الفصل الثالث

11 0 00

الفصل الثالث

كانت أحواض الأعشاب البحرية الواسعة التي تحيط بجزيرتنا من ثلاث جهات قريبة من الشاطئ وتمتدُّ في البحر مسافة فرسخ كامل. وفي تلك الأحواض العميقة — حتى في الأيام العاصفة — راح الأليوتيون يصطادون. كانوا يغادرون الشاطئ عند الفجر في قوارب الكانو المصنوعة من الجلد ولا يعودون حتى الليل، ساحبين وراءهم صيدهم من ثعالب البحر.

يبدو ثعلب البحر سابحًا أشبه بعِجْل البحر، ولكنه في الواقع مختلف للغاية؛ فأنفه أقصر من أنف عجل البحر، ولديه أقدام صغيرة وتراء عوضًا عن الزعانف، وَفَرْوُه أكثر كثافة وجمالًا من فِراء عجل البحر. وهو أيضًا يختلف عن عجل البحر في أشياء أخرى؛ فثعلب البحر يُحب أن يرقد على ظهره في أحواض الأعشاب البحرية، فيطفو جسده إلى أعلى وأسفل مع حركة الأمواج، مستمتعًا بأشعة الشمس أو نائمًا. فثعالب البحر أكثر حيوانات البحر حبًّا لِلَّعِب والمرح.

كانت تلك هي الحيوانات التي أخذ الأليوتيون يصطادونها من أجل فِرائها.

كان بإمكاني رؤية قوارب الكانو الجلدية مِن فوق الجرف وهي تتقافز هنا وهناك على أحواض الأعشاب البحرية، وبالكاد تمسُّ سطح الماء، والرماح الطويلة تتطاير كالسِّهام. وفي المساء كان الصيَّادون يجلبون صيدهم إلى خليج المرجان، وهناك على الشاطئ كانت الحيوانات تُسلخ ويُنزَع منها اللحم. كان هذا العمل يُعهَد به إلى رجلين — هما أيضًا مَن يشحذان الرماح — يعكُفان على عملهما إلى جوف الليل على ضوء النيران الموقَدَة من الطحالب البحرية. وفي الصباح يكون الشاطئ مكسوًّا بجثث الثعالب البحرية والأمواج مصطبغة بالدماء.

كان كثير من رجال قبيلتنا يذهبون إلى الجرف كل ليلة لكي يُحْصُوا عدد ذبائح اليوم. كانوا يَعدُّون الثعالب البحرية المقتولة ويفكرون في الخرز والأشياء الأخرى التي سيجلبها لهم بيع فراء كل حيوان. ولكنني لم أذهب إلى الخليج قط، وكنت أغضب عندما أرى الصيادين برماحهم الطويلة ينطلقون بقواربهم فوق سطح الماء؛ لأن تلك الحيوانات كانت صديقة لي. كان يحلو لي رؤيتها تلهو أو تتشمَّس فيما بين الأعشاب البحرية. وكان ذلك أكثر إمتاعًا من التفكير في عِقْد من الخرز أضعه حول رقبتي.

وهذا ما قلتُه لوالدي صباح أحد الأيام.

قلت: «ما تبقَّى من ثعالب الماء في الأحواض المحيطة بخليج المرجان لا يزيد عن الاثني عشر. قبل أن يأتي الصيادون كانت كثيرة.»

ردَّ أبي، ضاحكًا من حماقتي: «الكثير منها لا يزال يعيش في أماكن أخرى حول الجزيرة. وعندما يغادر الصيادون، سوف تعود إلى هنا.»

قلت: «لن يتبقَّى أيٌّ منها. سوف يقتلها الصيادون عن آخرها. إنهم يصطادون في الجنوب هذا الصباح، وفي الأسبوع المقبل سوف ينتقلون إلى مكان آخر.»

«لقد امتلأتْ سفينتهم بالفِراء، وخلال أسبوع آخر سيكون الأليوتيون قد استعدوا للرحيل.»

كنتُ متأكدة من أن أبي يعتقد أنهم سيغادرون عما قريب؛ لأنه قبل يومين كان قد أرسل عددًا من شباب قبيلتنا إلى الشاطئ لكي يبنوا قارب كانو من جذع شجرة مقطوع جَرَفَتْه الأمواج إلى الشاطئ.

لا توجد أشجار على جزيرتنا سوى تلك الشجيرات الصغيرة التي تُعيق الرياح نموها الطبيعي. وعندما ينجرف جذع شجرة إلى الشاطئ — مثلما حدث مرة منذ زمن بعيد — دائمًا ما كان يُحمَل من الشاطئ إلى القرية؛ حيث يعمل عليه الرجال، بعيدًا عن الأمواج التي قد تأتي إحداها مصادفة وتجرفه بعيدًا. ولكنْ أن يذهب الرجال لتفريغ الكتلة الخشبية داخل الخليج، ويناموا بجوارها خلال الليل، فهذا يعني أنهم كان عليهم أن يراقبوا الأليوتيين، وينذرونا إذا حاول القبطان أورلوف الإبحار بسفينته دون أن يدفع لنا ثمن فِرَاء ثعالب الماء.

كان الجميع يخشَوْن أن يفعل ذلك؛ ولذلك كان ثمة رجال آخرون يراقبون المعسكر، إلى جانب الرجال المرابطين في الخليج الذين كانوا يراقبون السفينة الأليوتية.

وكل ساعة كان ثمة مَن يجلب لنا الأنباء. قالت يولابى إن المرأة الأليوتية قضتْ فترةَ ما بَعد الظهيرة بالكامل لأحد الأيام في تنظيف مرايلها الجلدية، وهو الأمر الذي لم تفعله من قبل طوال فترة وجودها هنا. وفي الصباح الباكر لأحد الأيام، قال رامو إنه رأى القبطان أورلوف يهذِّب لحيته بعناية حتى بدت على نفس الهيئة التي كانت عليها يوم حضر هنا. أما الرجلان اللذان كانا يشحذان الرماح الطويلة، فقد توقَّفا عن ذلك وخصَّصا كل وقتهما لسلخ ثعالب الماء التي كانت تُجلب عند الغسق.

كنا في قرية جالاس-أت نعلم أن القبطان أورلوف وصياديه يستعدون لمغادرة الجزيرة. فهل سيدفع لنا القبطان مقابل ثعالب الماء التي اصطادها أم إنه سيحاول التسلل هاربًا تحت جنح الظلام؟ وهل سيُضطر رجالنا إلى القتال من أجل نصيبنا العادل؟

تلك الأسئلة كان الجميع يطرحونها في حين كان الأليوتيون يستكملون تجهيزاتهم للرحيل؛ الجميع عدا أبي، الذي لم يقُل شيئًا، لكنه راح يعمل كل ليلة على الرمح الجديد الذي كان يصنعه.