-2-

6 0 00

-2-

أيها الصاحي، وصلت إلى إسبانيا قبل عشرات السنين..

وصلت من "كاسطييخو" كما يحلو للكثيرين تسميتها أو 'الفنيدق' التي تقع شمال المغرب على الحدود الوهمية مع مدينة سبتة حيث بدأت أعمل حلاقا هناك و وفرت لنفسي علاقات مهمة مع أصدقاء لي و مع زبائن من طينة خاصة، كان جلهم يمتهنون صيد السمك ، إلا أن أغلبهم كذلك و الحق يقال كان يمتهن صيد أشياء أخرى لم تتبد لي منذ البداية، مادام الأمر ليس شأني وإنما شأن المسؤولين.

المهم لم أرغب في البقاء ملتصقا بالأرض مرة أخرى، و أغرتني الأرض المقابلة دائما بشواطئها التي كان يحكي عنها القادمون و الفرص الطائرة التي تقبع هناك، فصممت على الوصول إلى إسبانيا مع أحد هؤلاء الذين يذهبون إليها صباحا و يعودون منها مساء كأنهم ذاهبون للتسوق من مدينة تطوان.

ترددت في بعض اللحظات لكن الإغراء دائما يكون له طعم يتسرب إليك مثل دبيب النمل .. يتسرب إليك سلسا تنغرس أشواكه داخلك دون جروح..

و حدثت المغامرة ..

لم أصدق نفسي لما ركبت القارب المطاطي ذا المحرك المزمجر في عباب البحر. لبست كل الملابس الشتوية اللازمة و ووصلت في ظرف ساعة واحدة إلى شط البحر الإسباني الذي وجدته عاديا كما شواطئ المغرب و لا فرق بينه و بين المغرب إلا في المسميات.. إنه أول انطباع عن الاختلاف يتبخر لدي. فصاحب المركب الذي أحضرنا لا يستطيع الاقتراب من الشاطئ أكثر من ذلك مخافة أن يرتطم محرك مركبه بالصخور و يتعطل فيكون صيدا سهلا لقوات الحرس الإسباني. لذلك تخلص منا قبالة الشاطئ. يا لها من رجولة زائفة !

حز في نفسي كثيرا أن أرى شباب لا يتقنون السباحة و مع ذلك ارتموا في الماء، منهم من نجا و منهم للأسف من غرق و لم يظهر له أثر..رجوناه ان يقترب أكثر فالمكان كان آمنا لكنه لم يرد و هددنا حاملا بندقية إما الارتماء في الماء و إما الموت. لم يكن لدينا خيار فالموت يطوقنا من جهتين إما حرقا و إما غرقا ! لم يكن لدينا متسع من الوقت للتفكير و بدأنا في القفز متوكلين على الله و على ما نحمله من دعوات الوالدين..

رميت بنفسي في ماء بارد، لا أثر للحراس هنا كما لا أثر للحياة. التجربة قريبة من النجاح لا يلزمني سوى السباحة بعض الأمتار للوصول إلى الشاطئ..كل الأشياء تعوض إلا الحياة فهي لا تعوض. فمن مات انقطع عمله إلا من ثلاث و باقي الحديث النبوي تعرفه أيه الصاحي. سبحت و حاولت قدر الإمكان أن أبقى فوق الماء، بينما رأيت أحد مرافقيّ يطلع و ينزل ثم اختفى تماما .. استحضرت كل ما تعلمته في السباحة في الصغر في برك نهر 'مكس' المجاور لقريتنا، و كل ما خبرته في التعامل مع الماء، و ضربت مئات الضربات القوية حتى وصلت إلى أولى الصخور. حاولت التمسك بها .. كانت ملساء بفعل الطحالب و زبد البحر لكني نشبت فيها أظافري متشبثا بالحياة و بالرغبة في المواصلة. النسيم الذي هب خفيفا على الشاطئ لم يكن له طعم عندي بعدما ارتعش جسدي و تبللت ملابسي و لولا لطف الله لكنت الآن في عداد الغارقين..

عدوت بكل قوتي بعدما تخلصت من بعض الملابس الثقيلة حتى اختفيت وسط الأشجار بعدما بدأت الشمس تميل بعنقها الزهري إلى المغيب.. أيقنت أن الواقع شيء و أن الحلم شيء مغاير و إلا لما كنت وصلت إلى هذه المحنة الأولية بهذا السيناريو المقزز.. علي أن أصبر فقد وعدني ابن عمتي أن نهاية الرحلة ستكون سعيدة و حالمة تفوح منها رائحة 'اليورو'. أتمنى ان تكون كذلك فعلى الأقل لن تكون أكثر مغامرة من رحلة ابن جبير الاندلسي إلى المشرق في عنتها و مصاعبها و مشقتها.. فلأصبر مادام الأمر كذلك و لأطمئن.. بضع خطوات فقط مع القدرة على التوغل في العمق الاسباني ستمنحني ما أصبو إليه ، ستوصلني إلى الفردوس الموعود .

انتظرت حلول الظلام و بدأت المسير مبتعدا قدر الممكن عن باقي 'الحراكة' (المهاجرين غير الشرعيين) رغم أنه لم تتبين لي بعد حركة إنسان أو عربة ترشدني إلى اتجاه أسلكه.

لا أدري من أين اكتسبت شجاعتي بعدما لم أختبر بقائي هناك حتى يقبض علي الحرس المدني، لذلك توغلت بعيدا عن الأنظار و أنا المتعود على التوغل في الغابات و الأحراش في المغرب في الظلام فلِم َ ستخيفني هذه الغابة البسيطة ؟

يجب أن أفر إلى الداخل و أتوغل أكثر وسط الأحراش و أختلط مع الجيوش البشرية و أصير حربائيا، بعد تبديل ملابسي و لو أن لغتي الاسبانية ليست بالجيدة .. المهم يكفي أنني تعلمت بعض الكلمات لما كنت حلاقا في الشمال المغربي و أستطيع التواصل مع بعض الناس حول الضروريات، كما أنني أفهم ما يقال إن سمعت حوارا بالإسبانية.ليس هذا و فقط لأنني أحتاج إلى المال لأنني لا أملك فلسا واحدا من النقود فكل ما جمعته من مال أعطيته لصاحب المركب و هو المال الذي تطلب مني حلاقة أكثر من ثلاثمائة رأس بشري.

أيها الصاحي، هل ترى معنى ذلك و هل تفهمه؟ إنها قطرات ندية تجمعت كلها في النهاية لتثب في تجميع رغبات النفس. تجمع الفلس تلو الآخر و في النهاية تسلمه أمانا و عربونا لانسياقك وراء رغبات النفس الطائشة. المهم أنني بالإضافة إلى ذلك، وفرت بعض حبات الحمص التي يمكن لها ان تدفئ جسمي مؤقتا و ترفع سعرات حرارته كلما أحسست بالجوع أو بالبرد ..

بقيت على ذلك الحال ، أدفن خوفي و أغطيه بشجاعة لافتة كمن وجد نفسه في بحر الظلمات كما كان يسمى في القرون الوسطى، أما أنا فبحر ظلماتي مختلف.. الفقر يسافر معي منذ وعيت وجودي على الأرض .. وعيت على اليتم و الحرمان فوق تلة يتيمة هي الأخرى . أمي هي كل ما أملك من الأبوين و جيشا من الإخوة و العانسات.. القرية التي كبرت فيها يتيمة كذلك ، تكاد تنطق من بؤسها و انعدام شروط الحياة فيها.. يتم على يتم ..لم أكن يوما أريد الرحيل عن وطني لكن الفقر سامحه الله يفعل ذلك.

في المزبلة، و جدت نفسي أتعلم معاني الحياة القاسية و أكتسب منها ثقافة البحث عن اللقمة في زمن الأشواط الضائعة. ما كنت أعثر عليه أجد له دائما قصة حول أصحابه الذي رموه و تخلصوا منه .. كنت أجد كثيرا من الأطعمة و أعاود تذكر الصحون التي وضعت فيها و المناسبات التي مرت بها حتى استقر بها المطاف في النهاية بين يدي في المزبلة.. إنه الفراغ الكبير الذي مررت به. فراغ جعل حياة تكتسب معناها في مزبلة كبيرة أقتسم فيها الزجزد مع جيوش الذباب و البعوض و مع الهامشيين مثلي الذين لم يخبروا بعد الحياة بمعناها الصحيح..

هذا هو الدافع إلى هروبي و هجرتي و معاناتي أكثر من معاناة سيزيف الذي كان يصارع لرفع حجرة و إيصالها إلى القمة بينما أنا أصارع على ثلاثة أوجه: وجه النفس المارقة التي تريد هلاكي و وجه المعيشة اليومية لعائلتي الفقيرة و وجه القيام بدور الأب و تعويضه.

أنا كبير الإخوة و أنا من يجب عليه أن يتحمل الدور كاملا مكمولا منذ فقدت لذة الطفولة ذات خريف و أنا أنغمس في مزبلة المدينة أجمع القمامة و ألملم فيها بقايا الحياة لإعادة تدويرها في حياة ثانية لعائلتي..لم أستطع أن أزيد أكثر في تذكر معاناتي مخافة أن يسمع أحدهم همسي فرجعت إلى واقعي ، واقع المشي حافي القدمين في بلاد الأندلس –سابقا-.. هل تكون قصتي شبيهة بقصة رجال في الشمس للراحل غسان كنفاني؟ هل ألاقي نفس المصير و أهرب من مصير الفقر إلى القدر المحتوم؟ من موت بالتدرج إلى موت يأتي دفعة واحدة و تفرق هذه الجوقة و السلام؟

إنني صنديد ، أركب أمواج المغامرات، ثم في الأول و الآخر ليس لدي ما أخسره.. فإن أصبت لي أجران و إن أخفقت لا مجال عندي للقلق، فأنا أصلا فقير و معدم على السواء، و لن يلومني أحد سواء اغتنيت أم ازددت فقرا.. حتما لن أصير موضوعا تلوكه الألسن الحادة.. و مع ذلك صرت أخاف من الفشل منذ إدراكي لما وقع لجارنا في القرية بنعيسى الذي سافر إلى فرنسا قبل عشرين سنة و استقر هناك .. حالته كانت جيدة و دائما كنت أشاهد صوره عند ابن أخته ولد يطو.. تزوج فرنسية و أنجب منها ابنتين شقراوين سبحان الذي خلقهما .. كان ولد يطو دائما يفتخر بخاله و ينتظر ثفارغ الصبراليوم الذي سيزوجه إحدى ابنتيه الجميلتين.. أجل فقد كان هذا الخال يقضي الصيف عندهم و تسنح لنا الفرصة للقاء الشقيقتين و التغزل بهما خاصة ذلك الشيطان الآدمي ولد يطو. فهو لم يمانع قط أن ألتقي بإحداهما شريطة عدم التمادي في المعصية كما يقول.. إنه ثعبان لا يكف عن اللف و الدوران لتحقيق مآربه.

غير أن السفن تشتهي ما لا تجري به الفلك..

ذات يوم من أيام الصيف القاحلة.. حين ضرب الجفاف محاصيل الزراعة و جفت منابع المياه في القرية و جحظت عيون الكبار قبل الصغار..رجع خال ولد يطو من المهجر أو من الغربة سمها كما تشاء أيها الصاحي..

أجل رجع الخال بنعيسى حافي القدمين..

رجع رث الثياب متسخا،أشعث الشعر، جائعا ، غائر العينين كمن خرج لتوه من الموت. وقفنا ننظر إليه بينما كنا منهمكين في لعب 'الكارطة' أمام دكان 'الساحوتة'. أصابتنا الدهشة، بينما قفز ولد يطو نحو خاله و الدموع تنحبس في عينيه .. بدورنا انحبست الأسئلة و تناسلت بسرعة البرق في أذهاننا.. بقينا متوجسين حائرين محتارين حول ما ألم بهذا العائد من فرنسا بهذه القتامة..

اختفيا عن مجال رؤيتنا .. في المساء جاء ولد يطو و علامات الغضب بادية على ملامحه، يدخن سيجارة رديئة و ينفث دخانها بعنف.. لقد عاد خاله من فرنسا و أية عودة هذه ! عودة الكلاب الضالة من المزبلة.. بعد أكثر من عقدين في بلاد الغربة يعود هاربا من العدالة الفرنسية بعد تورطه في جريمة قتل فرنسي.. لم نعلم كثيرا من التفاصيل،لأن ولد يطو رجانا بالتكتم على الأمر، و لكن العنوان بارز بخط مضغوط.. الخال مبحوث عنه و زوجته الفرنسية و ابنتاها تبرأن منه كعنوان آخر لانهيار الأحلام في لحظة سقوط 'نيروني' . لم يعد لديه مأوى بعدما فضل الرجوع إلى المغرب بطريقته الخاصة على السجن أو ربما عقوبة الإعدام و ربما خوفا من انتقام أقارب الضحية..

تبخرت أحلام الرجل و معها أحلام ولد يطو في رمشة عين.. مصير لم نكن لنتمناه لكلب أجرب من كلاب المزبلة التي نقتات من مخلفاتها معا.. و هي القصة التي بقيت تلوكها ألسن الفضوليين و الشامتين من وقت لآخر كعنوان للفشل الذريع الذي يصيب المرء.. أما ولد يطو فقد كان ذلك مبررا آخر لتزداد حماقاته و حدة معاقرته الخمر و إدمانه عليه.

*********

بقيت أترقب أية حركة حتى أفلت من مكاني و أبتعد أكثر داخل العمق الإسباني، لأن حالتي الراهنة و حالة ثيابي لا تسمح لي بالاختلاط بالناس . تذكرت فيلم The Fugitive الذي لعب فيه دور البطولة الممثل الأمريكي هاريسون فورد وفراره الأنطلوجي في رحلة إثبات براءته بعد تورطه ظلما في جريمة قتل زوجته التي اقترفها شخص آخر مدفوعا من صديقه الطبيب المنافس له. الحمد لله لم أصادف مثله سدا بعد لأرتمي من علوه الشاهق ..

لا أدري أي طريق أسلك ولا أدري أي جهة أمشي فيها.. حسنا سأحاول أن أطبق نصيحة قديمة أسداها لي صديقي المكي أحد البحارة القدامى الذي خبر كثيرا التعامل الخروج من الأزمات اعتمادا على ما تقدمه الطبيعة . سأتبع أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي فقد تكون دليلا نافعا للوصول إلى المدن و الابتعاد عن المناطق الحدودية. كما أنها مؤشر على الربط بين الحواضر الكبرى في أوروبا . ثم شرعت في المشي في ذلك المساء الغابر الذي لازالت تثيرني آلامه كلما تذكرت شذرات من تفاصيله.

مرت ساعات طويلة فلم أعد أقوى على المشي داخل الغابة الكثيفة بعدما فقدت مجال الرؤية و بعدما بدأت أحس بوجود كائنات أخرى تشاركني ظلمتي و تهوري..

أطلقت العنان مرة أخرى لمخيلتي و استسلمت للنوم تحت شجرة كثيفة الأغصان بعدما دب العياء إلى جسدي، آملا ألا يقلق راحتي أحد من الزوار الغرباء أو من الحشرات المتسللة وراء رائحة النتانة التي تفوح مني بسبب ملوحة ثيابي.

أشرقت الشمس بأشعتها الحريرية على الغابة تتسلل إلى عيني بدفئها الغنجي، تلامس وجهي بنعومة حريرية و ترخي انثناءاتها على أطرافي مضمخة بتباريح الصباح الندية . و أنا أتثاءب بتكاسل متناسيا مكاني الحالي الذي لم تذكرني به سوى جيوش النمل التي كانت تحيط بعلبة الحمص حيث أضعها جانبا. لحسن الحظ أنها وجدت ما يلهيها عن قرصي، و إلا لكانت هجمت على جسدي بالليل تتخذه مأوى لها عوض حبات الحمص. الآن بقيت عاريا أمام الطبيعة ليس لي لا مأكل و لا مشرب و لا ملبس بعدما تمزق سروال 'الدجينز' الخشن الذي اعتقدته يصمد في مختلف الظروف كما تروج لذلك الشركة المصنعة في أحد إشهاراتها على شاشة التلفاز و تتحفنا بذلك كل يوم حتى ضجرنا من مشاهدة ذلك، و من السخافات التي تهمش 'المعقول' و تقوم بتسليع القيم الزائفة و الماركات المعولمة ..

نهضت من مكاني و حاولت المشي أقسى ما أمكن لي حتى جن علي الليل من جديد و لم تنزل إلى حلقي بعد قطعة طعام واحدة.. و بعد عشرات الكيلومترات من المشي المتواصل رأيت أنوارا مضاءة عن بعد .. تراءت لي متراقصة أمام ناظري، فقررت أن أصل إليها بحذر، أو على الأقل أقترب منها، فحتما سيكون هناك أشخاص، فوراء كل نور توجد مخلوقات بشرية أو كائنات ليلية ، و حتما يوجد هناك سرير دافئ و قدر طعام ساخن يغلي..

تمزق سروالي من جهة الركبة هذه المرة بعدما علق بأسلاك شائكة، و صار قصيرا برجل واحدة.. قـُصّ بطريقة جميلة و محكمة.. لو أخذته إلى الخياط و طلبت منه أن يقوم بذلك حتما لن يتقن العمل مثلما أتقنته الطبيعة.

لم يعد لدي متسع من التفكير في ماض خلفته وراء ظهري ، مررت بالأزمات العصيبة و تدبرت حالي ما يكفي، و لذلك بدأت أحلم على غرار أقراني الذين سبقوني إلى الهجرة، و بدأت أشكل معالم حياتي الجديدة التي زينتها بمختلف ضروريات الحياة و كمالياتها. أجل ، ففي الحلم دائما يستطيع الإنسان تحصيل كل الأشياء التي يرغب فيها و التي لا يبوح بها، يستطيع تشكيل السيارة حسب المقاس الذي يريد، و يجعل بجانبه دائما شقراء تخلب الألباب و يرسم لنفسه نجاحا باهرا تلهج بذكره أسلن الفضوليين .

عدت من جديد إلى واقعي.. نظرت إلى قدمي اليسرى.. انتابتني نوبة ضحك.. صرت مثل الهنود الحمر .. سروال برجل و نصف ؟ إنني لو صعدت فوق خشبة مسرح في عرض 'وان مان شو' حتما و بدون لغة سأنتزع تصفيقات الجمهور.. الكلمات غير كافية للتعبير عن قتامة الوضع الذي أوجد فيه. وحدها الصورة قادرة على نقل ذلك. لو قدر لي أن أصعد فوق ركح مسرح معين بلا مجاملة دعني أقول لك أيها الصاحي، أنني سأصير أضحوكة مسلية تذكر المتفرجين بتشكل المسرح في صورته البدائية الأولى عند اليونان .سأصير نجما فقط بشكلي الصامت فلا حاجة لي باللغة هنا . إن لغتي هي واقعي الأليم الذي يسيجني و يصورني في أقسى تمثلاته..لا أستطيع تصوير حالتي فان مثال حي لــ'بدون تعليق'.. أظافر رجلي تلاشى نصفها و تقرحت قدماي بعدما فقدت الإحساس بالألم.. إنني كائن آخر هنا، كائن آت من مجرة أو كوكب آخر. الثياب الرثة التي لازالت تسترني تجعلني فزاعة حقيقية يكفي وقوفي في حقول القمح لترهيب أسراب العصافير و تخويفها.

ههه .. هل أثير الضحك إلى هذه الدرجة؟ هل أنا شخصية خارجة من إحدى روايات الكاتب الأمريكي مارك توين؟ قد أبدو كذلك في ظل تداخل عوالم الكائنات الحقيقية و الورقية، و لكن دعني أقول لك بلا مزايدة أو تدليس أنني صورة بائسة لأحد الهاربين من حرب كونية أو من جحيم مرض الطاعون الذي تفشى بأوربا خلال القرن الرابع عشر و حصد بها أرواح ثلث أوروبا .

إنك لست مضحكا بالمعنى الهزلي يا صديقي.. أنا أعرفك .. نعم أعرفك حينما تصل بك الأزمة إلى مبتغاها تقلبها ضحكا و نكثا و تنتصر عليها. نعم فعلت هذا عدة مرات من قبل.. لكن هل هذا كاف لك لتخرج من الورطة التي أدخلتك نفسك الطائشة فيها؟ عد إلى رشدك و تعقل قبل فوات الأوان .. عد من حيث أتيت فلازالت الفرصة سانحة و قد نفسك لرجال 'الغوارديولا سيفيل' و اشتر لك كرامة و استقرارا ..ماذا؟ لا تريد؟ تحدثك نفسك بالمضي؟ حسنا، نصحتك بما فيه الكفاية، ماذا عساني أفعل أكثر من هذا إذا كان رأسك أقسى من لبنة الطين؟.. هيا امض و تريث قليلا فالخطوات هنا محسوبة العواقب .. إما خطوات سليمة و استقرار و إما خطوات متهورة تجعلك مصفدا و مرميا إلى المغرب في رحلة عودة خائبة..

هاأنذا إذن.. أواصل المسير في اتجاه الأضواء المتناثرة بين ثنايا المرتفعات. نعم النور وحده قد ينقذني من الضياع فهو مصدر القوة و الخروج الأبدي الذي يستنير به الإنسان كلما أحاطت به الظلماء. غنها مسيرة كذلك أرتمي بين أحضانها باحثا عن التنوير .. أخيرا تراءى لي طريق عريض اكتشفت أنه طريق سيار .. بدأت ألمح السيارات تمر مصدرة أصواتها المزمجرة مارقة في السرعة.. أخيرا لاحت لي ملامح المدنية و الحضارة بعدما غصت في غابة موحشة يومين تقريبا. خرجت من الغابة كما يخرج الجنين إلى العالم الخارجي أول مرة، ممزق الثياب قريبا من العري و قريبا من صورة الإنسان الوجودية الحقيقية، صورة العري و الخوف و الرغبة في مص ثدي أمي و التعلق به ، و لعقه و جر الحليب و البكاء. اجتمعت فيّ كل مشاعر الحنين و الحاجة إلى أمي التي تركتها تقاسي آلام الفراق و البعد هناك..خرجت مسلحا ضعفي و حاجتي إلى الآخر تزداد، متوددا إلى حنان الأم الغابر ليغذيني و يحميني من الطبيعة القاسية و من نفسي ومن هذا المصير المجهول الذي ينتظرني..

أجل هذا هو الإنسان، المخلوق الوحيد الذي لا يعتمد على نفسه إلا بعد سنوات من ولادته، عكس المخلوقات الأخرى التي ترمي نفسها في متاهة الحياة مباشرة بعد الولادة و تبحث لها عن موطئ قدم في عالم الذئاب منذ اللحظة الأولى. فلو قدر لرضيع إنسان أن يلاعب صغير قرد فالثاني سينتصر و يكون أكثر ذكاء، مادام قد حقق نموا هائلا و صار مكتمل النضج بيولوجيا بسرعة. بينما الإنسان يحتاج إلى شهور وسنوات كي يسير إلى صورته التي يسيطر بها على العالم لما يكبر.

مشيت في أحراش الهضاب الأندلسية مسافات لا يقطعها إلا القطار و الجرارات التي أسمع مواءها متراخيا على ترددات الصدى.. مشيت في هوامش التجمعات السكنية و بين الفينة و الأخرى كنت أسمع خوار البقر المترامي على السفوح الغجرية التي تتلألأ فيها تمايلات السهول المبسوطة ككف عروس ليلة زفافها. لم أقدر بعد على التخلص من مقارنتي للقرية التي أنحدر منها بالنظام الذي يسود في هذه الأمكنة الشاسعة، و أنا الذي لا أملك أكثر من ليلتين و نصف في بلد لا يعرفني بعد.

لم يبق لي الكثير حتى أصل إلى أقرب ضيعة فلاحية يبدو من خلال الأضواء المتناثرة فيها، أن بها عددا قليلا من السكان، أو ربما قد يكون الباقون في أسرة نومهم الآن.

سأتوقف تحت هذه الشجرة الكبيرة ريثما تتبدى لي بعض البوادر المشجعة لدخول الضيعة فقد أكون عرضة لكلاب الحراسة أو ما شابه.. لا أريد أن أغامر. من قال أيها الصاحي أنها ليست ضيعة فلاحية؟ ربما تكون سجنا فلاحيا مثل 'أوطيطة' ، المنتجع الفلاحي الذي يدخله سجناء المغرب.. لا ، لا ، علي استعمال عقلي هذه المرة و تشغيله جيدا قبل الإقدام على هذه الخطوة التي ممن الممكن أن ترجعني في سقطة واحدة إلى سفح جبل أولمب أنفذ الحكم الإغريقي و أنا أقاوم لأصعد بصخرة سيزيف من جديد.. لا، لا، لا.. سأتريث، فالمخاض وحده يأتي دفعة واحدة أما أعراضه فتسبق بساعات و ربما بأيام..

و انزويت تحت شجرة كبيرة قبالة الضيعة أرقب أية حركة فجائية ..

قضيت ليلة أخرى في العراء، رث الثياب فارغ البطن بعدما اشتد علي البرد يلفحني حتى تجمدت أوصالي.. رغم ذلك لازالت الشجاعة تحركني فالحذر واجب أيضا، فقد يصادفني رجال 'الغوارديولا سيفيل' بسلامتهم و أخرج أنا بسلامتي و أسلم عليهم فيسلموني إلى حرس الحدود سالما الذي سيرميني مثل بضاعة منتهية الصلاحية عائدا إلى الوطن بطريقة لا أرضاها لكلب أعور.

علي أن أحذر فأنا لم أقطع كل هذه الرحلة 'البطوطية' لكي أسلم على رجال الشرطة الإسبانية ، وضعي لا يسمح لي بإفشاء السلام إلا على من أثق فيهم و عن بعد حتى إذا 'احماضت' القضية أفر و لو أنني لا أظن أنه بقي في جسمي سعرات حرارية كافية لتشغيل عضلاتي المتهالكة.

أيها الصاحي، أفقت في صباح اليوم التالي.. مذعورا على أبواق السيارات. تمسكت جيدا بالأغصان التي اتخذتها مرقدا لي..

مرت قافلة من السيارات الرباعية الدفع و هي تحدث ضجيجا عاليا.. التف الغبار متطايرا في السماء.. رغم ذلك لم أخرج من شجرتي العالية و أنا أختبئ بين فروعها الكثيفة، و أحاول ألا أظهر أمام أي شخص يمر بقربي.. فالناس لا يرونني و لكن أرى سحناتهم ، و أخاف كل الخوف أنه لا قدر الله إذا خرجت إلى أحدهم -و هذا ممكن- و رأى هيأتي المزرية التي تشبه محاربي 'الزولو إنكاتا' من توحل و تمزق ثياب.. فقد يحسبني من مخلفات إنسان الكهوف .. إنها هيئة خلقية مشوهة لكائن بشري قريب من البدائية و شعر منفوش لا أستطيع حلاقته و أنا الحلاق الذي لم ينفع نفسه هنا، أو كما يقول المثل الشعبي في مثل حالتي 'جزار و معشي باللفت'.

يكفي من الأخذ و الرد ، سأحاول أن أهرب إلى الجهة المقابلة من الطريق المغبر سأحاول أن أجد لنفسي مخرجا بعدما بدأت أسمع نباح الكلاب يقترب. أدل ! ، لم نتفق على هذا، كل شيء إلا الكلاب. أجل ! ستفضحني و ستمرغ جسدي في التراب بعدما استنزفت لياقتي البدنية، و أي صبي صغير الآن يمكنه أن يدفعني إلى الأرض، كما يمكن لأية عملية مطاردة بسيطة أن تجعل مني فريسة سهلة المنال. نعم، فأنا صائم عن الأكل منذ أكثر من ستين ساعة و أقترب من صوم النهار و الليل لتكتمل الصورة و يزيد جسدي في الإنهاك و الاستنزاف..لا..ليس هذا ما خططت له ..

خرجت من شجرتي و تسللت إلى منحدر آخر يؤدي إلى تجمع سكني تراءى لي من بعيد كبيض نعامة..

في البداية حسبته قريبا لكن هيهات، أظن أن هذه فعلا هي متاهة 'هرمس' الإغريقية.. كلما أخرج من ورطة أدخل في أخرى أكثر التواء و حربائية من سابقتها.. رغم ذلك سأكمل المسير فإما النجاة و الاختباء أكثر و البحث عن مأمن و لو مؤقتا، و إما الورطة الكبرى و 'الفضيحة بجلاجل' لتكتمل البهية كما يقول إخوتنا المصريون.. تدحرجت من مكاني و غصت مرة أخرى في الجهة المقابلة من الأشجار المصفوفة .. ابتعدت عن ضجيج السيارات حتى خيل لي أنني في مأمن..

فجأة و بدون سابق إنذار، تراءت لي أفواج عمال يغادرون المكان و هم يركبون عربة مفتوحة يجرها جرار صغير من تلك الأنواع الألمانية التي تنتشر في كل مكان. ساورني إحساسا غامض. لم أدر ماذا أفعل.. تسمرت في مكاني و لم أدر ما الذي جعلني أطمئن لذلك و يطرب قلبي لرؤيتهم و سماعهم و هم يغنون، اقتربوا مني أكثر .. زاد اقترابهم أكثر .. يغنون بفرح و يتبادلون الضحكات ، زاد استماعي و إنصاتي لهم.

قفزت من مكاني . و أنا أسمع غناءهم ..

" يا وليدي ، يا وليدي ، مالك ما جيتي؟"

طرب قلبي و عرفت أنهم مغاربة هم الآخرون أو على الأقل مغاربيون.. خرجت من تحت الأغصان المتشابكة إلى بؤرة واضحة و فاضحة لا تخبئ أحدا وراءها.

لم أمكث سوى لحظات حتى زاد اقتراب العربية مني ..فرأيت أن بعضهم يحمل سطلا يتخذه طبلا و هو ينقر عليه إيقاع الأغنية و الباقون يصفقون و يتناوبون على الغناء. إنهم يصنعون لأنفسهم إيقاعا جميلا و هم قافلون ربما من العمل إلى المكان الذي يقيمون فيه.

مروا بجانبي فلم يلحظوني بعدما عدت للاختباء من جديد.. و شككت فيهم أول الأمر لكنني عاودت الظهور بعد ابتعادهم عني شيئا ما. توقف الغناء و التصفيق فجأة.. نظر أحدهم إلى الوراء ثم إلى الأمام.. و نزل هذه المرة باتجاهي قافزا من العربة التي تسير ببطء.. ربما ظنوا أنني شبح.. ازدادت حيرتي حين عاد الآخرون و نزلوا كلهم في اتجاهي ، بينما الشخص الأول ينهرني في ذهول:

- اختبئ ، اختبئ !

يبدو أنهم عرفوا حالتي و أرادوا مساعدتي.. لا ربما خافوا مني أو أرادوا الرجوع إلي من بعد. إنه إحساس رهيب.. لو تصادف أن وجدني رجال 'الحرس المدني' لاكتشفوا بسهولة من هيئتي المزرية أنني مهاجر سري .. فالمظاهر قد لا تكون خداعة في هذه الحالة، فأنا فعلا اسم على مسمى.. أما في حالات أخرى فقد ينخدع الآخرون بمظهرك.. و قد روى لي بعض الأصدقاء فيما بعد أن أحد المهاجرين غير الشرعيين الملقب بالمثقف، كان يلبس ثيابا أنيقة ثم يضع نظارات سوداء و يدخل إلى جل الأماكن التي يريد.. طبعا نقطة قوته كانت هي اللغة الإسبانية التي يتقنها.. و لم يحدث أن شك فيه رجال 'الحرس المدني' يوما رغم أنهم صادفوه ذات مرة على رصيف أحد المقاهي يضع رجلا على رجل و يمسك جريدة 'إلباييس' بين أصابعه و هو يرتشف فنجان بن من حين لآخر.. استجوبوه، إلا أن طريقة جلوسه و حديثه معهم بثقة المتمكن جعلتهم يطمئنون له، بل إنه دعاهم بوقاحة لتناول شيء على حسابه.. فالرجل ممثل حقيقي و يتقن الإسبانية إتقانا و هو الحاصل على شهادة الإجازة في الأدب الإسباني ، و يعرف جيدا تاريخهم و أدبهم، و لذلك فقد مضى يحدث أحدهم عن غارسيا لوركا الشاعر الإسباني الشهير، و كيف قضى نحبه مقتولا على يد أشخاص تابعين لجبهة فرانكو إبان الحرب الأهلية الإسبانية خلال الثلاثينيات.. ليثني أتوفر على غرام واحد من جرأته لأفعل مثله..

أما الآن، فقد ازدادت شكوكي حين نزل العمال كلهم و قصدوا المكان الذي اختبأت فيه وهم يلوحون لي بحركات غريبة لم أتبين معناها..

ازدادت حيرتي أكثر و هم يقتربون مني..

دفعني أحدهم تحت أشجار البرتقال المزهرة.. نظر الثاني يمنة و يسر. نطق الأول:

- من أي بلد أنت؟

- أنا مغربي مثلكم لقد سمعت غناءكم !

انفرجت الأسارير مبتسمة بعدما عرفوا جنسيتي.. و نطق آخر:

- هل رآك أحد؟

- لا ..لا.. لم يرني أحد؟

- هل أنت متأكد؟؟

- نعم أنا جد متأكد.. لقد كنت أتسلق شجرة و أنام داخل أغصانها

توالت الأسئلة :

- و لكن كيف عبرت مسلك 'الرالي' و المتفرجون كثر؟ لا تكذب ..

- و الله لم يلحظني أحد .. انتظرت الفرصة المواتية بعد مرور جميع السيارات ثم تسسللت تحت الأسلاك هناك قبالة تلك المباني.. انظر إلى سروالي مزقه سلك هناك.. كان المسلك مغبرا ..

- كيف وصلت إلى هذا المكان؟

- جئت مع فريق 'الحراكة' في 'الباطيرا' التي رمتنا قبالة الشاطئ..سبحت و خرجت لأصل إلى الغابة..

- و رجال الحرس المدني لا يغادرون، فهناك بطولة لرالي السيارات قبالة الضيعة ؟

- تسلقت طريق التل ليلا و عبرت المسلك بسرعة كما قلت لكم بسرعة ثم توغلت داخل الأشجار ..

انتهى التحقيق بعدما رأيت علامات الانفعال الممزوجة بالأسى بادية على وجوههم ..

ساد الصمت برهة حتى دب شك عميق إلى نفسي التي أحملها كامل المسؤولية فيما وصلت إليه، و إذا ما فشلت ستكون لي معها قصة أخرى، ليس هذا سياق الحديث عنها..

رثى العمال لحالي و أخبروني أنهم سيساعدونني...

- اسمع، سنساعدك فنحن نقيم في هذه الضيعة، و معنا رفاق ليس عندهم أوراق إقامة مثلك، ولكن هذا ليس مشكلا ستبقى معنا، لكن عليك أن تغير هذه الثياب فإذا رآك رب العمل سيطردك، فقد يظنك مشردا خارجا عن الصواب.. إنهم يهتمون بالمظاهر كثيرا هنا ..عليك التعاون معنا، فهمت؟

- ماذا أفعل؟

- اسمع، ستمشي بمحاذاة الطريق المغبر، ستتبع العربة التي نركبها.. لكن ستسير بموازاتنا داخل ممر الأشجار، حتى إذا مرت سيارة لن يراك صاحبها. حتى تصل إلى تلك التلة هناكن فنحن نقيم داخل مجمع العمال .ستلتحق بنا و ولكن عليك أن تبقى مختبئا بين الأشجار حتى يسقط الظلام من جديد، فهمت؟

- نعم فهمت ..

هكذا مشيت لمسافة إضافية حتى انكمشت رجلاي و ازدادت قدماي تقرحا و لم أعد أقوى على المزيد، لا أكل ولا شرب و لا نوم بالمفهوم الصحيح . و من فوق هذا و ذاك المشي لمئات الكيلومترات.. علي أن أصبر فقد اقترب الفرج الإلهي بعدما اعتبرت أحلامي في مهب الريح.. بعدما كنت أحد الفارين من جحيم الفقر إلى جحيم الخوف و الارتعاب من الهزيمة، فهاجس القبض علي هزيمة كبرى ليس لها مثيل في هذه الظروف بالذات التي لست مستعدا فيها لدفع مزيد من الفواتير الإضافية..

أخيرا اقتربت من المجمع السكني الذي يقطنه عمال هذه الضيعة الفسيحة .. إنهم من جنسيات عديدة كما قيل لي يشغلهم الباترون الإسباني مقابل بضع حفنات من اليورو..

فهل تجري الأمور بخير هذه المرة و أعلنها محطة استراحة من العناء الذي يلاحقني؟ هل تكتفي هذه النفس الطائشة من التنكيل بي ؟ هل تكف عن إنزال أقسى درجات العقوبات و الحرمان بي؟

لم يمض وقت طويل علي تحت الشجر مختبئا مثل جرو هارب من قطرات المطر. حتى سمعت وقع الخطوات يزداد اقترابا مني.. إنه أحد الأصدقاء الذين عثروا علي وسط الغابة اليوم جاء لنقلي إلى المخدع الذي يقيمون فيه حتى ينقذني أخيرا من تشردي و هيامي على وجهي قرابة الأسبوع.

قمة المعاناة و اللف و الدوران و الخوف من المصير المجهول.. الآن فقط عرفت لماذا كان زبنائي في دكان الحلاقة بـ"كاسطييخو" يخبرونني بصعوبة المهمة التي لا يقدر عليها إلا الرجال.. يثرثرون كثيرا و يتحدون بعضهم البعض، ثم حين يأتون إلى الفعل يكملون الليلة في بيوتهم..

وجدتني أتيه مرة أخرى في وهم إضافي لبقائي على قيد الحياة، وهو مطلب لازلت أتمسك به إلى آخر رمق. لقد تماديت في قراءة فلسفتي في الحياة و الدخول و الخروج من بطانة الأشياء و إليها كما لم أكن من قبل، و أنا الذي لا أحمل لا عقل مفكر و لا يسكنني جني الفكر و الفلسفة منذ الصغر، إلا أن الله زرع في عقلي نبتة الفهم و الحكمة رغم انسياقي الخاص وراء رغبات نفسي و الانصياع وراء أحلامها الطائشة..

لن أقول ضيعت فرصة الاستقرارهناك و لكن سأقول وجدت أحلامي طافحة من مكانها بعدما لم يتبق لي مبرر وجود في مدينة "كاسطييخو" أو الفنيدق، المدينة المغربية التي يحب الكثيرون أن يطلقوا عليها اسما إسبانيًا و هي الحاملة لقلب مغربي خالص، قلب الطيبين من كل أصقاع البلاد يتجمعون بين ظهرانيها تحرسهم 'لا كونديسا' ببسمتها كل يوم. تركتها ورائي، تجر وراءها جيلا من المعاناة و آلاف الأسئلة المحيرة. أسئلة مركونة في الذاكرة إلى حين الإجابة عنها من مهمشين يقصدونها من مختلف المناطق بحثا عن فرصة عمل طائشة في البناء أو في حمل البضائع أو في العبور إلى الصفة الشمالية..

بين العمال المشفقين على حالي تولدت لدي رغبة في الخروج من العذاب الذي سببته لي هذه الرحلة.. لم أجد أكثر من النعاس و محاولة الاختباء من كل اللصوص الذين نغصوا حلمي، لصوص ليسوا أكثر من رجال الحرس المدني الأسبان الذين بت مرعوبا منهم كلما سمعت أحدهم يثير اسمهم .. لو قبضوا علي حتما سيتبرأ مني الكل.. سيرمونني كقطعة جيفة على الشاطئ بعيدا عن أعين منظمات حقوق الإنسان و حقوق الحيوان التي تملأ بلغطها الجرائد و شاشات التلفزيون و أعمدة الجرائد و تترك قصص الناس الحقيقية. أنا أستغرب فعلا كيف لهم أن يدافعوا عنا و هم يقضون الليالي الملاح في الفنادق و الحانات، يتناولون ما لذ وطاب من شهيّ المأكولات و يتشدقون بالدفاع عن هؤلاء المستضعفين القادمين من الجنوب و النضال لأجل حل قضيتهم العادلة.. من أراد النضال فعلا عليه أن ينزل إلى الميدان و يتفقد حالة هؤلاء المهاجرين الذين إما تجدهم مكدسين مثل السردين في مخيمات معينةقبل ترحيلهم، أو متناثرين هنا و هناك يستغلهم فلاحو إسبانيا و فرنسا و البرتغال بأبخس الأثمان.. ليس هذا و فقط بل منهم من تستغل المافيا حاجته إلى المال و الاستقرار فتقتات من أزمته. أجل .. مقابل بمقابل كما يقولون..مثل حفار القبور الذي دخل عيشه من الموت ..إذا لم يمت أحد يظل جالسا..

بدلت ملابسي، عفوا بدلت الأسمال التي كانت تستر ما تبقى من جسدي بعدما تقلصت إلى قطعتين شبيهتين بلباس الهنود الحمر. ناولني هؤلاء المضيفون بعضا من ثيابهم.. إنها أول ليلة أشعر فيها بعودة الدفء إلى جسدي.. أكلت كثيرا كما لو لم أر الأكل في حياتي من قبل. هذا طبيعي أن يأكل الإنسان بشهية 'حيوانية' بعدما فقد العلاقة مع الأكل قرابة أسبوع، حتى لم أعد قادرا على تمييز لون الطعام و لا رائحته أو نوعيته.. لم أميز شيئا منها فليس لي حاجة بذلك .. لم يهمني إذا كان لحم بقر أو غنم أو لحم حمار حتى.. ماذا عساه يفعل ؟ يقتلني؟ لن تقتلني سوى هذه المجاعة التي ألمت بي، و لن يقتلني إلا عمري كما يقال عندنا.. أجل ! كل ما أريده هو الاقتيات لأجل البقاء و الاستمرار و تعويض ما فات.. تداخلت علي العوالم و اختلطت مشاعري، مشاعر الفرحة بمشاعر الألم.. مشاعر الهرب و الاختفاء و العيش في الظل كجرذ هارب من قطط الحي بمشاعر النجاة و السكينة المشوبة بالحذر..

إلى متى سأبقى ملازما لهذا العيش في الظل؟ هل هذا نتيجة للانقياد وراء رغبات النفس التي تريد إقبار كفاءتي؟ هل هي الأحلام تبنى بتؤدة؟ علي أن أصبر و أقاوم، فروما لن تبن في يوم كما يقول ذلك المثل الإنجليزي الشهير..

لِـمَ يا ترى يعذب الإنسان نفسه بنفسه أحيانا، حين يخرج من بحبوحة الاستقرار البسيطة إلى السعي وراء الغابر من الأشياء و المفقود منها؟ هل هو الشعور بالنقص ؟ هل هي غواية النفس ؟

أجل أيها الصاحي .. إنها الغواية، لغة الإغراء الحقيقية التي تروي ظمأ الشعور بالنشوة و اللذة.. لذة مجاراة النفس و مسايرة إيقاع معزوفاتها الحزينة، لأجل تحصيل الثروة و الاغتناء في لمح البصر و ركوب السيارات الفارهة و الحصول على ما لذ و طاب من النعم التي خلق الله..

إنه حق مشروع لكل إنسان أن يطمح شريطة ألا يتحول الأمر إلى غواية و لعنة، فالطموح يجب أن يبنى على مشتل المنطق محصنا داخل سياج العقل بالمفهوم الديكارتي العقلاني الذي يصور الأشياء خاضعة لمنطق معينن و يشجب رغبات الحدس النفساوي المقيت..

تبا لك أيها الصعلوك ! أو مازلت تقوى على ذكر 'ديكارت' و الاعتداد به و أنت الذي غادر المدرسة في حدود تهجي الاسم؟ أين عرفت 'ديكارت'؟ هل التقيت به في 'كاسطييخو' لما كنت حلاقا؟ ماذا؟ لا تنطق بالسخافات و تخبرني أنه جاءك زبونا يطلب حلاقة شعره المسدل على كتفيه .. أنا أعرفك أميا، جاهلا، يربوعا ابن مزبلة، فمن أين لك بكل هذه البراهين و المحاججة؟ ماذا؟ لازمت القراءة و المثقفين؟ ليثني أصدقك! أنا نفسك أعرفك أكثر منك، و مع كل هذا الألم الذي مرّغْتـُكَ فيه برغباتي و لازالت لديك القدرة للحديث عن العقل؟ ألم تتعظ بعض من بطشي ؟ كل هذا السقوط المدوي من القمة إلى السفح و لازالت تدب فيك روح 'سيزيف'؟ سنرى إذن من المنتصر أنت أم سطوتي ؟

هذا الصراع بيني و بيني نفسي هو الذي تتغذى منه معاناتي .. صراع وقوده مئات اللاءات المزمجرة التي يتقاسمها معي آلاف الأشخاص بل قل الملايين منهم.. تمنيت و أنا في منتصف هذه الرحلة الملغومة لو أنني لم أنسق منذ البداية كبهيمة جوعاء وراء رغبات نفسي .. أجل 'من النهار الأول يموت المش' كما يقول المثل الشعبي .. تقول لي نفسي : اذهب إلى هنا، أقول لها : لا .. خذ تذوق هذه التفاحة ، لا ن التفاحة رمز الغواية، و علاقتها بالسقوط ترجع إلى آدم أوَ لم تكن هي سبب خروجه من الجنة؟ تقول لي النفس: ارم ما في يديك ! الجواب :لا .. هاجر إلى أوربا ، لا، لا ، لا... لا تقض حاجتك ! لا.. نعم.. عفوا، إلا هذه ... و قهقهت و أنا غائر في حوار 'بيزنطي' مع نفسي ..

أيها الصاحي، كنت أفضل فعلا الاستقرار في الشمال أحصل مالا متوسطا من الحلاقة بدل هذه المأساةساة التي وصلت إليها بسبب الجشع الذي لا مسوغ له.. لم يعد المال هو همي كما تصور لي نفسي فالأهم هو كينونتي التي لا أريد على آخر أيامي أن أمرغها في التراب، أستجدي هذا و أستعطف ذاك.. لكن لم يكن لدي خيار في هذه الحالة فقد بدأت أمرغ كرامتي في التراب منذ رآني العمال في صورة إنسان الغاب و منذ طلبت منهم أن يتستروا علي و و ....

بدأت أستشعر ملامح الندم تدب إلى أوصالي و أنا أعيش وسط هؤلاء العمال الذي يعاملونني صراحة بلباقة و يتسترون علي إلى حدود الساعة.. لكن من يدري؟ إنه الإنسان و قد تعرف كل شيء إلا ما يدور في خلد بني البشر.. قذفة طائشة من هنا أو من هناك قد تصيبني مباشرة ..أجل ، لا اطمئنان حتى تحصيل الأوراق التي لا أدري إليها سبيلا إلى حدود الساعة..

و من باب الطمأنة قيل لي أن رائحة الحرس المدني يشمها العمال عن بعد، كما أنه لا أحد سبق له أن ضبط هنا، فمم التخوف؟ فأغلب العمال الذين يقطنون هنا، على الأقل لا يملكون أوراقا ثبوتية رسمية حيث قام رب العمل الإسباني بتسوية وضعيتهم مؤقتا فقط بعقود عمل يبدو أنها لا تؤهل الإنسان للبقاء طويلا في هذه الضيعة. الكل هنا ليس له حلم غير الحصول على الأوراق الرسمية للإقامة و الخروج من وحشة هذه الضيعة المترامية الأطراف إلى العمق الاسباني ، إلى حيث الحياة تبدو لذيذة في أوربيتها بكل ما تحمله الكلمة من إغراء.. حيث الحرية لا تقدر بثمن.. و هذه النتيجة التي أريد تحصيلها لست في منأى عن دفع ثمنها مقدما ..

أيها الصاحي،

هل لازلت تتذكر اسمي؟

أنا جمال.. جمال الحلاق و العامل و بائع الكتب القديمة و الباحث عن القوت في القمامة ذات زمن ضائع .. أنا الذي تخلصت من معاناة الفقر لأجد نفسي مرميا في قفر مليء بالأشجار و حطام الذات. هربت من خوفي المعلب بإحساس الهامش إلى غياهب الضياع و الانتظارية التي تقتل فيّ كل يوم الرغبة في الاستمرار و المقاومة.. لن أستطيع التحمل أكثر من هذا.. لقد رأيت ما يكفي. أوه ! كل هذا الثقل؟ هذا كثير علي يا أخي هناك 'سيزيف' واحد عرفته البشرية مات قبل قرون، و هناك نبي واحد اسمه أيوب عرفه البشر كذلك مات قبل قرون .. لا، لا، لا .. لا أريد هذه اللعبة ! ماذا؟ كرر ما قلت ؟ تريد إغرائي بحلم أكبر؟ هههههه هه. تريد التحالف مع نفسي.. ماذا تسميه؟ الجائزة الكبرى؟

أنا أعرفك ! لن تبتعد عني حتى أفرغ لك ما في جعبتي.. أو ربما ترسلني إلى الآخرة !

آنذاك قد ترتاح و تبحث لك عن مصدر آخر تتلهى به. و الله علي لن تضحك ! و بمعاناتي لن تتسلى !

رغم ذلك لازلت أقاوم.. فعلا لم تتعود ذاتي على السجن النفسي.. السجن الذي استشعرته حالما قذفني المركب المطاطي على الشاطئ الإسباني قبل أسابيع.. لكن سأتابع الرحلة .. سأحاول قهر كل الأرقام التي سجلها العبدري و ابن جبير و ابن بطوطة .. سترى بأم عينيك و بأبيهما، سنرى من سيربح الرهان في النهاية، شريطة أن تحترم شروط اللعبة.. نعم هذا شرطي لك .. لا تكن مثل نفسي و إغواءاتها التي خرقت كل الاتفاقيات التي عقدناها سويا. إنها مارقة في الكذب و اللف و الدوران .. مثل إبرة الخياط لا تستقر على حال.. كلما ظهر لها بطني عاريا توجه لي لكمة قوية بل تضرب حتى تحت الحزامن و تجرب حتى العض! هل أنت مثلها ؟ إذا كنت كذلك فأنت عديم المروءة و جبان كذلك. لا أقارع الجبناء الذين ليس لهم مبدأ.. إنني صحيح أصارع نفسي في رحلة طويلة قد تطول لآلاف السنين، لكن صدقني قتال عدو عاقل خير لي من قتال من يدعي صداقتي و هو منافق. أنا أكرهك بدءا من الآن و إذا كانت لك مروءة أجِبْـني .. لماذا تظل ساكتا كل هذه المدة؟

ألم تر أنني أتحدث منذ الأزل و أخاطبك بكل الأساليب و أنت شارد؟

لم تستطع لحد الساعة الإتيان ببرهان واحد ينزهك عن التورط في المؤامرة أنت الآخر عبر النفاق و الكذب اللذين بدأت تختفي وراءهما ؟

مع ذلك أيها الصاحي، لن أغادر ! و ذلك اليوم لن يكون لك، لأن قصتي خالدة مكتوبة منذ الأزل ..

سأصبر وفاء لأمي التي لم أخبرها بهجرتي الفجائية، فلا أحد من عائلتي يعرف مكاني الآن..

فأنا الوحيد الذي يدرك خطورة ما أقدمت عليه و ما قادني إليه تهوري من جراح غائرة لا تندمل.. أجل كلما كان الإنسان ذا تفكير عميق، كلما زادت معاناته و هو يحمل هم الآخرين و يحاول إخراج العالم مما يحذق به من أخطار. الجاهل لا يعير الأمور كبير همّ ٍ.. فليقع ما يقع ! ليس الأمر مفهوما عنده.. المهم ألا يصيبه مكروه، أما البحث عن حل جماعي فليس من شأنه.. هذا ما يحصل مثلا بالنسبة للاحتباس الحراري. المهندسون و العلماء في الشرق و الغرب يتسابقون لإيجاد حل لوقف توسع ثقب الأوزون و الملوثون الجشعون مستمرون في صناعاتهم التلويثية ، مصممين على نفث سمومهم في المياه و الهواء .. إنها الكارثة الحقيقية التي ستغير ملامح هذا الكوكب و هم عن ذلك غافلون .

اعقل يا جمال !

لن تغير العالم يا جمال، لأنك لم تحرك حتى نعلك من مكانه و أنت تجري هنا و هناك منذ زمن سحيق مختبئا من الآخر.. مختبئا من العذاب الذي يغلف حياتك حيث هربت من عذاب المجتمع إلى عذاب الذات.. إنها قمة الشتات 'السكيزوفريني' حين تصبح و تمسي مشويا بين عذابين، عذاب الهوية التي تتشبث بها، و عذاب فيزيقي مادي براغماتي نفعي يريد أن يجعل منك هلاما يغشى الأبصار و يسيطر على الوجدان و الفؤاد، و يجعلك بالتالي عبدا لتحصيل الثروة و السعي وراء ضبابية المال و الجاه.. لن تستفيد شيئا مثل سابقيك .ستبقى عبدا لنفسك.. و إذا تخلصت من ذلك ستصير عبدا للآخر. إنه حالك أيها الحكيم . لا تنس أنك عبد لله فقط .

و يتولد لدي مع توالي الأيام إحساس غريب كما لو أنني أعرف هذا المكان جيدا.. أعرفه حق المعرفة و أنا أتلذذ بنفيي الذاتي نفيا سيكولوجيا من الوجود الحقيقي إلى عالم افتراضي لم أتبين بعد ملامحه.

ترى ماذا تريد هذه النفس الأمارة بالحيل أكثر من إيصالي إلى هكذا عذاب؟

لن أطيل الكلام هنا ، فأنا لازلت ضيفا، و ضيافة النبي ثلاثة أيام، و يلزمني السكوت، فالسفسطة لن تنفعني في تحصيل كرامتي الهاربة مني، منذ عرفت أنني مطارد و المصير يحتم علي الاختباء وسط الأحراش و الأشجار حتى يأذن الله بالفرج.. سفسطتي هي التي أوصلتني إلى هذا البحر الغجري المتلاطم الأمواج . ما عدا ذلك لا أملك أكثر من الاختباء و محاولة النوم من الأعين المترقبة و المشفقة لحالي.

أخبرني الساكت - و ما هو بساكت- أنهم وصلوا كلهم إلى إسبانيا مثلي في أحد الأيام التسعينية في صورة الإنسان البدائية على الأرض.. وصلوا كلهم كما ولدتهم أمهاتهم من حر الجوع الذي خلفه المسير الطويل داخل الغابة و من حر الأوحال العالقة بثيابهم التي تخلصوا منها في منتصف الطريق. لم يقصد طبعا أنهم جاؤوا حفاة عراة و لكن الأسلاك الشائكة مزقت ثيابهم و الأوحال علقت بثيابهم و هذا طبيعي لكل متسلل عبر الحدود الدولية..

جاؤوا كلهم في صورتي هذه.. ولذلك لا حرج علي، و ليس علي أن أقلق أو أخجل من حالتي المزرية التي ذكـّرتهم بماضيهم في الألم و محاولة تحصين الكرامة الضائعة في مهب الريح رغم أن منهم من ندم فعلا و أحس بضياع فرص كبيرة عليه. فرص تركها تتلوى في الوطن كحية ترقص على أنغام الحاوي في ساحة 'جامع الفنا' بمراكش..

أردت أن أغمض جفني، لكن بحر الأفكار الهائجة في ذهني لم يتركني أبحث عن الهناء حتى في المنام.. حوله إلى سرك حقيقي لتبادل العروض البهلوانية، لم يتركني أنشد الخلاص.. لكنني مع ذلك استسلمت للنوم هذه المرة وسط إعصار 'كاترينا' في ذهني..

تكلم الساكت مع رب الضيعة و أخبره عني ..

لم يعر 'الباترون' الإسباني الأمر اهتماما لوجودي، فهو متعود على مثل هذه الأحداث التي تجلب له العمال بنصف الثمن الذي يدفعه لأصحاب الوثائق الرسمية. أما الإسبان فلا يرضون بالعمل في الأشغال الشاقة كما يسميها المهاجرون السريون الذي يشتغلون هنا مقابل 40 أورو في اليوم..

آه ! ماذا لو كنت عاملا مرسما أحمل عقد عمل و كل شيء يجري كما ينبغي؟

لم أعر الأمر اهتماما أنا الآخر، ما دمت أعرف أنني قد قطعت البحر المتوسط إلى الضفة الشمالية في ظروف قاسية، و النهر يفيض قطرة بقطرة كما يقال.. فلأصبر حتى أحصن مستقبلا أفضل، و أنقذ نفسي من زئبقية مطباتها التي لا تنتهي ، و أنقذها من الضياع و الهروب مجددا.

الهروب هو الثيمة الملاصقة لي، منذ وعيت ذاتي في الدنيا و أنا أنشد الخلاص عبر لغة واحدة تعلمتها هي الهروب. أجل ! اللغة التي أتقنتها منذ هربت من المدرسة لما ضربني المعلم ذو الكبرياء الخاص، و ارتحت في مزبلة المدينة أتخذها مرتعا و مصدرا للرزق و الرزق على الله كما تعلم أيها الصاحي.. ثم هربت من عالم المزبلة إلى عالم أرحب هو الضيعة المجاورة لقريتي، لأتم رحلة الهروب إلى شمال المغرب و من ثمة إلى هنا.. والآن ها أنا أهرب مرة أخرى لأحاول تحصيل ما لم أجده في جهة أخرى من العالم. أو كما تبدى لنفسي آنذاك أن فعل الهروب أو 'الهرب' - سمه أنت بما يناسبك من المفردات- هو الحل لتغيير حالي و الارتقاء في السلم الاجتماعي بلمح البصر..

بقيت أجتر هذه اللغة.. تراودني أفكارها من حين لآخر كمغص فكري و نفسي مزمن و ليس له علاج..

**********

بدأت العمل، مهنة ميسرة بأدوات تقنية متوفرة جعلتني أستغرب لِــمَ لا يريد الإسبان الاشتغال فيها. نعم الإسبان الذين كانوا أيام زمان يقطعون البحر جنوبا للعمل في الحقول المغربية مقابل المال المغربي، أنقذهم الاتحاد الأوربي لنصير عمالا في ضيعاتهم. تبا للوقت الذي انقلب 180 درجة في عشرية واحدة. لكن لا يهم فقد يقول المستقبل كلاما آخر و نحن لا ندري ما يخبئه لنا القدر، فالله عز و جل وحده يعلم ذلك .

لكن هم الأسئلة لم يفلتني من براثنه الشرسة.. بقيت رهين مخالبه القاسية أبحث عن منفذ ينقذني منها..

في جهة أخرى من الضيعة ، وجدتني أتأمل طبيعة الأغراس المنتشرة هنا و نوعيتها.. لم ألحظ اهتماما بالبرتقال و الزيتون و العنب في أي مكان آخر أكثر من هنا. المختبرات لا تكف عن تزويد الفلاحين بما يلزمهم من بذور و شتائل مطورة و معدلة وراثيا حتى تقاوم الأمراض و التقلبات المناخية، و تتكامل التقنية البيولوجية و الزراعية بالتقنية الفلاحية و يصبح العلم في خدمة الفلاحة. أما عندنا في العالم العربي فلا مجال للمقارنة، نتعلم فقط من أجل سد النقص في الأرقام الأممية، و حتى نقول أن المدارس ممتلئة و الكتب متوفرة، متناسين أن لا أحد يقرأ خارج أسوار المدرسة. و هذا مرض خطير ينتشر في البلاد العربية برمتها، حيث المقروئية جد ضعيفة و الكتاب غير مرحب به إلا في أوساط نخبوية ضيقة و محصورة..

كم نصرف –شرف الله قدرك أيها الصاحي- على الثقافة في الوطن العربي؟ كم تصرف الحكومات العربية على البحث العلمي و الأدب و العلم كي تنشد التقدم؟ هل سنتقدم بالطرب و الرقص و إمالة المؤخرات و الأكتفاء، ثم تزفيت الشوارع و طلاء الجدران من حين لآخر ؟ ليست هذه هي المقاربة السليمة للتنمية أبدا . فإما أن نشجع البحث العلمي و تيسر أمور الوصول للمعلومة، و نجعل العلم قاطرة التنمية حقيقة وليست مجرد شعار أجوف نرفعه من مناسبة إلى أخرى، و إما نشجع الرقص و المجون و الخلاعة فنبقى ملتصقين بالأرض نهش الذباب و نتأوه من الحسرة بينما التي كنا نعدها صغائر الأمم تتقافز إلى مراتب متقدمة من ورائنا و نحن عن ذلك ساهون ننعم بالهدوء و الطمأنينة ..

ليس عندي جواب لذلك. أنا جمال العبد الضعيف المرمي في ضيعة إسبانية دون أوراق إقامة رسمية، أجني ثمار البرتقال و أحمل صناديقه على كتفي. تلكم حالي و لا داعي للسؤال عن ذلك فد عرفتني أيها الصاحي قبل ذلك !

سأمطرك بالمزيد إذا لم تكتف بما سبق..

بقيت على تلك الحال مدة شهور طويلة، انقطعت فيها عن العالم الخارجي.. العالم الذي اشتقت فيه إلى خبز أمي و قهوة أمي كما يقول مارسيل خليفة، العالم الذي اشتقت فيه إلى تلتنا الجرداء و بعوضها السمين حيث أمارس صعلكتي دون قيد أو رقابة أو خوف من أحد.. لم أكن أتواصل مع أحد باستثناء صديقي الساكت الذي كان يقتسم معي غرفة السكن و عامل تونسي من مدينة جربة اسمه الطاهر الذي رحب بي منذ البداية و ساعدني في إيجاد الإيقاع المناسب لحياتي الجديدة ..

مرت علي شهور، حاولت التطهر فيها من خطاياي الآسنة.. تطهرت من بقايا العفريت المارد الذي يسكنني و يدفعني إلى الهرب على الدوام.. أردت تحصيل متطلبات ذاتي و فرملة عنجهيتها في هذا المكان و البقاء هنا. لكن شيئا غامضا بداخلي كان يدفعني نحو التمرد.. كان يدفعني مندلقا على شراشيف المدى في سبيل تكسير الوحشة الداخلية التي أعيشها و أعاني منها و من ترسباتها المتكلسة في علبتي السوداء. إنها مرارة اللاستقرار التي تطاردني على الدوام .. مرارة تنبع من كوة سحيقة داخلي حتى ألبي نداء الوحشة و ضرورة الخروج مرة أخرى لإكمال المسيرة المضنية التي لا تقنع بالاستقرار هنا.. على آخر أيامي أكنس غائط 'الصبليون؟ ههههه إيوا صافي، لم تبق لي كرامة..

هممت مصمما متسلحا برغبة الغوص في غياهب المجهول .. لا ليس مجهولا .. أنا رجل يعرف وجهته حتى و لو لم أرها من قبل.. فالجواب عند رغباتي الداخلية التي تتصورها نفسي بشكل واضح متضح لا غبار فوقه أو تحته.. إنها قادرة على إيجاد خارطة طريق فسيحة و رسم الأحلام الوردية التي لن تكتمل إلا بتحصيلي للخلاص و المجد الأبدي، الذي لازال منكمشا و غائبا عن الظهور. و حدها نفسي تعرف هذا المكان القصي عن الأنظار و الذي لا يدركه حتى العقل، و هي وحدها من يعرف الجواب عن سبب اتقاد جذوة الهروب، و انتعاش أسئلتها التي تغلفني بشرنقتها منذ وعيت فصامية ما أنا فيه من معاناة..

و قبضت أول أجر لي ..

كان سمينا مقارنة بما تعودت عليه في مهنة الحلاقة. فكرت في مهاتفة العائلة التي لأول مرة انقطعت أخباري عنهم كل هذه المدة ، حتى أنني نسيت وضعيتي، و بسرعة أردت الذهاب إلى "البويبلو" القريب من هنا، و إرسال جزء من أجرتي لهم و طمأنتهم على مصيري.

لولا أن ..

نهرني الساكت بحزم هذه المرة:

- هل جننت؟ هل تريد أن يقبض عليك الحرس المدني وترجع بصفة نهائية إلى المغرب؟

- لكنني أملك ورقة العمل في الضيعة و الإسباني قال أنه صرح بنا و يضمننا.

- يا هذا الأحمق ! الضامن هو الله ! إلزم مكانك! لا تثق في كلامه، فكثير من الشباب الذين كانوا معنا ، ذهبوا مثلما تقول إلى 'البويبلو' و لم يرجعوا قط ولم نرهم. ألم تطرح على نفسك سبب تشغيل هذا المحتال لمن لا يملكون الأوراق الثبوتية الرسمية؟

- ربما يتعاطف معنا..

- هه هه هه ماذا ؟ يتعاطف معنا؟ و الله إنك مسكين و أنا أشفق عليك و على براءتك في مقلاة الحياة!

- لماذا إذن أيها 'الفايق و العايق'؟ أفدني يرحمك اله !

- اسمع .. يبدو أن الخبرة في الحياة لازالت تنقصك و لذلك أحذرك ألا تقدم على شيء في هذه البلاد قبل أن تسأل من سبقك إليه، فقد تقدم على شيء تكون معه نهايتك، فالقانون هنا سيد الكل.. فهمت؟

- نعم .. و لكن ما سبب تشغيله لنا يا أخي .. لقد سربت الشك إلى نفسي.

- هذا الرجل يشغلنا ببساطة لأنه يؤدي لنا نصف الأجرة فهمت؟ ثم لو كانت لدينا أوراق ثبوتية فهل نقبل بذلك؟ و السلطات الإسبانية تعرف ذلك و تغض الطرف عنه و عن غيره، لمعرفتهم بصعوبة إيجاد اليد العاملة و عدم رضا أبناء الإسبان بالاشتغال في هذه المهن الشاقة.. فهمت ؟

- ولد الحرام يا له من محتال ..

- زد على ذلك أنه لا يؤدي عنا الانخراطات في صندوق الضمان الاجتماعي و التغطية الصحية و يتهرب من الضرائب، فنحن يا أخي بكل بساطة نعمل في السوق السوداء مع هذا المجرم. الذي يأكل عرقنا ..

- اتفو! حتى هذه البلاد التي تتبجح بالديمقراطية و حقوق الإنسان، يعشش فيها الأنذال ؟

- نعم إنها مافيا ، و نحن أضعف حلقة فيها .. لذلك كن حذرا و لا تخبر أحدا بما قلت لك فالكل متواطئ هنا.. إنهم ينتظرون فقط صدور أوراق الإقامة بشكل رسمي.. فهذه الضيعة معروفة لدى الكل .. إنها منطقة عبور فقط ..بعدها سترى بأم عينيك..

جلست القرفصاء أفكر مليا فيما اخبرني به صديقي الساكت.. أبحث عن حل بسيط للخروج من هنا سالما ..لكن قبل ذلك علي التفكير في كيفية الوصل مع العائلة التي تركتها مرابضة هناك في قريتي "الدهنة" بتلال سايس المتربة بالمغرب.

لم أعد قادرا على تحمل المزيد من ذلك .. طلبت من الساكت أن يبحث معي عن حل.. سيتكفل هو بذلك كما قال .. أعطيته عنوان عائلتي في المغرب، و سلمته المبلغ المحصل عليه و تركت في جيبي ربعه فقط.

لم تطل مدة غيابه .عاد بعدها محملا بالبيرة و الفواكه الطازجة.أعددنا العشاء و تركناه يغلي في قدر على نار هادئة. سلمني الساكت هاتفا نقالا، كما أخبرني بأنه أرسل بطريقته الخاصة المال إلى عائلتي.. استفسرته عن الأمر، فبدأ يمازحني .

نهرته :

- الله يرحم أباك قل هل أرسلت المال؟

- طبعا أرسلته.. أرسلته منذ الصباح ..هههه ..

- لكن كيف أرسلته؟

- هل تريد التأكد ؟ هيا خذ الهاتف و اتصل بعائلتك .

شككت في أمره في البداية، خاصة و أنه كان يحتسي رشفات من البيرة و يصدر بين الفينة و الأخرى قهقهات تنتهي بالحشرجة حتى السعال.

و أخذت الهاتف و اتصلت بالعائلة.

أيها الصاحي،

لم تكفني لا دقيقة و لا عشرة..

بكيت من حرقة الألم و أنا أحدث أمي .. تحدثت معهم حتى لم تتبق في جعبتي قدرة على كبح الدموع من مقلتي..

أسمع زغاريدهم تنبعث من هناك و الأصوات أكثر من العدد الذي أعرفه.. ربما أهل القرية كلهم يتحدثون في آن واحد و هذا ذكرني بعادة في قريتنا.. إنهم أناس معروفون بالحديث في آن واحد فتجد عشرة يتحدثون و واحد فقط ينصت إليهم، فتتيه المعلومة و تذهب الاستفادة من السامع و هذا ما كان يقوله لهم خطيب الجمعة مرارا لأنه لاحظ ذلك حتى في المسجد.. فمن شب على شيء شاب عليه ..

المهم أن عائلتي تعرف الآن أين أنا .. بل إن صديقي الساكت الذي أعطيته ألف 'أورو' لم يذهب يرسلها عبر شباك بريدي أو وكالة أو ما شابه.. فقط اتصل بأحد أفراد عائلته في المغرب و أخبره أن يرسل مبلغا ماليا إلى العنوان الذي أعطيته من المغرب..إنها خطة جميلة بينما احتفظ هو بالمال كما قال لي.. لم تعرف عائلتي أن المال صرف لهم من المغرب، لكن المهم أنهم عرفوا أنه مني ..

آلام البعد حارقة، و وجدتهم هم الآخرين تائهين عن جادة الصواب لما أخبرهم أخي حسن عن اختفائي، حين لم يجد سوى دكان الحلاقة خاصتي مغلقا. تبعني إلى مدينة 'الفنيدق' فوجد الدكان مشمعا بفعل الهروب من الزمن الأربد في خطه الأنطلوجي. لم يجدني بل وجد آثاري لدى ابن عمتي، و استسلم للحسرة على اختفائي القسري. لكن في نظرهم الهروب ليس عيبا، و ربما ذلك ما يشفع لي أنني أنقذت نفسي بتعبيرهم و هو يطالبونني بأن أنقذهم هم الآخرين. أجل أنقذ خمس إخوة لا يتقنون حرفة بذاتها، حرفتهم هي الالتصاق بزوايا الأزقة و اللف و لعب الكارطة أمام دكان 'الساحوتة'، و التجوال قبالة الربوة الصامتة بضفاف وادي 'مكس' الذي احتضن غير ما مرة تهوري و شغبي أيام الصبا . ينتظرون مني إرسال ما ينقذهم من عطالة قاسية .. ليتهم يعرفون العطالة النفسية الكبيرة التي تجتاحني كل يوم و أنا أقاوم رغبات النفس الجامحة في الهروب من جديد.. ليتهم يصدقون حكايتي في إيجاد خلطة مناسبة لفرملة هذه اللعنة المأساوية التي تلاحقني كلما هممت بالاستقرار في بقعة ما من بقع الجغرافيا الفسيحة التي تغويني و تجلعني أشد الرحال إليها بلا مقدمات سفر..

طبعا لا أحد منهم سيصدق حكاياتي ، مثلما قد لا تصدقها أنت..

أيها الصاحي

لم أعد قادرا على رفع صخرة 'سزيف' من جديد ..

ها قد مرت شهور أخرى ..

و أنا على هذه الحال، أعمل مقابل نصف الأجر لأنني غير رسمي، و أقول مع صمويل بيكيث ' في انتظار غودو' الذي قد يأتي و قد لا يفعل .. بت أعلم أن فعل الانتظار هنا يصير طقسا لتسجيل حزمة من الآلام و تعطيلها أو على الأقل تمطيطها. تسربت إلي أحاسيس بالخدعة فبت أكره الانتظار لأن غودو لن يأتي، و أن الذي قد يظهر في هذه اللحظات الحرجة هو بائع الثلج الذي حاصره المسرحي الأمريكي يوجين أونيل في عمله الدرامي 'بائع الثلج يأتي'. وحدها برودة رجل الثلج في مسرحية أونيل قادرة على لإطفاء النار التي تغلي بداخلي مثل محرك بخاري مهترئ..

لقد سئمت سماع هذه الأسطوانة المشروخة التي تتردد كل يوم.. أسطوانة نوتتها الرئيسة مبينة على الانتظار ..أجل أنتظر صدور أوراق إقامتي الثبوتية و الرسمية كما يقول بعض العمال الذين سبقوني في الرسميات و الثبوتيات. أسطوانة هي حديث الفطور و الغذاء، بالليل و النهار بالصبح و العشي و الصيف و الشتاء كما تقول فيروز، غير أن ما تقوله هذه الفنانة الرائعة يتعلق بالحب و ما ينطوي على حالي هنا متعلق بالانتظار و الملل و الرتابة القاتمة.. إننا هنا مثل آلات 'لينين' التي تعمل بلا كلل و بلا ملل، و مقابل ذلك تحصل على التغذية و الماء و الكهرباء فقط .أي نحصل الضروريات لكي نبقى على قيد الحياة.. لا، لا ، لست مستعدا على آخر أيامي لأن أصيرا عتلة صغيرة في طاحونة كبيرة؟ ماذا سأستفيد ؟ لا شيء يلوح في الأفق، و لو كان الخوخ يداوي لداوى أصحابه كما يقول المثل عندنا. هذه مبادئ لست مستعدا للتلاعب فيها ، فأنا هارب لتحصيل الكرامة و ليس لتحصيل عبودية بمفهوم آخر تتحكم فيه الرأسمالية و تكرس مبدأ تسليع البشر . آسف لقول ذلك ، لكن أيها الصاحي، أنت تعرف من البداية أنني لست مستعدا لأكون عجلة احتياطية لمعطوبي الحرب الرأسمالية الشرسة التي تريد الاقتيات على ظهورنا و تزيد من استنزاف طاقتنا و عرقنا ..

لا أدري متى بدأ الملل يتسرب إلى نفسي . المهم أنني أحسست بالسأم أيضا في هذا الإيقاع الغريب الذي نتورط فيه يوما بعد يوم، ليس لوحدي، و لكن جل العمال يحسون بذلك لكن يعقدون الأمل لأجل الخلاص.. إنه خطاب المسكوت عنه ، حيث الكل متذمر لكن لا أحد يريد المغامرة .. لا أحد يريد المقامرة في لعبة حظ طائشة تعتمد السواد و البياض. لعبة لا تمتلئ فيها البياضات و لا تكمل فيها الفراغات ..'عندك عندك، ما عندكش ما عندكش'.

تمر الأيام رتيبة متكررة في الزمن الواقف سيكولوجيا عندي، متناوبة على الظهور و الاختفاء كلعبة الحائط و الظل ، حتى فاض الكأس ..

فانتفضت ذات يوم ..

طلبت لقاء رب العمل الذي يحترمني كثيرا على عكس الكثيرين من العمال، لأنه لا يحب عربدتهم وسكرهم بلا سبب كأنهم نصارى. استفسرني عن سبب زيارته له في مكتبه ..خاطبته بلكنة جديدة لم يعهدها :

- اعذرني 'سينيور خيسوس' ، نحن هنا نعمل بنصف الأجر و لا أحد يتكلم ، هل ترض ذلك لنفسك؟

- أعرف ذلك سينيور 'خمال' (جمال بالإسبانية لأن اللغة الإسبانية ينطق فيها الجيم خاءا)، لكن حالما تصبح أوراق إقامتكم متوسطة الأمد سأبدل العقود ، فهمت ؟

- أنت من يتحكم في الأوراق؟

- إذا لم يعجبك الحال يمكن لك الذهاب إلى مكان آخر !

- إذا غادرت الكل سيتبعني إنهم مستاؤون أكثر مني

نظر إلي بعينين جادتين هذه المرة ..

- ماذا تقصد ؟ أنا لست السلطة للتلاعب بالعقود ..

لكنني فاجأته قائلا :

- السلطة تبني قرارها على نوعية العقود التي تسلمنا..

لم يستطع 'خيسوس' مجاراتي في الحديث، فغير مجراه :

- هل عندك إخوة؟

- نعم، عندي 5 ؟ لماذا ما دخلهم ؟

- هل هم في مثل صحتك و متفانون في العمل مثلك؟

- نعم

- اسمع/ خمال، أريد أن أمنحك عقد عمل آخر، لكن يلزمك ان تعطيني مقابله 300 أورو. إنها مصاريف المحامي و التسجيل ..

لماذا ؟ هل تريد ابتزازي ؟

نادا، سينيور ، سأفعل نفس الأمر مع الباقين !

لم أستطع تكذيبه، مثلما لم أستطع تصديقه ، لكنني قبلت على مضض مستحضرا أزمة إخوتي هناك :

موافق، و لكن هل أدفع لك نقدا أم ماذا؟

نادا، خمال..ساسهل عليك، سأقتطعها من أجرتك، إذن ستعمل سبعة أيام و نصف مقابلها.

موافق سينيور خيسوس.

تسلمت العقد من الإسباني ورجعت إلى الساكت مرة أخرى.

الساكت الذي لا يسكت كما عادته هو مفتاحي لأجل إثبات ذاتي، لأجل إسماع صوتي هنا . لم أرد أن أكلمه أمام الجميع، لأنني أعرف أن صديقي هذا ليس بينه و بين السكوت سوى الاسم الذي يتقاسمانه، و أن ما حصلت عليه سيثير حتما شهية الآخرين لفعل نفس الشيء و هم أقدم مني، و بالتالي إثارة البلبلة رغم إقرار صاحب الضيعة لي بكونه سيزود الباقين بنفس الوثيقة ..لكنه طلب مني التريث قليلا..

كان الساكت يقلب الأوراق حين فاجأته :

- متى ستذهب إلى "البويبلو"؟

- غدا لماذا؟ أتريد شيئا؟

- هل يمكن أن تساعدني في شيء مهم؟

- برقت عيناه و استقام معتدلا في جلسته:

- أساعدك شريطة ألا يكون حراما ههههه..

- هل تفرق أنت بين الحلال و الحرام؟ لمّا تشرب البيرة لا تفكر في الحرام؟

- لكل مقام مقال ..

ضحكنا معا حتى دمعت الأعين، ثم عقدت ملامح وجهي:

- الساكت أرجو أن تتفهم الأمر و تحافظ على سرية هذا العمل الذي تنوي القيام به لأجلي ..

- يا رجل ، أدخلت الهلع إلى قلبي، سربينا خلاص.. هل تريد قتل 'خيسوس' الإسباني؟

- لا، لا ليس هذا، لا تقلق، فقط أريدك أن ترسل هذا المظروف إلى عائلتي في المغرب عبر البريد.

- سهلة، فلِمَ كل هذه المقدمة الطللية و هذا اللغط ؟ ماذا يحتوي المظروف؟

- عقد عمل حصلت عليه من سينيور خيسوس مقابل 300 أورو.

فغر الساكت فاه و هو يسمعني !

- كيف حصلت عليه من ذلك البخيل الذي لا يطلق 'الأورو' حتى يقرأ عليه ما تيسر من الإنجيل؟ هل تعرف أن هذا العقد يساوي أكثر من ثلاثين ألف درهم في المغرب؟

- كما قلت لك لدي خمسة إخوة أريدهم أي يتخلصوا من عطالتهم القذرة التي أصبحت مرضا مزمنا سوس عظامهم و أفقدهم لذة الحياة في القرية ، ولا أريد أن يصير الأمر مرضا وراثيا في العائلة..

- حتى العطالة مرض وراثي؟ يا رجل .. ههههه .. سأساعدك، خلتك في البداية تعد العدة لارتكاب حماقة هنا في الضيعة .. مثل تخليصنا من "خيسوس' بن 'بخيلوس' هههههه ..

- لا ليس هذا ..

حملت الهاتف الصغير و خرجت تحت شجرة، أطلب حسن أخي الذي تركته هناك تنهش لحمه غربته الداخلية هو الآخر في عطالة لم تبرح مكانها منذ حصل على دبلوم تقني في الميكانيك الفلاحية، و بقي يبحث عن فلاحة يمكنها من ميكانيكه ، فلم يستجب له أصحاب الضيعات الفلاحية المجاورة و البعيدة. رن الهاتف ثم فتح الخط ..أخبرته بالجديد و طلبت منه أن يبقي الأمر طي الكتمان إلى حين حصوله على الفيزا و من ثمة يجمع 'الباليزة' كما يقول مطرب شعبي مجنون.

أخيرا بدأت فرائسي تهدأ .. لم أعد أحس بالحــمل النفسي الكبير و الضغوطات العصيبة التي خبرتها من قبل.. بدأ الهم ينزاح عني رويدا و بدأت حرارة الحلم تستدفئ مكامنها من جديد. إنها لعبة جميلة لدحرجة صخرة 'سيزيف' إلى الأعلى بسواعد أخرى، فلأترك الآخرين يحملون عني هذا الهم و يتركونني ألملم شذراتي من جديد.

وجدت حرقتي هذه المرة في مغالبة الذات و الاستنجاد بخلوتي الصوفية التي لم تبرحني قط. كنت كلما مررت قرب زاوية للذاكرين الصوفيين، أمكث طويلا وراء النافذة المشبوكة على صمت الجدران كأنها حيلة صامتة للتلصص على خلق الله الذين لا يفعلون شيئا أكثر من العبادة و الذكر. وجدت اللذة و أنا صبي في رؤية أجسادهم العريضة تهتز و تطوي المسافات الروحية في شهوة إلى الرفعة و الارتقاء، في خضم حضرة ربانية تؤتيهم تنقية و تطهيرا لأرواحهم من شوائب الدنس. وحدهما الذكر و الدعاء يعتبرونهما مخ العبادة و الرقي إلى أرقى مراتب الإحسان بعيدا عن عالم مادي سطحي لا يساوي في نظرهم شيئا غير الآثام و مزيد من شرور النفس..

داومت على الأمر لعل و عسى ذات يوم أجدني وسطهم إلا أنني كبرت و ساقتني نفسي إلى تبني مذهب الهرب من كل شيء، حتى أنني لم أعد أطيق الإطالة في استقرار معين.. و حتى وأنا في الشمال كنت ألاقي الصوفيين و أنا في ثكنتي الصغيرة دكان الحلاقة خاصتي أثرثر معهم ، أسمع منهم كلاما عجيبا ، يطرح على الإنسان أسئلة وجودية تدعو للتأمل في سر وجوده و الدنس الحقيقي الذي يصيب الأرواح و هو الدنس الذي لا يمكن إزالته بالصابون و الشامبو كما يقول أحدهم . إنه نوع آخر من الدنس الباطني.. ليس مثل دنس الجسد الذي تغسله الإشراقة الجديدة للماء و الفرك الجيد و الحك بالأظافر و 'الكيس' المغربي. إنه دنس يحتاج إلى مجاهدة النفس و تطهير القلب من سواد الحقد و الكراهية و يحتاج إلى تنقية الروح من دنسها المضمر و من خطاياها و آثامها و هي الطريقة المثلى لتحصيل السعادة الأبدية و للتخلص من أمراض النفس المزمنة.. و عملية التصفية هذه تشبه إلى حد كبير عملية 'الدياليز' الخاصة بمرضى الكلي غير أنها عملية سحرية تمر بطريقة لا مرئية عبر ترياق التقوى ، عبر ترياق الدعوة إلى الله و الخلوة و التعبد و التكرار المستديم للورد الرباني مع الأذكار التي تجعل من الإنسان عابدا خالصا لربه يعبده كأنه يراه فإن لم يكن يراه فهو يراه. يعبد الله ليس طمعا في الجنة و إنما لأن هذا العابد الصوفي يحس بدوره الاستخلافي في الدنيا و ضرورة القيام بالأمانة كما يجب..

تأوهت من جديد و أنا أتذكر كلام أحدهم بلحيته البيضاء الكثة و وجهه المتلألئ يفيض نورانية من فرط حب الله.. عدت مجددا إلى نفسي أقمعها و أنهرها.. أحاول العزف على هذا الوتر الذي أهملته مذكرا إياها بزوال هذه الدنيا الفانية و فواتها و بقاء الآخرة، و أن الدوام لله، لعلها تريحني من متاهة الهروب التي تتخذها شعارا لها و تمرغني معها في الوحل و المقاساة. عدت إلى واقعي.. يجلس قبالتي يجلس 'الساكت' و هو يحتسي البيرة بين الفينة و الأخرى.. إنه مدمن لا ينفك يعاقرها صبحا و عشيا. حاولت ثنيه مرارا عن فعل ذلك، لكنه برر شربه لها بمحاولة تناسيه كل المشاكل التي يعاني منها. إنه هروب من نوع آخر.. هروب المرء إلى أنس الخمرة التي لا تزيده إلا وحشة و اغترابا في عالمه الخاص..

كل واحد منا يعاني مشاكل خاصة يسعى للتخلص منها، و الإنسان الحذق و النزق هو الذي يشارك ذاته في حل مشاكله و يتصالح معها.. فإلى متى يا ربي ستبقى نفسي هي القائد و أنا مثل بهيمة 'الحيسن' الدبساء أنساق وراءها ؟ لـِمَ لا أكون مثل هؤلاء الصوفية المنقطعين للتعبد و الاختلاء في الجبال، و أتخلص بذلك من وجع الدماغ هذا، فأضرب عصفورين بل لنقل سربا من العصافير دفعة واحدة؟ فمن جهة أحصل على الأجر و الثواب، ثم ألتزم بالدين، و من جهة ثانية أقهر النفس الأمارة بالطيش و أنعم باستقراري.. رغم هذه العودة المشرفة في التفكير لم أفطن لأحد هذه المرة ، ولا إلى شخصيتي المبهمة التي عذبتها نفسي حتى بعد قطعي لمئات الكيلومترات.. و حتى بعد بعدي عن الوطن كما اشتهت في البداية..

لم أستطع التخلص من ثيمة الهروب المجاني الذي سمم كياني و سكن وجداني، حتى لم أعد قادرا على التفكير بشكل سوي، فالعقل الذي من المفترض أن يلعب دوره في هذه الظروف الحالكة قد توارى إلى الوراء و ترك القيادة للنفس لتفعل فعلتها ، و فسح لها المجال .. ماذا؟ أعد ما تريد فعله.. هذا كلام جميل أسمعه .. كلام يدغدغ العواطف و المشاعر و يثير شهية الإنصات للنفس.. نعم فحتى النفس هي الأخرى تريد الاختلاء بنفسها فلا تخف عليها مما ستقدم عليه..

أيها الأحمق إياك أن تندم مرة أخرى على خروجك التاريخي هذا! كفاك تراجعا . ها أنت هنا، ماذا ينقصك؟ صرت تخاف من قرارات طائشة لا تحمد عاقبتها و التي قد تقودك في النهاية إلى المصير المحتوم ؟ لا تعلق كل فشلك و قراراتك الخاطئة على مشجبي ؟ كن رجلا و لو مرة واحدة في حياتك و انطلق إلى رحابة أوسع أو عد إلى المزبلة التي ترعرعت فيها !

هل لازلت تتذكر كيف هربت من المدرسة و انسقت وراء رغباتك في التحرر حتى قضيت صباك وسط أكوام القمامة؟ هل لا زلت تتذكر أيها المتحذلق الذي يحسب نفسه فطنا، كيف تركت دكانك و مهنتك و مكانا كنت فيه مستورا لتلتحق بهذا المكان الذي تختبئ فيه كسجين هارب من المنتظم الدولي؟ قل لي إذن ما تعريفك للإهانة الآن ؟

و رغم كل هذه الآلام التي غرقت فيها حتى أخمص قدميك، لازالت لديك الشجاعة لتجاهر بحيرتك، و لتتصنع استخدام العقل و أنت تصر على الهروب مرة أخرى .. إيوا باز يا سيدي لازالت لديك الشجاعة لتهرب و تذهب إلى مكان آخر، بعدما بدأت ترمي عطرك في خياشيم الاستقرار ، أو على الأقل بدأت تتشمم رائحته.. هل لازلت تتذكر كيف تمرغت في الوحل و كيف بللت سروالك – شرف الله قدركم- بالبول خوفا من كلاب الحرس المدني؟ هل لازلت تتذكر كيف تبولت مرة أخرى يوم كنت فوق الشجرة على سروالك و تركت نصفه معلقا في الأسلاك الشائكة التي تسيج الغابة خلال بطولة رالي السيارات؟

رغم هذا الكلام المنطقي و رغم السيناريوهات المغايرة التي أراد أن يرسمها العقل ، رغم ذلك كله تنامت في ذهني فكرة الخروج من هذا الوضع مرة أخرى حتى أهرب من نفسي ، من عذابي المدمر الذي يعطل تفكيري و يشل مكنوناتي 'الشخصانية في النماء و الظهور..

**********

أيها الصاحي،

لكل شخص إذا ما نام يقظة، قد تطول و قد تقصر.. و صديقي التونسي 'الطاهر' بدأ هو الآخر يفقد شهية البقاء هنا، معزولا في هذه الضيعة النائية، مرميا خارج إحداثيات الحياة التي كان يحلم بتحقيقها، ملتصقا بأمل قد يأتي و قد لا يأتي و منتظرا مصيرا هشا ورطتنا فيه متاريس المغامرة و البحث عن تحقيق مآرب الذات ..

اتفقنا ذات مساء على هزم هذه البشاعة و لأم الجرح و تفكيك أجزاء منا و رميها خارج مدار هذا الفضاء من جديد، بعدما بقيت عالقة في مكانها لا تريد أن تبرحه في عناد و سوء تقدير.. نعم صممنا على وضعها في المكان الذي يليق بها و تليق به.

حتى الطاهر لم يجد ضالته في هذا القفر الإسباني الذي رغم غزارة أشجاره و وفرة مياهه لم يغره بالبقاء. هو الآخر يكره مرارة الانتظارية و القتل البطيء الذي تتسبب فيه هذه العزلة المتفردة، رغم هذا الامتداد الأسطوري الذي تقدمه لنا الأشجار و النباتات بحيويتها و اخضرارها الدائم، وجدنا هذه البقعة جرداء: جرداء سيكولوجيا لأنها تقيد بقاءنا و تتحكم في مصيرنا.. نعم لم يلهنا قبض 'الأورو' كل شهر عن تذكر من نحن، و لا من أتينا و كيف أتينا و ماذا نريد.. الغريب في الأمر أن الطاهر يتقن لغة الأعين، فقد تكلست مشاعره و تحجرت صاعدة في مقلتيه.. بت أراه شاردا ينظر عبر أخاديد الأفق المترامية، فأعلم أنه يحلم هو الآخر بترك 'الجمل و ما جمل' كما يقول المثل الشعبي و الرحيل في غفلة من صمت هذه الجموع الحالمة بيوم الشرعية..

حتى أنا بتّ أدرك أنني في مرحلة عبور هنا، و يلزمني تغيير الساعة بأخرى أحسن منها عبر تبديل الزمان و المكان معا و الهروب مجددا. لم نلتق على الهروب بل لم نتفق عليه. القدر وحده ساقنا لتنفيذ هذا العنفوان الهارب من نفسه، الهارب من واقعه إلى المبهم و اللامعقول، إلى ذلك المصير المغلف بضبابية لا تسر أحدا ، لكنها على الأقل تخبئ لنا مجموعة من المفاجئات التي بدونها لا تستقيم الحياة و لا تكون لها لذائذ و نشوة خاصة.. القدرة التي لاطمت أمواجنا جمعتنا معا في هذا القدر اللاهب. لم نقو على المزيد .. لم نعد قادرين على تحمل هذا النبش في ذاكرة الأصل الإنساني، في ذاكرة جمعية عبر رسم خارطة طريق جديدة لمفاهيم الهوية و الآخر، عبر البحث عن الأجمل و عن الأفضل الذي يظهر و يختفي زئبقيا حارقا و مارقا في الذاكرة كأنه إحدى الشخصيات المتنطعة المستعصية التي لا تريد الانفلات من قبضة الكاتب المغربي الراحل محمد زفزاف في رواية 'بيضة الديك'، أو من رواية 'ثلج' للكاتب التركي أورهان باموق ..

لكن ما طربت له نفسي و أعدت له العدة، حصل ذات يوم ..

سمعتهم كلهم مرة يتحدثون.. هل تكون لعنة غابيييل غارسيا ماركيز' قد نزلت بهم؟ هل تكون هذه المائة عام من العزلة قد أخرجت 'كارلوس بوينديا' من بين تفاصيلها ليقرأ عليهم تعاويذ السفر عبر متاهات الزمن؟

لست وحدي من ينساق وراء رغبات النفس الأمارة بالهروب من هذا المستنقع. بالأمس كان الهروب إلى الضفة الشمالية فردوسا مغريا يستهويني و اليوم صار مستنقعا بعدما دنس بسقوط صخرة سيزيف فيه.. هههه .. لست وحدي من يريد فك شفرات هذا الإيقاع المتباطئ الذي طال و انحصر في الوحل. إيقاع لا يريد أن يتزحزح كأنه جرار 'سوفيتيي' قديم غارق في أخاديد و أحراش السافانا..

أيها الصاحي ،

كندا هي الحلم .. سمعتهم يتحدثون بشغف عنها..

أنا رجل و أعرف تماما ما سأقدم عليه..

و إذا أردت أن تحلم فاحلم حلما جميلا و سمينا لو حققته تكون من الغانمين. اطلبها كبيرة يا مغفل و اضرب ضربة واحدة بالفأس خير من عشرة بالمقص.. أو خذ لك جرافة و أنه الأمر بسرعة، فكندا هي الحلم الجارف الذي سيغيرك الحال و يبدل المآل.. هل يعجبك هذا البؤس اللعين الذي تنكمش فيه، و أنت تزحف على بطنك مثل حلزون؟ إلى متى ستبقى هكذا، مجرد 'يد عاملة' تجني البرتقال و تحمل الصناديق مثل دابة لينعم بها "السبليون" ؟ أجل ! فيدك هي العاملة بغض النظر عن باقي جسدك و مخك .. هل تفهم معنى ذلك؟ إنهم لا يحتاجون سوى ليدك أما ما تبقى فيك من هوية و جسد و عقل لا حاجة لهم به .. أفق من سباتك و كن رجلا و لو مرة واحدة في حياتك حتى تخرج من الأزمة، أو كن على الأقل ربع رجل في دوامة الحياة التي لا يصنعها الصغار، أصحاب الأماني الصغيرة الذين ينكمشون في العراء و يظنون أنهم غانمون بصمتهم الذي لا يقلق بعوضة بحالها و قوامها و هم يقضون مأربهم القزمية. تجرد من ضعفك و لو هذه المرة لتفوز بالغنيمة الكبرى.. هيا، أرباح ، اربح زيد و عمّرن لعبة الحظ فوق الجميع و الحظوظ متساوية.. هيا اربح و اربح و ازعم تأكل اللحم. و هذه هي الفرصة، فرصة و مناسبة.. اعتبر نفسك في كندا.. إما ترحل من هنا أو تبقى مسيجا بعقلك الذي لم يفد حتى كبار العقلاء الذين مات كثير منهم و لم يجد حتى ثمن الكفن.. قل لي ماذا استفاد أبو حيان التوحيدي بعلمه الكبير، حين عاش فقيرا و هو الراجح في التعقل بينما السفهاء من مجايليه عاشوا في ثراء و سعادة من تملقهم للسلطان؟ هيا انتفض أيها الغارق في العقلانية.. إما تفوز اليوم أو تبقى حثالة هنا على قارعة الطريق مستمرا في امتهان الذل.. و تنظيف مزابل 'الصبليون'.

أم م أممم....

فهمت أنت متعود على ذلك، و إن كان لك شرف حقيقي قل لي أين قضيت طفولتك.. هل تحلم؟ نعم يا أيها 'الرجل الصغير' الذي شم جميع أنواع الروائح الكريهة و عاش وسطها.. انهض قبل فوات الأوان..

نعم كندا هي الحلم ! حقوقك مضمونة بل حتى حقوق الحشرات و النباتات.. كندا حلم جارف يدفع الإنسان ليكون كائنا بشريا بالمفهوم الحقيقي .. في كندا لن يقال لك يد عاملة، ستصير كفاءة بشرية.. ستحقق لك الأماني التي ترنو إليها بلا تعب أو كلل ، فقط بكبسة حاسوب او كبستين يسيل الدولار من ورائك و من أمامك.. أما الشقراوات فحدث و لا حرج، هذه 'إفلين' تسألك بالفرنسية، و الأخرى هيلاري تتلوى من الغنج بالإنجليزية، بل يمكن لك الجمع بينهما إذا تعلمت اللغتين.. لن تخسر أكثر في اللهث وراء المتع و النعم الحقيقية بدل هذا 'الخيسوس' الذي يحرث أرضها و ينتظركم لتسميدها.. إلى متى ستبقى هنا واقفا تحت الشمس الحارقة تعمل مثل بغل، و في الأخير تحصل على نصف الأجر؟ أم يعجبك العمل في السوق السوداء.. هيا انتفض أيها الجامد قبل أن يسود الحظ في وجهك الأفطس !

هل تعجبك هذه الحالة التي تشفي غليل الأعداء قبل الأحباب؟

تسربت هذه الخواطر إلى باطني كلسعة نفاثة ..أحسست بوخز خاص في جانبي الأيسر وتصاعدت الحمى تغلي داخلي كبركان .. بينما باقي العمال مجتمعون تحت ضوء خافت يلعبون الورق و يتعاركون فيما بينهم غير عابئين بما يدور في خاطري.. يبدو من قسمات وجوههم أنهم يتناسون نصيبهم من الحلم، منهم من أدرك ما يريد و حقق مبتغاه و انتهت الحكاية .. و حتى ولو كانوا قد وصلوا إلى هنا عبر حلم تحقق جزء صغير منه، فإن حلم بعضهم الكبير يبقى دفين السريرة ريثما تحضر المناسبة لكشفه و لجلائه إلى قارعة الوضوح.

و دقت من جديد طبول الرحيل و هبت نسمات كندا لتدغدغ ما تبقى في من تردد..

تواطأت مع نفسي هذه المرة و أطعتها دون حتى أن أعاندها لفترة و أتردد مثلما كنت أفعل من قبل. يجب أن أضرب ضربة العمر. كندا هي ضربة العمر، فيها سألتقي بذاتي الهاربة التي بدأت تسبقني إلى هناك، و تحاول أن تجعل مني كائنا طيعا، تضحك لي ، ترسم لي طريقا مرمريا لتحقيق الأماني البعيدة التي كنت في الماضي أراها موضوعا للأفلام فقط. ازداد حلمي و ازدادت عيناي جحوظا .. سال لعابي أكثر لما أخبرني الصديق التونسي أنه يعرف أصدقاء له في إيطاليا يُهَجّرُون الأشخاص إلى كندا، إلى بلاد الحلم الأبدي الذي يسطع نجمه عاليا هذه الأيام ..

بدأت في إعداد نفسي للرحيل و الخروج من الأحراش الأندلسية، التي لم تمنحني غير المزيد من الوحدة النفسية و المزيد من الترسب في عزلة قاتلة.. أجل وحدة و حرقة تجمعت فيها كل معاناتي في حزمة من الضربات الموجعة التي نقلتني مما كنت أخاف عدم اكتماله إلى ما كنت أخشى فشله في عذاب نفسي مرير جعلني أسام حتى النخاع اليوم الذي جئت فيه إلى هنا.

على طول الطريق العالم الخارجي هنا ليس أكثر من سيارات تمر قبالتنا هناك، و كثافة لا تنتهي من الشجر المصفوف بعناية إلى ما لا نهاية. لم أصدق نفسي بعدما أوجدت لنفسي أخيرا حلا مغريا للمغادرة بشرف من هذا المستنقع و أنا امني ذاتي بمصير أبهى حلة في السيدة المحترمة كندا بلاد الأحلام التي تفوق ما سمعته عن بلاد العجائب التي غرقت فيها أليس.. أخيرا عثرت لكرامتي على مخرج للمصالحة مع الذات الهاربة ، الذات الحاضرة الغابرة التي تريد أن تحقق وجودها بأي طريقة. لم يسبق لي أن أعلنت الثورة على المنطق، لكن لم يسبق لي كذلك أن أطعت نفسي هكذا بشكل أعمى منذ الضربة القاصمة الأولى . كنت فيما مضى من سابق الأيام أماطلها، أغازلها، أحاول تلهيتها بكل الوسائل و الإغراءات علها تنسى مغامراتها و هروبيتها إلى الأمام كمذنب لا يهوى غير السقوط،، إلا أنها هزمتني ، و جعلتني أعود من جديد إلى عادتي في دحرجة صخرة 'سيزيف' إلى الأعلى في نهاية القرن العشرين..