-3-

10 0 00

-3-

المطر والرجُل والوَحل

كان صباح الثلاثاء ماطراً، ودخلت أم سعد وهي تقطر ماء. كان شعرها مبتلاً، وينقط على وجهها، فيبدو وكأنه تراب مسقي. تناولت معطفها، فيما وضعت المظلة الكالحة في الزاوية كما يوضع السيف المتعب، وقالت:

- هذا ليس مطراً، السماء، يا ابن عمي، تكب سطولاً. وابتسمت، ولكنني رأيت شريطاً من الوحل الأحمر يطوق طرف ردائها وهي تستدير. قلت لها:

- ماذا يا أم سعد؟ هل وقعت؟

وبسرعة التفتت إلي:

- وقعت؟ أم سعد لا تقع. لماذا؟

- ثمة وحل على تنورتك.

حكت الوحل بإصبعها الخشنة، ثم تركته لشأنه حين أحست أنه ما زال طرياً، وقالت:

- طاف المخيم في الليل..الله يقطع هالعيشة.

واهتز الجبل أمامي، ثمة دموع عميقة أخذت تشق طريقها إلى فوق،لقد رأيت أناساً كثيرين يبكون. رأيت دموعاً في عيون لا حصر لها، دموع الخيبة واليأس والسقوط. الحزن والمأساة والتصدع. رأيت دموع الوجد والتوسل. الرفض الكسيح والغضب المهيض الجناح. دموع الندم والتعب. الاشتياق والجوع والحب، ولكنها أبداً أبداً لم تكن مثل دموع أم سعد: لقد جاءت مثلما تتفجر الأرض بالنبع مثل أول الأبد، مثلما يستل السيف من غمده الصامت، ووقفت هناك على بعد لحظة واحدة من بريق العين الصامدة. عمري كله لم أرَ كيف يبكي الإنسان مثلما بكت أم سعد. تفجر البكاء من مسام جلدها كله. أخذت كفاها اليابستان تنشجان بصوت مسموع. كان شعرها يقطر دموعاً. شفتاها، عنقها، مزق ثوبها المنهك، جبهتها العالية، وتلك الشامة المعلقة على ذقنها كالراية، ولكن ليس عينيها.

- ولو يا أم سعد؟ أنت تبكين؟

- أنا لا أبكي يا ابن عمي. أود لو أستطيع. لقد بكينا كثيراً. كثيراً..كثيراً. أنت تعرف. بكينا أكثر مما طافت المياه في المخيم ليلة أمس، وذات صباح كان سعد قد ذهب. انه يحمل مرتينة الآن، وتشتي عليه ماء ورصاصاً. لا أحد يبكي الآن، ولكنني يا ابن عمي، صرت امرأة عجوزاً. صرت أتعب. أمضيت كل الليل غارقة في الوحل والماء. عشرون سنة…

وصل النشيج إلى حلقها فاعترض الكلمة. فرشت راحتيها أمامي وابتلعت الغصة التي كدت أسمع صوت سقوطها في صدرها المملئ بحطام العذاب والأسى..

- ماذا أقول يا ابن عمي؟ في الليل أحسست بأنني قريبة من النهاية..ما النفع؟ أريد أن أعيش حتى أراها. لا أريد أن أموت هنا، في الوحل ووسخ المطابخ..هل تفهم ذلك يا ابن عمي. أنت تعرف كيف تكتب الأشياء، أنا لم أذهب إلى مدرسة في عمري؟ ولكننا نحس مثل بعضنا. يا ربي! ماذا أقول؟ أمس في الليل فكرت بذلك جيداً، ووجدت الكلمات المناسبة، وفي الصباح نسيتها..طيب! أنت تكتب رأيك، أنا لا اعرف الكتابة، ولكنني أرسلت ابني إلى هناك..قلت بذلك ما تقوله أنت.أليس كذلك؟.

شعرت بذلك النصل الذي ينبثق فجأة من أحضان الكلمة البسيطة، وينقذف في صدورنا بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة، ولوهلة رأيت شريط الوحل الداكن الذي كان يتدلى على طرف ثوبها شيئاً يشبه تاج الشوك.

- تعالي يا أم سعد. اجلسي هنا. أنت متعبة فقط، وربما كان شوقك لسعد وقلقك عليه هما اللذان يصدعان رأسك. وكذلك الطقس أنت تشعرين بالتعاسة لأنك تعرفين بأن المطر سيستمر طوال النهار، وستعملين في جرف الوحل طوال الليل. تعالي اجلسي، لا تسمحي لذلك كله أن يهدمك."

جلست، وتنفست الصعداء مثلما يفعل الإنسان حين يريد أن يهيل على الغيوم السوداء في صدره هواء نقياً:

- " لا، يا ابن عمي. أتعرف ماذا كان يفعل سعد حين يطوف المخيم؟ كان يقف ويتفرج على الرجال وهم يجرفون الوحل، ثم يقول لهم: " ذات ليلة سيدفنكم هذا الوحل". ومرة قال له أبوه: لماذا تقول ذلك؟ ماذا تريدنا أن نفعل؟ هل تعتقد أنه يوجد مزراب في السماء وأن علينا أن نسده؟ وضحكنا كلنا، ولكنني نظرت إليه رأيت في وجهه شيئاً أرعبني، كان منصرفاً إلى التفكير وكأن الفكرة راقت له، كأنه سيذهب في اليوم التالي ليسد ذلك المزراب.

- ثم ذهب؟.

- ثم ذهب.

ونظرت إلى مباشرة..كان ثمة ارتداد لا يصدق. تراجع طوفان الدموع الذي كانت تسبح فيه و أشرقت كما يضاء الشيء من الداخل.

- أتعرف، ي ابن عمي؟ أنا لست قلقة عليه. لا. هذا ليس صحيحاً. قلقة. قلقة وغير قلقة. ربما كان لديك، أنت الذي ذهبت إلى المدرسة، اسم لهذه الحالة..فأمس فقط جاء رفيقه وقال لي انه بخير.

- جاء عندك؟

- لم أر وجهه. كان الليل ثقيلاً، وكنا نشتغل بالوحل والماء حين جاء ووقف بجانبي. كان عملاقاً، يخزي العين العين، وقال لي: " سعد يسلم عليك. انه بخير. وسيهديك غداً سيارة " ثم ذهب.

- يهديك سيارة؟

- أجل. ألا تعرف؟ يعني انه سينسف سيارة.

- وهل فعل؟

- ماذا؟ سعد لا يقول شيئاً ثم لا يفعله. أنا اعرفه جيداً. وفي الخارج، شقت الشمس طريقها وسط الغيوم الداكنة مثلما يشق المحراث ثلماً في الأرض، وقذفت حزمة دفء في الغرفة. أكانت الصدفة أن سقطت الشمس على وجهها وهي جالسة هناك؟ لقد ابتسمت، وبدت قوية وشابة كما كانت تبدو دائماً.

لقد انتظرت حتى المساء لاسمع نبأ سقوط سيارة إسرائيلية في كمين مقاتلين. وارتقبت بلهفة أن أسمع تلك التتمة الرائعة للخبر: " وعاد الفدائيون إلى قواعدهم سالمين ". لست ادري لماذا مضيت من توي إلى المخيم، وفي مستنقع الوحل شهدت أم سعد واقفة مثل شارة الضوء في بحر لا نهاية له من الظلام، وقد رأتني قادماً، فلوحت بيديها، كان صوتها أعلى من صوت الرعد المدوي في سقف السماء، وانهمر الصدى من كل صوب كالشلال:

- ارأيت ؟ قلت لك إن سعد سيهدي أمه سيارة.

وكان المطر ينهمر، ولم يكن رذاذه الصاخب في تلك اللحظة إلا تطاير الماء أمام زورق صامد يشق طريقه كالقدر

4-

في قَلبِ الِدّرع

كانت الضحكة تملأ وجهها كما لم أرها أبدأً، ووضعت أم سعد أشياءها الفقيرة في الزاوية، وقالت:

- جاء سعد.

وحومت في الغرفة فيما كان الدوي في الخارج يستقبل مجيء العيد، وجلست، واضعة كعادتها كفيها في حضنها مطويتين إلى بعضهما على تلك الصورة الفريدة التي تشبه عناقاً حميماً، وأمامي برقت عينا سعد وراء مدفعه القصير، قادماً وهو مضرج بالتراب من وراء الليالي الطويلة التي غابها، وسألتها:

- لقد غاب سنة.

- كلا. تسعة شهور وأسبوعان، جاء أمس.

- سيظل.

- لا. قطبوا له ساعده، كانت رصاصة قد..

وشمرت عن كمها، وأرتني كيف شقت الرصاصة لحم الساعد من الرسغ إلى الكوع، وفي ساعدها الأسمر القوي الذي يشبه لونه لون الأرض، رأيت كيف للأمهات أن ينجبن المقاتلين، وخيل الي لوهلة إنني أرى أثراً لجرح عتيق، ملتحم ولكنه كامن، يمتد من رسغ أم سعد إلى كوعها، وقلت:

- أنت أيضاً.

- أنا؟ آه، ذلك جرح عتيق، من أيام فلسطين..سرق الواوي دجاجة فسحبته من تحت سلك شائك وطققت له رقبته، جرحني السلك يومها.

- وسعد؟

- يقول انه سيرجع حين يلتئم الجرح.

ولاحظت، لنفسي، كيف قالت أنه " سيرجع " ولم تقل انه " سيذهب "، ولكنني لم أفكر كثيراً، كانت أم سعد علمتني طويلاً كيف يجترح المنفي مفرداته وكيف ينزلها في حياته كما تنزل شفرة المحراث في الأرض، وقالت:

- " أسم الله عليه، انه يحمل ساعده كما يحمل النيشان، قال انه صار قائد فرقته، وانهم يسألونه دائماً: لماذا، يا سعد توسع خطواتك؟ انه في الأمام، وقلت له: أبن أبوك."

- اشتاق لك كثيراً؟

- " من؟ سعد؟ يخزي العين. عبطني لحظة واحدة وتركني، فقلت له: ولو يا سعد؟ إلا تعبط أمك وتبوسها بعد هذا الغياب؟ أتعرف ماذا قال؟ قال: ولكني رأيتك هناك. وضحك ".

- كيف رآك هناك؟

- قال انه كان في فلسطين. غرب كثيراً، وظل يمشي جمعة أو أكثر مع أربعة من رفقائه. قال انه قرب كثيراً من البلد، ثم اختبأوا في الزرع، لم أفهم لماذا، كان يحكي وكنت انظر في عينيه، يا عيني عليه، يا عيني عليهم كلهم، كان يحكي وكنت أقول لنفسي: كان هناك، فلم افهم لماذا اختبأوا في الزرع..قال انهم..

***

جاعوا، وأخذت السماء تزخ. حين يسقى فولاذ الرشاشات تضحي له رائحة الخبز، هكذا قال سعد.

كانوا قد حوصروا، إلا انهم احتفظوا بمكمنهم هادئين، وقدروا أن الحصار سينفك بعد ساعات. امتد الحصار أياما حتى أنهكهم الجوع، وأخيراً وصلوا إلى باب خيارين: أن يظلوا كامنين، طاوين أنفسهم على عذاب أخذ يشتد ولا يعرفون متى يمضي، أو أن يتركوا لاحدهم أن يجرب مغامرة الذهاب إلى القرية القريبة.

كان الخيار صعباً، قال سعد، وقرروا الانتظار حتى المساء قبل أن يعقدوا العزم على قرار.

وعند الظهر قال سعد لرفاقه: ها قد جاءت أمي!

ونظر الرجال إلى رأس الطريق المنحدر كالثعبان من التلة، وخناك رأوا امرأة في ثوبها الريفي الطويل الأسود تنزل قادمة صوبهم. تحمل على رأسها بقجة، وفي يدها رزمة من العروق الخضراء.

وبدت لهم عجوزاً، في عمر أم سعد وفي قامتها العالية الصلبة، ومن خلال الصمت المخيم كصمت الموت، كان صليل الحصى تحت قدميها العاريتين يسمع كأنه الهمس.

وقال أحد الأربعة:

- أمك؟ أمك في المخيم يا أخوت..ضربك الجوع بالعمى!

وقال سعد:

- انتم لا تعرفون أمي..إنها تلحق بي دائماً، وهذه أمي.

وصارت المرأة في محاذاة مكمنهم، وباتوا يسمعون حفيف ثوبها الطويل المطرز بالخيوط الحمراء، ونظر إليها سعد، من خلال أشجار العليق التي تسد مكمنه، وفجأة ناداها:

- " يما يما ".

- وتوقفت المرأة لحظة، وأدارت بصرها في الحقول الصامتة حولها، وظلوا يراقبونها صامتين فيما أمسك أحدهم بذراع سعد وضغط عليها محذراً، لحظة، لحظة أخرى، احتارت المرأة، ثم عادت تسير.

خطوتان، ثلاث خطوات، واعاد سعد نداءه:

- "يا يما ، ردي علي! "

مرة أخرى وقفت المرأة، ونظرت حولها محتارة، وحين لم ترَ شيئاً أنزلت الصرة عن رأسها ووضعتها على الأرض وأراحت فوقها رزمة العروق الخضراء، وحطت كفيها على خاصرتيها وأنشأت، بعينيها، تنقب في دغول العليق حولها.

وقال سعد:

- " أنا هون يما "!

والتقطت العجوز مصدر الصوت، فتأملته برهة إلا أنها لم ترَ شيئاً، وأخيراً انحنت فلمت قضيباً مشقت عنه أوراقه وخطت نحوهم خطوتين، ثم وقفت ونادت:

- "لماذا لا تخرج وتريني نفسك؟ "

ونظر الرجال نحو سعد الذي تردد برهة، ثم علق رشاشة على كتفه، وسار بهدوء نحو المرأة:

- " أنا سعد ، يا يما ، جوعان "!

وسقط القضيب من يد الفلاحة العجوز وهي تحدق الى الشاب الذي ولده الدغل الشائك ينحدر نحوها بالكاكي وبالرشاش على كتفه، أما رفاقه فقد هيأوا بنادقهم، فيما أخذ سعد يقترب من العجوز.

وقالت المرأة:

- " يجوع عدوينك يا ابني..تعال لعند أمك "

وأقترب سعد أكثر، كانت خطواته مطمئنة وكان رشاشة ما زال يتأرجخ على كتفه من غير اكتراث، وحين صار على بعد خطوة منها فتحت ذراعين واحتضنته: " يا حبيبي..يا ابني..الله يحميك".

وقال سعد:

- " يا يما، بدنا أكل "

وانحنت المرأة فناولته الصره، وحين أخذها رأى عينيها تدمعان، فقال لها:

- " حلفتك بالنبي لا تبكي يا يما !"

قالت العجوز:

- " معك بقية الأولاد؟ أطعمهم. في المغرب سأمرق من هنا واضع الزوادة على الطريق..الله يحميكم يا أولادي "

وعاد سعد بالزوادة، ولم يلحظ رفاقه أية دهشة في ملامحه. أكلوا، وقال أحد رفاقه:

- " لنغير مكاننا، فقد تعود بالعسكر "

إلا أن سعد لم يرد، وبعد قليل قال لهم:

- إنها أمي، وقد رأيتم ذلك بأنفسكم، فكيف تعود بالعسكر؟ "

وفي المساء جاءت العجوز فوضعت الزوادة، ووضعتها هناك فجر اليوم التالي، وفي كل مرة كان سعد يناديها من وراء الدغل:

- " يسلموا ايديكي يما "

ويسمعونها تقول:

- " الله يحميك يا ابني "

***

قالت أم سعد: تلك المرأة العجوز ظلت أيام خمسة تطعمهم..قال لي سعد إنها لم تتأخر ساعة واحدة، حتى انفك الحصار، جاءت فوضعت الزوادة ونادت: " العسكر راحوا..الله يوفقكم "..

وعادت أم سعد فطوت راحتيها على حضنها كما يتعانق مخلوقان لا فصام بينهما، وقالت: سعد يقول انه رآني هناك، وانه لولا أن أطعمته لمات جوعاً، ولولا أن دعوت له لقتلته الرصاصة التي شطفت لحم ساعده.

وقامت، ففاحت في الغرفة رائحة الريف الذي كمن فيه سعد، محاطاً بذلك الدرع الذي لا يصدق، وقالت:

- " سيرجع بعد أن يلحم جرحه، قال لي ألا أشتاق له كثيراً فهو يراني هناك دائماً..ماذا تريدني أن أقول له؟ قلت له: الله يكون معك ويحميك."

واستدارت، خطوة، خطوتين، وفجأة سمعت نفسي أنادي:

- " يا يما "

فوقفت.