٢

6 0 00

٢

ما انسلخ جلد الليل وانشق الفجر حتى كان الحمار وعليه خرج من الجنفيص بباب مارينا، وكان أولادها اليتامى يروحون ويجيئون واحدًا إثر واحد، هذا يحمل الرداء، وتلك الحذاء، وذاك كيسًا وتلك صرة، والمكاري يحشو بها الخرج مراعيًا التوازن بين عينتيه، وكلما وضع قطعة هز رأسه أسفًا.

وبعد هنيهة أطلت مارينا من البوابة بوجهها الكالح المجعد وقامتها الطويلة النحيلة، عليها فسطان أسود بسيط طويل فضفاض مشدود على خصرها النحيل، فوقفت على عتبة الباب كأنها تتذكر إذا كانت ناسية شيئًا من عدة السفر، فما وقع بصرها على المقبرة حتى صرخت بملء فيها: على من تركتني يا جرجس. قم وانظر مارينا على طرقات البحر، من يعول اليتامى يا جرجس، من يفض المشاكل يا جرجس، يا ويلي أنا امرأة أرملة مسكينة كلمتي غير مسموعة. من يخلصني يا ناس، من يخلصني. يا يوسف، قم وانظر أمك كيف صارت، الله يبلي الذين بلوني، يا ضيعان التعب! عشرين سنة في أميركا قضيناها حتى نرتاح في آخرتنا، أين الراحة، اشترينا الهم والتعب. راح المال والرجال، راح المال والرجال يا حسرتاه، يا ذلي!

فجاء أهل القرية جرد العصا على هذا الصراخ الشاذ — وفي القرى يستيقظون باكرًا — والتموا على صراخ مارينا الذي لم يسمعوا مثله إلا يوم أصيب ابنها يوسف الشاب بنوبة أخذته، ويوم مات زوجها جرجس فجأة بعد ولده يوسف بثلاثة شهور.

فرأوا مارينا مصروعة فتجمعوا عليها يسعفونها. ودواء من يُغمى عليه في القرى رقعة تحرق، فأفاقت مارينا وهي تردد: يا عذرًا، يا عذرًا، يا عذرًا، الله ينتقم منك يا …

فأخذ الناس يهدئون ثورتها ويصبرونها على بلواها، وهي تفور كالقدر الهائج قاذفة اللعنات بالمئات والألوف من قلب مقروح، ولما شفت نفسها همدت فقال لها المكاري: قومي يا مارينا، تعالي يا ست، الله يرضى عليك. النهار شبر، لا نصل إلى جبيل قبل غدا الرهبان. عجلي قومي راحت الغدوة. أيش ينفع الصراخ هنا، صرخي عند سيدنا البطرك. الله معك، يا الله قومي.

فما فاه المكاري بكلمة سيدنا حتى ازرقَّ وجه مارينا وفاض على لسانها ما امتلأ به قلبها، وأعادت الكرة فامتلأ الجو سبابًا وشتائم.

وكان بين الناس شيخ جليل يتعكز على عصاه، في قلبه إيمان كثير، ووجهه طافح بالطاعة المارونية، فغاظه ما سمع، فقال لمارينا: اسكتي يا بنت، لا تسبي الرؤساء.

فأقبلت عليه مارينا وانطرحت أمامه على الأرض صارخة: حقي يا عمي، حقي، حقي ضاع يا عمي جناديوس.

فتغرغرت عينا ذلك الشيخ، وبعد أخذ ورد، أقنعوها فركبت الحمار دامعة، فالتفت الشيخ بالحاضرين وقال: ما هذه الأيام التي وصلنا إليها؟!

وتوقع الجمهور أن يقول جناديوس أكثر من هذا فلم يزد، وسار في طريق بيته.

فما تقدمت مارينا بضع خطوات حتى قاقت الدجاجة، فصاحت: هش … ولوت عنقها صوب بيتها توصي أولادها بالانتباه للدجاجات والبسة والخروف، ثم أدارت وجهها صوب الشمال توصي ابنتها رشيدة لتنام مع أخوتها، إذا لم ترجع مارينا من سفرتها في تلك الليلة، وسارت تبكي.

وبعد خطوات أخرى أوقفت الحمار ولم تلتفت؛ لأنه صعب المراس ثم صاحت: يا رنسية، بيعوا الدخان إذا جاء الحواط، ولا تخلوه ينقيه.

وما بلغت الوطا حتى صاحت: أوخ، نسيت الأوراق بالبيت، حنا بحياتك ارجع عني أو انتظرني، فعاد حنا يتذمر من رفقة النسوان، وجلب الصكوك وكل أوراق المرحوم جرجس، ولحق بمارينا في منتصف الوطا.

وكانت مارينا قد انضمت إلى بعض مكارين ذاهبين إلى جبيل بندر تلك الناحية، فأخذت تقص عليهم أخباره وتحدثهم عن مصائبها وبلاياها، مفتخرة على أيوب، وهي لا تدري من تلوم، وأخيرًا أطلقت قنبلتها فأصابت شظاياها الجميع — من مارون إلى خليفته الجالس على كرسي أنطاكية.

وفيما هي مشغولة بالحديث أرخت من رسن الحمار، فسكَّ بها فصاح المكارون بصوت واحد: مارشليطا، مارشليطا!

فما هوت مارينا إلى الأرض، واستوى الحمار وتابع سيره، ومضت مارينا في حديثها كأن لم يحدث شيء مما كان، والتفتت بالمكارين فإذا هم يضحكون وأيديهم على أفواههم، فكظمت غيظها، ولم تقل كلمة بل تنهدت طويلًا.