مقدمة

6 0 00

الانتفاضة ..

العشيقة ...

الـزوجة

رواية

حبيب هنا

الانتفاضة .. العشيقة … الزوجة

رواية

حبيب هنا

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 2000

الغلاف للفنان : إبراهيم المزين

طباعة النص : ماهر الهواري

تنسيق : أمل طعيمة

غسل بيان الانتفاضة الأول ، عندما قرأته في صباح اليوم التالي، كلَّ أوساخ الدنيا العالقة في جسدي ، وطهر روحي من الدنس ، الذي أنشب أنيابه على مدى السنوات الماضية في ضميري ، الذي لم يعرف يوماً معنى الانتماء .

أعدت قراءته المرة تلو الأخرى ، فيما كانت أفكاري تغازل بقايا حلم مازال عالقاً في تلا فيف الذاكرة ، يبحث عن عرّاف من أجل تفسيره ، وكانت الذرات الناعمة ترسبت فوق أيامي ، فبهتت ألوانها ، فيما ظننت أنها على حالها دون تغيير ..

وفي كل مرة أقرأه من جديد ، أكتشف شيئاً لم أكن نفذت إليه في القراءة السابقة . . وبين السطر والسطر كانت ترتسم ملامح السطر الذي لم يكتب بعد ..ومن وراء حروفه كنت أرى وجهها يطلّ عليّ باسماً ، فأرتد إلى تلك اللحظة التي لا أقوى على مقاومتها ، ومع ذلك كنت أزداد إصراراً على المضي قدماً دون النظر إلى الخلف ، مهما كانت مسوغات الالتفات ..

لقد قررت في تلك اللحظة فقط قطع علاقتي بها نهائياً، قبل أن يداهمني السؤال الذي خشيت دوماً التفكير فيه ، ولما قررت ، كان السؤال قد انتصب أمامي وجهاً لوجه : من منا وقع ضحية كسيحة في أيدي الآخر ، أنا أم هي ؟ وهل أستطيع الفكاك منها ؟ وإذا استطعت ، هل هي تستطيع الفكاك مني؟ … أستطيع القول ، وأنا أمام هذا المفترق الحرج : إن طرفينا أضحى كسيحاً أمام الآخر !

لقد كانت بالنسبة لي الوشاح الأخير ، بعد أن مزقت الملل الذي اكتسح حياتي وحوّلها إلى عادة من القوالب الجاهزة ، يصعب انتهاكها أو تجاهل وجودها ، وما أثرته عليّ جراء النمطية والإيقاع الرتيب .. وبحضورها الدائم تجددت روحي وعشت الأيام بألوانها الزاهية ، وكانت أكبر من أن أخسرها في لحظة خوف ، أو أن أرفضها في لحظة نشوة .

وعندما كنت أحاول معها سرقه لحظة سعادة من بين فكي عقارب الساعة ، قبل أن تهتك إيقاع الزمن ، كان ينتصب أمام عيني تمثال الظنون ،أن ما أفعله هو جزء مسروق من لحظات ليس من حقي امتلاكها ، أو التصرف بها ، فأرفض الامتثال وأتمنى أن أعيش هذه اللحظات بوجدان .

والآن ، كل شيء تغير، عرضة لاحتمالات العصف به ، فيستحيل إلى ذرات من التراب قابلة للتناثر في الشوارع ، وعلى الطرقات التى لا تعرف سوى صهيل الموجات المتعاقبة من البصاطير ، والأرجل الحافية … فكلمات البيان الأول للانتفاضة توحي بذلك .. تجعل من الصعب الجمع بين المهام الثلاث : العشيقة ، الزوجة ، العمل الانتفاضي .. وهذا الأخير ، مطالبون بصب كل الجهد نحوه . فهل سيبقى من الجهد ما يكفي للقيام بالمهمتين الأخريين ؟ وإذا تبقى ، ألا يعني ذلك أنني لم أصب كل جهدي بالاتجاه المطلوب الآن على الأقل ؟!

المعادلة صعبة ومعقدة ، قياساً بالخطر المشوب الذي يحاصر الانتفاضة بغية القضاء عليها ، وأي تراخٍ حيال هذه المسألة يعني التآمر … والزوجة التى مضى عليها خمسة عشر عاماً، وأنجبت جيلاً نعوّل عليه كثيراً في مراحل متقدمة ، ماذا سيكون مصيرها إن همشتها على حساب ما سواها ؟ ربما تدرك أن ثمة تغيراً طرأ على حياتي .. امرأة أخرى احتلت مكانها وتربعت ، وأكون بذلك قد فتحت عيونها على" غادة " العشيقة التي طحنتني اللذة معها ، فأحالتني إلى برميل بارود دائم الاشتعال على حد تعبير " لينا " ، زوجتي ، التي لم تكن على دراية عن سبب اشتعالي الدائم ..

والبيت يقع في منطقة حساسة إزاء التطورات العاصفة ، المتسارعة .. في قلب المدينة التى تضخ الدماء الشابة إلى الأحياء الأخرى ، بعد أن تتجمع من مختلف الأطراف .. إنها " غزة " التي كانت باستمرار تحقق المستعصيات ، وتستعصي على الغزاة .. غزة التى حمد الله كلُّ من دخلها بعد أن خرج منها بأقل قدر من الخسائر ، ومن لم يتمكن لبس (العمّة )وصار من أهلها مع مرور الوقت ، ومن يتفقد العائلات القديمة ، يكتشف هذا الأمر ويستعصي عليه فهمه بالدقة المطلوبة .

من شوارعها العامة والفرعية ، تفرخ شوارع جديدة . ومن الشوارع ينبت الرجال و الأطفال الذين يواجهون آلة القتل بكل الأساليب المبتكرة .. سوقها المركزي (سوق فراس ) أنجب "الباهر" الذي بهر الجميع بأعماله … في أكثر من مرة كان يقف أمام فوهة الرشاش وفي يده الحجر ، ينظر إليه في الوقت الذي لا يفصله عن الموت سوى شبر واحد يمكن اختزاله بالضغط على الزناد ، ولكنه لم يرتد مرة إلى الخلف .. كان يجبر جنود الاحتلال على التراجع ، ثم تفتح الأرض باطنها و تخفيه ، ثم ما يلبث أن يظهر بعد حين ..

وكم من مرة كادت الحسرة تقتله ، عندما يشيع جثمان شهيد ثقبه الرصاص دون أن تتشنج يداه على عنق من ثقبوه ! وكم من مرة تمنى أن يمتلك رشاشاً كي ينقض على الغزاة من كل صوب ! وكان يردد في معظم المناسبات :

لقد حصد الشهداء نظرة الوداع الأخيرة من ذلك الحفل الطقوسي الذي انتهى عند خلاء لم يعد يتسع لمزيد من الموتى ..

هذا " الباهر " الذي نبت من زحمة الناس في الأسواق والأحياء الفقيرة ، تحول فجأة صديقاً لكل الأجيال .. أباً للأطفال الذين يشعلون الاطارات المطاطية ، ورفيقاً للقوات الضاربة الذين يملأون الشوارع ، ويدبون الرعب في قلوب الخونة والمتواطئين عندما يرتدون الزّي الموحد ويتوشحون باللثام ، وابناً يحفظ ذاكرة الماضي من الاندثار ، يسجل الحاضر ، ويؤرخ للمستقبل .. يسارر بعض الأصدقاء ويتوكأ عليهم فيتوكئون عليه.. وعند سقوط كل شهيد يبكي بحرقة كما لو أن نهر الدموع الذي يصبه على الوجنتين قادر على إطفاء لهيب الأعماق .. يقف في مقدمة المشيعيين يحمل في يد صورته ،وفي اليد الأخرى صورة آخر من سبقوه ، وقبل أن يوارى التراب يقف في مواجهة المشيعيين ويكرر مقدمة البيان الأول للانتفاضة :

"يا شعب الشهداء .. أحفاد القسام .. يا اخوة ورفاق أبي شرار وخالد نزال وكنفاني ، يا شعب الانتفاضة الممتدة من جذور الوطن منذ عام 1936 .. والمتصاعدة بقوة فولاذية في وجه الاحتلال الفاشي لتحرق الأرض تحت أقدام جنرالاته وجنوده الجبناء .. يا أبطال حرب الحجارة والمولوتوف .. تصعيداً لانتفاضة شعبنا المجيدة ، ووفاء لدماء شهداء شعبنا الطهور ، وتأكيداً على المضي في الانتفاضة حتى طرد الاحتلال من أرضنا ،نودع اليوم شهيداً عزيزاً على قلوبنا .. شهيداً ألقى على جنود العدو آلاف الحجارة ، وعشرات الزجاجات الحارقة ، قبل أن تصل يد الجبناء إلى قلبه وتوقف نبض الحياة فيه ..و .. و ..و .. " وينفض المشيعون وتبدأ طقوس الحياة دورتها ، فيما يبقى " الباهر " بكامل جاهزيته ومستنفراً لحواسه الإضافية .

* * *

بعد ساعتين من وصول بيان القيادة الموحدة للانتفاضة إلى عامة الشعب ، امتلأ "ميدان فلسطين " في غزة بالحشود من كافة المواقع الجغرافية ، البعض يرتدي زيّاً موحداً ويحكم اللثام على وجهه، حتى لا يتم التعرف عليه ، وينتعل الأحذية الرياضية التي تساعده في سرعة الحركة و الانتقال من مكان إلى آخر ، والبعض الآخر طوى أكمام قميصه فبانت زنوده القوية و عضلاته المجدولة كشعر الصبايا اليافعات ، يحملون في أيديهم الحجارة والزجاجات الفارغة والقضبان الحديدية بانتظار قدوم جنود الاحتلال، فيما كانت العديد من النسوة يحملن في سلالهن وحقائب أكتافهن مستلزمات المواجهة والصمود إلى أبعد مدى ممكن ..

وعندما بدأت موجات الغزو تشبث الكل بموقعه ، وصار صدى الأصوات غير مميز بوضوح ، فتكسر الزجاج لا يختلف كثيراً عن القضبان الحديدية عندما ترتطم بزجاج السيارات العسكرية ودروعهم الواقية ، ورائحة الغاز المسيل للدموع لا يختلف عن رائحة البارود في أنف المصاب الذي لا يقوى على الفرار ، أو الشهيد الذي لا يهمه عمق الجراح أو مداه أو مكان الإصابة في القلب أو الرأس !.

احتدمت المعركة .. بدأوا كالموج يتقدمون ، يقذفون العدو بالحجارة ، ثم يقفون عند أقرب جدار ، فتأتي الموجة الأخرى منطلقة من جوار جدار في منجى عن الرصاصات المبعثرة في الفضاء تملأ المكان ، ما تلبث أن تفرغ محتوياتها و تختبئ عند أقرب منعطف ، حتى تنطلق موجة جديدة ، وهكذا دواليك ، فيما تعلقت يدي في الهواء فجأة ، وبدأت عيوني تبحث في وجوه الصبايا عندما رأيت إحداهن تسقط على الأرض وتضحى في أقل من لحظة وسط بركة من الدماء ؛ تبحث عن وجه " غادة " من بين الوجوه المتشنجة التي تواصل التقدم نحو الأفق .

وقلت بصوت مسموع حسبت بادئ الأمر أنني أتحدث في سري :

محرم شرعاً وضع جثتين في الضريح الواحد ، باستثناء حالة

الحرب أو المذابح الجماعية .. !!

ولما انتهى تأثير المخدر صحوت، فإذا بي ممدد على السرير ومحاط بوجوه عديدة : "الباهر" ، "غادة " ، " لينا " ، وأطفالي الثلاثة .. " وقبل أن تستكمل عيوني دورتها في التعرف على الوجوه المختلفة ، ربت " الباهر " على كتفي قائلاً :

لا تقلق كثيراً ، فبعد قليل ستغادر المشفى قبل أن يداهمه الجند .إصابتك طفيفة ، بعض الثقوب في الساعد لم تصل العظم أو تمسه ، ربما لأنك كنت مشرعاً يدك في الوقت الذي كان فيه الرصاص ينطلق بغزارة ..

نعم ، عندما رأيت الصبية تسقط على الأرض .

صمتُّ لحظة ثم سألت :

كم عدد الشهداء والمصابين في هذه المعركة ؟

لم نحصهم بعد ..

على أية حال ، أنا مدان لك بإنقاذي !

لست وحدي ، ثم إن هذا واجب الجميع ..

أعترف، أنك انتزعت عمري من زّي الملثمين وسترت عورتي بالذكريات ..

هذا شرف لا أستحقه وحدي .

وغادرنا المشفى في اللحظة التي أبلغنا فيها أحد الأطباء عزم جنود الاحتلال على اقتحامه ، ولما صرت في البيت أحاطني الأصدقاء بالحنان وبعيون مفتوحة تركب السؤال وباقات الورد المبعثرة في أرجاء الغرفة .. صبايا من كل الأعمار و الألوان تهز كياني .. أمشي على وجوههن بنظري فأصاب بالدوار .. يتبخر المخدروأصحو منه فأجد " غادة " منتصبة أمامي "قطعة من وجه العذراء طاردت خيال فنان ". أخاطبها :

لقد رأيتك بالأمس ، في كل النســاء اللاتي صادفتهن ..

جمعت وجهك قطعة قطعة من صورهن المنتشرة في كل الصحف والمجلات .. من الوجوه التي تملأ مفترقات الطرق و الإشارات الضوئية المنتصبة لتنظم الكون ، وتشتم رائحة عطرك المميز .. رأيتك من خلف زجاج السيارات التي تتسابق مع الريح وأنت تنظرين إليّ وتداعبين أحلام تجديد النسل ، في لحظة تلامس فيها حرارة الشمس نسمة الحقيقة الباردة ، فينطلق الأفق في فضاء عيونك . عندما أتسكع في الشوارع والطرقات ، أنصب الحواجز وأشعل الإطارات ، أراك تتبخترين أمامي علامات استفهام وظلاً مجسداً ، ينتقل مع بصري في كل الزوايا و الاتجاهات ، فيصيبني الخواء ،وأظمأ عطشاً رغم وفرة الماء …

أعترف إليك ، أنني عندما قرأت البيان الأول للانتفاضة ، في ذلك اليوم الخارج عن سياقه ، الذي لا يشبه ما سبقه أو لحق به . أعترف إليك ، أنني عندما قررت قطع صلتي بك ، مرت علىّ أيام كنت أخشى فيها من اقتحام أية امرأة عابرة سبيل ، ضريح قلبي ، وتحويله إلى مقبرة أدفن فيها سعادة الحب الذي عشته معكن أنتن الاثنتين في آن معاً، أنت و "لينا " ، في وقت لا تعرف فيه معظم النساء معاني الحب والعطاء بنفس المقدار . أعترف إليك أن جسدي أصيب بفقدان المناعة ، وبدأ اليأس يدب في نفسي ، مما دفعني للقول في سري : إن تسديد طعنة واحدة إلى القلب مؤلمة حقاً ولكنها مريحة ، تخلص الإنسان من العذاب الدائم إن هو آثر الإبقاء على قراره " ! !

ما فائدة الحديث الآن .. ؟

نعم ، ما فائدته ؟ !

أقولها لك ، أيتها الحبيبة " لينا " ..

أقولها ، لعل ذلك يشفع لي في نظر المجتمع الذي كبلني بقيوده ، وحاصرني بالعادة التي تشبه العرف ..

وأقولها ، لأنك أنت من دفعني دفعاً نحو اتخاذ القرار الذي لا رجعة عنه.

وأقولها أيضاً، لأنني أشعر بصدقها ، وعمقها ، ونفاذ معناها ، أكثر من أي وقت مضى .. ولو قلتها قبل ذلك أو بعده ، لخضعت لحسابات مختلفة ، مما يجعل منها قريبة من التزوير باعتبار التجميل أفقدها لونها الصارخ الذي لا يقبل التأويل : وهل هناك أروع من الحقيقة التي يعترف فيها الإنسان أمام ذاته ، ويحطم الإله الصنم الذي توارثه أباً عن جد ، داخل المعبد وهو يؤدي طقوسه ويعلن أمام من يخشاه أن إلهكم واحد أحد !

نعم .. ما فائدة الحديث الآن .. ؟!

هل هو هدم أول حجر من العادة التي استحالت مع مرور الوقت إلى عرف ؟

هل هو تقويض مفاهيم سادت في أزمنة لم تعد تتلاءم مع شخوص الأزمنة الحالية ؟ !!

هل لأنني خرجت عن معيار المألوف أحاول تشجيع الآخرين على انتهاكه ؟

نعم .. ما فائدة الحديث الآن .. ؟!

سأترك لك أيتها العزيزة " لينا " تقدير حجم الفائدة ، بعد أن أروي لك كيف نشأت علاقتي و تطورت مع " غادة " التي أضحت لاحقاً جزءاً من روحي ، لست على استعداد أن أخسره ؛ وكل ما أرجوه منك أن تكوني موضوعية بمقدار الحب الذي لم ينطفئ لحظة ، رغم شراسة العواصف التي حاولت ، عند بعض المحطات ، اقتلاع أعمدة خيامنا ، كلما اختلفنا حول قضية جوهرية مازال الخلاف بيننا محتدماً حولها ..

فيما مضى ، كنت ما أزال أعيش بين لحظات الحب التي يزداد اشتعالها كلما نظرت إلى عينيك ، فتنصهر رغباتي المحمومة تحت غطاء الفراش الذي يجمع بيننا، وكان جسدك اللدن القابل للالتواء و التشكيل ، وأحياناً التوقف ، كلما اقتضى الأمر مثل علامات الترقيم ، يستثيرني بجنون ، فأنصرف إلى أخذ أكبر قدر ممكن من التمتع بالمساحة التي أتاحتها لحظات النظر إلى الجسد المثخن بالالتهاب ، التواق إلى إطفاء اشتعاله بين ذراعي ، و كأنني أحاول تجديد نفسي ، أو إعادة إنتاجها بشكل متمرد على ثبوت النون والقوالب و ما يفعلون ، التي تقف وراء منطق العادة الموروثة ، التي طالت أرواحنا ودجنتها وفق الحاجة التي تدعو إلى الاستسلام لما هو كائن مهما كان بائداً .

فيما بعد ، قابلت " غادة " في قاعة محاضرات إحدى الجامعات ، قاومت اجتذاب عيونها وملامح وجهها إليّ، فيما كنت من الداخل على وشك الانهيار ، وكي أتجنب هذا الوضع ، غادرت القاعة دون أن أنظر خلفي ، وعندما وصلت إلى مكتبي وباشرت العمل تلاشت صورتها من مخيلتي ..

في ذلك اليوم ، عدت إليك يا " لينا " ، قبل موعد انتهاء العمل لسبب كنت ومازلت أجهله ، ولما حاولت الاقتراب منك ، ابتعدت عني جراء انشغالك بالأولاد ، عندها ركبت صورتها رأسي كما ركوب الموجة عند الأفاقين ، والكلمات عند صناع اللغة .. !!

وكما هو دارج صباح كل يوم ، ذهبت إلى مكتبي بغية إنجاز بعض الأوراق ، وقبل أن أتمها ، اقتحمني إحساس ، كالإعصار، بوجوب رؤيتها و الحديث معها عن سر جاذبيتها لي ، أنا الذي ما اجتذبتني امرأة يوماً ..

أنهيت ما تبقى من الأوراق ، في الوقت الذي دخلت فيه السكرتيرة ، كي تبلغني عن وجود بعض الصبايا يرغبن في لقائي ..

نظرت إلى السكرتيرة ثم قلت :

دعيهن يدخلن ..

وعندما ذهبت إليهن ، قلت لنفسي : يبدو أن الأقدار تمنعني من لقائها ، و إلاً لماذا في هذا الوقت بالذات تأتي الصبايا للقائي ؟ !!

كانوا خمسة ، " غادة " واحدة منهن ، تحاشيت النظر إلى عيونها عندما سلمت عليها ، ولما بدأ التعارف بيننا عرفت اسمها لأول مرة ، عندها لم أستطع منع نفسي من النظر إليها ، وتفقد وجهها قطعة وراء قطعة ..

تحدثنا في أمور مختلفة ، وبين الحين و الآخر كانت تلتمع أسنانها من خلال انفراج شفتيها الناجم عن ابتسامة مجاملة تحمل من التودد والملاطفة ما تستطيع .. كانت أكثرهن جرأة و طلاقة في الحديث ، وكانت تتوكأ على جاذبيتها عندما يتعذر عليها استخدام بعض المفردات .. لقد أثبتت حضورها من اللقاء الأول ..

وحين سئلت عن أي الأعمال الأدبية أقرب إلى قلبي ، لا أعرف كيف قلت دون توطئة لذلك : إن أجمل ما كتبته من قصص هي تلك التي تغزلت فيها بزوجتي عندما كنت مسافراً .. لقد قلت فيها من كلمات الحب ما يصعب علىّ قوله الآن ..

كست وجوههن الحمرة ، فيما كانت نظرات " غادة " تطالب بإعادة الكلمات التي كتبتها على مسامعهن ، وفجأة بادرت بالسؤال :

من مواليد أي برج أنت ؟

برج القوس ..

وأنا كذلك .

نظرت إليها بإمعان ثم قلت :

قوسك يختلف عن قوسي !

لم أفهم عليك ..

قوسك مواليد شهر الثاني عشر أما أنا فالحادي عشر .

وكيف عرفت ؟

أقرأ العيون و الكف !

نظرن إلى بعضهن البعض بعد أن خيم الصمت على المكان ، فيما تقمصت أنا الوقار وبدأت أتحدث ، معطياً صوتي رنة الحسم ، فبدوت مخلصاً لزوجتي ودافعاً للطمأنينة إلى قلوبهن التي لم تعتد هذه الجرأة من الحديث . وحين وجدت الإصغاء فارداً جناحيه على وجوههن أيقنت أنني نفذت إلى أعماق حواسهن العطشى لحديث الروح الذي يدغدغ المشاعر ويلهب الوجدان ، فقلت :

لا تستغربن حديثي ، أعترف إليكـن منذ البـدء ، أنني أحب

زوجتي بجنون ، بشكل لا يصدق ، وبطريقة غير معقولة لا يسوغها منطق و لا يبرر وجودها العطش ، ومع ذلك ، فهذه هي الحقيقة المطلقة في حياتي .. أنتن مازلتن صبايا في مقتبل العمر ، وإلى أن تسعدن بالحب مع من تحببن ، ستكتشفن بالتدريج هذه الحقيقة .. ستقفن أمام هذه الكلمات وتراجعن منطقها المحكوم عليه من وجهة نظر المجتمع بانتهاك المعايير الأخلاقية في الحديث و آدابه .. سيفلت السؤال منكن حينها ، وستجدن الإجابة فيما أقوله الآن : لماذا نتمتع بالنظر إلى جمال الأشياء نساء ورجالاً وخضرة وماء ومخططات هندسية ، في حين ننفر من القبيح منها ونتمنى ألاّ نراه مره أخرى ؟! هل سمعتن يوماً شخصاً أحب مكاناً قذراً ، شخصاً فظاً ، شجرة جرداء تثمر شوكاً يتكسِر في الحلق ؟ إن أي شخص عندما يشاهد هذه الأشياء ينفر منها مشمئزاً ، في الوقت الذي لا يرغب فيه بترك النظر إلى ما هو جميل ، فهو يشدك من الداخل ، أردت ذلك أم أبيت .. !!

صمت وأخذت أمسح وجوههن بالتوالي إلى أن توقفت عند " غادة " التي كانت ما تزال تراقب كل حركة من حركات يدي وكل خلجة من خلجات وجهي ، وكل استدارة ، من عيني في مآقيها ، وعندما تقاطعت نظراتنا شعرت بدقات قلبي تتسارع بعد أن اقتحمت عقلي فكرة لا أقوى على الحديث عنها في هذا المكان الضيق . و كان عليّ أن أقول شيئاً خشية افتضاح أمر الفكرة التي سيطرت على عقلي ، فقلت بعد أن أخرجت لفافة من العلبة الموضوعة على الطاولة ووضعتها بين شفتي :

هل ترغبن في شرب الشاي أم القهوة ؟

وقبل أن يأتي الرد ، واصلت :

سأدعو "مصباحاً " كي يصنع لنا إبريقاً من الشاي !

وسألت من أجل أن تأتي الإجابة التي اتكئ عليها في الانتقال إلى النقطة التي حتماً ستقود إلى ما أرمي إليه :

هل ستقرأن القصص التي حصلتن عليها الآن حتى تبدين الرأي فيها بعد بضعة أيام؟ وجاءت الإجابة موحدة ..

بالتأكيد

لقد أعجبت " غادة " بمواقفي وبطريقة حديثي ، لاحظت ذلك ، وهي تتابع النظر إلى زميلاتها فخورة كأنها تمتلكني ، وبين الحين والآخر ، كانت نظراتنا تتقابل ، وفهمت فجأة وعلى نحو عميق ، أنها تتمنى أن أكون ملكها وحدها ، أنا العصي على الامتلاك . وخطر ببالي أن أنفض عن نفسي هذا التقمص وأعلن الحقيقة أمام الجميع . ولكن شعور التراجع الذي من شأنه شطب مضمون الانتصار ، جعل من أمر إحراجها أمام زميلاتها في موقع الصدارة في أولويات تفكيري ، وحتى لا تصاب بالخيبة ، وكي لا أخسرها في هذه المرحلة ، التي أشعر بحاجتي إليها ، على الأقل .

وتكررت اللقاءات بيننا ، أحياناً منفردة ، وأخرى بصحبة زميلاتها ، حتى أضحت شبه يوميه ، بعد أن "طحنتها اللذة .. لذة الكلمات العارية و ما تفعله في حواس الأنثى"،خاصة ، وأن سياق الأحداث حطم كل مقاومة محتملة ، فأصبح تأثيرها أكثر قدرة من الأصابع حينما تلامس الجسد و تشعل فيه توق المتعة .

في البدء ، كنت ألمس في عينيها رغبة التسلي برجل يكيل لها كلمات الغزل الناعمة ، حتى يدغدغ حواسها ، ثم ما لبث أن تحول إلى عادة ، كلما تجاهلتها أصابها شعور صاعق خدش أنوثتها في أكثر المواقع إثارة ، فيختلط الأمر على كلينا ، بين التحدي على مواصلة أي منّا سيمتلك الآخر في نهاية المطاف ، وبين الرغبة الحقيقية في الاشتهاء الذي لا يقاوم ؛ وبينهما كانت العلاقة تتراوح بين الالتهاب المتوتر ، المشوب بلحظات ليست واردة في الحسبان

ولما نمت العلاقة بيننا وصار لها طعم ومذاق مختلف ، اعترفت لي بنواياها الحقيقية منذ البدء ، فقالت :

أيقنت منذ اللحظات الأولى أنك تجيد نصب شباكك ، وكنت

حذرة من الاقتراب منها .!! قلت في سري :

مادام يفكر بهذه الطريقة سنرى شِبَاك من أقدر على اصطياد الآخر .. سأجعله يهيم فيّ بعد أن أوهمه بالحب الذي حتماً سيشتهي مثيله ، ثم انسحب من حياته كي يسلك كل الدروب من أجل أن يتعقبني ، أو يسمع كلمة حب واحدة تعيد إليه حالة التوازن الذي افتقده .. وكلما اقتربت من تحقيق الهدف كلما تعذر عليّ الانسحاب من حياتك ، حتى بت أكثر ما أخشاه هو انسحابك من حياتي .. لقد وصلت مرحلة غير قادرة فيها على تصورك خارج سياق حياتي .. أعترف إليك الآن أنني فريسة حبك ، و إذا ما تخليت عني لن تكون طعنتك الموجهة إلى القلب مؤلمة فقط ، بل قاتلة ، لن ينفع معها كفاءة أمهر الأطباء.. !!

زهت عيوني وشعرت بالانتصار في وقت أخذت فيه ضحكتها المتناثرة ، المجلجلة ، التي تشبه وخز سكين ( البلدوزر ) في خاصرة الكثبان الرملية ،تملأ المكان ، ثم قالت قبل أن تتلاشى بقايا ضحكتها عن شفتيها التي كثيراً ما حيرت الرجال :

لن أنسى أنني اعترفت إليك بمشاعري الحقيقية غير مجبرة على

ذلك ، ولكن أرجو ألاّ تنسى أنت أن حبي لك هو نقطة ضعف قاتلة ، فلا تحاول ابتزازي من خلالها !!

صمت دون أن أتفوه بكلمة .. لحظة ، ثم خيم السكون المتوتر علينا ، ولأول مرة في حياتي أستشعر الذل، أتذوق طعمه العلقمي ..ولا أدري كيف تسربت مسافة العمر في دهاليز الأيام إلى عقلي فأعادتني إلى البيان الأول للانتفاضة .. مررت عليه سريعاً ثم نهضت فتبعتني إلى حيث أسير دون القدرة على مواجهة حالة التوتر التي أصابت كياني فأحالته إلىبركان يصعب الوقوف في وجهه أو إخماده قبل استكمال دورته العادية المحكومة بالقوانين و بقايا العلم الذي لم نصل إليه بعد … !!

طويت أيام الأسبوع المهترأة ، ولم يتبق سوى السبت .. اغتلت الأزمنة التي تعكر صفو الحاضر ، وكأنها مقطوعة عن السياق التاريخي ، ولم أجرؤ للتعرض ليوم الغفران .. انتهكت أنسجة خلايا الشهيد الاستنساخية ، ومنعتها من إعادة إنتاج نفسها ، ولم أرأف بحال أُمٍ شيعت ابنها الأخير إلى مثواه ، ثم انطوت على نفسها في البيت .. تآمرت على ما تبقى من أحلامي عندما تأخر بزوغ الفجر ، ولم يسعفن ضعف نظري من قراءة ما يخبئه الغد .. نسيت " الباهر " تماماً ولم أتذكره إلاّ بعدما استشعرت طعم الذل .. قلت لنفسي : إما أن تتعود طعم الذل إلى أبد الآبدين ، وإما أن تقتفي أثر " الباهر " الذي ما زال يجوب البلاد طولاً وعرضاً غير عابئ بالانحسار والبحث الدائم عنه ..

وحين وصلت إليه كان قد تكاثر فأنجب " الحازم " و" الصارم " و " المتوكل " وبدأوا يدبون على الأرض ويجددون الوعد ، وامتلأت السهوب والجبال بهم ، فصارت ثورة من جبال الخليل حتى أنفاق رفح ،مما أعادنا إلى البدايات الأولى ، والرصاصات الأولى ، ودخول غرناطة ، و الاستجمام على السواحل الإسبانية ..

ولما اقتربت من مدخل الصحراء ، سمعت الهتافات الممزوجة بالزغاريد والصيحات ، تتجلى بوضوح ، عندها أيقنت أن أُمّاً تودع ابنها ، أو زوجة تودع زوجها ، أو أطفالاً يودعون أباهم ، أو كلهم مجتمعون يودعون الشهيد الذي آثر قبضة تراب عن قبضة ريح ، وفضل الترنيم معها عند همسات الفجر عن هرس حصاها والدب فوقها كلما طاردته أطعمة الحياة الفاسدة .

وقبل أن نغادر الصحراء ونودع قبور الشهداء ، أنا و" غادة " سمعت " الحازم " يخاطب " المتوكل " قائلاً :

ـ فيما مضي كان الكبار ، أيها " المتوكل" ، يرحلون إلى مثواهم الأخير عندما يحين الوقت ، والصغار إلى مدارسهم ، وكانوا عندما يقرع الجرس يصطفون طابوراً واحداً بانتظار انطلاق النشيد

وترديده . أما الآن فالكبار يحتضنون جدران البيوت الباردة خشية التداعي والسقوط ، والصغار يتصدون للرصاص بصدورهم ثم يرحلون إلى القبور بعيون مفتوحة تطمح بالحرية ورفع العلم .

مضى المشيعون بعد انتهاء المراسم فيما بقيت أنا و " غادة " نتفقد قبور الشهداء دون تحديد الهدف من وراء ذلك ، وفجأة دار سؤالها في رأسي دورته الجنونية ، وكانت قد سألته منذ اللحظة التي حطت فيها أقدامنا أرض الصحراء وشاهدنا القبور ، ولم أجب عليه :

ـ بماذا تشعر عندما تنظر إلى قبور الشهداء ؟ وهل المشاعر ذاتها تنتابك عندما تقف أمام القبور المختلفة ؟

عندها كنت أقف أمام قبر أبي .. دار السؤال دورته ، وفتح في عقلي إجابات لا حصر لها ،لخصتها في جملة واحدة :

إن الحياة لقذرة ، ولو لم تكن كذلك ، لما استقبلها الطفل الوليد الذي يغادر رحم أمه للتو بالبكاء !

شبكت ذراعها في ذراعي ، لأول مرة ، في أعقاب اقتراب أحد المتسولين بثيابه الرثة وملامحه الغائرة في القدم إلى بداية التكوين .. مد يده قائلاً :

ـ تصدقوا عليّ رحمة عن أمواتكم .

لم أعتد هذا النوع من الصدقة ، غير أنني فعلت استجابة لرغبة " غادة " بعد أن قالت :

ـ إنه إنسان مسكين ، بسيط ، أعطه ( شيكلاً ) كي يمضي ..

أنقدته ( شيكلاً ) فيما بقيت أذرعنا متشابكة ، ننظر إلى القبور ونسير بينها .. نتأمل العالم الراهن ونحن بين كفي العالم الآخر .. هي غارقة في تفكيرها الخاص ، وأنا غارق في الكينونة .وفجأة ، ضممتها إلى صدري وسمعت أنفاسها الصاعدة إلى الفضاء ، ودقات قلبها التي تؤكد استمرار الحياة ، دون أن تعترض أو تتمنع كما لو أنها تحتمي من خوف داخلي بالتصاقها بي . وكانت البذرة المغروسة بجوار القبر قد أضحت شجرة فردت ظلها علينا فغدونا شاهداً واحداً لقبر مجهول ، وكان أبي يسمع همسنا ويبارك هذه اللحظة ، فيما أخذنا نحن الاثنان غادة وأنا نقرأ الفاتحة على ضريحه ونترحم عليه..!!

في خضم هذه المشاعر ، أخذ عقلي يقيس أهلية التعايش مع اثنتين ، و المضي في التجربة حتى نهايتها الغامضة .. لقد فكرت أن أجمع بين طرفي المعادلة ، وأسير بهما في آنٍ معاً؛ أن أبقى مع زوجتي التي أحب ، ومع " غادة " التي لم أتصور فقدانها لحظة . ولكن كيف ؟ كيف لي أن أفعل ذلك ، وأنا محاصر بكل أوهام اليقين !!

حين كنت انفرد معها في مكان بعيد عن أعين الناس ، لا أدري ، كيف ألبس شخصية غير ما عرفت به من وقار ، فأبدو متوحشاً، كما لو أنني أرى المرأة لأول مرة !

كنت أتحدث معها بكلمات تصيب القلب ، وكانت فوراً تذكرني بزوجتي ، في وقت أعرف فيه ، أن هذا التذكير يوحي بحجم الإصابة التي طالت قلبها فتحاول الهرب ، ومع ذلك ، كنت أواصل حديثي فأقول :

أنت جزء مني ، وأنا كذلك .. ولكن لماذا نخشى من الإعلان

أننا نكمل بعضنا ؟ ولماذا نسمح للوحش الرابض في أعماقنا، الذي نسميه الخوف التحكم في حبنا و إبقائه في الظل ؟ ونظرت إلى عينيها ، فجأة ، في لحظة خارجة عن العقل و لا تخضع لأي منطق ، فرأيت كل أسراري تلتمع فيهما ، كما لو أنني عارِ تماماً وليس هناك ما يستر عيوبي .. في هذه اللحظة بالذات ، نزف جسدي من العرق ما يكفي لنظم قصائد ( امرئ القيس ) في عقد يتزين به كل المحبين ، بعد أن يرموا همومهم خلف أمواج البحر المتلاحقة التواقة إلى التلامس دون جدوى .

وتعلمت السباحة في عينيها ، نعم ، هذه هي الكلمة المناسبة ،تعلمت السباحة و الغطس إلى أعماق المشاعر الإنسانية ، ولكن دون النفاذ إلى قرارها ، غير أنني أخيراً أمضيت عطلة نهاية الأسبوع بين طبقات صوتها ، دون أن أقدر على قول كلمة واحدة تمزق هذه اللحظة ، أو تنقلنا إلى أخرى مخالفة لها بالحجم ، ومضادة لها بالاتجاه .

وجعلت نفسي أتصورها تمشى على التراب عارية القدمين ، فإذا به يستحيل إلى قطرات ندى بعد أن جمعته في وعاء بلوري شفاف بإمكان العشاق ، فقط ، مشاهدة لحظات اللذة وهي تتراقص من خلفه !

كانت أكثر من نصف ذكية وأقل من مطلقة الذكاء.. تعرف ماذا تريد ، ولا تفتح مجالاً لكل الشباب كي يفكروا بها .. تصد البعض عندما يحاول الاقتراب منها ، وتطرب عندما يلاطفها البعض الآخر .. تتوقد باهتياج العشاق عندما تكون بصحبة اللواتي أقل منها جمالاً ،وتنكمش عندما يندفع المولعون في تصورها بين أذرعهم ، وعيونهم تتطاير شرراً ..كانت شديدة النعومة و تثيرك بتمنعها المتعمد ، مما يجعل أمر التفكير فيها دائماً . وكنت دائم الاشتهاء لها .

ومع كل يوم جديد ، أكتشف المدهش والمثير ليس فقط على صعيد صفاء بشرتها ونعومتها ، بل أيضاً على صعيد نمط التفكير و النظر إلى الحياة . كانت تؤثر العطاء ومساعدة الآخرين ، بكل ما تستطيع ، عندما يطلبون منها ،حتى وإن كان ذلك على حساب أولويات أخرى على مستواها الخاص . وكانت كلما خلت مع نفسها – معي – تطلعني على أدق التفاصيل ، على موقف البعض بالرد على الجميل بالجحود ، وعلى ازدياد تعلق البعض الآخر بها جراء الجميل . وكنت أكبر فيها هذا التصرف كما لو أنها تضع قدميها في المكان الذي يضع فيه الآخرون رؤوسهم .

كان الصمت قد أطبق أسنانه على حضورها ، فبدت كأنها غارقة في بحيرة من الذكريات المؤلمة ، وبصعوبة استطعت اغتصاب ابتسامة من بين شفتيها ، بعد أن وضعت يدي فوق يدها ، فإذا بها ترتجف .. عدت بالذاكرة إلى الوراء ، إلى المنعطف الأول ،وراء الفكرة الحمقاء التي جعلت من قلبي يتوثب ، كأنه بانتظار فجيعة غير متوقعة على وشك الحدوث دون مقدمات ، ولكني أحس بها على نحو غامض . عندها عرفت الفرق بين نقطة المطر الساقطة من السماء كي تغسل الشجر و الحجر ، الإسفلت والناس من الأوساخ العالقة بها ، وبين نقطة الدمع المتكورة على طرف رمش العين ، أو قرص الخد كي تغسل النفس البشرية من العذاب . و عندها ، فقط ، كان يتعين عليّ أن أقول شيئاً بغية إخراجها مما هي فيه من تفكير وخوف وذكريات مؤلمة ، فقلت :

إن رجفة يدك لا تعبر بالضرورة عن الخوف و التوتر ، بل قد

تكون جراء ازدياد حجم عشقك لي .. انهمرت الدموع وفعلت فعلها ، مما ترك أثراً بليغاً في مساحيق التجميل ، فأحالها إلى خطوط تشبه السيول التي تحدثها الأمطار الغزيرة ، عندما تتساقط على صفحة الرمال الصفراء المنحدرة قليلاً ..ولما مددت يدي حتى أعيد للوجه نضارته ، رمت نفسها في أحضاني ، وتركت رأسها يتكئ على كتفي في نفس اللحظة التي غزت فيها نوبة بكاء حادة كيانها وجعلت جسدها كله يرتجف .. ومن بين زخات البكاء والارتجاف سمعتها تقول :

إنني خائفة من المستقبل !

ظلت بين ذراعي ، لا أنا قادر على اعتصارها، ولا هي تملك حق فك الارتباط .. !!

عدت ذلك المساء إلى البيت ، وكان الإنهاك قد طحن آخر ما تبقى من حواسي ، فحولها إلى ذرات تتطاير في مهب الريح .ولم يكن أمامي أية إمكانية للتراجع عن القرار الذي اتخذته ، حتى لو رغبت في ذلك ،لأنه ببساطة ، بات واضحاً دفع الثمن الغالي في حال التراجع بنفس المقدار في حال الاستمرار، ولهذا قررت أن أمارس حقي مهما كانت النتائج .

وحين أوشك كل شيء على التمام، أخذتِ يا " لينا " تصرخين حيناً، وتتوسلين حيناً آخر .. أتذكرين ماذا كنت تقولين ؟

إن لم تعدل عن قرارك لن أبقى في البيت دقيقة واحدة !

أرجوك لا تفعلها ! أين الحب الكبير الذي كنت دوماً تحدثني عنه ؟ !

دارت كلماتك يا " لينا "في رأسي، فأصابني الدوار والرجفة معاً ، كما لو أنني أنظر في عينيك لأول مرة ،في وقت كنت فيه كلما اقتربت إليك بعد كل لقاء معها أكتشف فيك شيئاً جديداً .. شيئاً يزيدني التهاباً، ويجدد في عروقي التمسك بك حتى النهاية . وكنت أسأل نفسي باستمرار : ماذا حدث لي حتى أضحى هكذا ؟ وفجأة ، تسلقت الإجابة لساني :

إن ما حدث أعادني إلى الأيام الأولى التي عرفتك فيها .. لم أكن بعد قد دخلت عالم المرأة بالطريقة التي تكسب التجربة مع التكرار ، وحين دخلتها اكتشفت إثارة جسدك الذي لا يوقف اللهاث وراء المستحيل ! ولما دفنت رأسي بين ضلوعك ، وسمعت دقات قلبك المتسارعة ، كنت قد تحولتِ إلى عشيقة حقيقية ، لا إلى زوجة تـعنى بشؤون البيت و الأطفال، وكانت " غادة " هي التي أوقدت فيّ وفيك إحساسنا اللامتناهي بحاجة كل منا للآخر .

فهل بعد كل هذا ، تعتقدين أنني خنتك ؟

هذا السؤال حيرني كثيراً ،لأنني لم أتعامل مع هذا الحيز من العلاقة بمنطق الخيانة .. وأنت التي لم أشك يوماً بذكائك ، كيف تسمحين لنفسك بالانجرار وراء منطق الخيانة الذي يعاقب المحبين الذين يسعون إلى إعادة إنتاج أيامهم الأولى بعد مضى خمسة عشر عاماً على رتابتها ، بما يتلاءم مع التجديد ومحاولات الاكتشاف للعوالم الأخرى، التي من شأنها تأكيد الحب ونمائه .. لا يا " لينا " العزيزة .. أنا لم أخنك !

كل ما هنالك أنني سبحت فوق أمواج المغامرة ، أنا الذي لم أغامر يوماً في مستقبلي ومكانتي الاجتماعية ، لأنني مستعد لخسارة الدنيا وما عليها في سبيل الاحتفاظ بك ، وما كان لهذا أن يحدث بمعزل عن التعرف عليها ، وتعليق الخطاف في السماء كي يعلق قدري في سّنه الحاد الذي يشبه رأس رمح ، والذي جدلت حبله من خيوط شعرها الليلي ، وسقيته بالدم والعرق والركض وراء المنتفضين ، ووضع المتارييس وإشعال الإطارات المطاطيه، ومواجهة جنود الاحتلال ، كتفي يلاصق كتفها ، ومن بعيد يبارك "الباهر " خطواتنا .. ولأنني أحبك وأخشى عليك من الشك أن يجلس في عينيك و يتربع ، قررت أن اكتم سر حبي " لغادة " عن التسرب إليك حتى أحافظ على مشاعرك التي يهمني كثيراً بقاؤها في حالة تلهف إليّ . فأنا لست على استعداد أن أخسر أيا منكما . فإذا كنت أنت الحقيقة التي أغمس نفسي معها في الفراش الليل كله ، فهي كذلك ، الحقيقة التي تسطع في النهار و تدفعني نحو إتمام أعمالي بأسرع ما يكون . وإذا كنت أنت الآخرة التي أخلد فيها بالنعيم ، وأقدم كشف الحساب ، كي أحصل على الجزاء أو العطاء ، فهي الدنيا التي أمارس فيها أهوائي، شطحاتي، وربما بعض المتع الزائلة قبل أن انتقل إلى العالم الآخر ، إليك أنت ! ..

أصدقك القول يا " لينا " : عندما كانت تسألني عن البيت و عنك، لم أكذب عليها مرة ،كنت دائماً أقول لها الصدق، أصف لها مقدار حبي لك، وكبر قلبي الذي يتسع لكما أنتما الاثنتين معاً . بـهذه الطريقة غرست روحي في رأسها ، فباتت تسعى إلى امتلاكي .. أقنعتها أن حبي لها لا يشكل خيانة لك ، ومن الإجحاف محاصرة مشاعر الزوج في حدود الزوجة .. لم أقل لها ، كما يفعل الدجالون ، لست على وفاق مع زوجتي ولا أطيق رؤيتها ، لا، لم أقل هذا، الأمر الذي جعلني أقرب إلى عقلها وقلبها من كل الذين حاولوا بكل الطرق الاقتراب منها . لقد خسرت كل شيء، خسرت عمري كله، ولكن أن أخسر هذه المعركة يعني ببساطة ، لم يعد هناك ما هو جدير بالعيش من أجله .. على الأقل يجب أن أربح المعركة التي أنا الطرف الوحيد الذي يحارب من أجلها ، لأن خسارتها تعني، تلقائياً ، فقدان القدرة على خوض أية معركة والانتصار . إنها يا " لينا " ، بالنسبة لي ، أهم شيء بعد غياب الوطن ! .

أعترف ، إن التفكير بها أشقاني كثيراً ، و الاشتياق إلى حميمية اللقاء كان دوماً يعكر صفو حياتي .. وحين كنت أبحث عن شيء في تقاسيم وجهها أقل روعة ونعومة ، لا أجد .. الأنف دقيق، العينان لامعتان واسعتان، يقفز البريق منهما إلى الشارع فيعم المكان ضوءاً يبهر المشاة .. الشفتان ناعمتان منفرجتان أقل اكتنازاً مما هو معقول ، و أكثر مناداة للنظر كي يظل ساقطاً عليهما ، ومن خلفهما تصطف الأسنان بانتظام يستحيل تصوره ، كجيش يستعد لدخول معركة حاسمة . أما باقي الأجزاء فيصعب وصفها ، الأمر الذي يجعله غير عادي ، ويميزه عما سواه من وجوه الأخريات ، فيمتعه بجاذبية حادة ملفتة للنظر ، و يستبقيكِ مشدوداً إليه في آن معاً . والأمران ، معاً ، جعلاه أكثر تناغماً مما يؤدي إلى العجز في الوصف ، مهما بلغت القدرة على تطابق الشكل بالمحتوى في مخيلة فنان ، أمضى معظم سنوات عمره في تأمل جماليات الطبيعة ، وتجانسها مع ما يحيط بها، وكنت دائماً عندما تستيقظ في مخيلتي هذه الملامح أتحول إلى إنسان آخر ، إنسان متمرد يسعى إلى انتهاك العادة والقفز عما هو مألوف ..

ومر عليّ كثير من لحظات الصمت الممتلئة بالاشتياق وهموم الوجع ولوعة الآهات ، تكسر فيها الحلم بالحضور ، كما تتكسر الحقيقة في الغياب .ولم يخرج الوضع من حاله سوى قطع الصمت بالسؤال وتداعي الأفكار ..

أتذكرين يا " لينا " يوم دعوتها إلى بيتنا ؟ ! كنت خائفاً من هذه اللحظة التي أجلتها منذ تعرفت عليها وبت أعشقها .. دفعت صورتكما هي وأنت من مخيلتي دفعاً قبل أن تتقابلا وتقفا وجهاً لوجه لأول مرة .. قلت في سرى : كيف يمكن أن تتعاطي مع الأمر يا " لينا " ؟ هل ستستسلمين له ؟ هل ستجرؤ عيناي على اللقاء بأعينكما ، فتجمح الروح طموحة في اللقاء الأبدي ؟ .. عاشقة تفتح باب الحياة متوهجاً أمام زوجة اعتقدت منذ الليلة الأولى ، أن كل أبواب الدنيا أغلقت مزاليجها عليهما وحدهما دون منافس .. تمر بكفيها على جسدي فينهار من فوره ، وتلوح على الشفتين ابتسامة آسرة تجعل من السفلى ترتجف، كما لو أنها تتحرك تبعاً للشهيق و الزفير ..

آه ..كم كنت أتمنى أن تبقى هذه الصورة في ذهني إلى أبد الآبدين!

لا تذهب بك الظنون بعيداً يا " لينا " فتعتقدي أنني امتصصت آخر قطرات الشهد من كأس الحب المترع بفراق العشاق في آخر لحظات المتعة .. لا تعتقدي أنني بكيت و قلت لنفسي : ماذا أصابك كي تبكي كالأطفال ؟ أ لأن " غادة " ذهبت ؟ لأنك رأيت ملامح وجهها تتبخر قطعة وراء قطعة بعد أن انتقلت إلى حضن رجل آخر ؟ فهززت رأسي كمن يجيب على التساؤلات بالنفي .. من أين داهمني الحنين إليك يا " غادة " وجئت كالعذاب و أنا لم أرك منذ زمن ؟ ! روحي تصلبت في الشرايين وصاهرت ديكاً ذبيحاً استمر ينتفض حتى الرمق الأخير ، فلم أعد كما كنت، ولم تعودي أنت كما عهدتك على مر السنين ، ذكريات تنتصب في وجه أيامي فتحيلها إلى شهد يقطر من شفتيك، ويجلو صدري ترياقاً مع كل صباح، انفض فيه عن عضلاتي خمول النوم، وبقايا من لقاء كان بيننا وتأزر معنا في سرير..

لا تسوّدي الصورة يا " لينا " و تضيقي مساحة التحرك وتقولي : إن ظفرت بها عليك التخلي عني ! فأنا لا أقوى على فقدان إحداكما !

أنا لم أقل : آه .. " يا إلهي كم كانت بشرتها طرية وصافية ، أذكر أنني وضعت كفي فوق نهديها فأخذت تنتفض وأغمضت عيني وأنا امتص ، حتى الأعماق، ذلك التيار الغريب الذي أخذ ينضح في عروق راحتي من داخل صدرها ويطوف في جسدي مثل شحنة

اللذة " ..

أنا لم أقل هذا، وليس بوسعي فعله، ولا أقدر إلاّ أن أكون بينكما . فلا تدمري ما تبقى من جسور قادرة على تحمل وطأة أقدامنا ، ما تبقى لنا من أيام قرضتها أسنان فأر حادة ، فأوشكت على الإجهاز عليها قبل أن تشيخ ، أو يصيبها تلف الأمراض، التي غدت تصيب كل عابر سبيل ..

صعدت إلى سطح الحاضر يا " لينا "، وأخذت أنظر إلى السماء .. كانت صافية تملؤها النجوم بما لا حصر له ، هذه السماء خطفت عقلي و أقعدتني عاجزاً عن قراءة ما تخبؤه الأيام من مفاجآت .. أودعت في قلبي عشقاً لا أقوى على العيش بدونه .. فتحت عليّ نيران أسئلة يصعب الإجابة عنها، ونكأت جراحاً أشفته ابتسامات عذبة ودودة تطالعني كل صباح ، فشهد صدري براءة ذمة ، حددت خواص المرحلة ومعنى العفوية والارتجال، فصار للمتناقضات مضمون أيقظ الذاكرة وحفزها للتصالح مع الذات والسعي نحو بلوغ المستقبل !

وكان " المتوكل" في انتظاري .. دفع الأمر بعيداً فأدخله متاهات يصعب الخروج منها .. علق السؤال في الهواء أعواماً طويلة … ولعبنا الورق "الحازم " و " المتوكل " وأنا وشخص آخر لا أعرفه ، وفجعت عندما طلب " المتوكل" اللعب عن المستقبل ، كي يصبح لنا أو علينا ، فتركتهم ونهضت ماضياً إلى طريق كان يجب منذ البدء المضي فيه دون التعويل عليهم ، وقبلها كانت قد مرت لحظة وقحة ، اعتقدت فيها أنني الوحيد الخارج عن سياق القطيع الذي انحرف وراء كومة قمامة تتنصف الطريق، فإذا بالعديد أمامي وخلفي وعلى جانبي يرددون : اتركوا أيدينا فنحن لا ننوي الغوص في المستنقع !

مضيت وزناد عقلي يقدح ما كان يردده " الباهر " دوماً: الوحدة الوطنية شعار يرفعه الفقراء ويستشهدون ثمناً له ثم يدفنون على هامش تراب المرحلة ! .

وانتظرت " غادة " عند " الباهر " يا " لينا " .. لم تكن تخلف موعداً قبلئذ ، ولكن هذه المرة ، كان المكان خالياً، فلا "الباهر " كان موجوداً ، ولا هي جاءت ، ولا أنا انتظرت طويلاً .. عندها، كاد كل شيء يتقوض لولا تدخل الصدفة : طفل تعرف عليّ في الطريق يحمل قطعة قماش بيضاء مطرزة بالدم ، قدمها إليّ ومضى ..

وعندما لحقته بالسؤال :

لماذا اخترتني أنا بالذات كي تقدمها لي ؟!

توقف ونظر إليّ ثم قال :

تركتها "غادة " عند الضريح الذي دفنت فيه آخر شهداء أحلامها. طفلاً بعمر الورد!

ولكن لماذا اخترتني أنا بالذات ؟

رأيتكما مرة تتأبطا في أذرع بعضكما بين القبور ..

تركني ومضى فيما أخذت أتساءل : هل للأحلام شهداء ؟!!

وكان الصمت قد خيم ، فأخذت أنظر إلى نهاية الشارع الذي أقف في منتصفه لعلّي أرى شخصاً أقول له ما كان ينبغي قوله منذ أعوام ، ولكن لم أجد .. فقلت لنفسي : تعبر السنوات بطفولة الأطفال عبور العواصف بين القبور ! .

ألم أقل قبلئذ : إن بيان الانتفاضة الأول جاء كي يغير مجرى حياتي ؟

لقد كسرت آخر قيد يمكن له أن يشدني نحو الماضي الذي ما فتئت أتنصل منه ، كي لا أعود إليه مجدداً ، بعد أن نحوت منحى طل منه مستقبلي من وراء جدار صلد تمترست خلفه حتى أحافظ على الحاضر . ولكن ، فجأة ، انفتحت كل الأبواب المغلقة في جبينه – جبين الحاضر - وأطل من وراء ستائره قبوراً مجهولة بلا هوية ، أكوام قمامة تتنصف الطريق، رجالاً من مختلف الأعمار بنوا حاضرهم من جذوع شجر الزيتون ، وآخرون انحرفوا في دوامة الحياة التي تشبه ( طوز خليجي ) قريب من الإعصار، سمح لنفسه المرور في دهاليز مظلمة ، كي يطفئ آخر بصيص أمل تشبثنا به شهيداً وراء شهيد ..

ألم أقل : إن بيان الانتفاضة …

ولو لا الكوة التي انفتحت في سماء عقلي ، فجأة ، وأطل منها صخب الماضي برقاً يخطف الأنظار ، ودموعاً عارية تغسل العيون ، وعويلاً يشيع الضحايا ، وغازاً مسيلاً يجهض الحوامل ، ورصاصاً مجنوناً يقتل الأبرياء ، وطعنة في القلب توقف نبض الحياة ، وأسئلة لا تجد إجابة ، وعشرات المضرجين بالدم في غرف المشرحة ، وكلاماً لا معنى له ، لكنت تابعت وقلت : إن بيان الانتفاضة الأول جاء كي يضع حداً لمرحلة سابقة ، ويفتح آفاق رؤية ، ويرسم ملامح مرحلة مقبلة ، قادرة على استنهاض كافة قطاعات شعبنا من أجل التضافر وتحقيق شعار : الحرية أو الموت . سننتصر !

***

مع انسياب الطريق من مقبرة الشهداء إلى قلب المدينة ، عدة كيلو مترات ، انسياب النهر في مجراه ، ينساب الحاضر مع خفقات قلبي ، يتحرك طابور السيارات الطويل ببطء عندما يصل نقطة التماس في وسط السوق، ثم يتوقف، ومعه تتوقف دقات القلب للحظة ، ثم يعاود التحرك بعد أن تزول موجبات التوقف . المحال التجارية عن يميننا غارقة في لجة السوق ، والباعة المتجولون عن يسارنا يستوقفون المارة بغية إخراج ما في جيوبهم من نقود ؛ وتبقى الطريق مزدحمة حتى نصل إلى نهاية سوق " فراس " غرباً ثم ننحرف إلى اليمين فيبدو الشارع أكثر اتساعاً مما هو مألوف ، وبعدها ننعطف إلى اليسار ونتجه غرباً حتى نصل إلى ملعب اليرموك ، حيث من المقرر وصول الحشود إلى المدرج في الرابعة تماماً ، وبدء طقوس الاحتفال بيوم الشهيد الفلسطيني . وعند وصولنا ، كان فريق موحد الزيّ يصطف لاستقبال الوافدين ، وفريق آخر ، يضع على صدره شارة النظام ، مبعثر بين المدرجات، وعلى جوانب الملعب، كي يحافظ على الهدوء .. اعتلى البعض منا المنصة ، فيما توجه البعض الآخر نحو الفرق الكشفية والمسرحية ، حتى يشاركها الفعل بالتوجيه أو التمثيل ، بينما البعض الأخير ، انخرط بين الحشود .. اعتلى الخطيب المنصة .. وقف خلف مكبر الصوت ،ينظر إلى الآلاف المحتشدة بانتظار سماع كلمته التي من شأنها تحديد مهام المرحلة المقبلة .. نفخ في مكبر الصوت ..

التزم الجميع الصمت "كأن على رؤوسهم الطير "..!!

بسم الله الرحمن الرحيم

" يا جماهير شعبنا … يا أبطال الانتفاضة … وصناع المجد الفلسطيني يا كل أهلنا في المخيمات المحاصرة بمنع التجول المفروض عليها، في المدن والقرى التي يسعى الاحتلال لتدميرها ، في أماكن العبادة التي تدنس وتنتهك حرماتها على أيدي عصابات "شارون " .. إن موقفكم الوطني و المشرف تجلى، وبشكل واضح ، في يوم الصمود الفلسطيني ، ونحن على ثقة بترسيخ هذا الموقف . إن القيادة الوطنية الموحدة لتصعيد الانتفاضة إذ تؤكد على مواصلة النضال ، وبكافة أشكاله، تحت رايات منظمة التحرير الفلسطينية ، حتى تحقيق أهداف شعبنا السياسية في العودة وتقرير المصير وبناء دولتنا الفلسطينية المستقلة بقيادة المنظمة ، لتدعو كافة جماهير شعبنا البواسل النضال من أجل إنجاز شعارات الانتفاضة الأساسية والمباشرة و التي تتمثل في :

وقف سياسة القبضة الحديدية، وإلغاء العمل بقوانين الطوارئ البائدة بما في ذلك إلغاء كافة قرارات الإبعاد فوراً .

حل اللجان البلدية والمجالس القروية ولجان المخيمات المعينة من قبل سلطات الاحتلال ، وإجراء انتخابات ديمقراطية لكافة المجالس البلدية والقروية في الضفة الغربية وقطاع غزة " .

إننا إذ نذكركم بيوم الصمود الفلسطيني ، لا يسعنا إلاّ أن نجدد العهد أمامكم في يوم الشهيد الفلسطيني ، أن نبقى أوفياء إلى كل قطرة دم نزفت من أجل تحرير الوطن وطرد المحتلين … و .. و .. واعتلى أحد الملثمين المنصة وأعلن بصوت هادر بعد أن أمسك مكبر الصوت بيده قائلاً :

علمت بالخبر من فوري ، فقلت لنفسي أنقله إلى شعبنا في هذه

المناسبة : قتل الملثمون عدداً من جنود الاحتلال الراجلين في أول عملية عسكرية ، ومن تبقى ترك سلاحه وهرب صوب أقرب ثكنة عسكرية بحثاً عن النجاة .. !!

وترقرقت العيون الجميلة بدموع لا تسيل .. لم تطلق لنفسها العنان ! .

بعد ساعة كان الخبر قد شاع بين الجميع : الملثمون يستخدمون السلاح ضد جنود الاحتلال لأول مرة، منذ بدء الانتفاضة .. وانقلب وضع المدينة الحزين جراء ما تعرض له المواطنون من تكسير للعظام ، إلى بهجة وفرح شارك فيه الصغار قبل الكبار والعجائز قبل الصبايا ، و دعوا خلاله إلى إطالة عمر

الملثمين وتمكينهم من الأعداء ، وإبعاد الشرور عنهم ، و أعين أولاد الحرام التي لا تهدأ و لا تنام ، والقوات الخاصة -المستعربة -حتى يتمكنوا من طرد المحتل و تحرير الوطن … !!

تطايرت الكلمات من شفاهنا متقاذفينها مثل كرة تنس بين مضَربَين .وطرنا خلفها على أجنحة الحب الذي لم نعهد مثلها من قبل ، هي تردد شطراً من غناء " كاظم الساهر " وأنا أكمل الشطر الآخر …

وحين صمتنا ، كانت الموسيقى قد توقفت ، فأعادتنا إلى صحاري قبور الأحياء الذين يتقاسمون نصف ممات الأموات ، قبور وذكريات وأكاليل ورد وضعت فوق أضرحتهم لحظة الوداع ، ثم ذبلت دون عناء النظر إليها، أو وضع خرطوم ماء بجوارها ، سنة وراء سنة حتى تلاشت من الذكرى وصار إحياؤها درباً من دروب إغراق الحاضر وإثقاله بهموم الماضي الذي لا ينفع و لا ينفخ في جيوب المستقبل ، أو يبشر بخير ..

عندها تركت نفسها بين يدي كي أطويها كما أشتهي !

تقهقرت إلى الخلف .. عدت إلى ريعان الشباب ، عندئذ وجدتني أحمل طفلة بين يدي لا يتجاوز عمرها خمسة أعوام !

توقفت عن الحديث . نظرت إليها في نفس اللحظة التي سيطرت فيها على مشاعري فكرة حمقاء دفعتني أن أرمي السؤال في وجهها رمياً :

-هل أحببت رجلاً آخر قبلي أو بعدي أو الآن ؟ رجلاً توسمت فيه غير ما هو موجود فيّ !؟؟

انتفضت مثل ديك ذبيح يلفظ أنفاسه الأخيرة ،ورمت في وجهي صرختها المدوية :

-تأخر سؤالك خمسة عشر عاماً ربطتني خلالها بحبال ثلاثة نسجتها من مشاعر وأحاسيس وتأزر بين غطاء وفراش ، ثم علقتها في سقف غرفة فوق سرير في مستشفى خلصت على ملاءته روحاً من روح ، وقرأت في أذن كل واحد منهم أولى كلمات الله ..

صعقت .. طويت نفسي مثل قطعة قماش بالية . إذ كيف لي أن أعيش مع اثنتين في نفس اللحظة ! .. قبل هنيهة كنت أخاطب " غادة " ، أتقاسم معها الزعتر وغناء " الساهر "؛ والآن أكتشف أنني أرمي سؤالي أمام " لينا " .. هل أصبت بمرض خلط الأمور وعدم رؤيتها بوضوح عند المفترقات الحرجة ؟ وكانت مسافة العمر في دهاليز الأيام قد تجاوزت سن اليأس ، فبت لا أقدر على التمييز بين العشيقة والزوجة !

نظرت إليها بتمعن ، فإذا بها ترتدي غلالة رقيقة تستر الجسد ، ولكنها تشي عما تحتها من كنوز ! قلت في سريّ : إن أكثر شيء يصيب قلب الزوجة بالإضافة إلى الكلمة الناعمة ، والتبختر في الشارع متشابكي الأصابع مع زوج تحبه ، هو التردد على الأماكن العامة دون صحبة الأطفال ، التمايل والحديث الهامس الذي لا يصل إلى مسامع الآخرين ، بغض النظر عن نوعه . باختصار : الشطحات الرومانسية على متن سيارة هو سائقها ،وزوجها، و عشيقها ، ويده تلامس يدها فيصير لمتعة التنـزه وخلع هموم الأيام الماضية معنى الانتصار والقوة بعد الحصار والتبرم بين الجدران الأربعة ، ومناكفة الأطفال في البيت، وعدم انصياعهم لكل ما يطلب منهم التقيد به من تعليمات لا تروق ولا تتفق مع سلوكهم الطفولي ، تماماً مثل التنـزه بين مساحة اللون وظله في لوحة فنية قاتمة .. ذهبت إلى مكتبي صبيحة اليوم التالي متأخراً بعض الوقت ، فإذا بها تنتظرني عند السكرتيرة .. نظرت إليها، فبدت ساعتها مستحيلة ، متمنعة، لا تغويها الكلمات رغم عذوبتها وتحليقها في السماء .. دخلت مكتبي فلحقت بي وبقايا انكسار في داخلها تحاول ترميمه .. وعندما غادر " مصباح " لسبب لا أذكره ، قمت أصنع القهوة بنفسي ، غير أنني بعد لحظات ، وأنا أنظر إلى القهوة خشية أن تفور ، نمت بجواري حركة خفيفة دفعتني للنظر بالاتجاه الذي جاءت منه ، فوجدتها تنظر إليّ باستهجان وعلى محياها ظل ابتسامة مداعبة .. قلت متسائلاً :

ماذا وجدت ؟ إنساناً يصنع القهوة بنفسه ، فهل هذا شيء مضحك ؟ !

وخيم الصمت علينا ، ولم يقطعه سوى صوت كوب سقط من يدي وتناثرت شظاياه في الأركان الأربعة .

نظرت إليها في نفس اللحظة التي بدأت تتحدث فيها كمن تكلم نفسها :

ماذا حدث؟ رجل يصنع القهوة وحبيبته تنظر إليه ، فيحدث

أن تنتصب كل الذكريات الماضية أمامهما غريبة جافة كأنها فقدت الحياة . وخضراء يافعة كأنها تجدد انطلاقتها الأولى ! هل كل الصبايا هكذا ، أم أنني أنا الوحيدة التي أصاب الحب منها مقتلاً ، فصارت تتعقب الحبيب في الاتجاه الذي سار إليه ؟

شربنا القهوة واتفقنا أن نلتقي مرتين في الأسبوع ، السبت و الأربعاء ، من الساعة الواحدة بعد الظهر حتى الرابعة . في المرة الأولى يكون لي معظم الحديث ، وليس لها الحق سوى بالسؤال أو الاستفسار ، وأحياناً إذا كانت هناك مشكلة ملحة بحاجة إلى أخذ رأيي فيها أو مساعدتها في الحل ، وفي المرة الثانية نتبادل المواقع .

وكنت عندما أتحدث أ أسرها ، فتبدو مأخوذة بسعة أفقي ، وبطلاقتي في الحديث ، وقدرتي على الإقناع ، كما لو أنها لم تر في الوجود كله رجلاً آخر بهذه المواصفات . كانت كطفلة أمام شاشة تلفاز يعرض رسوماً متحركة ذات قصة ومغزى قادرة على الوصول إلى طفولتها ومعالجتها درامياً .

كنت أصيغ من ركام التفاصيل أجمل القصص . وكانت تراني بليغاً قادراً على الوصول إلى قلبها ، فيزداد حبها ، وتزداد بي تعلقاً !

وذات أربعاء ، كان الحديث لها ، قالت وهي مرتبكة :

أنت تعرف صديقتي " إيناس" .. ؟

نعم أعرفها .

أعربت لي عن قلقها بسبب هذه العلاقة .. قالت :

إنها تخشى عليّ من ألسنة الناس إن هم رأوني في أماكن لم يعتادوا رؤيتي فيها مع شخص لم يسبق لهم أن رأوه .

ولكني امتعضت وقلت لها :

إنك رجل متزوج وتحب زوجتك بلا حدود ، ثم إن هذا الاعتراف منك كان أمامها في أول لقاء كان بيننا عندما جئنا إلى المكتب نحن الخمسة .

غير أن ردي لم يمنعها من مواصلة الحديث :

- الناس لهم ظواهر الأمور . وظاهرها يوحي بأنك على علاقة مع رجل متزوج : فهل تقبلين بأن يقولوا : خطفت الرجل من أحضان زوجتة وأطفاله الثلاثة ؟

وكان ردي عليها قاسياً :

إنني لا أتعــدى على حقوق أحد ! ومع ذلك ، فقلبه كبير

ويتسع لنا نحن الاثنتين! وإن أردت الزواج فلن أجد أفضل منه ..

نظرت إليها بتفرس كمن يحاول سبر صدق كلماتها ، ولكن ،في نفس اللحظة اشتعل الشبق في داخلي .. ردت على النظرة بأحسن منها .. قلت في سري :" لا أنا " الفضل بن العباس " ، ولا هي " خثعمية " حسناء تعرف كيف ترد على التحية ، ولا " محمد" بيننا كي يفض اشتباك الأعين البصري " !

وتعمدت إهمال كلماتها الأخيرة ، لسبب أجهله ، ربما بغيه إشعارها بعدم أهمية ما دار بينها وبين صديقتها، وربما لأنها آخر مرة قابلتني فيها في المكتب مع صديقتها " إيناس " ، قالت يومها : لا أعرف لماذا جئت إلى هنا ؟ فقط رغبت في المجيء ! عندها كان ردي عليها فيه نوع من جرح لكبريائها :

- عساك أن تكوني متعلقة بي ، فأنا متزوج !

ضحكت " إيناس " ، وضحكت أنا ، فيما هي امتقع لونها فصار وجهها أشبه بوردة قطفت منذ يوم ! لحظتها تحللت أيام الحب الجميلة كأنها تعكس صورتنا في مرايا مقعرة ، فأثارت في النفس النفور ، وبتنا لا نقوى على اللقاء بنفس الإقبال الذي كان بيننا . صار كالثمرة المرة التي تترك طعمها العلقمي في الحلق مهما تناولنا بعدها من أطيب الثمار .. !!

دُمرت علاقتي مع " غادة " و” لينا “في آن واحد . " غادة " دخل حياتها رجل غيري استحوذ على المكان الذي كنت أشغله ، دون أن تعلن ذلك بوضوح ، ولكني عرفته على نحو يصعب معه حسم الشك باليقين ، غير أن سلوكها معي بات مختلفاَ عما ألفته من قبل . كانت تقابلني بفتور وتوجس ، وفي عيونها نظرة عتاب تغازل الأفق وبقايا مرحلة قديمة، كما لو أنها تتنصل من قصة حب عابرة تورطت فيها ، فاستنفذت كل ما يمكن أن يقال .

وحين سألتها ذات مرة عن سبب التغير ، قالت :

ليس لدي ما أعطيه لك أكثر مما أخذت !

والذي كان بيننا ..

لم يكن سوى بعض قبور شهداء ، واحتضان بين الأضرحة ، هرباَ من الخوف ، وأملاً في المستقبل ..

فقط ؟

ليس تماماً !

و "لينا " ، تسللت إلى أعماق جرحي ونفذت إلى نقطة ضعفي في الوقت الذي كنت ما أزال أعاني من أزمة العلاقة مع " غادة " ، وكأنهما وجهان لوسادة واحدة ، تحتار أين تضع رأسك عندما تصاب بالأرق .. حاولت ابتزازي في كثير من المسائل والمواقف ، ولما كنت اصطدم معها ، كانت تنصّب عليّ بالعتاب :

تدّعون الديمقراطية وتمارسونها مع الناس وتحرمون بيوتكم منها .. !!

لك ما شئت !

أنتم أيها التقدميون تعملون في كل الحقول ، أما أرضكم فلا تكلفون أنفسكم عناء توفير الأسمدة لها ، والأيدي العاملة المتمرسة . !!

غداً يكون كل شيء على ما يرام .

تقفون إلى جانب المرأة وتدافعون عن حقوقها أمام الرأي العام ، أما في الخفاء فتظلمون نساءكم وتحرمونهن من أبسط الحقوق .

لك أن تسافري وأنا سأقوم برعاية الأطفال إلى أن تعودي ..

ليس لك أن تذهب وحدك في اللقاءات التي تشارك فيها المرأة .

وليس لي أن أتحمل كل هذا الظلم دفاعاً عن الديمقراطية ، والتقدمية ، ومساواة المرأة بالرجل ، وما إلى ذلك …

صحيح أنني ضعيف أمام النساء ، ولكن ليس إلى حد فرض آرائك عليّ،وكأنها مسلمات بديهية ينبغي عدم مناقشتها … أو لعلك اكتشفتِ تدمير علاقتي مع " غادة " فتحاولين الآن السيطرة عليّ .. تسعين إلى امتلاكي نهائياً ، لا بغية الحفاظ عليّ بقدر ما هو رغبة في بقاء رأسي مدفوناً بين ضلوعك ، حتى لا ترى وجهي أية امرأة أخرى ، و تهيم بوسامتي وحسن كلماتي ، التي أعرف كيف أنفذ من خلالها إلى القلب ، فالروح ، كي أغرس نفسي في أعماق مشاعرها ، فلا تقوى على الفكاك مني .

ها أنت قلتها ، تغرس نفسك في أعماقها بعد أن تكون قد اقتلعت جذورك من أعماقي !

لا تحاولي تسطيح المسألة بهذه الصورة السخيفة . فلولا " غادة " لما اشتعلت نحوك كعود ثقاب ينتصب أمام فوهة بركان ، ولما جددت نفسي وأعدت إنتاجها بما يكفل الاشتهاء الدائم ، لَـكنَّ أنتنّ الاثنتين ..

على أية حال ، لا أحد يعرف كيف تنسجن خيوطكن انتن النساء ، ولكن هاهي شباككن منصوبة ، قائمة ، تترصد الصيد . لقد أصيب جسدكن ، منذ سنوات ، بكل الأمراض بما فيها الغيرة ، وحقنتموه في نهاية المطاف بمصل يقوى المناعة ، ويعزز السيطرة على الروح التواقة للانعتاق ، ويدجنها . إنه قانون التشبث بالمصالح الذي يجفف العروق ويمنع الدماء من الوصول إليها عندما تكسر عصا الطاعة .

لم يعد بوسعكن معرفة ما ينبغي فعله . تهاوتُ حبات المسبحة ، وبات من الصعب تجميعها ، أو إعادة نظمها في خيط كما كانت عليه ، رغم المحاولات المتكررة .. َقدّمُتنَّ ، من خلال الوجه الحسن ، صورة كل الحسناوات على أجمل ما يكون ، عندما كنتن بحاجة إلى ذلك ، تحدثتن باسم المساواة عن الظلم الواقع عليكن ، و باسم الديمقراطية عن حرية المرأة ، فظلمتن الرجل ، وباسم التقدمية عن وجوب مشاركتكن في الحياة العملية أسوة بالرجل ، فأدخلتن الرجال جميعاً إلى مستشفى لم يكتشف جميع الأطباء العاملين فيه ، حتى اللحظة ، نوع المرض الذي يغزو كيانهم ، ويمنعهم من الشفاء العاجل .

هُيّئ لَكُنّ ، أن المرضى مصابون بنوع خاص من المرض ، فيما تبين لاحقاً عكس ذلك ، تبين أن الرجال أكثر ولعاً بالكذب منكن ، وبمحاكاة اللحظة والتشبث بها . !!

قلتن : كفاكم أيها الرجال ، إما أن تسيروا في المقدمة ، أو تتركونا نسير أمامكم .

قلنا : إما أن تلتزمن البيوت ، وإما أن تملأن حقائبكن بالحجارة .

قلتن : اعتقونا ، أو اجعلوا العصمة في أيدينا . !!

قلنا : أنتن ناقصات عقل ودين . !!

قلتن : تتهموننا بالنقص في العقل والدين ، وأنتم تشاهدون كل الأفلام الخليعة في ( قناة إسرائيل الثانية) .

من أنتن أيتها النساء ، تلعبن بكرة تنس بين مضربين ، فتشددن نظر الرجل إلى متابعة الكرة بعينيه أينما ذهبت ، فلا يقوى على التركيز على اليد القابضة على المضرَب ، ولا على الكرة المتطايرة في الاتجاهين .. !!

لِمَ أنتن هكذا ؟ هل لأنكن تفرعتن من أصلنا ، من ضلعنا ، تشعرن بحاجتنا إلى أعادتكن إلى أجسادنا ، إلى صورتكن الأولى ؟ أم لأنكن لم تنبثقن على صورة واحدة ، فغدوتن مختلفات ، منكن المليحات ، الجميلات ، الجذابات ، ومنكن القبيحات ، المنفرات .. ولكن حتى هذه ، فيها منا من الوصف ما يكفي ..

أما أن تهدموا حياتنا (وهذا مستحيل ) كما هدم شمشون المعبد ، أو كما يحاول البعض هدم وقار الشهيد وبيع هيبته مقابل حفنة من الوعود ، سيعمق الفجوة ، ويزيد العلاقة حقداً و كراهية بينكن وبين الرجل الذي ليس بوسعكن أن تعشن بدونه ، كما هو الحال بين من يملكون حقائب الوعود وبين من لا يملكون سوى كمشة تراب ، غير مستعدين في أية لحظة ، ذرها في الريح مهما كان الثمن . !!

احذرن اللعب على ضفاف الاشتعال ، خشية أن يصيبكن اللهب ، أو غزل الموت الذي لا يميز بين المرأة والرجل ، فتصبحن كمن أراد الهرب من المعركة خوفاً من الموت ، فأصابته الرصاصة في الظهر ومات من فوره .. !!

إذن ، دافعن عن حقوقكن ،ولكن لا تسلبن الآخرين حقوقهم .. لا توهمن أنفسكن أنكن تعرفن كل ما تقلن ، في وقت لا تعرفن فيه كل شيء عما تقلن ! لأنه ، والحالة هذه ، يغدو للمصالحة التاريخية دورها الغاشم ، مما يحمل السؤال على الانتصاب في وجه الإجابة : لماذا تحطمي العلاقة معي يـا " لينا " في الوقت الذي تحطمت فيه مع " غادة " ؟

اعتراني شك بأن حبكما وَهُمٌ وليس حقيقة فسعيت إلى تحطيمه

بل لأنك رأيت بعينيك كيف طوقتٌ " غادة " بهالة صوفية

وجعلتٌ منها معجزة النساء بين أضرحة القبور ، في وقت كانت فيه ما تزال صغيرة على هذا الدور !

وبحاجة إلى الإجابة على السؤال : هل هي فعلاً هكذا ؟

أنك ألبستها ثوباً فصلته خصيصاً كي يلائم مقاسها ، فصارت من فورها كما رسمتها ، وكما رغبت أن تكون !

جاء الجنود .. أمروا الأطفال إخماد النار المشتعلة بفعل اتحاد البنـزين مع الإطارات المطاطية وأعواد الثقاب ..

اقترب طفل من زميله .. قال معلقاً :

يريدون منا إطفاء النار وهم الذين يطفئون أعمارنا !

رد آخر :

يكنسون أعمارنا بالغاز والرصاص ، ويريدون منا أن نطفئ النار ونكنسها !

رد ثالث :

جعلوا من أجسادنا شواخص يتدربون عليها بـإطلاق الرصاص !

قال الأول :

ماذا تنوى أن تفعل ؟

- سأذهب بحجة إحضار الماء ثم أهرب ..

وماذا عن الباقي من الأطفال ؟

يتدبرون أمرهم !

كيف ؟

عندما يلحقون بي تندفعون أنتم نحو كومة الحجارة هذه وتبدأون بالاشتباك ..

حجم الخسائر سيكون كبيراً . إننا غير متمترسين .

هناك من يؤازركم من الأطفال . ألا تراهم ! يترصدون اللحظة كي ينقضوا على الجنود ويبلوا بهم بلاءً حسناً .

ماذا نفعل الآن ؟

عمم الخطة سريعاً واستعدوا للتنفيذ !

بدأ الاشتباك .. قذفت الأرض " الباهر " من بطنها .. صال وجال بين الجنود مع الأطفال .. جاءت " غادة " ورمت حقيبتها داخل المربع فامتلأت الساحة بالحجارة .. ومن خلفهم كانـت "لينا " تطحن القمح وتصنع الخبز ..

وفي المساء لبست المدينة ثوب الفرح بعد أن أعلنت الإذاعات المختلفة عن مقتل بعض الجنود جراء كمين نصبه الملثمون على مقربة من أطراف مخيم الشابورة …وتغير المجرى العادي للحياة ؛ صار سريعاً في الإيقاع ، بطيئاً في الإنجاز ، مشوباً

بالحذر ، ملفوفاً بالغموض .. ثم أخذ يتدحرج مع الملثمين فيرهب المواطنين ، ويفرض سطوة لم تألفها الأجيال السابقة من المناضلين .. !!

ومع استمراره ، أفسد المضمون الحقيقي للحرية ، شكل أحد العلائم البارزة في جبين سلبيات الانتفاضة ، فسلب المواطنين الاطمئنان ، وجعل الشك يغزو كيانهم ، فأحال بعض الأعمال البطولية وما نتج عنها من قمع وحصار ، إلى عمليات يعتريها الشك ، ويطعن بالقوى التي تقف وراء تنفيذها ..

هنا بالضبط ، كان للمصالحة التاريخية دورها القذر ، بين " غادة " و " العاشق الجديد " ، الرجل الذي ارتمت في أحضانه في غفلة مني ، وكأنني لم أعد قادراً على تلبية متطلباتها اليومية ، فبدا الموضوع ، كله ، خارجاً عن إيقاع الزمن ، ومحاصراً بلحظة تنسمت فيه الحقيقة المطلقة واقع تطلع العشيقة إلى متعة عابرة ، لا تخلف وراءها ملامح طفولة ، وأبناء يطالبون بإشباع جوعهم ، وري حلوقهم الجافة الظامئة لعناق المستقبل ، عندما يتقاطع مع الأحلام التواقة للحرية ، والتفيؤ تحت ظلال الأشجار الوارفة .

بهذا المعنى ، وقعنا ، نحن الثلاثة ، في الخطأ : " غادة " تزوجت من رجل ، لم ينجب الأطفال حتى هذه اللحظة ، بعدما فضلته عليّ . و" لينا " قطعت صلة مشاعري بالماضي ، فلم أعد أمتلك الحاضر . و ( أنا ) كنت سهل الاصطياد ، ولم أحسب حساب المستقبل ، فغدوت أضعف من أن أقاوم الحاضر ، فحافظت على رتابة الصمت ..

وكان قبلاً ، قد انتابني شعور لا أعرف مصدره : إن اتحادي مع " غادة " ، في هذا العراء الوقح من شأنه إنجاب أطفال مشوهين ! وتساءلت : لماذا لم يَنتَبني شعور بأن تكون عقيماً ؟

ولما لم تنجب الأطفال حتى هذه اللحظة ، حمدت الله أنني لم أقترن بها ، وقلت في سري : لقد وزعت قلبي بين امرأتين ، ولكن عقلي لم يكن معهما . لقد كان محايداً !

اعذريني يا " لينا " العزيزة : لقد حاولت أن أبقي قدر " غادة " في يدي ، ولكن لم استطع ، لا لأنني أعجز من أن أسيطر عليها ، ولا لأنها أكبر من أن تخضع لسيطرة رجل مثلي ، يمتلك زمام الكلمات العذبة ، الناعمة ، القادرة على الوصول إلى القلب ، والاستقرار فيه ، بل لأنها ، باختصار ، لم تكن من صنع يدي وحدي مائة بالمائة ، بحيث أدعي ملكيتها ؛ فقد نمت على مدار عشرين عاماً ، بفعل عوامل اجتماعية عديدة ، بدءاً من البيت ، وصولاً إلى الجامعة ، بعد أن قطعت الشوط الذي لا مفر منه ، شوط التسكع في الشوارع ومغازلة الغيوم بين حين وآخر ..

والتقيت " الباهر " في لحظة عناق لا فكاك عنها ، مهما تأجلت ، في وقت ارتعشت فيه روحي ، وهي تعاني العذاب ، وتعانق حكايات الخلاص منه ، حتى تتمكن من ثقب جدار الدائرة ، والخروج منها إلى فضاء ، تتفسخ فيه الأحلام ثم تتحد مشكلة دائرة جديدة ، مرتبطة أشد الارتباط بالدائرة المحيطة بها ، وكأنها سلسلة لا تكتمل إلاّ بانشدادها للحلقة الأخرى .

وعندما بدأ يتحدث ، كانت الثقة المؤكدة تعبر عن حضورها بنبرة واضحة لا لبس فيها ، وكأنه يجري عملية حسابية بسيطة ، لا يختلف عليها اثنان في السنوات الأولى من التعليم . وكان واضحاً وضوحاً قاطعاً : لم نعد بحاجة إلى الرمز المأساوي أو المزاوجة غير المبررة ، بين فعل الأطفال اليومي في مواجهة الجنود المدججين بالسلاح ، وقتل العشرات منهم ، وبين فعل الرجال الذين يحسبون ألف حساب لكل خطوة مقبلة ، تستهدف تصعيد وتيرة العمل الانتفاضي … إنه رجل مصمت لا سطوة من المؤثرات الخارجية على حياته ، مما يحول دون معـرفة مشاعره الإنسانية ، عندما تكون في أمس الحاجة إلى النفاذ للأفكار التي تراوده ..

وكنت قد سقطت ضحية كسيحة أمام العناصر المحيطة بي ، وبصعوبة بالغة استطعت الوقوف، وقلت : لقد منحتني الأيام فرصة يصعب تكرارها ، فرصة لم أستفد منها بما يحصنني ضد كل انحراف ، والأهم من هذا كله ، كان أمامي مجال لا يحده مانع ، كي أثبت رؤياي في الواقع التجريبي ، حتى يغدو قانونا ، دونه لا علاقة موضوعية قادرة على تحويل المشهد العائم فوق الأحداث إلى مستقبل نتفاءل به .

أنت تعرف أيها "الباهر " ، حينما قاومنا انحلال الحياة العامة في الأيام الأولى ، كان ينتصب أمامنا جبل من العادات الموروثة التي تحرم هذا النمط من السلوك الغريب عن تقاليدنا ، ويحد من حركتنا ، فصار التصدي لها لا يقل أهمية عن التصدي للاحتلال ، وكأن هنالك قاسماً مشتركاً يربط بينهما ، إذا ما ضعف تأثير الواحد منهما ، أصاب الثاني الضعف ..

هذه المعادلة فتحت أمامنا آفاقاً رحبة للعمل على كافة الصعد ، بغية ترسيخ تقليد استمر بعد ذلك لسنوات صامداً في وجه من يحاول تجاوزه ، ومنع بالتالي أي انحراف كان محتملاً ..

ومما لاشك فيه ، أن التفاتنا إلى المشكلات التي يعاني منها المواطنون ، أفادنا على نحو لم نكن نطمح إلى تحقيقه ، فهو بالإضافة إلى توطيد الصلة معهم ، زودنا ، على الدوام ، بالمادة الأساسية لاستمرار بقائنا نقاوم الاحتلال على مدار سنوات وجوده ، إلى أن جاءت الانتفاضة ، فشكلت حداً فاصلاً بين مرحلتين ، بما فيها وما عليها ، لتغدو علامة فارقة ، توقفنا جميعاً أمامها ، كي ندرسها وفق قدرة كل واحد منا على استيعاب الأحداث الجارية ، وكي نستفيد منها وفق منطق كل واحد منا والخصوصية التي تميزه عن سواه .

انتفخت بعض الجيوب وأفرغ بعضها الآخر .. تكرشت بعض البطون وجاع بعضها الآخر ، ولكن في النهاية ، يبقى للفعل الانتفاضي أفراحه . فهو ،مع تصاعده ،بدد الشكوك ، ورسخ اليقين ، قرب ساعة الحرية والانعتاق من قيود الاحتلال ، وقطع الطريق أمام الذين سولت لهم أنفسهم الانتفاع من كل ما يضر الآخرين . تماماً كالطقوس المختلفة ، فهي تجمع بين الأحبة و الأصدقاء ، وتفرق بين المتكالبين على الأحلام ، بغية محاصرة المشاعر الطيبة إزاء كل ما هو نبيل ، وكي توقد نار الفتنة بين العائلات الكبيرة ، إلى أن حسم الأمر بين المعنى والضرورة ، عندما تدخل الملثمون ، و ملأوا الشوارع والأزقة ، يفرضون شروط الحياة العامة ووجوب المحافظة على تقاليدها ، فغابت حالة التوتر وتجدد العطاء للوطن والدفاع عن المبادئ الأصيلة .

أما أنت أيها "الباهر " ،فلم تلتفت إلى الماضي ، ولم تواجه الواقع ، واكتفيت أن يظل نظرك شاخصاً نحو المستقبل الحالم به ، والصور الجميلة التي لا يعوضها الشّعر الأسود في الليـالي القمرية ، إلى أن أصيب العديد من المناضلين بمرض النفاق ، بعد أن تبين لهم حجم الكارثة ، وبات الخطاب اليومي يحمل كل التلاوين المعجونة بالكذب ، والخديعة . عندها كان "السيف قد سبق العزل " .. !!

عدت بالذاكرة إلى الوراء ، إلى الأيام التي كانت فيها الشوارع مملوءة بصور الممثلين قبل عرض الفيلم بأسابيع ، وقارنت بينها وبين صور الشهداء الملتصقة على الجدران ، فوجدت الفارق بينهما كبيراً : الأوائل بغية الظهور والدعاية ومستلزماتها ، بيد أن الأخريات تعبر عن حالة انتماء حقيقية ، لا يعكر صفوها سوى خيط رفيع من الدم ، امتزج مع التراب فصار نبعاً كفيلاً بريّ الأرض كلها ..

بدأ الواحد منهم يمر من أمامي ، ما يلبث أن يمر آخر بعد عدة أيام ، يعلق صورته إلى جوار الصورة التي علقها بنفسه ؛ وكانت دمعة حبيسة تتجمع في حدقة العين ترفض الانسياب . وتلاشى اتساع الوقت للوقوف على النافذة ، ومراقبة الحياة من خارج سياقها الفاعل ، ولم يعد بإمكاني أن أكون محايداً … ودّعنا الشهداء ، قبراً قبراً ،وكانت الانتفاضة قد ابتعدت عن أهدافها وانتمائنا معاً ، فصارت غريبة عنا وصار توقفها ، نهائياً ، يصب في جيوب المنتفعين .

وتحت شعار : لقد أفنينا عمراً طويلاً في القتال وسفك الدماء دون فائدة ، ازداد الصراخ : دعونا الآن أن نمضي ما تبقى في الأحلام أو الأوهام ، ( سموا ذلك ما شئتم ) لعلنا نجد الطريق الأفضل الموصل إلى نهاية النفق .. !!

ولما جلست مع "الحازم " نناقش أهم آليات العمل في المرحلة القادمة ، من تطور الانتفاضة ، وكنت قد أعددت مشروع خطة تمتد إلى عام كامل لإنجازها ، وكنت مقتنعاً ، تماما، أن أي نقاش من الممكن الاختلاف حوله سيكون من نصيبه الفوز به بالجولة الأولى ، لا بفضل الخبرة وحدها بل ، لأنه يمتلك من أسلوب الخطابة و إقناع الآخرين ما لا يملكه أحد ، لهذا تحاشيت التصدي له عندما احتدم الخلاف ، على أمل إعداد نفسي في الجولات اللاحقة ، إعداداً يمكنني من تأييد الآخرين لمواقفي وبقائهم متمترسين في نفس خندقي ، ولم يكن وارداً في حسابي، إطلاقاً ، مصالح كل واحد وانسجامها مع ما يقوله " الحازم " .

وفجأة ، خرج "الحازم " من وكره .. دخل المدينة في كامل هيئته وهيبته ، لا ينتقص منهما سوى عدم مرافقة المدججين بالسلاح له . وحين التقى بالأهالي ، وبالمعوزين من عامة الناس ، انبرى في تسجيل مشاكلهم وعناوين إقامتهم ، حتى إذا ما غادرهم عائداً ، لحقه الدعاء بالسلامة وطول العمر ، وبات الناس ينتظرون المساعدة من المواد الغذائية التي وعدهم بها ، ورفع الحيف والظلم عنهم من أولئك الذين يحتمون بالسلاح واللثام كي يحصلوا على مبتغاهم دون وجه حق ، فتعم ، لفترة من الزمن ، بعض الطمأنينة ، ويبدأ الأهالي بالتعاون مجدداً مع قادة الانتفاضة وصناعها رجالاً ونساءً ،شيوخاً وأطفالاً ..

وارتفعت فجأة ، نغمة جديدة تطالب بالهدنة المؤقتة ، حتى نتمكن من تجميع شتات قوانا ، وبإعطاء فرصة من الراحة للشعب ، حتى يقوى على الاستمرار ، ثم يقرر بعد ذلك ، بنفسه ، ماذا يريد ..

وهاجمني السؤال الذي لا يتوقف عن الهدير ، والذي عاش في أعماقي سنوات الانتفاضة كلها : لماذا نتواطأ جميعاً ، وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات ، على أطفالنا الذين هم أغلى ما لدينا ؟ وقبل أن يأتي الجواب ، داهمني السؤال الآخر : لماذا نغض الطرف عن انحراف بعضنا عن سكة الحديد التي سارت عليها الانتـفاضة ، وقبـلها قـوافل الشـهداء ؟ .. لماذا ؟ .. ولماذا ؟ .. ولم يأت الجواب !

ابتلعت غيظ غياب الإجابة والصراخ معه .. تشنجت قبضة يدي واختفت الرغبة في البكاء .. إنها اللحظة التي كنت دوماً أخشاها رغم مظهري القوي في الغالب .. لحظة انكشاف هشاشة الرجولة ، أمام عاشقة تعتقد أن الرجال دائماً أقوياء لا تغلبهم النـوائب ، ولا تضعفهم قدرة الصدفة على بلوغ ذروتها ، قياساً بحفظ المسافة من ذاكرة التلاشي ..

ولما جاءت المصالحة التاريخية ، في نهاية المطاف ، قفزت بنا من فوق الواقع القديم الذي نشأنا عليه أجيالاً متعاقبة ، كي تعلق أقدارنا في خطاف المستقبل ، الذي لم يتبلور بعد بما يكفل المحافظة على إرثنا ، الذي دافعنا عن بقاء أحلامه متوهجة ، وسقيناه بالدم والعرق ، حتى لا يصاب بالجفاف وفقدان المناعة وانهيار حصون الذات .

آه .. أية واقعية ماكرة لهذا العالم !

لقد اغتصبوا الماضي مني على حواف الحاضر ، وحاولوا زرع قناعة جديدة في أعماقي : لا أمل في المستقبل !

أواه .. سيبدو ذلك غريباً حتى الفجاعة ، لو تحدثت عنه بإفاضة !

كيف لا ، وقد انتاب " غادة " صحوة فجائية جعلت الأمر كله معلقاً بخيوط الماضي الآخذة بالتقطع خيطاً وراء خيط ، مما صعب عليها مهمة معالجة المستقبل دون تسوية الفساد القائم ..

كيف لا ، وهم يحاصرون أي دافع ، ومعنى ، من شأنهما نقل الأمر كله ، ودفعة واحدة ، من الخاص إلى العام ، وجعلوا منه قضية " الباهر " المركزية ( الشخصية ) إن تخلى عنها فقد احترامه لنفسه وصار ، من حيث المضمون ، لا يختلف في شيء عن الذين تآمروا على صحوة الشعب وبـاعوا انـدفاعه قبل الإفـادة منـه وتحويـله إلى نهر هـادر يكنس كل أوراق الخريف المتساقطة في المجرى العام ..

كيف لا ، وهم الذين كبحوا جماح " غادة " عندما حاولت أن تكون نافعة وتستحق مصيرها ، قبل أن يسمو الموضوع على الذات ، وتقدم نفسها مثلاً أعلى للفتاة المناضلة ، التي بوسعها أن تكون غير ما عرف عنها من أرض لا تصلح إلاّ لزراعة الأطفال .ولما علمت خطأ وصولها للعنوان ، بدأت تتآكل حتى أوشكت على التلاشي والاندثار ، دون أن يسمع عنها سوى القليلين الذين رافقوا رحلتها إلى النهاية التعسة ..

تراكمت كل هذه الصغائر ، ثم تهاوت سريعاً ، فأدت إلى انحراف زاوية الرؤية للوقائع اليومية ( بغض النظر عن الدرجة في سلم المتر ) ، فانحرفنا معها ، وبات عصياً علينا رؤية المصلحة العامة بنفس المنظور ، فارتددنا إلى الخلف ، وبدأنا نحسبها بمقدار العائد الشخصي ، الذي نرى فيه مصلحة الخاص على حساب الرصيد التاريخي لحساب العام ، في بنك الشهداء والمجازر الجماعية .

لقد تسلقنا جداراً صعب المرتقى ، وقطعنا نصف المسافة ، نظرنا شاخص إلى الأمام ، فجاءت الطعنة في الصميم من الخلف ، عندها هوينا عن الجدار ، ومازلنا نحاول الوقوف الذي نأمل أن يحدث قريباً ، بعد أن تبرى جروح الطعن .. !!

وتجاوز "الباهر " المعنى ، وكثفه في لحظة صفاء صادقة ، عندما أخذ لنفسه منحى غير مألوف معلناً تحمله الجزء الأكبر من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع ، في ظل غياب تناغم الأفعال مع الواقع ، وعدم انسجامها مع أبسط المقومات الأخلاقية ، التي يمكن لها أن تترسخ من خلال المواظبة على التأكيد على التمسك بها ، مهما تفاقمت تفاهة الأحداث .

نعم ،لقد أعلن ذلك بوضوح ، عندما قال كلمته الشهيرة التي تمس الوجدان :

"يجب الانتباه ، كي لا تقع الرؤية السياسية في وهم التماسك

الشكلي ، الذي قد يبدو بناء جميلاً ، ولكنه ، لسوء الحظ ، ليس البناء المطلوب والملائم لاستحقاقات الواقع . إن التعاطي مع الواقع ، ينبغي ألاّ يتم تحت ضغط التشاؤم ، وفقدان الأعصاب . إن الأزمات ظواهر مألوفة ، تحدث في كل زمان ومكان ، وكم من أزمة كانت مناسبة لتخطي مخاطر أكثر كارثية ، وسبباً في قفزات نوعية ، كونها تفتح العقول لإعادة وعي الذات والتجديد . "

إن ما حدث ، بشكل أو بآخر ، أتحمل جزءاً مهماً من المسؤولية عنه ، ولأن الأمر كذلك ، يتعين علِيّ أن أفسح مجالاً لكم ، كي تحاسبوني عليه ، ولن يتم ذلك مادمت قادراً على التصرف بمصائركم . لهذا أنحي نفسي جانباً ، حتى تتمكنوا من إصدار حكمكم عليّ والذي أطمح من كل قلبي أن يتوخى الحذر ، وأن لا تشفع معه أي مصوغات قد يدرجها بعضكم في ديباجة المرافعة آخذاً بعين الاعتبار ، حسن النوايا في التصرف ، نظراً لما قدمته معكم على صعيد مقاومة الاحتلال . فالنوايا الحسنة لا تصنع وطناً !

عندما يزورنا بعض الأصدقاء بين فترة وأخرى ، كانت صدورنا تجُلى من معظم الرواسب التي تراكمت بفعل الغاز وتشييع الضحايا ، فننسى همومنا لبضع ساعات ، نمارس فيها حقنا في الحديث عن الموضوعات الإنسانية المختلفة .فبعد وجبة عشاء دسمة ، وأصناف من الفواكه تعرفنا إليها من خلال موسمها ، ينتقل الرجال إلى القاعة الكبيرة ، فيما تبقى النسوة في قاعة الجلوس الأولى .

ولأنني صاحب البيت ، كان لزاماً عليّ بين الحين والآخر الانتقال بين الأرجاء المختلفة من أجل إعطاء تعليماتي حول ما يجب تقديمه من أصناف "المكسرات" بغية التسلية ، لهذا كنت أسمع بعض الكلمات التي لا تتمكن صاحبتها من التوقف ، عندما أصبح على مقربة منها ، ثم ما لبث أن أصبح الأمر عادياً ، لا يسبب أي حرج لأية امرأة تتحدث . وكثيراً ما سمعتهن يتسامرن عن الأخريات … سلوك فلانة هكذا ، وتلك مختلف عن الأولى قليلاً، أما فلانة فتحب فلان ، ولكن أبيها يرفض زواجهما ، ولهذا سمعنا مؤخراً أنها تنوي الخروج عن طاعته ، والذهاب وحدها إلى القاضي الشرعي . في حين كان الرجال يتمازحون متنقلين من الهموم السياسية إلى المهنية ، ومنهما إلى التعليق على أحدهم ، لأنه ينوي الاقتران مرة ثانية من واحدة يكبرها مرتين ..

وعندما يغادرون البيت نبدأ أنا و " لينا " بتأمل الأحاديث التي دارت على مدار السهرة ، نتشاجر حول البعض منها ، ونتفق حول بعضها الآخر ، ومع ذلك ، كنا نشعر بحيوية لا مثيل لها ، تستمر أسبوعاً أو أكثر ، نكون خلالها قد تخلصنا من الهموم السابقة ، ونبدأ بتركيم هموم جديدة ، تتلاءم مع حجم تصاعد المواجهة مع العدو ، وعدد الشهداء والجرحى والمعتقلين ، وآفاق أمل نطمح في الوصول إليه وتحقيقه .. إنه أمل الحرية والانعتاق ..

ومع تصاعد فعل الانتفاضة ، يبتلعني الوقت ابتلاعاً ، ولم أعد معه قادراً على استكمال ما بدأته .. أصحو من النوم ، أغتسل و أهندم نفسي ، ثم أتناول إفطاري واذهب إلى العمل .. أعود منه ، أغسل يدي وأتناول غدائي على عجل ، ثم أنام لمدة ساعة تقريباً، حتى أعيد لنفسي نشاطها .. أصحو من النوم وأتناول القهوة ، وأبدأ في القراءة حتى أرتوي ، عندئذ يكون الليل قد أسدل ستائره أمام وخلف الضجيج وموجات الرصاص والغاز .. أتنـاول وجبة العشاء مع الزوجة والأولاد ، ثم اعتكف في مكتبي وابدأ الكتابة ، حتى وقت متأخر من الليل ، فلا أجد نفسي إلاّ وأنا في جوف الأوراق التي ابتلعت آخر ما تبقى من وقتي ، بما في ذلك بعض الزمن المخصص للنوم والراحة .

وتبقى الأمور معلقة بين أنياب الاحتلال والوقت . فلا أنا قادر على رؤية الاحتلال والصمت ، ولا الوقت المتبقي من زمن المقاومة يكفي لإنجاز الأعمال المتراكمة ، المرحلة عبر الأيام المتواصلة . ومع ذلك ، كنت أرى في قتامة ألوان اللوحة الفنتازية خطوط فضاء تتسلل نفسي من خلالها وأعيش لحظات سعادة ، مغموسة بشفاه مبللة بالنبيذ الأحمر وبارتعاشه " أهزج من طويس " .

أسرق من الحياة بعض نبضها ، تستوقفني ذكريات متفرقة ، تتسلل إلى روحي حزم تأمل تحيل الشكل إلى مضمون ، فأقف مصعوقاً أمام إطلالة الخضراء والوجه الحسن من فوق أكتاف تله ، فيما تبعث المياه المتدفقة من الخرطوم النامي من باطن الأرض الطمأنينة وتداعب الحواس ..

تطل أشجار من كل الأصناف ، تنظر إلى السهل المنبسط الذي يعج بحركة السيارات والركاب داخلها يتوكأون على لحظة المرور من تحت التلة ، فتأخذ أعناقهم بالاشرئباب كما العناق عند الوداع على أعتاب بوابة المطار ، أو كما يكون الحال عندما يرافق مواطن زائراً في جولة سياحية داخل ربوع الوطن ، فيكتشف أن ما يتعرف عليه الزائر سياحياً لم يكن معروفاً للمواطن قبلئذ .. أنطوي على نفسي وأفض بكارة الأسئلة : لماذا نشعر ، أحياناً ، أننا غرباء عن الوطن ، فلا نتعرف على ملامحه ؟ ولماذا عندما نزور أي قطر آخر ، نخوض في تفاصيله ونتعرف على أماكن الجذب فيه ؟ فهل للوطن معنى واحد فقط ، هو الدفاع عنه ؟ أم أن التعرف على مكامن الجمال منه جزء من الدفاع عنه والمحافظة عليه ؟ وكان الوقت لا يتسع لمزيد من الأسئلة في ظل غياب الإجابة المطلقة . وكان " الصارم " قد حضر فجأة فصار من فوره جزءاً من الأحداث الدائرة .. ملأ المكان الشاغر ، وحافظ على المسافة بين الاندفاع والتراجع ، وقرر مستقبل الأحداث منذ اللحظة التي ركب فيها موجة المرحلة ، ووسمها بوسمه ..

وجاء السؤال مجدداً يغوي الإجابة بعد أن احتل " الصارم " مكان الصدارة في الأحداث :

هل الشهداء الذين ذهبوا إلى قبورهم كانوا أحراراً ؟ أم أن التوابيت وضعت في مخابئهم بعد أن أصدر القائد أمراً لم ينفذوه ؟

ووقفنا أمام " ستة" ، مازالت أضرحتهم تذكرنا بالوقت الإضافي الذي احتسبه المفاوض في أروقة لا تتعايش مع الواقع في شيء ، فانحسم الأمر ، وامتلأ الشارع بالمشيعين ، والأعلام الفلسطينية ، وبقايا حلم تبخر ! وأضحى " تقادم العهد يعطي الفاسد طعماً تألفه الأجيال أباً عن جد " فألفنا الخنوع ، وبدأنا نعول على من يقرأ الغيب ، ويرسم ملامح مستقبلنا !

عندها ، أوشكت أن أبكي على أيام عاملتني بقسوة وجفاء ، غير أنني لم أفعل ، فبكيت على نفسي ، لأنني لم أُجْدِ التعامل مع هذه الأيام كي أقرر مصيري .. وبدأت أشق طريقاً مغايراً ، من شأنه التحكم بالمراحل اللاحقة ، وتعليم الأبناء أسباب فشل الآباء !

نعم ، كان قوسانا مختلفين . قوسي في الحادي عشر ، فيما كان قوس " غادة " مشدود الوتر ، حتى إذا ما أطلقت سهامها وصلت إلى القلب سريعاً فأصابت مني مقتلاً ..

نظرت إلى عينيها ، فوجدت فيهما سراً موغلاً في العمق يلتمع ، ولكن صعب النفاذ إليه .

فلا أنا استطعت معرفته ، ولا هي بادرت في الحديث عنه ، وبقي الأمر معلقاً بيننا . رب صدفة تميط اللثام عنه ..

وضعت يدي فوق يدها، فسرت الرعشة في أجسادنا ، وقبل أن تتحول إلى شحنة نعجز عن مقاومتها ، أخذت أنظر إلى الكف .

فقالت وفي نبرتها رنة المزاح :

إنها ناعمة وجميلة ! أليس كذلك ؟

دون شك !

صمت لحظة وأنا أنظر إلى الكف ، فيما كانت هي تتابع نظري مترقبة ما سيكون بعدئذ . فقلت :

ألم أقل لك ، قبلئذ ، إنني أقرأ العيون والكف ؟

نعم ، لقد قلتها ، ولكن كنت أحسبك مازحاً !

لا ، لم أكن مازحاً ..

إذن ، ماذا وجدت في كفي ؟

يدك مخروطية الشكل ، وما يدل عليها نعومة أصابعك ، وهذا يؤكد خيالك الخصب ، وسرعة بديهيتك . أحياناً تغرقين في أعماق اليأس ، ولكنك تتميزين بسرعة التخلص منه ..

خط القلب والرأس والحياة على صلة بخطوط زحل وأبولوّ وعطارد ، وهي واضحة بما يكفي لقراءة ما أنت فيه ، وما يمكن أن يخبئه المستقبل لك … خط القلب متصل مباشرة بخطوط العاطفة الصغيرة ، وهذا يعني أنك عشت في لحظة من اللحظات مازالت آثارها باقية ، حالة من اليأس كادت أن تودي بك إلى فقدان الاتزان ، أما وقد تغلبت عليها ، فهذا أعطى مظهرك جاذبية أكبر ، مما يفتح المجال أمامك لتكرار التجربة ، ولكن بطريقة مغايرة.

ثم إن خط الرأس يبدأ بالشوكة المتصلة عند اللقاء بخط الحياة ، وهذا يعني أنك قد تمرين بمصاعب مضاعفة عند بعض المنعطفات ، ولكنك تتخلصين منها .

على أية حال ، كفك يقول إنك ميالة للسفر والتنقل الدائم ، وهذا يضر بك عندما تكونين بحاجة إلى الاستقرار ..

صمت ، وأنا أنظر إلى يدها وأتحسس نعومة أصابعها التي تسربت إلى أوصالي فأحالتني إلى إنسان آخر ، متوتر ، لا يقوى على إبقاء يدها بين راحتيه …

نظرت إليّ وفي عينيها رجفة تنم عن لحظة هيام تسعى إلى معرفة المستقبل ، ثم قالت :

أكمل ، لماذا توقفت ؟

ولا أعرف كيف واصلت حديثي فقلت :

ستتزوجين رجلاً ، الآن غير موجود في الوطن ، ثم تسافرين معه إلى عدد من الدول ..

بعد ذلك تنجبين منه ابنة ، ثم تفترقان ..

وسألت فجأة :

لماذا نفترق ؟

وقبل أن أجيبها واصلت فقالت :

ثم كيف عرفت أن هذا الرجل خارج الوطن الآن ؟

هذا ما يقوله كفك . وليـس واضحاً سبب الفراق . ربـما ناتج عن خلاف بينكما ، أو ربما ….

أكمل ، لماذا صمت ؟ !!

وامتد الصمت بيننا أجيالاً .. هي في العشرين من عمرها ، وأنا في الأربعين .

وعندما أوغلت في الحكاية ، كنت قد تركت خلفي مدناً محاصرة ، تشرب مياه البحر ، وتسمع صخب شخير الموت الجماعي .. هنا كنا .. هنا سنبقى .. هنا أول الأمر وآخره !

أكمل لماذا صمت ؟

ربما فراقكما بسبب حادث سير مروع يودي بحياته ..

وتكورت الدمعة في العين ولم تقو على النظر إليّ ..

عنـدها ستعودين إلى هنـا .. ستصبحين زوجة لي أرعى طفلتـك " سهام " ، وتكملين معي مشوار الحياة !

سأكون زوجتك ؟ !

هكذا يقول الكف .وأنا لست كاذباً ، لأنني لست منجماً ..

أخذت تضحك من قلبها ، وعادت برأسها إلى الخلف ، فبان عنقها ، لأول مرة ، وكان غاية في الجمال ، ولم تكن الشمس قد وصلت إليه ولوحته ، فبقي على أصالته ، عمراني يستظل بجذع النخلة ..

خرجت ، من عندي ، وفي رأسها ألف سؤال ، فتحت جميعها كوة واحدة في الدماغ : هل الموجود في الكف ستراه العين ؟ !!

* * *

جبت الأرض طولاً وعرضاً ، علني أراها فلم أفلح .. بحثت عنها في كل وجوه الصبايا اللواتي صادفتهن فلم أعثر عليها .. ترددت على الأماكن التي كنا نذهب إليها سويّاً على أمل أن أقول لها كلمتي الأخيرة ، ولكن دون جدوى .. ولما عجزت ، ذهبت إلى صديقتها " إيناس" وأخذت منها موعداً ..

وحين جلست قبالتها قلت :

لن أسألك عن " غادة " أين هي ، ولكن قولي لها يا " إيناس "

على لساني : أنت أكثر من يعرف كيف مسحت الفضاء برموش عيوني ، ومزقت شعاع الزمن بأطراف أسناني الحادة ، حتى أحافظ عليك من الإصابة بنسمة خريفية أو بنظرة حاسد ، يضع كفه في الرمل فإذا بها ملتهبة تحرق خلايا أعمارنا التي بنيناها عاماً بعد عام.

قولي لها ، حاورنا الموت معاً بما يكفي ، وغازلناه حتى استنـزفنا آخر معاني الحياة .

فهل وجدنا بعد هذا ما يستحق منا تأمل اللحظة المقبلة ؟ لنسأل أنفسنا الآن : هل نستمر في المغازلة أم نتوقف كي نرقب الآتي !

سأنتظر الإجابة يا " إيناس "، كي أقرر ، على ضوئها ، خطواتي المقبلة ، ثم إنك تعرفين أنني أكثر الموجودين في الكون عشقاً لها ، فإذا تمنعت عني ، لا تترددي في نقل الخبر إليّ على الرغم من فجاعته ، و أنا سأقوى على بتر إصبعي قبل أن يمتد التلف إلى الرسغ ، وإذا تعذر عليّ بسبب تأخر إجابتك ، وامتد التلف إلى الرسغ ، لن أتردد في بتر ذراعي قبل أن يصاب الرأس بالدمار ..

هل ستفعلين يا " إيناس" ؟ لن أنسى لك هذا الصنيع ما حييت ، فأنت أقرب الناس إليها ، وتصدقك القول فيما تتحدث .. وإلى أن تأتيني بالخبر اليقين ، سأحاول أن أقوى ، بكل السبل ، على عذاب الشكوك المخيفة ..

لم تأتني "إيناس" بالخبر اليقين سريعاً ، بينما تنامى إلى علمي على نحو مفاجئ ، اقتران " غادة" برجل مقيم خارج حدود الوطن ، وبقيت لفترة دون إنجاب ، فيما أنجبت لاحقاً طفلة أسمتها "سهاماً " ، وعندما سمعت بالخبر وقع عليّ وقع الصاعقة ، لا لأنها تزوجت وأنجبت طفلة تمنيت من كل قلبي أن تكون ابنة لي ، بل لأن ما حدث حيرني كثيراً وجعلني في ربكة من أمري جرّاء ما قلته لها عندما قرأت الكف والذي وزعته على محاور رئيسة أربعة تحقق منها الأول والثاني ؛ فبت أرقب المحور الثالث لدرجة استحوذ على جزء مهم من تفكيري وسلوكي معاً . وتساءلت مرات عديدة أمام بعض الأصدقاء ، دون وعي لمضمون التساؤل : هل ستأتي حادثة تودي بحياته وتعود " غادة " إليّ مع طفلتها كي نكمل مشوار الحياة سوياً ؟ هل سيفترقا لسبب ربما يكون تافهاً وأجدها فجأة منتصبة أمامي تقول : كنت قارئاً جيداً للكف ! وهل سأقبل أنا الذي رفضت بكل معنى الكلمة ارتماءها بحضن رجل آخر ، الاقتران بها عندئذ ؟ ولماذا لا تقف في وجهي وتقول : كنت قارئاً جيداً للكف ، ولكنني لن اقترن بك حتى أثبت لك أنك لم تقرأ النهايات كما ينبغي للقارئ العارف ؟ !!

هذا الوضع الناشئ ، أدخلني في عذاب من الشكوك المخيفة ضقت بها ذرعاً كلما ازداد ضغطها عليّ .وكانت المتعة الوحيدة عندما يستعصي عليّ النوم جراء التفكير في مجريات الأمور اليومية ، دون التوصل إلى أفضل الحلول ؛ كانت المتعة الوحيدة رغم مكابدة العذاب ، لأنني قلما فكرت بها ليلاً دون أن أنام من فوري ، حتى غدت أشبه ما يكون بالباعث على التخدير عند حصول الألم ..

لست مبالغاً عندما أقول ، أصابت كل أمراض الكون كياني ولم تعد الاكتشافات الطبية تساوي لحظة فرح بعد أن مزقت الإبر جلدي وأحالته إلى ثوب مهترئ لا يحتمل غرزه إضافية أو رتقاً جديداً يستر العيوب قبل أن توزع نفسها على مساحة النظر ..

نعم ، لست مبالغاً . لقد رأيتها في كل النساء اللواتي صادفتهن .. جمعت قطع وجهها من الصور المنتشرة في الصحف والمجلات .. من الوجوه التي تملأ مفترقات الطرق والإشارات الضوئية المنتصبة لتنظم حياتي وتشتم رائحة عطرها ، حتى إذا ما داعبت أحلام تجديد النسل في لحظة تلامس فيها حرارة الشمس نسمة الحقيقة الباردة ، انطلق الأفق نحو مصاهرة فضاء العيون التي لا ترتوي من انتصاب علامات الاستفهام التي ظلت معلماً مجسداً يطالع صباح أيامنا التواقة إلى التجديد دوماً بغية انتزاع خواء الفراغ من أرواحنا قبل أن يصيب التلف الرأس ويدمره .

ولما جاءت "إيناس " بالخبر كانت قد فقدت إحدى رئتيها .. وضعت رأسها على أعتاب الحقيقة وأجهشت بالبـكاء فيما كنت استـعد لبتر ذراعي .ومن بين الدموع انطلقت كلماتها واضحة ترمم الأمل :

لقد عاشت "غادة " مرحلة مهمة من حياتها في قلوبنا .. بنت حاضرها من انجذاب الكل إليها .. كان البعض يتوضأ من رؤيتها ، فيما كان البعض الآخر يغرس نفسه في مستقبل أملها الذي جاء عبر التراكم ، وصار في لحظة ، الحالة الأهم والدائمة الاشتعال ..

كنت أراكم ، وأنتم تتحدثون ، في حالة جذب دائم .. تنظر إليها فتمتلئ عيونك بالفرح .. تنظر إليك فلا يسعها الكون من السعادة . وفجأة ، كل شيء تغير ، إهتز بفعل العديد من التداعيات التي تحاصر المحبين كلما ازدادوا عشقاً تحاصرهم بالموروث الضاغط على صدورنا ، بالعادات والتقاليد و تحيلهم إلى مجرد أدوات تصلح لعبور بعض المراحل وفق الحاجة ..

كانت " غادة " ، حسب معرفتي بها ، غير ما آلت إليه . وعندما سمعت خبر زواجها من غيرك ، لم أجرؤ على حديثـك ، إلى أن أصاب التلف رئتي ، عندها كانت قد أنجبت "سهام" ، قلت في سري : فقدت رئة فاستعضت عنها باثنتين ! ..

ربما تكون قد خسرت هذه المعركة ، معركة الاحتفاظ" بغادة " ومحاربة الكون من أجلها ، غير أن ابنك "كنعان " سيكون محصناً من خسارة المعركة المقبلة ، معركة الاحتفاظ "بسهام" التي حتماً ستكون أجمل من أمها وأكثر رقة وشاعرية في الاستجابة لمشاعر " كنعان " ،الذي سيضيف إلى ما يمكن أن يضحي عنده ، كل ما عندك .. سيقرأ علاقتك بغادة ويستفيد منها بالقدر الذي يقوي المناعة عنده ، ويحصن مواقع الضعف ، ويستشعر خطر انزلاق " سهام " إلى مواقع أمها قبل أن يصعب انتشالها ..

أما " سهام " فلن تسمح للعوامل التي تضافرت على أمها بإعادة إنتاج نفسها بعد أن تعي حجم الخطأ الذي وقعت به ، وساهمت بالتالي في محاصرتها دون وعي منها حتى أضحت ضحية كسيحة أمام عوامل الإغراء ، الذي طال فكرة المراحل التي عبرتها ، فإذا بها تنـزلق إلى مستنقع أحضان رجل آخر لم تكن يوماً تفكر به ، رجل امتلك ، في غفلة من الزمن ، موسيقى الألحان فـعزف لها على وتر اللحظة المفعمة بالانكسار والهدنة المؤقتة ، بغية كسب مزيد من الوقت ، فأعطى للفاسد طعماً يسعى إلى تآلفه مع الأجيال ، فصار من فوره كما ينبغي له أن يصير ، وصارت " غادة " وفـق القاعدة القائلة : إذا هبت الريح من كل الاتجاهات ، فأدفن رأسك في التراب ..!!

استمرت " إيناس " في ترميم الأمل ، في الوقت الذي تناولت فيه حقيبة الأفكار القابعة في ركن من الدماغ ، وبدأت أبحث داخلها عن فكرة جديدة لها صلة بالماضي ، كي أربط بشكل معقول مجريات الأمور ، وعندما عجزت ، لا أدري كيف قلت دون توقع :

أرى أنك قارئة جيدة للكف !

وخيم الصمت لحظة ما لبث أن تكسر ، عندما نظرت إليّ وفي عيونها كلمات حاولت جاهدة أن تقولها ، ولكن لم تستطع ، الأمر الذي حذا بها إلى قول بعضها :

مهما أكن جيدة في قراءة الكف فلن يصل بي الأمر درجة

البراعة التي تمتلكها قياساّ بما تحقق من قراءة كف " غادة " !

وخيم الصمت مجدداً ، غير أن إيناس حطمت جاهزية ثقله بضربة واحدة ، عندما قالت :

لم يقيض لك رؤية " سهام" حتى هذه اللحظة ..

وقبل أن أرد عليها واصلت :

إنها جميلة جمالاً مفرطاً ، رغم صغر سنها ، ويتقاسم الجمال معها اتزان السلوك فيزيدها جذباً ومتعة لم تكن متوفرة في أمها " غادة " !

تسكعت ذهنياً بين الأضرحة المتناثرة التي لا أعرف الحلقة المفقودة فيها ، وقلت : يا أيها الصامتون .. لي عشيقة ولي زوجة ولي فعل انتفاضي ، أوشك على الانتهاء ، فخذوا مني بعض ما فيكم ، وإن لم ترتووا كل ما فيكم ، وإن لم تكتفوا أبقوني عندكم ، لعل اللصق فيكم يخفف من خزي أوجاعي فأنتقم لنفسي مما أصابكم ، وأنتقم لكم مما هو آت .. !!

نظرت إلى " إيناس " فوجدتها تنظر إليّ بانتظار ما سأقول ، فتمالكت نفسي وتساءلت :

أحقاً ما تقولين ؟ أجمالها لهذا الحد وتعي اتزان السلوك أفضل من غادة ! ؟؟

صدقتك القول ، علماً بأنه لا يتلاءم مع عمرها ، الأمر الذي ربما يدفعك إلى الاعتقاد أنني حزمت أمري على مواساتك كي أسرع في التئام جراحك ..

إذن فهي ملائمة تماماً لكنعان الذي يكبرها قليلاً ويسبقها براعة وفطنة .

اقرأ كفه أولاً !

ومن يقرأ كف " سهام " ؟

غادة ! .. أنسيت أنها تعلمت على يديك .. ؟

ليس تماماً !

ولكن ستعرف كيف تقرأ الكف عندما يتحقق المحور الثالث ، وتفترق مع زوجها بغض النظر عن الأسباب .. !!

معك حق .

صمت كلانا لحظة ، ثم قلت فجأة :

أتعرفين ماذا أرى الآن ؟

لا . لا أعرف ..

أرى نفسي وقد هرمت ، وأرى ، ذات مرة ، "كنعان " ينصرف عن " سهام " وعيناه معلقة عليها ، في إشارة يفهمها من هو مثلي : توثقت العلاقة بينهما فصارت عشقاً !

تفاءل خيراً ، قبل أن تزحف الشيخوخة وتداهم ملامح الجسد ..

عندما تداهمه ، كل شيء يتغير ، باستثناء ما هو أصيل ، فهو يبقى حتى عندما يحتضن التراب ويصير شيئاً من الماضي .. يحتفظ ببعض ملامحه ، ثم يتحول عند لحظة من أهم عناصر المرحلة وتجديد الذات ..

وذاتك هي ذات " غادة " ، منك " كنعان " ومنها " سهام " !

أيعقل !

ولم لا ؟

وانفتح الفضاء أمام عيون العودة المتجددة المجسدة في خيال الأطفال ونماء تجربتهم المرتكزة على مباركة "الباهر" الذي ما إن رأى " كنعان " يغازل "سهام " حتى عادت روحه الخابية إلى التوهج ، فأعطى لطفولتهم معنى ومضموناً كان غائباً فيما مضى ، وأضاء طريق حياتهم على نحو مشتعل ، منشطراً ، من بقايا أعواد ثقاب وألعاب البدايات .

ولم أقل شيئاً .. فيما أخذت " إيناس" تداعب صمتي وتنسج منه الحكايات :

أتذكر عندما عاد إليك الشيخ يشكوك الأرق لما فعلته به .. ؟؟

لا ، لا أذكر ..

قال يومها : لم ينم الليل عندما ذهب إلى البيت .. تارة يضع لحيته تحت الغطاء وأخرى فوقه ، حتى أصبح الصبح دون أن تغمض له عين ..

وما هو ذنبي بذلك ؟

أنت من قال له حسبما ذكر : تذكر عندما تأوى إلى النوم كيف تكون لحيتك موضوعة ، وفي الصباح أبلغني ، هل كانت تحت الغطاء أم فوقه … لقد أمضى الليل كله متسائلاً أيهما أفضل ، تحت أم فوق ، ومحاولاً التذكر ، هل عندما يغط في النوم ستكون تحت أم فوق ، ولم ينم الليل فجاءك يشكو الأرق .. !!

تخلصتَّ يا " لينا " من عبء ثقيل حط على نفسك بعد أن لفظت الانتفاضة آخر أنفاسها .. وأيقنت أنك أنت الوحيدة المستأثرة بي في أعقاب اقتران " غادة " من رجل آخر فضلَّته عليَّ دون إخضاعه إلى مقاييس الاستقرار النهائي ونوع النسل ..

والآن بقيت أنت وأنا الوحيدان اللذان يقفان في وجه هذا العالم الذي تآمر على أحلامنا وطحن أمنيات أطفالنا في أعقاب خمود اشتعال الإطارات المطاطية وقذف زجاج السيارات بالحجارة ..

ربما تأكلين نفسك ندماً بعدما خبا اشتعالي الدائم إليك ! لقد كنت أبحث في عينيها عن لحظة توهج أنكفئ بعدها على صدرك أسمع دقات قلبك الناظم لحياتي المستقرة .. اسألي نفسك : هل لي أن أحس بثقل رأسه على نهدي الأيسر ؟ أذنه تلامس النتوء النافر ، ويدي فوق الأذن الأخرى تداعب الذؤابة وبعض خصلات الشعر القريبة منها ، ثم نبدأ بالعد سويا حتى إذا ما وصلنا إلى الثانية بعد السبعين ، رفعت رأسك ونظرت إليّ في تكرار تلبسنا دونه نشعر أن ثمة نقص أجهض الحالة كلها ، ثم تتقاطع نظراتنا في ومضة سريعة خاطفة ما تلبث أن تقولي بعدها : غداً ستسأل غادة ، هل احتضنت " لينا " الليل كله ؟ هل نامت بين ذراعيك ودفنت رأسك بين ضلوعها ؟ هل صدرها الثالج يشبه في شيء الرمال الصفراء المبللة بالندى ؟ !

إذا كنت يا "لينا " قد خبوت أعذريني ، حجم الفجيعة أصابني بالدوار ، أقعدني كسيحاً مهيض الجناح ، لا أقوى على الاشتعال ، كما كان الحال ، دون أعواد ثقاب ، أو ما ينوب عنها ، أو دون احتكاك جسدي بأي جسم طري لدن ، أو اشتمام رائحة عطر مميز لا يقل انبعاثه عن أزهار الربيع النفاذة ..

وإذا كان لي من فرصة أجدد فيها نفسي ، فلن تكون هي ذاتها التي ذهبت مع غادة مهما تماهت في الإيقاع والخواص ، ولا حتى عندما تعود بعد أن يتحقق المحوران الباقيان ، لأنه ببساطة ، تضاءلت قواي وخفت حماسي ولم أعد بنفس الحمية و الجاهزية ، و مع ذلك ، مازلت أحاول دوماً البحث عن صيغة تجدد فيّ الاشتعال حتى وإن كان أقل مما ينبغي أو أضعف مما كان ..

ربما حين تعود " غادة " ، وأرى " سهام " تحث الخطى ، تتفتح قريحتي ، وأعطي " كنعان "كل ما عندي حتى يستفيد منه وينمي ما عنده . فهي حسبما ذكرت " إيناس " مفرطة الجمال ومتزنة السلوك وعندها من الجاذبية أضعاف ما تمتعت به أُمها ، فضلاً عن الفطنة والذكاء ، فكيف ، إذن ، سيكون حالها عندما تنضج ويحين وقت قطافها ؟ إنها دون شك ستكون شغل " كنعان " الشاغل ، ولن يسمح لأحد مهما كان قريباً منها ، الوصول إليها ومغازلتها ، سينسج من خيوط أيامه حكاية عشقه معها التي ربما تستمر طويلاً ، ولكنها ستتكلل بالزواج وإنجاب الأطفال ومصاهرة المستقبل ..

وربما حين تعود " غادة " يا " لينا " أجد في عينيها ، إن تقاطعت مع عيني ، ما يحفزني على الاشتعال حتى أذيب آخر أيامي في روحك المتوهجة ، وأعوضك بالتالي عن لحظات الصمت التي كابدت فيها مختلف أصناف العذاب ، وأنت ترين إنصهاري الكامل في أتون عشقها ، دون أن تتفوهي بكلمة واحدة تفسد لحظات المتعة وخطط المستقبل ، كما لو أنك فضلت الاحتراق مثل شمعة فوق منضدة قريبة مني على أن تضيء شارعاً عاماً بعيداً لا يقع فيه نظرك عليّ وأنا في كامل هيئة الوقار و المكانة الاجتماعية التي تزيد من رصيد فعلي الانتفاضي وتمكنني من فرض سطوة الأخلاق على تلاوين المرحلة ..

وحين تعود ، لا أحد يعرف ، على أية حال ، حجم الكارثة والمدى الذي وصلت إليه ، ولكن الشيء الأكيد ، بقاء بصماتها لسنوات طويلة على مجمل نسيج حياتنا ، لدرجة يصعب معها التخلص من بقايا الخلايا المدمرة التي غزت كياننا وأحالته إلى بنية مفرغة متداعية آيلة للسقوط .. فضلاً عن أنه ينبغي صب كل الجهود من أجل تقليص حجم الخسائر قدر الإمكان واستنفار الحواس حتى نتمكن من مواجهة استحقاق طال أمده كلما زاد أعباء جديدة من الضروري أخذها بعين الاعتبار قبل التخلص مما نحن فيه ..

أعترف إليك يا "لينا " بصدق خالص ، آملاً ألاّ يجرح مشاعرك ؛ فأنت أدرى الناس بي وبوضوحي وصراحتي : إنها مازالت تسكن في قلبي رغم كل ما فعلته بي ، فهي أكبر من مجرد تاريخ حفرته في ذاكرتي ، قادرة الريح على شطبه من رزنامة الأيام كي تعيد نظم الأشياء إلى وضعها السالف . وكلما تذكرت كيف فلتت من بين يدي ، ينتابني ندم لا يقل عن الندم الذي ينتابها الآن بعد أن أدركت حجم الكارثة التي تسببت بها ، بالإضافة إلى اكتشافها خطأ الطريق الذي سارت عليه ، ولكن بعد أن تعذر عليها الرجوع إلى جادة الصواب ..

أنا واثق من أنك ستقولين : دعك منها ! لا تفكر بها ، فهي لا تستحق منك أكثر من إلقاء نظرة من فوق أكتاف المستقبل !

لا ، يا " لينا "، أنا لم أكن يوماً هكذا ، ولن أسمح بالحقد والكراهية يجرفانني نحو المجرى الذي كنت دوماً أحذر الآخرين منه ..

إذن ، فأنت مصر على أن تعذب نفسك وربما تعذبني معك لذنب لم أقترفه !

إذا كان في العذاب ما يقوَّم التجربة فلا بأس منه ..

وهل في العمر متسع لتكرارها ؟ ثم إن في هذا الأمر إصراراً واضحاً على ذبحي .

لا تقولي هذا . لا تفهمي الأمور على عكس ما هي عليه . ففي هذا السلوك تمسك غير محدود بك ، لأنه يزيدني اشتعالاً ويجعلني أكثر التصاقاً بعيونك ما بقى لي من أيام .

كيف ؟ أنت مازلت تعيش معها .. تعيش على ذكرى كانت بينكما . فيما مضى كنت أعتقد أنك زرعت روحك في شرايينها ، أما الآن ، فبت على قناعة بأنها حفرت نفسها في عقلك و لا قدرة لديك على الفكاك من أسر ضحكتها .

يا إلهي ، كيف تفهمين المسألة ؟ كل ما قصدته إنني مستعد للعذاب إذا كان فيه ما يقوَّم التجربة حتى يستفيد منها "كنعان "عندما يرتبط "بسهام ".. أفي هذا ما يذبحك ؟ !!

أرجوك ، دعنا من هذا الأمر ولا تحدثني عنه ..

لا أستطيع أن أعدك بذلك .

وامتصصت آخر شيء كنت أتوقعه بعد أن أخذت نفساً عميقاً ومعه قسطاً من الراحة .. أطبقت شفتي على الكلمات التي كان من الممكن التفوه بها كلما تداعت ذكريات غادة في عقلي، ولم أعد أذكر اسمها أمام "لينا " حتى لا تصاب بحالة من النواح قد تكون سبباً في تأزمها . فإذا كنت فيما مضى لا أقدر على فقدان إحداهما ، بل لست مستعداً عن التخلي عن واحدة منهما ، فقد غدت كل الحوافز تدفعني نحو التمسك " بلينا " بعد أن فقدت غادة ؛ لا لأنها أقل أهمية ، بل لأنني أضحيت معنياً أكثر من أي وقت مضى بالتأكيد على الاستفادة من التجربة بما ينمي خاصية تركيم المعرفة وعدم الوقوع في الأخطاء الكارثية التي من شأنها ضرب بنية الاستقرار النسبي الذي تمتعت به رغم العواصف التي هبت عليّ في مناسبات متفرقة كادت أن تعصف بالبيت والزوجة و الأولاد ..

وهدأت الرياح التي كانت تحمل في دوامتها رائحة الغاز والإطارات المطاطية المشتعلة ، وتشييع الضحايا بين حين وآخر ، وتوقفنا عن زيارة أضرحة الشهداء يومياً واكتفينا بوضع الأكاليل في المناسبات .. وبدأ خطابنا يأخذ لوناً آخر غير ما هو مألوف ، ولكن سرعان ما تم التعاطي معه بعد أن حلت الأيام الباردة بالرموز والأسماء التي لم يسمع عنها أحد من قبل ، وطافت فوق مروج المقاومة غير راكنة للسكون ، فتبوأت المواقع الأمامية وصارت أوامرها غير قابلة للقسمة على اثنين ..

ومع كل يوم ، تصفعنا الأدلة بالبدء بالحكاية من جديد .. نقف في عراء الصحراء وبردها ، حتى نتأمل المآل الأخير .. نمضغ الحسرة ونبكي على أيام خلت كان لطعم السعادة فيها مذاق لا يفسده الوهن أو ملامح ابتسامة شاحبة ركبت الموجة و تسللت إلى شفاهنا ، فصارت من توها كما الإيقاع الحزين الذي يشبه موسيقى جنائزية في موسم توقفت فيه الضحايا عن الذهاب إلى مثواها الأخير جماعياً .. وكانت النهايات قد أوشكت على ترسيم الحدود ، فتداخل الحضور بالغياب ، وغدونا لا نعرف سوى القليل مما يجري خلف الكواليس .. أخذ دورنا يتهمش شيئاً فشيئاً ومعه نفقد التأثير على الأحداث الجارية بغية إنهاء الحالة التي أفرزت مفاهيماً جديدة وجيلاً جديداً كان ومازال مستعداً لحراثة السماء وزراعتها بالغيوم الماطرة التي لها من الخصائص ما يميزها عن السحب الصيفية العابرة التي تملأ الأفق ولكنها سرعان ما تمضى تاركة مساحة الفضاء تتسع لذرات الشمس كي تحتل المكان وتحرق نمو الخلايا لتظهر تحت مسام الجلد البقع الحمراء السرطانية القادرة على تدمير عشق المكان .

انقطعت عني أخبار " غادة " عندما تزوجت رجلاً لم أره قط ، وبدا من المستحيل التعرف عليه في ظل عدم معرفة المكان الذي استقرت فيه ، والأكثر استحالة ، استبعاد تكوين فكرة كاملة عنه مادام مجهولاً للآخرين .. وتساءلت مرات لا حصر لها : لماذا أخفيت نفسك عنا ولم نسمع عنك إلاّ عندما ارتبط اسمك بغادة ؟ كيف ظهرت فجأة فاحتللت الموقع الأكثر أهمية في قلب "غادة " مما دفعها لتفضيلك عليّ وهي تعي أنك مهما بالغت في حبها لن تستطيع تقمص لحظة عشق واحدة عشناها سويا ، أسمعتها خلالها أعذب الكلمات وأرقها ، وربما تفني عمرها كله دون سماع كلمات لها من الخصوصية و التميز ما يجعلها متجانسة مع الموسيقى والإيقاع وصلة التماس بين الوتر والمشاعر ..

ولما عادت ، فجأة ، لم أكن على صله بكل صيغ الفعل المستقبلي ، ذلك أنني جئت إلى هذه الدنيا محكوماً بانتمائي فحافظت عليه وصنته من العبث والضياع ودافعت عنه سنوات طويلة ، خسرت خلالها أجمل لحظات العمر ، ولكنني ربحت شرف بقائي منتصباً تحت ظل العلم لا يشكك أحد في طبيعة العلاقة التي ربطتني "بغادة " في أكثر الأوقات خطراً. وكان حجم المفاجأة أكبر من أن أستوعبه سريعاً …

في البدء ، اعتبرته نزوة سرعان ما نصحو منها ونعود إلى صوابنا ، غير أن الأمر كان أعقد مما تصورت ، ومقدار ما أصابنا من الكارثة يصعب تصوره في الظروف العادية ، ومع ذلك ، كان لا بد من التعاطي مع ما حدث بغية الإفلات من كماشة المؤامرة التي استهدفت القضاء على طموحنا وتدمير أرواحنا بعد أن يتم تدجينها في أقفاص لا تنتج سوى أفكاراً مشوهة في أعقاب الهزائم النفسية التي من شأنها مصادرة كل أمل طموح ..

ورأيت " غادة " .. نعم ، رأيتها ، تدخل بوابة من الاستحالة بمكان المرور منها منتصبة ، ولكن ، لا أعرف لماذا أشحت وجهي عنها في تلك اللحظة بالذات ، قبل أن تتقابل عيوننا ، في وقت كنت فيه فيما مضى أنتظر مثل هذه اللحظة كي أفتح ذراعي حتى تلقي بنفسها في أحضاني مطمئنة لمستقبلها دون هاجس الخوف الذي يحط على الصدر فيحيل السعادة إلى كابوس .. مضيت دون النظر إلى الخلف ، ولم أعرف أين حطت رحالها ، ولم ينتبني شعور بوجوب البحث عنها كما كان في السابق عندما كانت تتأخر عن لقائي .. ومثل رجل عجوز في آخر أيام عمره ، يرفض التسليم بأن الوزن يساوي الحجم مضروباً بالكثافة ، تكثفت في عقلي فكرة زحفت بطيئة مثقلة بالهموم : "إذا تغيرت فأنا إذن لست ذلك الشخص الذي كان ، وإذا اختلفت عن ذي قبل فمن الواضح أنه ليس لي معارف " .. ولم أتعرف عليها إلاّ مجبراً عندما قابلتها في حضرة العديد من المعارف السابقين بعد أن مدت يدها تسلم عليّ أسوة بالآخرين ، وعلى شفتيها ظل ابتسامة حزينة .. سرت الرجفة في كياني بعد أن تلامست الأيدي ، غير أنها توقفت عندما شرعت بالحديث فقلت :

- " غادة " ، بلحمها ودمها وبذكريات السنوات الماضية ، تنتصب أمامي كما لو أنها لم تفارقنا لحظة .. في عينيها قلق مخيف ، وجسدها ناحل كما لو أنه تآكل ندماً على الفراق وتبكيت لضمير فضّل رجلاً آخر عليّ … !!

آه .. لم أكن أتوقع أن أرى هذه اللحظة !

انسلت من بين الحضور ، وهي قابضة على يدي كي أتبعها ، وعندما تنحينا جانباً ، بعيداً عن مسامع الآخرين ، نظرت في عيني وبقايا دمعة حبيسة في عينيها ممزوجة بالعتاب ، عندها ، كاد قلبي أن يخفق لولا أنها قالت قبل أن تغزو كياني موجة المشاعر التي كانت بيننا :

ألم تقل أنك ستصبحين زوجة لي بعد إنجاب الطفلة وبعد أن تفترقي عن زوجك ؟ لقد حدث كل ما قرأته في كفي دون نقصان !

وبلا وعي انطلق لساني فقلت :

كأن السنين لم تحفر أيامها على صفحة وجهك ! .. صحيح أن نحولاً ملحوظاً أصاب جسدك ، ولكن وجهك لم يصب بأذى ، حافظ على نضارته آملاً في إعادة ترميم موقفك مني ..

صمت لحظة ، ثم سألت على غير توقع :

ماذا أسميت الطفلة ؟

أنسيت ماذا سميتها عندما قرأت الكف !

إذن فهي " سهام " ..

تماماً !

نظرت في عينيها ، فإذا بنظرة خائفة على جسد هشمته الغربة تطل منهما وكأنهما تقولان : أنا أيضاً لي أسرار يحول دون الكشف عنها ، رغبة صادقة في البكاء ، لا على " سهام " التي تركتها هناك الآن ، كما تركتك هنا عندما غادرت المكان ، بل على فقدان مفتاح خزائن القلب الذي ظل مغلقاً منذ اللحظة التي تركتك فيها وذهبت ، ولا أعرف ، هل يمكن لي العثور عليه ونحن في سيرة الوجع الذي يداهمني بوحشية ، في جيوبك أو في سلسلة ذهبية تحاصر عنقك كما لو أنها بانتظار يدي كي تفك وثاقها !

نظرت إلى عينيها مجدداً ، فوجدتها تنظر إليّ ، وتقاطعت النظرات ، غير أنني هربت منها بالسؤال الذي لا أعرف كيف فاجأني :

لماذا تركت " سهام " هناك ؟

وقبل أن ترد عليّ واصلت :

ألئن " كنعان " ينتظرها ؟

وخيم الصمت زمناً لا ترقى له ذاكرتي الآن ، ولم يحطمه سوى الرذاذ المتطاير عندما اصطدمت الدموع بأزرار قميصها المورد ذي الخطوط الصفراء والسوداء الطولية الشكل .. نظرت إليها فرأيت بقايا ابتسامة مسجاة على شفتيها بانتظار إعلان حالة الوفاة ..

عندها ، طفت معها فوق أمواج المغامرة ، داعبت شفتيها وأعدت لهما الحياة ، وتذكرنا معظم الأماكن التي ترددنا عليها إبان أيام العشق الأولى .. لحظات مرت علينا مفعمة بالروح الجموحة ولكنها تفتقر الاشتعال ، فيها جففت دموعاً تساقطت فأخذت معها آخر بريق عيون عادت به إلى الوطن بعدما تركته وهو في أمس الحاجة إليها ..

وأطبق الكون على صدري ، وأنبت نفسي كثيراً ! .. ربما كنت أحمقاً عندما انسحبت من حياتها وسمحت لرجل آخر أن يحتل مكاني ! وشعرت بضيق يكاد يقضي عليّ .. ولما هممت بالذهاب ، استوقفتني قائلة :

عندما عدت إلى هنـا ، سمـعت بعض من يتحصنون بمواقف

"الباهر" يقولون : إنه أفضل من دافع عن الوطن ، وأخلصهم انتماءاً ، وأقدرهم على تحقيق النصر المطلوب ، وهو أحسن من تطوع لهذا الغرض ، وأعمق تجربة وأنقى سلوكاً .

وكان لهذا القول الموقع الحسن على مسامعي وصوغ فعلي المستقبلي !

حملت أشيائي متخفياً وراء جدار الوقت .. بدأت أنسج الحكايات المختبئة خلف سحب سوداء كثيفة منبعثة من غليون القدامى وسجائر الحاضرين .. طوعت مفردات اللغة ومضغتها ما بين الأسنان واللسان ثم بصقتها في وجه المستقبل .. علقت في الهواء وأخذت تتساقط في كل ليلة حرف ، وعند الليلة الأخيرة طار حرف " اللام" مع الريح ولم يسقط حتى هذه اللحظة .. ابتعدت عني بضع خطوات ، قلت في سري وأنا أنظر إليها : خذيني معك إلى ما وراء الطبيعة كي أرى بدايات التشكيل أو الفناء ، لا فرق بين الغرق في بحر الدموع أو بين طبقات الموج حين يعود البحر إلى هياجه ، أو نعود نحن إلى الاختفاء في سراديب الخوف الذي طال الاختباء فيها قبل أن ننفض عن أنفسنا غبار الوجع وبقايا من ذكريات أشعلت فينا حب العطاء والمغامرة ..

تقدمت إلى الأمام عدة خطوات في محاولة لاستكمال الدائرة التي بدأتها .. استدارت نحوي تنظر إليّ كأنها تعيد إنتاج تمنعها من جديد ، فبدت لوهلة عصية على الامتلاك كما كانت قبلاً .

عندها ، تقدمت نحوها خطوة فقط ، بطيئة مثقلة بالهموم لا تقوى على الاستمرار ، الأمر الذي دفعها إلى العودة مسرعة وهي تخرج من جيب معطفها قطعة قماش بيضاء مطرزة بالحناء وشقائق النعمان من أجل أن أقوى على الصمود وكأن فيها سر قوتي ، ولكني كنت قد انهرت من الداخل .. وتلقفتني بين ذراعيها قبل أن أسقط على الأرض ! .

ولما التقطت أنفاسي بين أحضانها ، سألت :

لماذا عدت بعد أن أوشكت على نسيانك ؟

أنت لم تنسني لحظة واحدة !

ولكن كدت أسقط على الأرض لولا أنك أسرعت إلى فرد ذراعيك واحتضاني .

أنا أولى بك من الأرض ..

لمَِ لم تتركيني أسقط ؟

وهل الوقت يكفينا للنهوض دائماً بعد السقوط ؟ !

لو لم تنتصب أمامي مثل العذاب ، لما أوشكت على السقوط .. !!

ولكني احتضنتك قبل أن تسقط ، ومع ذلك ، لم أجــد من

يحتضنني عندما كنت تنتصب في مخيلتي حزناً مفجعاً لا يخفف من وطأته سوى عزف سهام على أوتار اللعب فيأتي الصوت متناغماً مع نفحات الفجر وملوحة البحر ..

صمتت ، فصمت مثلها ، وكأننا ننتظر انعكاس صورة كل منا في أعين الآخر ، ثم قلت فجأة :

أتذكرين " الباهر " ؟

نعم ، أذكره ..

منذ غبتِ عن عيني بعد أن انتقلتِ إلى أحضان رجل غيري ، لم أره . فهل تعرفين أين هو الآن ؟

لا ، لا أعرف .. ولكن ، لماذا تسأل عنه في هذه اللحظة بالذات ؟

اشتقت إليه ..

لا ، ليس لهذا السبب تسأل عنه !

بالإضافة إليه ، لأنه عودني على الظهور في حياتي عندما يستعصي عليّ فهم ما يجري ..

ولكنه قريباً سيظهر .

متى ؟ !!

عندما يلتقي " كنعان " " بسهام " !

كيف ذلك ؟

حزنه على فراقنا لا يعوضه سوى لقاء الصغار ..

وأين "سهام " الآن ؟

اليوم السبت ، موعد اللقاء الأول من كل أسبوع . في اللقاء الثاني يوم الأربعاء ستكون معي . احضر "كنعان " معك كي يتقابلا ..

ذهب عقلي إلى الكلمات التي كنا نتقاذفها من شفاهنا ، يبحث بين مفرداتها عما بقيت منها صالحة لاستخدام الصغار عند لقائهم تحت ظلال الأشجار . وكانت كل شجون الماضي قد طفت على سطح اللحظة التي ما فتئت تؤكد حضورها ، فأحالت الذكريات إلى وقائع يصعب عليّ التعايش معها بعد كل هذه العواصف ..

نظرت إليها ثم قلت :

دعيني أمضي الآن ، حتى أتمكن من صياغة برنامج اللقاء ، يوم الأربعاء .

توقفنا عند محطات الجسد ، وصيغ تداعي الأفكار ، ننظم علاقة الحاضر بالماضي ونعيد تشكيل ملامح المستقبل .. " غادة " تعلم " سهام " ، فيما أنا أعلم " كنعان "،و من خلفنا لينا ترمم الأخطاء .. تنتصب أمام كل إشارة بعنفوانها المعهود وعقلها الراجح ، فيما نحن نشيخ ولا نجرؤ على النظر إلى المرآة ..

وفي اليوم التالي ، رافقت " كنعان " إلى الأماكن التي كنا نذهب إليها ، " غادة " وأنا ، وقبل أن تلامس السكين الوريد سال الدم نزفاً ..

هنا يا ولدي كان لقاؤنا الأول . وهنا وقفنا ننشد الأشعار .. هنا جلسنا نحكي الحكايات ، شربنا من مياه العيون ما يكفي وتوضأنا برمال العشق عندما حان موعد الصلاة … وهنا عند شاهد القبر تفيأنا تحت ظلال أعذب الكلمات . وبين أضرحة الشهداء كان عناقنا الأول وتلامس الشفاه بالشفاه ..

وفي البيت يا ولدي ، كانت أمك تجلي ذاكرتي من غبار الوهم .. تبني حصوني وحصونها وحصونك كي تقوى على الصمود في وجه أعاصير تندفع عندما تبدأ عجوز شمطاء نثر تعاويذها في صباح أحلامنا ..

وهناك ، في الأفق ، يا ولدي ،مات عشقنا ، " غادة " وأنا ، حيث لامست الحقيقة الوهم ، في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن يعيش .. ربما أكون ساهمت في ذلك دون رغبة بسبب سماحي لرجل آخر دخول حياتها ، أو ربما وقعت هي تحت تأثير المغريات ،وكلاهما معاً أوقعانا في الكارثة .

حافظ أنت على حبك " لسهام " حتى لا يصاب بما أصاب حبنا ! كن حذراً قدر الإمكان حتى لا تفاجأ بالرياح العاتية عند هبوبها تقتلع حصونك إن كانت قائمة على سطح المصلحة بعيدة عن جذور الانتماء .

تأخر يوم الأربعاء في المجيء هذه المرة أكثر مما ينبغي .. انتظرته بفارغ صبر وعواطف محمومة بلغت ذروتها كلما اقترب الموعد ، كأنه " أربعاء " خارج سياق الأسبوع المألوف .. ولا أعرف أيا منهما كان الشوق إليها أكثر ، غادة التي مرت عليّ فيها لحظات كاد الشوق إليها يطحن آخر أمل في رؤياها مرة أخرى ، أم " سهام " التي قيل عنها من الوصف ما يدفع نحو تنسم عبير خطواتها المقبلة قبل رؤية امتشاق قوامها الذي فتن "إيناس" ، تلك المرأة التي لا تفتتن ، قبل أن تفتن من سواها من أولئك المولعين كل دقيقة بتجديد النسل .. ولما جاءت أصابعها مشتبكة مع أصابع "غادة" ، عرفت من فوري كم سيكون " كنعان " محظوظاً . وعندما رآها ،ترك يدي في نفس اللحظة التي قلت له فيها : هاهي " سهام " ، ثم ركض نحوها في الوقت الذي رأته هي فانتزعت أصابعها وأخذت تركض باتجاهه ، وعند منتصف المسافة كانا قد تقابلا فتعانقا في لحظة أقدر بلاغة من أي وصف . !!

وتقلصت مسافة العمر في دهاليز الأيام ، اختزلها "كنعان "و "سهام " ؛ فصارت أكثر نفعاً وجدوى ويصعب محاصرتها ، مما أتاح الإفادة من كل لحظة يمران عليها بجسديهما اللدن الذي لا ينكسر عند حواف التآمر ..

وهبت الريح تكنس غبار الأيام من الأزقة .. صعد الأطفال أتون الغيم الماطر ، فيما كان الكبار يحرثون الأرض ويبذرون البذار . ولما أوشك المطر على التساقط ، وضع "الباهر" الورود على أضرحة الشهداء ، بينما رأينا ، " غادة " وأنا ، ونحن ننظر إلى القبور ونسجل الأسماء ، "كنعان " و "سهام " عند نفس الشجرة التي نمت بجوار قبر أبي عندما بارك خطواتنا في لحظة عناق لا فكاك منها .

وتساءلنا ، " غادة " وأنا ، بصوت مسموع وعيوننا معلقة ببعضها :

……………………… ؟

ولكن الإجابة لم تأت بعد ! !

صـــدر للمـــؤلف

.

1

2

3

4

5

6

7

8

10

11

12

13

14