت من حفلة الرقص عذابا لها ، لكن حقاً هذا ليس غلطتي أو قليل فقط .

قالت دُلّي : تبدين بالضبط مثل استيفا ، تَذَكَّري يا أَنَّا لن أنسى أبدا ما فعلتِه من أجْلي ومن أجل استيفا سأحبك دائما كصديقتي الأعز .

في تلك الليلة حين كانت أَنَّا في القطار متجهة الى بطْرسبِيرغشعرت بسرور عظيم وارتياح لسفرها عائدة الى بيتها : فَكَّرَت : غدا سأرى سيروجَا وزوجي ، وستسير حياتي اليومية الجميلة كما في السابق .

هبت عاصفة رهيبة في الخارج ، وضرب ثلج نافذة القطار .

حاولت أَنَّا أن تقرأ رواية لكنها لم تستطع أن تركز عليها لذلك أصغت الى ضجة القطار وهو يندفع متقدماً في الليل المعتم ، بعد بعض الوقت أدركت بأنهم توقفوا في محطة .

كان المكان حاراً جداً داخل العربة ، فتحت أَنَّا الباب وشعرت باندفاع ريح وثلج باردَين ، بدت الريح تحاول أن تحملها بعيدا ، لكن وبيد قوية تحسست الحاجز البارد وخطت الى أسفل على الرصيف ، ملأت رئتَيها بهواء ثلجي وصقيعي عميق ناظرة حولها عند الرصيف والمحطة المضاءة .

خطا رجل يلبس معطف عسكري مقترباً منها ، وميَّزت أَنَّا على الفور فِيرونِسْكِي حين انحنى إليها وسألها إن كان يمكنه أن يقدم خدمة .

رأت بأن وجهه اكتسى بتعبير الفرح العظيم نفسه كما في حفلة الرقص .

سألت ووجهها يلمع بالفرح : لم أعرف بأنك مُسافر ، لأي غرض تأتي الى بطْرسبِيرغ؟

كرر ناظرا مباشرةً الى عينَيها : لأي غرض آتي ؟ أنت تعرفين بأنني جئت الى حيث تكونين .

في تلك اللحظة ذرت الريح الثلج متطايراً من سطح العربة ، بدت العاصفة الفضيعة الآن أجمل مما هي رهيبة بالنسبة لِأَنَّا .

أشعرتها كلمات فِيرونِسْكِبأنها سعيدة وخائفة معاً ولمدة طويلة من الزمن لم تحر جواباً .

قالت أخيرا : عليك ألا تقول ذلك ، وأرجوك إذا كنت جِنْتلماناً أن تَنسى هذا كما سأنساه أنا .

أمسكت بالحاجز وارتقت الدرجات داخلة القطار حيث لم تنم طيلة الليل وهي تفكر بِفِيرونِسْكِ .

في الصباح التالي حين وصل القطار الى بطْرسبِيرغ كان الشخص الأول الذي رأته أَنَّا على الرصيف قوام زوجها البارد المتكبر .

بعد أن لمحها تقدم الى الأمام وعيناه الكبيرتان التعبتان تنظران مباشرة إليها ، ضغط إحساس بغيض هابطاً على قلبها .

قال بصوته البطيء الرفيع : أنت تَرين هاهو زوجك المُحب يحترق بفارغ صبر لِيراكِ .

سألت أَنَّا : هل سيروجَا على ما يرام ؟

- نعم إنه على ما يرام تماما ، على ما يرام تماما .

كان فِيرونِسْكِقد لاحظ كرنين أيضا ، لأول مرة أدرك بوضوح وجود شخص واحد ، زوج مرتبط بِأَنَّا ، آمن إيماناً كاملاً بوجود كرنين حين رأى رأسه وكتفَيه ورجليه داخل بنطاله الأسود ، خصوصاً حين أمسك كرنين بيد أَنَّا بهدوء وبجو من التملق .

عانى هو أيضا من إحساس بغيض ، قرر إنها لا تحبه لا يمكنها أن تحبه .

سأل مقتربا من أَنَّا : هلتتمتعتِ بوقت طيب ؟

أجابت : ممتاز ، شكرا لك .

بدا وجهها تَعِباً ، لكن حين نظرت إليه أضاءت عيناها ، التفتت الى زوجها لترى إن كان يعرف فِيرونِسْكِي .

نظر كرنين إليه بانزعاج محاولاً أن يتذكر من كان هذا ؟

قالت أَنَّا : كونْت فِيرونِسْكِي .

قال كرنين بلا عاطفة : آه ، لقد التقينا من قبل .

سأل فِيرونِسْكِي أَنَّا : آمل أن أزوركم .

نظَر كرنين الى فِيرونِسْكِي بطريقة تعبة ، قال ببرود : يبهجنا ، نحن في البيت أيام الاثنين .

عندئذٍ وبعد أن أبعد فِيرونِسْكِي عن ذهنه بدأ الكلام الى أَنَّا .

كان ابن أَنَّا سيروجَا مسرورا جدا لرؤية أمه ثانيةً ، أخبرته عن كل أبناء دُلّي وأعطته هدايا .

فيما بعد زارها أصدقاء وقَصوا عليها أخبار كل شيء حدث في بطْرسبِيرغ خلال غيابها .

أمْضت أَنَّا باقي النهار تحل الرزم وتجيب على الرسائل .

قالت لنفسها : لم يحدث أي شيء ، لم يقُل فِيرونِسْكِي أي شيء سخيف لي ، وقد أجبت كما كان ينبغي لي أن أجيب ، لن أخبر زوجي عن هذا ولا ضرورة لهذا .

كان على كرنين أن يخرج في ذلك المَساء الى اجتماع ، لذلك وبعد أن وضعت أَنَّا سِرْيوجَا